٥٦٨ - فَذُو الْعُمُومِ: اللَّفْظُ إذْ يَسْتَغْرِقُ صَالِحَهُ مِنْ غَير حَصْرٍ يُطْلَقُ
الشرح:
هذا الفصل معقود للثاني مِن مهمات أقسام الكلام، ولإمامنا الشافعي - ﵁ - فيه البيان الشافي.
قال الإمام أحمد ﵀: (لم نكن نَعرف الخصوص والعموم حتى قَدِمَ علينا الشافعي).
وإنما أخرتُ الكلام فيه عن الأمر والنهي لتعلقهما بنفس الخطاب الشرعي، وتعلق العموم والخصوص بالمخاطَب باعتبار كمِّيته.
فَ "العموم" في اللغة: شمول أمرٍ لمتعدد، والأمرُ الشامل هو العام، لفظًا كان أو غيره، نحو: عَمَّ الخيرُ، وعَمَّ الخصْبُ.
ولهذا يقع في عبارة بعض المناطقة: العام ما لا يمنع تَصوُّره مِن الشركة فيه.
والأكثر إنما يفسرون بذلك الكُلي، وهو بمعنى العموم لغةً، وأما اصطلاحًا فسيأتي.
فَ "العام" في الاصطلاح فيه تعاريف كثيرة، المختار منها تعريف أبي الحسين وابن السمعاني وغيرهما، وهو ما أوردتُه في النَّظم: إنه اللفظ المستغرق لِمَا يَصلح له مِن غير حَصْر.
[ ٣ / ١٢٦٤ ]
وإنما عبرت بقولي: (فَذُو الْعُمُومِ) ولم أقُل: (العام)؛ لِضيق الرجز عن لفظه، فعدلتُ إلى معناه. "فذو" مبتدأ، وما بعده من التعريف خبره.
وأيضًا ففيه تنبيه على تسامح مَن قال: (العموم: اللفظ المستغرق)، كما عبر به عبد الجبار وابن برهان وغيرهما.
فَـ "اللفظ" جنس، وما بعده الخاصة، و"القول" وإنْ كان أحسن في التعبير لِكونه جنسًا قريبًا إلا أنه لَمَّا كان المراد هنا اللفظ الموضوع لمعنى؛ لأن الكلام فيه، ساغ التعبير به؛ لمساواته للقول، وكان "اللام" فيه للعهد العائد إلى ما سبق في التقسيم، وأيضًا [فقرينة] (^١) استغراقه [المدلول] (^٢) يُخرج اللفظ الذي لا يدل.
وأيضًا ففيه التعريض بأن العموم حقيقة في اللفظ دُون المعاني، وستأتي المسألة؛ وذلك لأن القول كثيرًا ما يطلق على الرأي، كقولك: "قول الشافعي"، "قول أبي حنيفة"، ولا شك أنَّ الرأي معنى.
نعم، التعبير به مُعرَّفًا باللام -وإنْ سبق أنه مما يُعاب في التعاريف لأن التعريف للماهية - فيه ما فيه، لكن لما شاع استعمال ذلك وكثر بعد التنبيه مرات عليه، اغتُفِر، لاسيما في النَّظم.
وخرج بقيد "استغراق ما يصلح له":
- المُطْلَق؛ فإنه لا يدل على أفراد فضلًا عن استغراقها.
- والنكرة في الإثبات؛ فإنها لا تَعُم على المرجَّح (كما سيأتي)، سواء أكانت بصيغة مفرد (كـ "رجل") أو جمع (كـ "رجال") أو نحوه من أسماء الجموع (كـ "قوم" و"رهط") أو عدد
_________________
(١) في (ت): بقرينة.
(٢) في (ت، س، ض، ش): للمدلول.
[ ٣ / ١٢٦٥ ]
(كَـ "خمسة")، فإنَّ دلالةَ العدد على أفراده دلالةُ كُلٍّ على أجزائه، فلا استغراق فيه.
نعم، قد يطلق على هذه الأمور أنها عامة، أَيْ على سبيل البدل، كما في نحو: ﴿تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩]، ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩]، ونحو ذلك.
ومعنى "عموم البدل" أنه يَصْدُق على كل واحد بدلًا عن الآخَر، [لا مَعَ] (^١) صِدقه عليه، بخلاف "عموم الشمول"، فإنه يَصدق على كل فرْد في حالة واحدة.
وحيثما يطلق "العموم" في الأصول والفقه وغالب العلوم فإنما يراد "عموم الشمول"، لا عموم البدل.
وهذا معنى قولي: (إذْ يَسْتَغْرِقُ صَالِحَهُ)، أي: حيث يكون مستغرقًا، أي: شأنه ذلك حتى يدخل فيه نحو: الشمس والقمر والسماء والأرض، فإن كُلًّا من ذلك عام وإنْ كان منحصرًا في الواقع في واحد أو في سبعة، وقد سبق في بعض تقسيمات "الكُلي" ما يوضح ذلك.
ومعنى قولي: (صَالِحَهُ) أي: الصالح له. فالإضافة بمعنى اللام.
ومما يدخل في مدلول الصلاحية أن كل مدلول بحسبه، كَـ"مَن" في شمول العقلاء دون غيرهم، و"ما" لغيرهم، و"أين" في عموم الأمكنة، و"متى" في عموم الأزمنة، و"كل" بحسب ما يدخل عليه كما سيأتي إيضاحه في صِيَغ العموم وإنْ كان مفردًا.
وكُل عام فاستغراقه في أفراد ما يدل عليه، فاستغراق "المفرد" في المفردات، و"الجمع" في الجموع، و"المثنى" في المثنيات، حيث كان فيها ما يقتضي العموم من "أل" أو "إضافة" أو غير ذلك.
_________________
(١) كذا في (ت، س)، لكن في سائر النسخ: ولا يمنع.
[ ٣ / ١٢٦٦ ]
وقد عُلم من تعبيري بِـ "الصالح له" دون قولي: "مدلوله" أن كونه صالحًا له إنما هو بحسب الأمر الذي اشتركت الأفراد فيه. فلو عُبربِ "المدلول"، لكان موضوعًا لكل فرد وَضْع المشترك لكل مِن مَعنييه أو معانيه، وليس ذلك مرادًا.
فالمراد بِـ "الصلاحية" أنْ يَصْدُق عليه لُغةً بهذا الاعتبار.
واستغنيت بعموم "صالحه" عن قول البيضاوي وغيره: (يستغرق جميع ما يصلح له) (^١).
نعم، اعترضه السبكي بأنَّ هذه الصيغ العامة من جملة المُعَرَّف، فأَخْذها في التعريف دَوْر، وادَّعَى أن جوابه متعذِّر.
قلتُ: قد يجاب بأنَّ كونها للعموم من باب وجود العموم فيها، لا تَصَوُّر العموم، وإنما يَلزم الدور لو توقَّف التعريف على تَصَوُّر العموم فيها كما سبق نظيره في حد "العِلم" ونحوه. إلا أن يقال: حصول العموم هنا لا بُدَّ مِن تَصوُّره؛ ليحكم بالعموم، فيرجع إلى التوقف على تصوره؛ فَجَاءَ الدور؛ لاتحاد جهة التوقف.
وقولنا: (مِنْ غَير حَصر) احتراز من اسم العدد، نحو "عشرة"، فإنها تستغرق الأفراد المركبة لكن بحصر؛ إذ دلالتها دلالة كُلٍّ على أجزائه، ودلالة العموم كُلّي على جزئياته كما سيأتي.
وبذلك صرح ابن الحاجب هنا وقال: (إنه لو لم مِحترز عنه بـ "عدم الحصر" لكان الحد غير مانع) (^٢).
نعم، في كلامه في بحث "الاستثناء" ما يخالف ذلك، وتابعه في "جمع الجوامع"،
_________________
(١) منهاج الوصول (ص ١٧٢) بتحقيقي.
(٢) مختصر منتهى السؤل والأمل في علمي الأصول والجدل (٢/ ٦٩٥).
[ ٣ / ١٢٦٧ ]
والصواب ما هنا، لكن سبق في تفسير "الاستغراق " أنه مخرج للعدد، وعلى هذا فيستغنى عن قيد "عدم الحصر".
أما لفظ "المثنى" باعتبار جزئيه ولفظ "جمع القِلة" باعتبار أقَل الجمع (وهو ثلاثة أو اثنان على الخلاف في ذلك) و"جمع الكثرة" على أحد عشر -فإنه خارج بقيد "الاستغراق"، لأن دلالةَ كُلٍّ مِن ذلك دلالةُ الكل على أجزائه، وعمومه في كل اثنين اثنين وجَمْع جَمْع عموم بَدَل، لا عموم شمول، إلا أن يقترن به ما يقتضي العموم من "أل" أو "إضافة" أو "نفي" أو "شرط" أو نحو ذلك مما سيأتي تفصيله، فيفيد عموم الشمول بما انضم إليه كما سبق.
وكل ذلك سيتضح في الكلام على صِيَغ العموم مُفصلًا -إن شاء الله تعالى- لاسيما في مسألة أن "الجمع المنكَر لا يفيد العموم".
تنبيه:
قد عُلم مِن شرح هذا التعريف ضَعف غيره مِن التعاريف.
فمِن ذلك قول الغزالي: (إنه اللفظ الواحد الدال مِن جهة واحدة على شيئين فصاعدًا) (^١). فإنه ليس بجامع ولا مانع كما أشار إليه ابن الحاجب.
أما الأول فلخروج المعدوم والمستحيل؛ لأن ذلك لا يسمى "شيئًا" على قول أهل السنة مع أن العموم قد يكون فيهما، بخلاف قولنا: (الصالح له)؛ فإنه شامل لهما.
نعم، قد يجاب عن الغزالي بأن مراده بِـ "الشيء" المعنى اللغوي الشامل للموجود والمعدوم، وكونه لا يسمى "شيئًا" إلا الموجود إنما هو في عُرف المتكلمين، إلا أن يقال: مدرك الخلاف بينهم فيه إنما هو الاستناد إلى اللغة كما يُعرف ذلك مِن أدلتهم المقررة في
_________________
(١) المستصفى (ص ٢٢٤).
[ ٣ / ١٢٦٨ ]
محلها.
قال ابن الحاجب: (ولخروج الموصولات وصلاتها؛ لأنها عامة وليست بلفظ واحد) (^١).
لكن في هذا أيضًا نظر؛ لأن الدال هو الموصول وهو مفرد، والصلات إنما هي لتبيين المراد منه؛ لتظهر الفائدة؛ ولهذا كان الإعراب إنما يُحكم به لمحل الموصول وحده.
اما الثاني: فلدخول المثنى؛ لأنه دال على مفرديه وليس بعام كما سبق، ولدخول المعهود (نحو: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ﴾ [آل عمران: ١٧٣]) والنكرة (نحو: ﴿أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]) وليس شيء منهما بعام.
ثم قال ابن الحاجب: (وقد يلتزم الغزالي هذين) (^٢).
أي: فيدعي عمومهما؛ لمطلق الشمول في المثنى والعموم البدلي في النكرة.
وهو عجيب؛ فإن المثنى لا استغراق فيه بالمعنى السابق أو لأنه فيه حصر، وشَرْطُ العموم عدم الحصر. وأما العموم البدلي في النكرات فليس هو المراد كما سبق تقريره، فكيف يلتزم ما لا يمكنه التزامه؟ ! وقد قال هو في "المستصفى": إن النكرة في الإثبات لا عموم فيها (^٣).
وذكر ابن الحاجب تعريف أبي الحسين الذي اخترناه، وزعم أنه ليس بمانع.
قال: (لأن الأعداد نحو: "عشرة" ونحو: "ضرب زيد عمرًا" يدخل كل منهما فيه) (^٤).
_________________
(١) مختصر المنتهى (٢/ ١٠٤) مع بيان المختصر.
(٢) مختصر المنتهى (٢/ ١٠٤) مع بيان المختصر.
(٣) انظر: المستصفى (١/ ٢٤٣).
(٤) مختصر المنتهى (٢/ ١٠٤) مع بيان المختصر.
[ ٣ / ١٢٦٩ ]
مع أنه لا عموم فيهما؛ ولهذا احترز عنه الغزالي في تعريفه السابق بقوله: (اللفظ الواحد) إلي آخِره.
وما قاله ممنوع.
أما الأول: فقد بيَّنا أنه يخرج بقيد الاستغراق أو بقيد عدم الحصر.
وأما الثاني: فلأن الكلام في المفرد، وأما "ضرب زيد عمرًا" فليس بمفرد.
وقد سبق تقرير أن العموم من عوارض المفرد وأقسامه، فكيف يدخل في ذلك المركَّب؟ !
والتقدير في التعريف: "العام: اللفظ المفرد" كما سبق تقريره في شرح الحد.
وأيضًا فقد سبق في تفسير "الاستغراق" أنه الدلالة على كل فرد من جهة واحدة، و"ضرب زيد عمرًا" دال من جهات متعددة، فكل كلمة دالة على معناها؛ فلا استغراق.
وأما ما اختاره ابن الحاجب في تعريفه بقوله: (ما دل على مسميات باعتبار أمر اشتركت فيه مطلقًا ضربة) (^١) فإنه سالم من أمورٍ أُوردت على ما سبق.
وقال: "مطلقًا"، ليحترز عن المعهود؛ فان د لالته بقرينة العهد.
قلتُ: وهو معنى قولي: (يُطْلقُ)، وهو مؤخر من تقديم، وهو وفاعله جملة حالية، والتقدير: العام هو اللفظ حال كونه مطلقًا -لا بقرينة- المستغرِق لِمَا يصلح له.
ويجوز أن تكون الجملة في موضع رفع؛ صفة لِلَّفظ؛ على قاعدة: "الجملة إذا وقعت بعد المعرَّف بِـ "أل" الجنسية فإن فيها الوجهين".
إلا أنَّا قد قدَّمنا أن الألف واللام ينبغي أن تكون للعهد وهو ما له معنى، لا مطلق
_________________
(١) مختصر المنتهى (٢/ ١٠٤) مع بيان المختصر.
[ ٣ / ١٢٧٠ ]
اللفظ؛ فتتعيَّن الحالية حينئذٍ.
وإنما قال ابن الحاجب: (ما دل) ولم يقُل: (اللفظ الدال)؛ لأن مختاره أنَّ العموم يكون في المعنى حقيقةً كاللفظ وإنْ كان المرجَّح خلافه كما سيأتي.
فإن قيل: لمَ لا قيدت تعريفك بأن يكون "بوضع واحد" كما قيد به البيضاوي؛ ليخرج المشترك وما لهَ حقيقة ومجاز؟ فإنه وإن كان مستغرقًا لجميع ما يصلح له لكن لا بوضع واحد.
قلتُ: إن كان اللفظ أُطلق في حالة واحدة على معنييه أو معانيه بالإرادة فذلك مجاز على المرجح كما سبق في بحث المشترك. ولو قلنا: حقيقة، ففيه الحصر، وهو خارج؛ مِن قولنا: (بلاحصر).
وإن كان إنما أطلق على أحد معنييه أو معانيه فلا استغراق، فلا يحتاج إلى هذا القيد.
ولذلك قرر الأسفراييني -شارح "البيضاوي"- أنه قيدٌ أريدَ به إدخال المشترك وما له حقيقة ومجاز، لا إخراجه ولكن حيث كان في المشترك ما يقتضي العموم، نحو: "رأيت العين أو العيون"، و"ما في الدار عين"، و"كل عين تفنى" ونحو ذلك إذا أريد بالعين حينئذٍ نوع من مدلولاتها، فإنه عام فيه بلا شك مع أنه لم يستغرق جميع ما يصلح له وهو بقية المعاني التي لم تقصد أصلًا.
فكأنه يقول: يستغرق جميع ما يصلح له استغراقًا مقيدًا بكونه بوضع واحد؛ ليخرج الاستغراق لما يصلح له بوضعين، فإنه غير معتبر، [فيُدْخِل] (^١) الصورة التي ذكرناها، ويُخرج الاستغراق الذي لم يقصد في العموم؛ وذلك لأن قيد القيد مُدْخِلٌ في الأصل ما خرج بالقيد.
_________________
(١) كذا في (ص)، لكن في (ت): تدخل.
[ ٣ / ١٢٧١ ]
فعُلِمَ بذلك أن معنى قوله وقول غيره في قيد القيد: (إنه مُدْخِل، لا مخُرج) ما ذكرناه، وإلا فالقيد إنما يكون للإخراج لا للإدخال. فَحَقَق ذلك وتجنَّب ما وقع لشارحي "المحصول" -الأصفهاني والقرافي- في ذلك مما لا ينبغي أنْ يُتشاغل به.
على أنه قد سبق أن إطلاق المشترك على معنييه أو معانيه من قبيل شمول العام لكن على الوجه الذي سبق تقريره هناك وما ذكرنا فيه من الأمور المهمة، فليراجع.
وعلى كل حال فَعَنْ ذلك كله غِنًى بقيد "استغراق ما يَصلح له" على ما قررنا أنه باعتبار أمر اشتركت فيه.
وإنما يكون ذلك بوضع واحد، فإن بقية المعاني التي هي بوضع آخَر ليست بواسطة أمر اشتركت فيه، بل هي مغايرة.
فإن قيل: كيف يفسر "العام" بِ "المستغرق" وهُما مترادفان، فيكون هذا من التعريف اللفظي، لا الحقيقي ولا الرسمي؟
قيل: لا نُسَلم الترادف لغةً، وبتقدير التسليم فالعموم الاصطلاحي ليس هو عَيْن المستغرق لغةً، فالأول بالاصطلاح، والثاني باللغة؛ فلا تَرادف.
وهذا الجواب ينفع في كثير من حدود يُورَد عليها مِثل ذلك، والله أعلم.
ص:
٥٦٩ - وَنَادِرًا يَحْوِي وَمَا لَمْ يُقْصَدِ وَيُوصَفُ الْمَعْنَى بِهِ كَـ "الرَّشَدِ
٥٧٠ - يَعُمُّنَا وَالْخِصْبُ أَيْضا وَالْمَطَرْ" لَكِنْ مَجَازًا بِالْأَعَمِّ يُدَّكرْ
الشرح:
لما عَرَّفتُ العام بأنه: "اللفظ المستغرق لما يصلح له" إلى آخِره، ذكرت هنا ما فيه خلاف
[ ٣ / ١٢٧٢ ]
في دخوله، وما يكون إطلاق العموم فيه حقيقة ومجازًا، وما وقع في اصطلاحهم من العبارة في عام وأعم. فهذه ثلاثة أمور اشتمل عليها البيتان.
الأول فيه مسألتان:
إحداهما: هل يحكَم بدخول الصورة النادرة تحت اللفظ العام؛ لشموله إياها لغةً؟ أو لا؛ لخروجها باستبعاد قَصْدِها؟
والخلاف في هذه المسألة مذكور في الفقه مُفرَّع عليه مسائل سيأتي ذكر شيءٍ منها.
وزعم ابن السبكي أن الشيخ أبا إسحاق ذكر الخلاف فيها في الأصول.
قال شيخنا بدر الدين في "شرح جمع الجوامع": (ولم أجده في كُتبه، وإنما يوجد في كلام الأصوليين اضطراب فيه يمكن أن يؤخذ منه الخلاف، وكذا في كلام الفقهاء؛ ولهذا اختلفوا في المسابقة على الفيل على وجهين:
أصحهما: نعم، لقوله - ﷺ -: "لا سبق إلا في خُفٍّ أو حافِر" (^١).
والثاني: لا؛ لأنه نادر عند المخاطَبين بالحديث، ولم يُرَد باللفظ) (^٢).
وذكروا في المتمتع العادم للهدي أنه يصوم الأيام في الحج قبل عرفة، فلو أخَّر طواف الزيارة عن أيام التشريق وصامها، لا يكون أداء وإنْ بقي الطواف؛ لأن تأخُّره عن أيام التشريق مما يَبعد وَيندر؛ فلا يدخل في قوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]، بل هو محمول على الغالب المعتاد.
_________________
(١) سنن ابن ماجه (رقم: ٢٨٧٨)، سنن النسائي (رقم: ٣٥٨٩). قال الألباني: صحيح. (صحيح النسائي: ٣٥٩١).
(٢) انتهى كلام الزركشي في تشنيف المسامع (١/ ٣٢٤).
[ ٣ / ١٢٧٣ ]
قال الرافعي: كذا حكاه الإمام وغيره. وفي "التهذيب" حكاية وَجْه بخلافه.
وقال الغزالي في "البسيط": (لو أوصى بعبد أو برأس من رقيقه، جاز دفع الخنثى. وذكر صاحب "التقريب" وجهًا أنه لا يُجزئ؛ لأنه نادر لا يخطر بالبال. وهو بعيد؛ لأن العموم يتناوله). انتهى
فهذا ترجيح لدخول النادر؛ لكن الشافعي نص على عدم الدخول، وبه قطع إمام الحرمين في "العُمَد" كما حكاه عنه ابن العربي في "القَبس".
وفي "المطلب" في باب المسابقة أنَّ مَحط كلام الإمام والغزالي على أنه إنما يدخل في العام ما يخطر لِلَّافظ به حين النطق به، وهذا إنما يعتبر في قوله ﵊ إذا قُلنا: إن جميع ما يقوله لا يكون إلا بوحي. أما إذا قلنا: يكون باجتهاد، فلا يظهر اعتباره؛ لأن موجبه عام لجميع الجزئيات.
ولكن جوابه ما سيأتي.
وحكى الرافعي عن الإمام في مهايأة المبعض: هل يدخل فيها النادر من هبة أو وصية إذا لم يصرحا في المهايأة بإدراج الاكساب النادرة؟: (أنها تكون على الخلاف فيما إذا عمت الهبات والوصايا في قطر أنها تدخل لا محالة كالأكساب العامة، أو هي على الخلاف؛ لأن الغالب فيها الندور) (^١). انتهى
وفي "الأوسط" لابن برهان أن اللفظ العام لا ينزل على النادر؛ لأنَّا نقطع بكونها غير مقصودة لصاحب الشرع؛ لعدم خطورها بالبال.
قال: وبنى على هذا أصحابنا كثيرًا من المسائل، منها: أنهم أبطلوا حمل أبي حنيفة "لا
_________________
(١) العزيز شرح الوجيز (٥/ ١٤٨).
[ ٣ / ١٢٧٤ ]
نكاح إلا بولي" (^١) على المكاتمة، وقالوا: المكاتبة نادرة من نادر؛ لأن الأصل في النساء الحرائر، والإماء نادر، والمكاتب منهن نادر.
ويؤخَذ من تفصيل إلْكِيَا (في تخصيص العام بين أن يتقدم عهد كـ "أكرِم مَن دخل داري" ثم يقول: "أردت مَن تَقدم ذِكره مِن أخِصَّائي"، فيجوز؟ أو لا؟ فقيل: يجوز. وقيل: لا يجوز) أنَّ هذا التفصيل يجيء هنا؛ لأن التخصيص فرع الدخول في العام.
واعلم أن بعض المتأخرين استشكل إطلاق الخلاف في هذه المسألة، وقال: لا يبين لي في كلام الله تعالى؛ لأنه لا يخفى عليه خافية، فكيف يقال: لا يخطر بالبال؟ ! ونحوه ما سبق من كلام "المطلب".
وأجيب بأن المراد إجراء ذلك على ما يُعْهَد في كلام العرب مِن خطورِه بالبال؛ لأن كلام الله ﷿ جارٍ على أسلوب كلام العرب في مخاطبتها وإنْ كان فيها ما هو محُال في حقه كما في نسبة الغضب والقرب والبعد ونحو ذلك إليه تعالى.
وكذلك الاستثناء مثلًا، فإنه إنما دخل لِمَا لَعلَّه يُنسى، فيستدرك إخراجه، وهذا ظاهر كثير لمن تتبَّعه.
تنبيه: ينبغي تقييد المسألة:
- بأنْ لا يدوم ذلك النادر؛ فإنَّ النادر الدائم كالعام كما قرروه في "باب التيمم" وغيره.
- وبأنْ لا يساعده المعنى، فإنْ ساعده مع عدم ظهور اندراجه في اللفظ، فلم يتعرضوا له، فقيل: يحتمل أن يقال: يدخل قطعًا، وأن يقال: يجري فيه خلاف من الخلاف في بيع الأب مال ولده من نفسه وعكسه: هل يثبت فيه خيار المجلس؟ وجهان:
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ٣ / ١٢٧٥ ]
أحدهما: لا، فإن ثبوته للمتبايعين يقتضي التعدد، فعند الاتحاد لا يدخل.
والثاني: نعم؟ لأن المعنى في ثبوته موجود، وذِكر "المتبايعين" في لفظ الشارع لِكَوْنه الغالب المعتاد.
كذا وجهه الإمام في "النهاية".
المسألة الثانية:
إذا كان لفظ العام يَصدق على صورة يغلب على الظن أن المتكلم لم يقصدها لقيام قرينة على ذلك، هل تكون داخلة؛ لأن اللفظ يشملها؟ أَم لا تدخل؟ لاقتضاء القرينة عدم دخولها؟ فيه خلاف حكاه القاضي عبد الوهاب في "الملخص". ونقل [الأول] (^١) عن أكثر متأخري أصحابهم، والثاني عن متقدمي أصحابهم وعن القفال من أصحابنا.
وذلك مثل قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] الآية، هل يستدل به على إباحة أكل نوع مختلَف في جواز أكله أو شربه أو جماع مختلَف في [حِلِّه] (^٢)؛ عملًا بظاهر اللفظ؟ أوْ لا؛ لأنها مسوقة لبيان وقت الأكل وغيره مما ذكروا أنه يجوز بعد النوم نَسخًا لِمَا كان مِن التحريم لهما بعد النوم؟
ونحوه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤]، الآية، هل يستدل به على نوع مختلَف في وجوب الزكاة فيه؟
وكذا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥]، هل يستدل به على تحريم الجمع بين الأختين بملك اليمين؟
_________________
(١) كذا في (ص، ش، ق)، لكن في (ض): الامام. وفي (ت، س): الامام الاول.
(٢) كذا في (ص، ق)، لكن في (س): حكمه.
[ ٣ / ١٢٧٦ ]
ومن ذلك أيضًا ما سيأتي في العام بمعنى المدح والذم: هل يبقى على عمومه؟
وأشباه ذلك.
والأصح المختار: الدخول، وهو ما يقتضيه كلام أصحابنا في تفاريع الفقه.
ومنه يؤخذ حكاية الخلاف في المسألة، ففي "البسيط" -لما حكى الخلاف في التوكيل بشراء عبد وأطلق فاشترى من يعتق على الموكل- قال: ومثار الخلاف التعلق بالعموم أو الالتفات إلى المقصود.
ومن ذلك: ما يقع في ألفاظ الواقفين مما يكون فيه صورة يظهر أن الواقف لم يقصدها، الصحيح الدخول؛ لدلالة اللفظ، وعدم انضباط القصد وفقده.
نعم، الحنابلة يميلون إلى عدم الدخول، ويبنون عليه أصولًا عظيمة في "باب الوقف"، ومذهبنا خلاف ذلك؛ ولهذا استنبط ابن الرفعة من كلام الغزالي في "الفتاوى" أن مقاصد الواقفين تعتبر، فيُعَمم بها الخصوص ويُخصص بها العموم.
وليس المراد أن المقصود إخراج ما قد دخل، والفرق ظاهر بين عدم قصد الشيء وبين قصد خروجه، فغير المقصود يدخل لفظًا وحُكمًا، والمقصود إخراجه وإنْ دخل لفظًا لكن لا يدخل حُكمًا قطعًا؛ لأنه تخصيص، والتخصيص إخراج من الحكم، لا من المدلول.
نعم، لا يحكم بأنه مقصود إخراجه إلا بدليل، بخلاف غير المقصود فإنه لا يُعلم هل قصد خروجه؟ أو لا؟ والقرينة إنما بعَّدت أن يكون داخلًا، لا أنها صريحة في عدم دخوله.
ومن هذا نشأ الخلاف في أن المتكلم هل يدخل في عموم كلامه؟ وسبق بيانه في الأمر والنهي وأن المرجَّح دخوله في غيرهما، وسيأتي في المسألة مزيد بيان.
فإن قلت: ظاهر كلام الشافعي أن غير المقصود لا يدخل؛ ولهذا منع الزكاة في الحُلِىِّ؛ تمسكًا بآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ﴾؛ لأن قرينة الذم أخرجته عن العموم.
[ ٣ / ١٢٧٧ ]
قلتُ: قد يمنع أن اعتماده على هذا المدرك وحده في ذلك، بل بقرينة أخرى اقتضته سيأتي بيانها في محلها من باب العموم.
وفي كلام إمام الحرمين وإلْكِيَا قاعدة في ذلك زادها ابن دقيق العيد وضوحًا:
أنَّ لفظ العام إما أن يظهر فيه قصد العموم مطلقًا بقرينة حالية أو مقالية، فيدخل قطعًا. وإما أن لا يظهر قصد العموم في شيء وأنه بمعزل عن قصد شيء آخر، فلا يدخل. هذا على المرجح.
ومثَّله ابن دقيق العيد بحديث: "فيما سقت السماء العشر" (^١) هل يدخل القليل والكثير كما زعمت الحنفية؟ أوْ لا؛ لأن المقصود بيان القدر الواجب إخراجه، لا المخرج منه؟ وهذا إنما بُين في حديث: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" (^٢).
قال: (والتحقيق عندي أنَّ دلالة لفظ العام فيه أضعف مِن دلالة المقصود، ومراتب الضعف متفاوتة، فأما أنْ لا يظهر فيه شيء مما سبق فيحتمل الأمرين، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١] هل يستدل به على منع شراء الكافر العبد المسلم ونحوه؟).
تنبيه:
يأتي في هذه المسألة ما سبق في التي قبلها من كونه هل يختص بلفظ غير الشارع من حيث التعليل بعدم خطوره في البال؟ أو لا يختص؟ ويجاب بما سبق.
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) صحيح البخاري (رقم: ١٣٧٨)، صحيح مسلم (رقم: ٩٧٩).
[ ٣ / ١٢٧٨ ]
نعم، قد يتوهم اتحاد المسألتين؛ لأن النادر هو غير المقصود، وليس كذلك.
فالفرق أن المقصود قد يكون نادرًا وقد لا يكون، والنادر قد يُقصد وقد لا يُقصد، فَرُب صورة تتوفر القرائن على أنها لم تُقصد وإن لم تكن نادرة، ورُب صورة تدل القرائن على أنها مقصودة وإنْ كانت نادرة.
الأمر الثاني: في محل العموم:
فأما كونه من عوارض اللفظ حقيقة فلا خلاف فيه. يقال: "هذا لفظ عام"، كما يقال: "لفظ خاص".
قال في "البديع": بمعنى وقوع الشركة في المفهوم، لا بمعنى الشركة في اللفظ.
يريد بذلك أنه ليس المراد بوصف اللفظ بالعموم وصفه به مجردًا عن المعنى، فإن ذلك لا وجه له، بل المراد وصفه به باعتبار معناه.
فمعنى كون اللفظ عامًّا حقيقة أنه يصح أن يشترك في مفهومه كثيرون، لا أن يكون مشتركًا بالاشتراك اللفظي كالقرء للطهر والحيض لكونه وُضع لكل منهما.
وحاصله أن مدلوله معنى واحد مشترك بين الجزئيات المشخَّصة، بخلاف المشترك، فإنه وُضع لكل معنى على حدته مشخصًا.
وترتب على ذلك أن عموم الكلام النفسي هو بهذا الاعتبار؛ لأن اللفظ الدال عليه يقال فيه ذلك.
ولهذا قال الأبياري في قول الغزالي: (إن العموم والخصوص من عوارض الألفاظ):
(لا يُظَن به إنكار كلام النفس وإلا لما كان في الاحتياج إلى الصِّيَغ ذكر معرفة وضع اللغة فيها). انتهى
واعلم أن إطلاق كون العموم في اللفظ كما عبرت بذلك في تعريف العام بقولي: (اللَّفْظُ
[ ٣ / ١٢٧٩ ]
إذْ يَسْتَغْرِقُ) يدل على دخوله في المجاز كما يدخل في الحقيقة.
قاله الأكثرون، خلافًا لبعض الحنفية.
لنا: أنَّ أئمة اللغة وغيرهم لا يزالون يقولون في المحلَّى بِـ "أل" و"المضاف" و"النكرة في سياق النفي" ونحوه: إنَّ ذلك للعموم، مِن غير أن يُقَيِّدوا بكون ذلك في الحقيقة، بل للأعم من الحقيقة والمجاز.
وفي الحديث: "الطواف بالبيت صلاة، إلا أنَّ الله أَحَلَّ فيه الكلام" (^١). والاستثناء معيار العموم، وقد استثنى منه وهو مجاز.
قلتُ: فيه نظر؛ لأن "صلاة" خبر عن الطواف، وهو نكرة؛ لأنها في إثبات، والاستثناء إنما هو في بعض أحكامها، إذِ التقدير: كالصلاة إلا في حل الكلام فيه، أي: في الطواف، فإنه ليس كالصلاة.
واستدل المانع بأن المجاز على خلاف الأصل؛ فيقتصر منه على قَدْر الضرورة، فلا يدخله عموم.
وجوابه: منع أن المجاز للضرورة، حتى إنَّ قومًا قالوا: إنه غالب على اللغات وإنْ سبق أن ذلك إنما هو في نوع منه غَيْر لفظ وهو المُقْتَضَى، فجرى فيه الخلاف لذلك.
ووقع في "منع الموانع" (^٢) لابن السبكي أن هذه المسألة هي مسألة "جريان العموم في المجاز". وليس كذلك كما بيناه، فهو وهْم.
هذا ما يتعلق بالعموم في الألفاظ.
_________________
(١) المستدرك على الصحيحين (رقم: ١٦٨٦)، صحيح ابن حبان (٣٨٣٦)، وغيرهما بنحوه. قال الألباني: صحيح. (التعليقات الحسان: ٣٨٢٥).
(٢) منع الموانع (ص ٥٠٨).
[ ٣ / ١٢٨٠ ]
وأما كونه من عوارض المعاني أيضًا -أي: المستقلة التي ليست هي من مدلولات اللفظ المحكوم بأنه عام- فإن هذا قد تَقدم بيان تقرير العموم فيه، بخلاف ما نحن فيه وهو المعنى من حيث هو، وفيه مذاهب:
أحدها: أن العموم لا يكون في المعاني، لا حقيقة ولا مجازًا. حكاه ابن الحاجب وغيره.
ثانيها: أنه يكون في المعاني حقيقة كما يكون في الألفاظ، فيكون العموم موضوعًا للقَدْر المشترك بينهما بالتواطؤ على الأصح.
وقيل: موضوع لكل منهما حقيقة، فهو مشترك لفظي.
وممن قال بأنه حقيقة في المعاني كالألفاظ: أبو بكر الرازي من الحنفية، وحكاه عن مذهبهم، واختاره ابن الحاجب.
فيقال: عَمَّ المطرُ والخصبُ الناسَ، وعمهم العطاءُ، ونحو ذلك كله حقيقة.
والمذهب الثالث (وهو المختار وقول الأكثرين): أنه يكون من عوارض المعاني كما مثَّلنا، وأشرت إلى ذلك في النظم بقولي:
("الرَّشَد يَعُمُّنَا وَالْخِصْبُ وَالْمَطَرْ" لَكِنْ مَجَازًا) لا حقيقة.
ونقله مع الذي قبله الشيخ أبو إسحاق وجهين لأصحابنا وأنَّ الأكثرين على أنه مجاز، وكذا صححه إلْكِيَا وابن برهان.
ونقله عبد الوهاب في "الإفادة" عن الجمهور، واختاره الآمدي وغيره، وحملوا إطلادق عموم المطر والخصب ونحو ذلك على المجاز؛ لأن العام أمر واحد شامل لمتعدد، وعموم هذه ليس من ذلك؛ لأن الموجودَ [منها] (^١) في محلٍّ غيرُ الموجود منها في المحل الآخَر، فليس
_________________
(١) كذا في (ص، ق)، لكن في (س): هنا.
[ ٣ / ١٢٨١ ]
بين المطر الواقع في ذلك المكان والعطاء المتصل بزيد نِسبة بالواقع بهذا المكان والعطاء المتصل بعمرو.
وأما جواب ابن الحاجب (^١) عن ذلك بأن "اشتراط الوحدة في العموم ليس من اللغة بل المدار فيها على الشمول، سواء أكان هناك أمر واحد أَم لا" ففيه نظر؛ فإنه إذا لم يكن هناك وحدة، فهي أمور متعددة، فأين العموم حقيقةً؟ !
وأما قوله: (إن نحو: "عموم الصوت" متحد، وكذا الأمر والنهي اللذان هما الطلب النفساني، والمعاني الكلية) (^٢) كالحيوان فقد يجاب عنه بأن:
- العام في الصوت إنما هو سماع الصوت من السامعين، وهو من المتعدد المحل كما سبق، وإلا لزم أن يكون ذات الشمس أو القمر عامًّا؛ لأن كل واحد يراهما. أما نفس الصوت فلا عموم فيه.
- وأما الأمر والنهي النفسانيان فقد سبق في صدر المسألة بيان المراد بذلك وتقريره من كلام الأبياري شارح "المستصفى".
- وأما المعاني الكلية فسنوضح ذلك فيها في تقرير المذهب الذي بعد هذا (وهو المذهب الرابع) بالتفصيل بين المعاني الخارجية والذهنية، ففي الذهنية حقيقة، وفي الخارجية مجاز.
وقال الصفي الهندي: (إن هذا هو الحق، فتعدد الخارجي بتعدد محاله، بخلاف المعاني الكلية الذهنية، فإنها عامة بمعنى أنها معنى واحد متناول لأمورٍ كثيرة) (^٣).
ولأن الخارجية ليس العموم فيها على سبيل الاستغراق الذي لا يتحقق العام إلا به كما
_________________
(١) مختصر منتهى السؤل والأمل في علمي الأصول والجدل (٢/ ٦٩٨). الناشر: دار ابن حزم.
(٢) مختصر منتهى السؤل والأمل (٢/ ٦٩٨). الناشر: دار ابن حزم.
(٣) نهاية الوصول في دراية الأصول (٣/ ١٢٣١).
[ ٣ / ١٢٨٢ ]
سبق في تعريفه.
وقد حُكي في المسألة مذاهب أخرى ضعيفة.
منها: أنه حقيقة في المعاني دون الألفاظ. وهو أَبْعَدها، فإنْ ثبت فهو قادح في حكاية كثير الاتفاق على أنه حقيقة في اللفظ كما سبق.
ومنها: أنه مجاز في الألفاظ والمعاني معًا، وعموم اللفظ إنما هو بحسب الاصطلاح فقط. يخرج ذلك من قول الصفي الهندي في "الرسالة السيفية": (إن العموم من عوارض الألفاظ خاصة بحسب الاصطلاح إجماعًا، وكذا في اللغة على المختار، وقيل: من عوارض المعنى). انتهى
ومنها: أن المعنى الكلي يوصف بالعموم، بخلاف الجزئي.
ومنها: القول بالوقف. وعُزي للآمدي؛ وذلك لتعارض الأدلة من الجانبين وتكافُؤهما. وغير ذلك مما لا نُطَول به.
تنبيهان
الأول: مما يتفرع على الخلاف في هذه المسألة مسألة: المفهوم هل له عموم؟ أم لا؟ وكذا مسألة عموم المقتفَى في نحو: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، حتى يَعم الأكل واللبس والبيع وسائر الانتفاعات بها وإنْ لم يكن لهذه الأحكام ذِكر، وسيأتي بيان ذلك في محله.
ومنها: أن العقل هل يكون مُخَصِّصّا؟
ومنها: أن سكوت النبي - ﷺ - هل يكون عامًّا؟
وغير ذلك.
[ ٣ / ١٢٨٣ ]
الثاني: أن هذا الخلاف يجري في الخصوص هل يوصف به اللفظ أو المعنى حقيقةً؟ أو مجازًا؟
وعبارة "المقترح" في ذلك: (القائلون بأن "العام والخاص من عوارض الألفاظ" اختلفوا على مذهبين) إلى آخِر ما ذكره.
الأمر الثالث:
يقال في المعنى: (أعم)، وفي اللفظ: (عام).
وهو معنى قولي: (بِالْأَعَمِّ يُدَّكَرْ). أي: يُعبر عن عموم المعنى بهذا اللفظ، ويذكر في وَصفه ذلك، فيقال: هذا أَعَم.
قال القرافي: (اصطلحوا على أن المعنى يقال له: "أَعَم" و"أَخَص"، واللفظ يقال له: "عام" و"خاص"، لأن "أَعَم" أَفْعل تفضيل، والمعاني أفضل من الألفاظ) (^١). انتهى
ولا يخفَى ما فيه من نظر، بل إطلاق الناس يخالف هذا الاصطلاح.، فيقولون فيها: (عام) و(خاص) كالألفاظ.
تنبيه:
الأخص يندرج تحت الأعم، ويقع في عبارة بعضهم: إن الأعم يندرج تحت الأخص. كما عبر به "المقترح".
ووجْه الجمع أنَّ الأول في اللفظ، فإن الحيوان صادق على الإنسان وغيره، بخلاف العكس.
والثاني في المعنى، فيقال فيه: إنَّ الإنسان لا بُدَّ فيه من الحيوانية. فصار الأعم مندرجًا في
_________________
(١) نفائس الأصول في شرح المحصول (٢/ ٤٢٢).
[ ٣ / ١٢٨٤ ]
الأخص، وهي الحيوانية في الإنسانية بمعنى الاستلزام. والله أعلم.
ص:
٥٧١ - مَدْلُولُهُ كُلمة، أَيْ يُحْكَمُ فِيهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ إذْ تَحْكُمُ
٥٧٢ - لَاكُلٌّ الْمُخْتَصُّ بِالْمَجْمُوعِ وَاحِدُ ذَا جُزْءٌ، وَبِالْمَرْفُوعِ
٥٧٣ - يَرْتَفِعُ الْكُلُّ، خِلَافَ الْكُلِّي وَالْمُفْرَدُ الْجُزْئِيُّ مِنْ ذَا الْأَصْلِ
الشرح:
لَمَّا فرغتُ مِن تعريف "العام" وبيان أن محله الحقيقي اللفظ باعتبار عموم معناه، وكان فائدة ذلك أنه إذا حُكم على العام بحكم نفيًا أو إثباتًا، يكون ذلك الحكم عامًّا على كل فرد فرد حتى يستغرق، نحو: كل رجل يشبعه رغيفان. فيكون مدلوله حين الحكم عليه كُلية؛ لأن المراد حينئذٍ أنه صار قضية كُلية، كما أن الحكم على البعض قضية جزئية، وذلك معنى "القضية المسورة" عند المناطقة، حيث يقسمون ما له سور كُل أو بعض إلى: موجبة كُلية وجزئية، وسالبة كُلية وجزئية.
فالمعنى في القضية أنه قُضي وحُكم فيها بشيء على شيء، فعيلة بمعنى: مفعولة، وإنْ تركت الصلة لكثرة الاستعمال.
وفي كونها كُلية أن الحكم على كل فرد مما دخل تحت الموضوع، نحو: كل إنسان حيوان.
والجزئية: الحكم على البعض، نحو: بعض الحيوان إنسان.
وفي السلب: لا شيء من الإنسان بحَجر، بعض الإنسان ليس بحَجر.
فقولي: (إذْ تَحْكُمُ) هو بالتاء المثناة من فوق أو بالنون مبنيًّا للفاعل؛ ليباين قولي أولًا: (أيْ يُحْكَمُ) فإنه بالمثناة تحت مضمومة مبني للمفعول.
[ ٣ / ١٢٨٥ ]
والمراد الإشارة إلى أن مدلول العام كلية عند الحكم عليه لا من حيث هو؛ لأن مدلوله من حيث هو "المعنى المستغرق" كما سبق في تعريفه، وهو من قبيل التصور، لا الحكم عليه؟ فإنه من قبيل التصديق.
وهذا معنى إطلاق مَن يطلق أنَّ مدلول العام كلية، فإنما مراده عند الحكم، لا مِن حيث التصور.
وقولي: (لَا كُلٌّ الْمُخْتَصُّ بِالْمَجْمُوعِ) إلى آخِره -أي: ليس مدلول العام حين الحكم عليه كُلًّا المجموعي، أي: الدال على أفراد مجتمعة، كالعشرة، ومقابِل هذا: "الجزء" (^١)، نحو "الخمسة" منها، فنحو: "كل رجل يرفع الصخرة" من الكل المجموعي؛ إذ المراد فيه المجموع، لا كل فرد.
وليس المراد أيضًا -بالحكم في العام- الكُلي، وهو كما سبق: ما لا يمنع تَصوره من وقوع الشركة فيه. وربما يقال: ما يشترك في مفهومه كثيرون.
فليس مدلول العام -عند الحكم- الحكم على الكُلي؛ لأن الحكم على الكلي حكم على القَدْر المشترك بين الجزئيات، لا على كل جزئي جزئي حتى يستغرقها، كما تقول المناطقة في القضية التي هي غير محصورة ويقسمونها قسمين:
مهملة: وهي ما قصد فيها الحكم على الأفراد من غير تَعرُّض لكُلها ولا بعضها. نحو: الإنسان كاتب بالقوة.
و[طبيعية] (^٢): وهي الحكم على ذلك القدر المشترك من غير نظر إلى المشخَّصات. نحو: الإنسان حيوان ناطق. فهو وإن كان فيه عموم لكنه ليس استغراقيًّا، بل بدلي، مِن قبيل
_________________
(١) يعني: مصطلح "الكل" يقابله مصطلح "الجزء"، كالخمسة جزء من العشرة.
(٢) في (س، ض): طبيعته.
[ ٣ / ١٢٨٦ ]
المطلق.
فحصل الفرق بين الحقائق الستة: الكُل، والجزء، والكُلي، والجزئي، والكُلية، والجزئية. وأنها الحكم على كل فرد أو بعض الأفراد، نحو: "بعض الإنسان كاتب"، ومعنى الحكم على كل منها إذا حكم.
وعرف أن العام في الحكم كُلية، لا كُلي في الحكم، ولا كُل في الحكم.
وممن تَعرَّض للفرق بين هذه الحقائق: شارحا "المحصول" -الأصفهاني والقرافي- وقد علمت مأخذهما من علم المنطق واصطلاح أهله.
وقولي: (وَبِالْمَرْفُوعِ يَرْتَفِعُ الْكُلُّ) إشارة إلى ما يتميز به "الكل المجموعي" عن "الكلي" مِن أنَّ الجزء مِن الكل إذا ارتفع، ارتفع الكل، كالواحد مِن العشرة. وأنَّ الجزئي مِن الكلي إذا ارتفع، لا يرتفع الكلي، فإنك إذا قلت: (هذا المتحرك ليس بإنسان)، فلا يلزم ارتفاع الحيوان عنه.
وعُلِم مِن هذا أنَّ الكُلي يَصْدق على كل مِن جزئياته، بخلاف العكس، وأن الجزء مِن الكل لا يَصْدقُ عليه اسم الكل، ولا العكس.
ومن هذا يُعلم جواب سؤال القرافي المشهور: أنَّ دلالة العام على الواحد مِن أفراده خارجة عن الدلالات الثلاث: المطابقة والتضمن والالتزام، فيلزم فساد الانحصار فيها أو عدم دلالة العام على فرد مِن أفراده، وكلاهما باطل.
وسبق هذا السؤال في مباحث اللغة وجوابه، ونزيده هنا بيانًا، فنقول:
قال القرافي: (دلالة المشركين على الواحد منهم -كـ "زيد المشرك" مثلًا- لا يمكن أن تكون بالمطابقة؛ لأنه ليس تمام مُسمَّى المشركين، ولا بالالتزام؛ لأنه ليس خارجًا، ولا
[ ٣ / ١٢٨٧ ]
بالتضمن، لأنه ليس جزء المسمَّى، إذِ الجزء يقابل الكل، والعموم كُلية، لا كُل) (^١). انتهى
وقد أجاب الأصفهاني عن ذلك بما حاصله: أنه دالٌّ بالمطابقة، قال: (لأنَّ تلك إنما هي في دلالة المفرد حيث لا حُكم، وأما عند الحكم فنحو: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] متضمن لقضايا كثيرة، كأنه قيل: "اقتل زيدًا المشرك وفلانًا المشرك" وهكذا إلى آخِره، وكل واحد مطابقة) (^٢).
وأوضح مِن هذا ما أشرتُ إليه في الكلام على الدلالة أنْ يُقال: "الفرد المشخَّص مِن أفراد العام" لفظ العام دل عليه بالمطابقة من حيث المعنى المشترك فيه وإنْ كان لا يدل عليه من حيث خصوصه، فإن ذاك أمرٌ خارجي عن دلالة المتواطئ على جزئيات الكلي، فالاستدلال بالعام على المشخَّص من أفراده من هذه الحيثية، لا من حيث تشخيصه، وهو ظاهر، والله أعلم.
ص:
٥٧٤ - ثُمَّ دِلَالَة لَهُ قَطْعِيَّهْ في أَصْلِ مَعْنًى، وَلنَا ظنِّيَّهْ
٥٧٥ - في كُلِّ جُزْئِيٍّ، وَذُو التَّعْمِيمِ [مِنْ لَازِمِ] (^٣) الْأَشْخَاصِ لِلْعُمُومِ
٥٧٦ - في سَائِرِ الْأَحْوَالِ وَالْأَزْمَانِ وَبُقَعٍ، لَا مُطْلَقُ الْمَعَانِي
الشرح:
قد عُلم مما قررناه أنَّ لفظَ العامِ له دلالتان:
_________________
(١) شرح تنقيح الفصول (ص ٢٦).
(٢) الكاشف عن المحصول (٤/ ٢١٣ - ٢١٤).
(٣) كذا في (ص، ن ٣، ن ٤). لكن في (ض، س): ولازم. وفي (ن ١، ن ٢): في جملة. وفي (ق، ن ٥): فِى لازم.
[ ٣ / ١٢٨٨ ]
- دلالة على المعني الذي اشتركت فيه أفراده، وهي التي بيَّنا أنَّ الحكم فيها على الكلي، وليس للعام بها اختصاص، فإنها تتعلق بِـ"الكُلي" سواء أكان فيه عموم أو لا.
- ودلالة على كل فرد من أفراده [بالخصوص] (^١)، وهي التي لها خصوصية بالعام، ويُعبر عنها بِـ "الكُلية"، وعليها السؤال السابق وجوابه.
وحينئذٍ فيبقى النظر في أن الدلالتين قطعيتان أو لا.
أما الأُولى: فقطعية بلا شك، وهو معنى قولي: (في أَصْلِ مَعْنًى). أي: في ذلك المعنى المشترك.
قال صاحب "جمع الجوامع": (وهو عن الشافعي) (^٢). أي: محكي عنه.
وهذا التخصيص لا معنى له؛ فإنه محل وفاق، ومعنى القطع فيه دلالة النصوصية. أي: هو نَص، فالقطع فيه من هذه الحيثية؛ فيكون كدلالة الخاص.
وأما الدلالة الثانية: فالمنقول عن الشافعية أنها ظنية، لا تدل على القطع إلا بالقرينة؛ وذلك لأن صِيَغ العموم تَرِد تارة باقية على عمومها، وتارة يُراد بها بعض الأفراد، وتارة يقع فيها التخصيص، ومع الاحتمال لا قَطْع.
بل لما كان الأصل بقاء العموم فيها، كان هو الظاهر المعتمد للظن، ويخرج بذلك من الإجمال؛ ولهذا الصحابة وأهل اللغة إنما يتطلبون عند ورود العمومات دليل التخصيص، لا دليل التعميم؛ لأنه الأصل.
وأيضًا فلولا ذلك لَمَا جاز تأكيد الصِّيَغ العامة، إذ لا فائدة فيه، وقد قال تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠].
_________________
(١) في (ص، ق): من خصوص.
(٢) جمع الجوامع (١/ ٥١٤) مع شرح المحلي وحاشية العطار.
[ ٣ / ١٢٨٩ ]
والمنسوب للحنفية أنَّ دلالة العام على كل فرد منه قطعية، ولكن ذلك إنما قال به جمهورهم، ومنهم صاحب "اللباب" وأبو زيد الدبوسي وغيرهم، وإلَّا فقال بمثل قولنا: (إنها ظنية) أبو منصور الماتريدي ومَن تبعه من مشايخ سمرقند.
نعم، عَزى الأبياري في "شرح البرهان" كونها قطعية إلى المعتزلة، قال: (لاعتقادهم استحالة تأخير البيان عن وقت الخطاب، فلو لم يُرَد عمومه، لَزِمَ تأخير البيان) (^١).
ونقل هذا القول الأستاذ أبو منصور عن الشافعي ومالك وأبي حنيفة، وكذا نقله الغزالي في "المنخول". ولكنه خلاف المشهور عن الشافعي الذي نقله إمام الحرمين وابن القشيري وغيرهما.
وكأنَّ مَن نقل عنه القطع توهَّمه من إطلاقه أنه نَص في الأفراد، وهو إنما يريد بالنصوصية -في الغالب- ما يكون ظاهرًا في الدلالة بحيث يكون الاحتمال فيه ضعيفًا.
ولهذا أنكر إلْكِيَا في"التلويح" على مَن نقل ذلك عن الشافعي، فقال: هذا لم يصح عنه، فالحقُّ غيره.
وعبارة إمام الحرمين في "البرهان": (أما الفقهاء فقد قال جماهيرهم: إن الصِّيَغ الموضوعة للجمع نصوص في الأقل، ظواهر فيما زاد عليه. والذي صح عندي من مذهب الشافعي أن الصيغة العامة لو صح تجردها عن القرائن، لكانت نصًّا في الاستغراق) (^٢).
قال: (وإنما التردد فيما عدا الأقل من جهة عدم القطع بانتهاء القرائن المخَصِّصة) (^٣). انتهى
_________________
(١) التحقيق والبيان في شرح البرهان (١/ ٨٨١).
(٢) البرهان (١/ ٢٢١).
(٣) البرهان في أصول الفقه (١/ ٢٢١).
[ ٣ / ١٢٩٠ ]
نعم، في كلامه بعد ذلك ما يدل على أنه لا ينبغي أن يُطلق ذلك، بل يقال: بعض الأفراد الدلالة فيه قطعية والبعض ظنية.
وكأنه يشير إلى ما قدَّمه مِن أنه لو كانت صيغة العموم جمعًا مثلًا فتكون في أقَل الجمع قطعية وفيما زاد ظنية. وكذا قال إلْكِيَا في "تعليقِه" في الأصول، وكذا قرره المازري، لكن قال: (إن محل الخلاف فيما زاد على أقَل الجمع، أما الأقل فقطعي بلا خلاف) (^١).
قلتُ: وكأنَّ هذا مُفرَّع على ما سيأتي في الباقي بعد التخصيص إذا كان العام جمعًا. ونحوه: هل يشترط أن يبقى أقَل الجمع؟ أو يجوز إلى واحد؟
وعلى كل حال فإذا كان الخلاف قائمًا، فكيف يحكي القطع في أقَل الجمع؟
وعبارة الإمام وإلْكِيَا إنما تشعر بنصوصية أقَل الجمع، فيقطع به قَطْع النصوصية، لا أنه بلا خلاف بين العلماء.
نعم، قيل: محل الخلاف ما لم تكن قرينة تقتضي قصد كل فرد، وذلك كالعمومات التي يُقطع بعمومها ولا يدخلها تخصيص، نحو: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٥]. وسيأتي منها طائفة وزيادة بيان في الكلام على التخصيص، وكذلك ما لا يحتمل إجراؤه على العموم، كقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠]. كذا استثناه بعض الحنفية. قال: لأن كل فرد فرد من الفريقين ليس مُعَينًا حتى يدل عليه العموم، بل ذلك كالمجمل، يجب التوقف فيه إلى بيان المراد منه.
وأنا أقول: لا يحتاج إلى هذا التقييد؛ فلذلك أطلقت في النَّظم؛ لأن الكلام في العام من الأصل، والأصل عدم القرائن على إرادة عمومه أو خصوصه.
_________________
(١) انظر: إيضاح المحصول (ص ٢٧٢).
[ ٣ / ١٢٩١ ]
تنبيه:
مما يترتب على هذا الخلاف أنه: هل ينسخ العام الخاص والخاص العام في القدر المعارض؟ وهل [يخصص] (^١) العموم بالقياس وبخبر الواحد؟
ومن الفقه: لو قال في الإقرار: (له علَيَّ خاتم)، ثم قال: (ما أردت الفص)، ففي قبوله وجهان، أصحهما المنع؛ لأن الفص يتناوله اسم الخاتم، فهو رجوع عن بعض ما أَقَر بِه.
وفي تفريع هذا على المسألة نظر؛ فإن دلالة الخاتم على الفص ليس من دلالة العام على الأفراد، وإنما نشأ الخلاف: هل الفص داخل في مسمَّى الخاتم مِن دلالة الكل على الجزء؟ أو مُسمَّى "الخاتم" الحلقة بدون الفص؟
ولما كان الأرجح الدخول كان المرجح أنه لا يُقبل؛ فقد قال أهل اللغة: إن الخاتم اسم له مع الفص، وإلا فيُسمى حلقة، وقيل: فتخًا.
وقولي: (وَلَنَا ظَنيهْ) إلى آخِره -أي: وعندنا أيها الشافعية أن هذه الدلالة ظنية.
وقولي: (وَذُو التَّعْمِيمِ) إلى آخِره -إشارة إلى أنَّ العام في الأشخاص المدلول عليها بلفظ العام هل هو عام أيضًا في أحوال تلك الأشخاص والأزمنة والبقاع والمتعلقات؟ أو مُطْلَق فيها بحيث يُكتفَى من ذلك بما يَصْدُق من غير تعميم في الكل؟
فيه طريقتان:
إحداهما: أنَّ العام في الأشخاص عام في الأمور الأربعة. صرح به ابن السمعاني في "القواطع في مسألة "الاستصحاب"، والإمام في "المحصول" في "القياس"، إذ قال في جواب سؤال: (قُلنا: لَمَّا كان أمرًا بجميع الأقيسة، كان متناولًا لا محالة لجميع الأوقات،
_________________
(١) في (ت): يختص.
[ ٣ / ١٢٩٢ ]
وإلا لقدح ذلك في كونه متناولا لكل الأقيسة) (^١).
الثانية وإليها جنح كثير من المتأخرين كالآمدي والأصفهاني في شرح "المحصول" والقرافي وغيرهم: أن العام في الأشخاص ليس عامًّا في الأربعة؛ لأن العام في شيء بلفظ لا يكون عامًّا في غيره إلا بلفظ يدل عليه، بل مطلق. فإذا قال ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، عَمَّ كل مشرك، ولا يَعُم كل حال حتى يقتل في حال الهدنة أو الذمة أو نحو ذلك، لكن قيل: إنَّ في هذه الآية دليلًا على أنه مُطلق في غير الأشخاص، لا عام؛ لأنه قال: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]، ولو كان عامًّا لكان ذكر العموم في "حيث" في الزمان تكرارًا.
نعم، بعد أنْ اختارها القرافي وقررها شكك عليها بأنه يَلزم عليها عدم العمل بجميع العمومات في هذا الزمان؛ لأنه قد عُمل بها في زمنٍ ما، والمطلَق يخرج عن عُهدة العمل به بِصُورَةٍ.
وأجاب عن ذلك الشيخ علاء الدين الباجي -فيما نقله الشيخ تقي الدين السبكي في كتاب "أحكام كُل"- بأن المراد بكونه مطلقًا في الأحوال والأزمنة والبقاع باعتبار الأشخاص الذين عُمل به فيهم، لا باعتبار أشخاص آخَرين، حتى إذا عُمل به في شخص في حالة ما في مكان ما، لا يُعمل به فيه مرة أخرى. أما في شخص آخَر فيُعمل به فيه وإلا يلزم التخصيص في الأشخاص، فالتوفية بالإطلاق أن لا يتكرر ذلك الحكم، فإذا جُلد زانٍ، لا يُجلد ثانيًا إلا بزنًا آخَر. وبه ينجمع كلام مَن قال: "مُطْلَق" ومَن قال: "عام".
وكذا أجاب الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد في "شرح الإلمام"، وقال في "شرح العمدة" في حديث أبي أيوب الأنصاري: "ثم قدمنا الشام، فوجدنا مراحيض قد بُنيت قِبل
_________________
(١) المحصول (٥/ ٣٧).
[ ٣ / ١٢٩٣ ]
القِبلة" (^١): (إنَّ في ذلك دلالة على العموم؛ لأنَّ أبا أيوب -وهو من أهل اللسان والشرع- فَهِمَ العموم في الأمكنة) (^٢).
وإنما استدل به لأن الحديث عام في الأشخاص باعتبار أن قوله - ﷺ -: "لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولا تستدبروها" (^٣) نكرة في سياق النهي، فكان عامًّا في كل استقبال واستدبار.
نعم، وقع له في "شرح العمدة" ما يخالف ذلك، فقال في حديث "بيع الخيار" (^٤): (إن الخيار عام، ومتعلقه -وهو ما يكون فيه الخيار- مُطْلَق).
قال: (فيحمل على خيار الفسخ) (^٥). انتهى
والتحقيق في المسألة (كما يُفهم مِن نُقول الطريقتين واختاره ابن المرحل والشيخ تقي الدين السبكي وولده) أنه يعم بطريق الاستلزام، لا بالوضع، وهو معنى: "مِن لازم الأشخاص"، أي: مِن لازم تعميمه للأشخاص عمومه في الأحوال والأزمنة والبقاع.
وقال الشيخ تاج الدين السبكي: (وقع لي مرة الاستدلال على العموم بحديث أبي سعيد بن المعلى حيث دعاه النبي - ﷺ - وهو في الصلاة فلم يُجِبْه، فقال له ﵊: "ألم يقُل الله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٢٤] " (^٦)
_________________
(١) صحيح البخاري (٣٨٦)، صحيح مسلم (رقم: ٢٦٤).
(٢) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (١/ ٩٩).
(٣) صحيح مسلم (٢٦٤)، سنن الترمذي (رقم: ٨)، سنن النسائي (٢١)، وفي صحيح البخاري (رقم: ٣٨٦) بلفظ: (إذا أتيْتُم الْغَائِطَ فلا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ ولا تَسْتَدْبِرُوهَا).
(٤) صحيح البخاري (رقم: ٢٠٠٥)، صحيح مسلم (١٥٣٢)، وغيرهما.
(٥) شرح عمدة الأحكام (٢/ ١٠٦ - ١١٠).
(٦) صحيح البخاري (رقم: ٤٢٠٤)، وغيره.
[ ٣ / ١٢٩٤ ]
فقد جعله - ﷺ - عامًّا في الأحوال).
قال: (ثم ظهر لي أنَّ العموم في الأحوال إنما جاء من صيغة "إذا" الشرطية، فإنها ظرف، والأمر متعلق بها، والمعلَّق على شرط يقتضي التكرار، والظرف يشمل جميع الأوقات) (^١).
نعم، قال الشيخ تقي الدين في مصنفه في "كل": إن تقرير الباجي المتقدم -وكذا ما في "شرح الإلمام"- قد يُعترض عليه بأن عدم تكرار الجَلْدِ مثلًا معلوم مِن كون الأمر لا يقتضي التكرار وبأن "المطلق" هو الحكم، و"العام" هو المحكوم عليه، وهُما غيران، فلا يصلح أن يكون ذلك تأويلًا لقولهم: العام مطلق.
قال: فينبغي أن يهذب هذا الجواب، ويجعل العموم والإطلاق في لفظ واحد، بأنْ يقال: المحكوم عليه -وهو الزاني مثلًا أو المشرك- فيه أمران، أحدهما: الشخص، والثاني: الصفة، كالزنا والشرك مثلا. فأداة العموم لَمَّا دخلت عليه أفادت عموم الشخص، لا عموم الصفة، والصفة باقية على إطلاقها، فهذا معنى قولهم: "العام في الأشخاص مُطلق في الأحوال والأزمنة والبقاع". أي: كل شخص حصل منه مطلق زنا حُدَّ، أو مطلق شِرك قُتل بشرطه، ورجع العموم والإطلاق إلى لفظة واحدة باعتبار مدلولها مِن الصفة والشخص المتصف بها. ثم إنه مع هذا لا يكون كون الصفة مطلقة يحمل على بعض مُسماها؛ لأنه يَلزم منه إخراج بعض الأشخاص.
نعم، لو حصل استغراق الأشخاص، لم يحافظ مع ذلك على عموم الصفة؛ لإطلاقها.
تنبيه:
مما يوافق المختار في المسألة -وهو العموم في الأحوال والأزمنة والبقاع والمتعلقات-
_________________
(١) الإبهاج (٢/ ٨٦).
[ ٣ / ١٢٩٥ ]
ما في فتاوى "الغزالي": الو قال لأَمته الحامل: "كل ولد تلدينه فهو حر" إنه كما يشمل الذكر والأنثى يشمل اختلاف الوقت، فينبغي أنْ يعم ويتكرر). انتهى
ونَصَّ الشافعي فيما إذا قال: (أنت طالق) ثم قال: (أردتُ إنْ دخلتِ الدار) أنه لا يدين، وإذا نوى إلى شهرين، يدين، فيفرق بين الزمان والمكان.
وظاهر كلام مُجَلي في "الذخائر" والرافعي وغيرهما أنه لا فرق.
نعم، هذا اللفظ لا عموم له البتة، وإنما هو مُطلق، والكلام في العام في الأشخاص، والله أعلم.
ص:
٥٧٧ - وَصِيَغُ الْعُمُومِ "كُلّ" وَكذَا نَحْوُ "جَميعٍ" وَلمَوْصُولٍ بِذَا
٥٧٨ - يُقْضَى، كَذَا لِلشَّرْطِ وَاسْتِفْهَامِ أَسْمَاءُكُلِّ هَذ الْأَقْسَامِ
الشرح:
لَمَّا تقرر أنَّ العموم من عوارض اللفظ قطعًا، ترتب عليه أنَّ العام هل له صيغة تخصُّه يتميز بها عن غيره تكون حقيقة فيه؟ أوْ لا؟
فيه مذاهب:
أحدها: نعم، وهو قول الأئمة الأربعة وجمهور أصحابهم.
قال عبد الوهاب: (هو قول مالك والفقهاء بأَسْرهم).
ومَن تتبع كلام مالك في "الموطأ" يجده كثيرًا.
وقال ابن حزم: إنه قول جميع أهل الظاهر، وبه نأخذ.
وقال الصيرفي: زعمت طائفة من أصحاب الشافعي أن مذهبه التوقف. كما هو أحد
[ ٣ / ١٢٩٦ ]
المذاهب الآتية، وهو ضد قول الشافعي المشتهر في كُتبه وعند خصومه.
فَنَصُّه في "الرسالة": (إنَّ الكلام على عمومه وظاهره حتى تقوم دلالة على أنه خاص دون عام، وعلى أنه باطن دون ظاهر) (^١).
وقال أيضًا: (فكل خطاب في سُنة رسول الله - ﷺ - أو في كلام الناس فهو على عمومه وظهوره إلى أن تأتي دلالة تدل على أنه خاص دون عام وباطن دون ظاهر).
وكرر مثل هذا فيها كثيرًا.
ثم ذكر الصيرفي نصوصًا للشافعي كثيرة صريحة، بل ظاهرها القطع بذلك، قال: (والدليل القطعي قائم عليه).
ثم بين عُلْقة مَن نقل عن الشافعي الوقف ورَدَّها، قال: (ولا يقال: له في المسألة قولا؛ لأن هذا غير معروف، بل العروف خلافه بين أصحابه، كالمزني وأبي ثور والبويطي والكرابيسي وداود والأشعري وسائر الشافعيين). انتهى
فقضى بأن الأشعري من أصحاب الشافعي، ونقل عنه ذلك، لكن سيأتي أن مذهب الأشعري الوقف، ويأتي الجمع بين كلاميه.
وممن نقل ذلك أيضًا عن الشافعي: الشيخ أبو حامد، وذكر نَصه في "الرسالة" السابق، وذكر نحوه عن نَصه في "أحكام القرآن".
وكذا قال أبو الحسين بن القطان: (إن فرقة شذت من أصحاب الشافعي زعمت أن مذهبه الوقف في صِيَغ العموم؛ لأشياء تعلَّقوا بها من كلامه، حيث قال في آيات: إنها تحتمل أن تكون للعموم وأن تكون للخصوص. والشافعي لم يُرِد ما ذهبوا إليه، وإنما مراده أنها
_________________
(١) الرسالة (ص ٣٢٢).
[ ٣ / ١٢٩٧ ]
تحتمل عنده أن دلالة تنقله عن ظاهره من العموم إلى الخصوص، لا أنَّ حقه الاحتمال). انتهى
وبالجملة فنصوصه طافحة بِصِيَغ العموم وأنها تُحمل عليه عند الإطلاق والتجرد عن القرائن، ثم يبقى النظر في كونه قطعًا في كل فرد أو ظاهرًا أو أنه في أصل المعنى قطعي كما سبق.
وعلى هذا القول: إذا استعملت صيغة العام في خاص، تكون مجازًا، وستأتي المسألة مبسوطة.
المذهب الثاني: أنه قد يدل على العموم باللفظة الواحدة لكن مجازا، وإنما أصلها الخصوص، فلا يدل على العموم إلا بقرينة. وبهذا قال ابن المنتاب من المالكية ومحمد بن شجاع البلخي من الحنفية وغيرهما.
ثم اختلف هؤلاء في أنه: هل تحمل هذه الصيغ على اثنين؟ أو على ثلاثة؟ على حسب اختلافهم في أقَل الجمع، أيْ وإنْ لم يكن صيغة العام جمعًا.
قالوا: لأن ذلك محقَّق، والأصل عدم الزائد.
لكنه مردود بما سيأتي في ثبوت ذلك، فالجميع محقَّق.
الثالث: الوقف، ويُعزى للأشعري وكثير من أتباعه كالقاضي والآجري وغيرهما، وإليه ذهب الآمدي، ونقله القاضي في "مختصر التقريب" عن الأشعري ومعظم المحققين؛ لأَنا سبرنا اللغة ووضْعها فلم نجد في وضع اللغة صيغة دالة على العموم، سواء وردت مطلقة أو بضرب من التأكيد.
قال الإمام في "البرهان": (ومما زَلَّ فيه الناقلون عن أبي الحسن ومتبعيه أن الصيغة وإن تقيدت بالقرائن فإنها لا تُشعر بالجميع، بل تبقى على التردد. وهذا وإن صح النقل فيه فهو
[ ٣ / ١٢٩٨ ]
مخصوص عندي بالتوابع المؤكِّدة لمعنى الجمع، كقولك: رأيت القوم أجمعين أكتعين أبصعين. فأما ما ألفاظه صحيحة صريحة تعرض مُقَيدة فلا يُظَن بذي عقل أن يتوقف فيها) (^١). انتهى
وحاصله إنكار النقل عن الواقفية أنها لا تدل على العموم.
وسيأتي مذهب قريب من ذلك، وهو:
المذهب الرابع: أن شيئًا من الصيغ لا يقتضي العموم ولا مع القرائن، بل إنما يكون العموم عند إرادة المتكلم. وهو قول جمهور المرجئة، ونُسب أيضًا للأشعري.
وفي "البرهان": (نقل مصنفو "المقالات" عن الأشعري والواقفية أنهم لا يثبتون لمعنى العموم صيغة لفظية، وهذا النقل على الإطلاق زلل؛ فإنَّ أحدًا لا يُنكر إمكان التعبير عن معنى الجمع بترديد ألفاظ مشعرة به، كقول القائل: رأيت القوم واحدًا واحدًا لم يَفُتني منهم أحد. وإنما كرر هذه الألفاظ قَطْعًا لِتَوَهُّم مَن يحسبه خصوصًا، وإنما أنكرت الواقفية لفظة واحدة مشعرة بمعنى الجميع) (^٢). انتهى
قيل: وما ادعَى فيه الوفاق هو محل خلاف كما صرح به هو في "التلخيص من التقريب".
_________________
(١) البرهان في أصول الفقه (١/ ٢٢٢).
(٢) البرهان في أصول الفقه (١/ ٢٢١).
[ ٣ / ١٢٩٩ ]
تنبيهات
الأول: القائلون بالوقف اختلفوا في محله على أقوال وفي صيغته على أقوال:
فأما الأول: فأحد الأقوال أنه على الإطلاق.
وثانيها: في الوعد والوعيد دُون الأمر والنهي ونحوهما.
ويُحكى هذا عن الكرخي كما حكاه أبو بكر الرازي عنه، ثم قال: (وربما ظن أن ذلك مذهب أبي حنيفة؛ لأنه كان لا يقطع بوعيد أهل الكبائر من المسلمين، ويجوز أن يغفر الله لهم في الدار الآخرة، وليس ذلك مدْركه، بل إن الأدلة الموجِبة للوعيد بالتخليد في النار إنما انتهضت في الكفار بدلائل من خارج) (^١).
وثالثها: عكسه، وهو عن المرجئة، فقالوا بصيغ العموم في الوعد والوعيد، وتوقفوا فيما عداها.
ورابعها: يوقف في العمومات الواردة بالوعيد على عصاة أهل الملة خاصة دون غير ذلك، وهو قول جمهور الأشعرية.
وخامسها: [يُوقف] (^٢) فيمن لم يسمع خطاب الشارع، فأما مَن سمع منه - ﷺ - وعرف تصرفاته فيه ما بين خصوص وعموم فلا. حكاه المازري، قال: وهذا يلحق بالقائل بالعمومات؛ لأنه إنما شكك فيمن لم يسمع منه ويعرف قصده.
وسادسها: أن الوقف في الوعيد دون الوعد.
_________________
(١) الفصول في الأصول لأبي بكر الجصاص (١/ ١٠٢).
(٢) كذا في (ص)، لكن في (س): توقف.
[ ٣ / ١٣٠٠ ]
قال القاضي: وفرقوا بينهما بما يليق بالتُّرَّهات.
وسابعها: أن الوقف فيما لم يتقيد به ضرب من التأكيد؛ فإن ذلك للعموم.
وثامنها: أن لفظة المؤمن والكافر حيثما وقعت في الشرع أفادت العموم، دُون غيرها، فإنه يُتوقَّف فيه. حكاه المازري عن بعض المتأخرين.
وأما صفة الوقف:
فقيل: لأن لفظة العموم مشتركة بين الواحد اقتصارًا عليه وبين أقَل الجمع فما فوقه اشتراكا لفظيًا، كالقرء والعين ونحوهما. حكاه المازري والأصفهاني، وهذا فيما يحتمل الواحد من العمومات كـ "مَن" و"ما". وأما ألفاظ الجموع ونحوها فمشتركة بين أقل الجمع وما فوقه.
وقيل: لعدم العِلم بكيفية الوضع؛ لأنها استعملت في العموم والخصوص ولكن لا يُدْرَى هل ذلك على وجه الحقيقة؟ أو المجاز؟
نعم، حكى ابن الحاجب هذين القولين على وجه آخر، وهو أن أحدهما: لا يُدْرَى هل وضعت هذه الصيغة للعموم؟ أو لا؟ وثانيهما: أنها استعملت للعموم، ولكن لا ندري هل هو حقيقة؟ أو مجاز؟ وجعل قول الاشتراك في أصل المسألة مباينًا لقول الوقف.
الثاني: مأخذ قول الوقف من الأصل أن الأشعري لمَّا تكلم مع المعتزلة في عمومات الوعيد في الكتاب والسنة نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣ - ١٤]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [الجن: ٢٣] ومع المرجئة في عموم الوعد، نفى أن تكون هذه الصيغ موضوعة للعموم، وتَوقَّف فيها، وتبعه جمهور أصحابه.
وقال ابن القشيري في "باب المفهوم": لم يصح عندنا عن الشيخ إنكار الصيغ، إنما قال
[ ٣ / ١٣٠١ ]
ذلك في معارضاته في أصحاب الوعيد.
قال: وسِر مذهبه إنكار التعلق في مثل ذلك بالظواهر مع أن المطلوب فيه القطع، وهذا هو الحقُّ المبين. ولم يمنع من الظواهر في مظان الظنون.
ولهذا حكى الصيرفي عن الأشعري أنه يقول بالصيغ كالشافعي كما سبق، ومراده من حيث الظن، والوقف من حيث القطع، فلا منافاة بين النقلين.
الثالث:
في إثبات صيغ العموم بحث ذكره القرافي (في بعض كتبه) يظهر منه أنَّ مُسمى العموم في غاية الغموض، وهو أن صيغة العموم بين أفرادها قَدْر مشترك، ولكل فرد منها خصوص يختص به، كـ"المشركين" مثلًا اشتركوا في الشرك، وامتاز هذا بِطُولِه أو قصره، وهذا بسواده أو بياضه، إلى غير ذلك من أنواع التمييز، فالصيغة إما أن تكون موضوعة للقدر المشترك بينها أو لخصوصياتها أو للقدر المشترك بقيد العدد أو بقيد سلب النهاية أو لمجموع الأفراد أو للمجموع المركب من القدر المشترك والخصوصيات، فهذه احتمالات ستة، لا يصح تنزيله على واحد منها.
أما الأول: فلأنه يلزم أن يكون العموم متواطئًا، وذلك هو المطلق الذي عمومه عموم بدل، لا شمول.
الثاني: ظاهر البطلان؛ لأن العموم لم يوضع لكل فرد منها بحسب خصوصياته وإلا لَزِم أن تكون صيغة العموم مشتركة اشتراكًا لفظيًا بين الأفراد الداخلة تحته.
وكذلك القول في الاحتمال الأخير وهو أن تكون موضوعة للمشترك مع الخصوص في كل فرد؛ لأنه يلزم منه أن يكون اللفظ موضوعًا لحقائق غير مختلفة متناهية، ويستحيل أن تكون مشتركة اشتراكًا لفظيًا بين أفراد ومسميات غير متناهية.
[ ٣ / ١٣٠٢ ]
وأما الاحتمال الثالث وهو أن تكون موضوعة للمشترك بين أفراده بقيد العدد فيُبطله أن "مفهوم العدد" أمر كلي، وكذلك "مفهوم المشترك"، فيكون المركَّب منهما كليا أيضًا، فيكون اللفظ مطلقًا، والكلام إنما هو في عموم الشمول.
وكذلك الرابع وهو القدر المشترك بقيد سلب النهاية؛ لأن المعنى يكون حينئذٍ في نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١]: لا تقتلوا النفوس بقيد سلب النهاية؛ فينعدم الاستدلال به على ثبوت حُكمه لكل فرد.
وبهذا أيضًا يبطل الاحتمال الخامس.
ثم اختار أن صيغة العموم موضوعة للقدر المشترك مع قيد تتبعه لحُكمه في جميع موارده، قال: (فخرج بالقدر المشترك "الأعلام" كزيد وعمرو؛ لأن ألفاظها موضوعة بإزاء أمور جزئية، لا كلية، وخرج المطلق). انتهى ملخصًا.
وظاهره أنه اختراع، لكن في كلام صاحب "الحاصل" في تقسيم اللفظ إلى المطلق والعام ما [يؤخذ] (^١) منه كثير مما ذكر.
الرابع:
في ثبوت صيغ العموم -لمن قال بها- أدلة لا تنحصر:
فمن القرآن نحو قوله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ [هود: ٤٢] الآية، ففهم نوح ﵇ العموم من قوله تعالى: ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ [المؤمنون: ٢٧]؛ فلذلك أجيب بما يقتضي عدم دخوله في العام لمعنى أنه عمِل عملًا غير صالح، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ [العنكبوت: ٣١]، فَهِمَ منه إبراهيم
_________________
(١) في (ت): يوجد.
[ ٣ / ١٣٠٣ ]
﵇ العموم حتى قال: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾ [العنكبوت: ٣٢]، فأجابته الملائكة بتخصيصه بإخراجه من العموم بقولهم: ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾، وكذا في استثناء امرأته مِن أهله.
وللآمدي هنا بحث ضعيف، لا حاجة لذِكره.
ومن السنة ما في "الصحيحين" في أمر الزكاة، قالوا: يا رسول الله، فالخمر؟ قال: "ما أنزل الله عليَّ فيها شيئًا إلا هذه الآية الجامعة الفاذة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] " (^١).
وما في "البخاري" من قوله - ﷺ - لأبي سعيد بن المعلى لَمَّا دعاه وهو في الصلاة فلم يُجِبه: "ما منعك أن تجيبني؟ " (^٢) الحديث. فإنه طالبه بموجب العموم في ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ٢٤].
وما في "الترمذي" وصححه النسائي من قوله - ﷺ -: "مَن جر ثوبًا من ثيابه من مخيلة، فإن الله لا ينظر إليه ". فقالت أم سلمة: فكيف يصنع النساء بذيولهن؟ قال: "يُرخِين شِبرًا" (^٣) الحديث. وفيه: فقال: أبو بكر - ﵁ -: إن أحد شقي إزاري يسترخي إلا أن أتعاهده. ففهم العموم، وأقره - ﷺ - حتى قال له: "إنك لست ممن يصنعه خيلاء" (^٤). وكذا فهمت أم سلمة العموم حتى قال لها رسول اللهﷺ - ما قال.
_________________
(١) صحيح البخاري (رقم: ٢٢٤٢)، صحيح مسلم (رقم: ٩٨٧).
(٢) سبق تخريجه.
(٣) سنن الترمذي (رقم: ١٧٣١)، سنن النسائي (رقم: ٥٣٣٦، ٩٧٤٠)، وغيرهما. قال الألباني: صحيح. (صحيح سنن الترمذي: ١٧٣١).
(٤) صحيح البخاري (رقم: ٥٤٤٧).
[ ٣ / ١٣٠٤ ]
وما في "الصحيحين" لمَّا نزل قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٩٥] الآية، قال ابن أم مكتوم: إني ضرير البصر. فنزل: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥] (^١). فأقره النبي - ﷺ - على فَهم العموم، ونزل القرآن بالتخصيص من العام.
وما في "الصحيح" أيضًا لما نزل ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]، قال الصحابة: وأيّنا لم يظلم نفسه؟ ! فقال - ﷺ -: "ألم تسمعوا ما قال لقمان: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] " (^٢). ففهموا العموم من: ﴿الَّذِينَ﴾ أو من النكرة في النفي حتى بَيَّن لهم أن المراد ظلم خاص.
وكذا لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]، قال ابن الزِّبَعْرَى: قد عُبد المسيح والملائكة. فنزل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ [الأنبياء: ١٠١] (^٣)، فأقره على العموم، ولكنه مخصص. والحديث مشهور في السير والتفسير، ورواه السهيلي عن ابن عباس بسندٍ صحيح.
وكذلك فَهم علي - ﵁ - من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ العموم حتى قال: "أنا منهم، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف" (^٤). رواه ابن أبي حاتم وابن عدي وابن مردويه والثعلبي من رواية ليث ابن أبي سليم.
_________________
(١) صحيح البخاري (رقم: ٤٧٠٤)، صحيح مسلم (رقم: ١٨٩٨).
(٢) صحيح البخاري (رقم: ٣١٨١)، صحيح مسلم (رقم: ١٢٤).
(٣) انظر: مصنف ابن أبي شيبة (٣١٨٨٢)، المعجم الكبير للطبراني (١٢٧٣٩)، المستدرك على الصحيحين (رقم: ٣٤٤٩).
(٤) الكامل في الضعفاء (٣/ ١٢٢)، تفسير ابن أبي حاتم (٨/ ٢٤٦٩) نشر: نزار الباز - السعودية.
[ ٣ / ١٣٠٥ ]
وفي حديث التشهد: "وعلى عباد الله الصالحين، إذا قلتموها، أصابت كل عبد صالح في السماء والأرض" (^١). أخرجه الشيخان.
وفي "مسلم" عن أبي هريرة: لما نزل ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٨٤] الآية، اشتد على الصحابة، وقالوا: كُلفنا من العمل ما لا نطيق. فنزل: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] (^٢).
وفي "الترمذي" عن عائشة أنه لما نزل: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] سألت النبي - ﷺ -، فقال: "هذه معاتبة الله تعالى العبد" (^٣) الحديث.
وقال النبي - ﷺ - في الفتح: "مَن أغلق بابه فهو آمن، ومَن دخل دار أبي سفيان فهو آمن" (^٤)، ثم استثنى مَن استثنى، فلولا العموم لَمَا احتاج لذلك.
وغير ذلك مما لا ينحصر من الآيات والأحاديث.
وأيضًا فقد اتفق الصحابة وأهل اللغة على العموم مِن هذه الألفاظ المفردة ولو كانت خالية مِن القرائن، ولَمَّا قال عمر لأبي بكر - ﵄ -: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله - ﷺ -: "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله"؟ (^٥) الحديث، فلم ينكر أحد العموم.
واستقراء كلام أهل اللغة يفيد القَطع بذلك.
_________________
(١) صحيح البخاري (رقم: ٧٩٧)، صحيح مسلم (رقم: ٤٠٢).
(٢) صحيح مسلم (رقم: ١٢٥).
(٣) سنن الترمذي (رقم: ٢٩٩١). قال الألباني: ضعيف الإسناد. (ضعيف سنن الترمذي: ٢٩٩١).
(٤) مسند أحمد (٧٩٠٩)، صحيح ابن حبان (رقم: ٤٧٦٠)، سنن النسائي الكبرى (رقم: ١١٢٩٨)، وغيرها. قال الألباني: صحيح. (التعليقات الحسان: ٧٧٤٠).
(٥) صحيح البخاري (رقم: ١٣٣٥)، صحيح مسلم (رقم: ٢٠).
[ ٣ / ١٣٠٦ ]
وأيضًا: فالعموم معنى من المعاني المفتقرة إلى وضع ما يدل عليه.
وأيضًا: فالاستدلال بالاستثناء في كثير من المواضع، وهو معيار العموم كما سيأتي.
وإنما تعرضت لهذا الطرف من الأدلة لمسيس الحاجة إليه.
إذا علمت ذلك فقد ذكرت عِدة من صيغ العموم بحسب تقسيم لها:
وهو أن المفيد للعموم إما من جهة اللغة أو العرف أو العقل.
والأول: إما أن تكون إفادته ذلك بنفسه أو بانضمام قرينة.
والأول: إما أن لا يختص بنوع أو يختص.
والثاني: إما أن تكون قرينته في الثبوت أو في النفي [أو] (^١) ما في معناه.
فأشرتُ في النظم إلى هذه الأقسام على هذا الترتيب.
فذكرتُ من القسم الأول (وهو ما يدل بنفسه) ألفاظًا:
أحدها: "كل"، وقد سبق ذكر معناها في "فصل الحروف" وغيرها من الأدوات، وأنها إن أضيفت:
- إلى نكرة، فهي لشمول أفراده، نحو: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [العنكبوت: ٥٧].
- أو لمعرفة وهي جمع أو ما في معناه، فلاستغراق أفراده أيضًا، نحو: "كل الرجال" أو "كل النساء" أو"كل الناس على وَجَل إلا مَن آمَنه الله"، وفي الحديث: "كل الناس يغدو، فبائع نفسه، فموبقها أو مُعتقها" (^٢).
- أو لمعرفة مفرد، فلاستغراق أجزائه أيضًا، نحو: "كل الجارية حسن" أو "كل زيد
_________________
(١) كذا في (ص، ق)، لكن في (س): و.
(٢) صحيح مسلم (رقم: ٢٢٣)، وغيره، ولفظ مسلم: (كُلُّ الناس يَغْدُو فَبَائعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أو مُوبِقُهَا).
[ ٣ / ١٣٠٧ ]
جميل".
ونزيد هنا أن مادتها تقتضي الاستغراق والشمول، كـ "الإكليل" لإحاطته بالرأس، و"الكلالة" لإحاطتها بالوالد والولد، فلهذا كانت أصرح صيغ العموم؛ لشمولها العاقل وغيره، المذكر والمؤنث، المفرد والمثنى والجمع. وسواء بقيت على إضافتها كما مثلنا، أو حُذف ما أضيفت إليه، نحو: ﴿كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ١٩]، ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [البقرة: ١١٦].
قال القاضي عبد الوهاب: (ليس بعدها في كلام العرب كلمة أَعَم منها تفيد العموم مبتدأة وتابعة لتأكيد العام، نحو: جاء القوم كلهم).
قال سيبويه: (معنى قولهم: "كل رجل": كل رجال) (^١). فأقاموا "رجلًا" مقام "رجال"؛ لأن "رجلًا" شائع في الجنس، و"الرجال" الجنس.
وأما مراعاة التذكير والتأنيث في خبرها وضميرها ونحو ذلك فمن وظيفة النحوي.
نعم، ينبه فيها على مواضع:
أحدها: أنَّ ما سبق -من كونها تستغرق الأفراد فيما إذا أضيفت لجمع مُعرَّف كما لو أضيفت لنكرة فتكون من الكلية كقوله - ﷺ - حكايةً عن ربه ﷿؛ "يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته" (^٢) الحديث- هو قول الأكثر.
وذهب بعض الأصوليين إلى أنه مِن "الكل المجموعي"، لا من "الكلية"، وهو ظاهر تجويز ابن مالك فيها حينئذٍ اعتبار اللفظ واعتبار المعنى.
وبذلك صرح ابن الساعاتى فى "البديع"، فقال: إن قولك: "كل الرجال" كل مجموعي.
_________________
(١) الكتاب لسيبويه (١/ ٢٠٣).
(٢) صحيح مسلم (رقم: ٢٥٧٧) وغيره.
[ ٣ / ١٣٠٨ ]
ففرق بين أن يقال: "كل حبة من البُر غير متقومة" وأن يقال: "كل الحبات منه غير متقوم"، فالأول صحيح؛ لأنه كُلٌّ عددي، والثاني غير صحيح؛ لأنه كُلٌّ مجموعي.
وضُعِّف قوله بأن ذلك إنما هو بحسب الإرادة إذا اقتضاها قرينة؛ فقد قرر هو قبل ذلك أن قولنا: "كل شيء" ليس معناه "كل الشيء"؛ لأن الأول عددي والثاني مجموعي، والفرق بينهما ظاهر. فالخلل إنما جاء مِن تمثيله بِـ "كل حبة" و"كل الحبات".
ثانيها: إذا دخلت "كل" على جمع أو اسم جمع مُعرف باللام وقُلنا بعمومها، فهل المفيد له الألف واللام، و"كل" تأكيد؟ أو هي لبيان الحقيقة، و"كل" لتأسيس إفادة العموم؟ الثاني أظهر؛ لأن "كُلًّا" إنما تكون مؤكِّدة إذا كانت تابعة.
وقد يقال: اللام أفادت عموم مراتب ما دخلت عليه، و"كل" أفادت استغراق الأفراد. فنحو: "كل الرجال" تفيد فيها الألف واللام عموم مراتب جمع الرجل، و"كل" استغراق الآحاد.
ولهذا قال ابن السراج في الأصول: (إنَّ "كل" لا تدخل في المفرد والمعرف بالألف واللام إذا أريد بكل منهما العموم). انتهى
وهو ظاهر؛ ولهذا مُنع دخول: "أل" على "كل"، وعِيب قول بعض النحاة: بدل الكل من الكل.
ص:
ثالثها: ليس من دخولها على المفرد المعرف نحو قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [آل عمران: ٩٣]، وقوله -ﷺ-: "كل الطلاق واقع إلا طلاق المعتوه (^١)؛ لأن الظاهر أنها مما هو في معنى الجمع المعرف حتى يكون لاستغراق الأفراد لا الأجزاء.
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ٣ / ١٣٠٩ ]
رابعها: محل عمومها إذا لم يدخل عليها نفي متقدمًا عليها، نحو: "لم يَقُم كل القوم"، فإنها حينئذٍ للمجموع، والنفي وارد عليه، ويسمى "سلب العموم"، بخلاف ما لو تأخر عنها نحو: "كل إنسان لم يقم"، فإنها حينئذٍ لاستغراق النفي في كل فرد، ويسمى "عموم السلب".
وهذه القاعدة متفق عليها عند أرباب البيان، وأصلها قوله -ﷺفي حديث ذي اليدين: "كل ذلك لم يكن" (^١) جوابًا لقوله: (أنسيمت؟ أَم قصرت الصلاة؟). أي: لم يكن كل من الأمرين، لكن بحسب ظنه -ﷺ-؛ فلذلك صحَّ أن يكون جوابًا للاستفهام عن أي الأمرين وقع. ولو كان لنفي المجموع لم يكن مطابقًا للسؤال ولا لقول ذي اليدين في بعض الروايات: (قد كان بعض ذلك) (^٢)، فإن السلب الكلي [نقيضه] (^٣) الإيجاب الجزئي. ومحل بسط ذلك عِلم البيان.
قال القرافي: وهذا شيء اختصت به "كل" من بين سائر صيغ العموم.
واعلم أن حُكم النهي فيما ذكر حكم النفي، فيُفرق بين "كل عالم لا تهنه" وبين "لا تُهن كل عالم".
والظاهر أن الشرط كذلك، نحو: "كل عبد لي إن حج فأعتقه"، أو: "فهو حر"، فيشمل كل فرد فرد، بخلاف: "إن حج كل عبد من عبيدي"، لا يعتق أحد منهم حتى يحج الجميع.
ومنه نحو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ [الأنعام: ٢٥] المراد المجموع، فهو أبلغ، ويلزم منه أنهم إذا رأوا بعض الآيات لا يؤمنون بها من باب أَولى.
_________________
(١) صحيح مسلم (رقم: ٥٧٣)، وغيره.
(٢) صحيح مسلم (رقم: ٥٧٣).
(٣) في (ت): يقتضيه.
[ ٣ / ١٣١٠ ]
وأما إذا كانت "كل" مؤكِّدة، فهل يفرق فيها بذلك؟ نحو: "لم أر القوم كلهم" أو "القوم كلهم لم أرهم".
قال القرافي: لم أَرَ فيه نقلًا، وهو محتمل، لكن يرجح التفرقة أن صيغة التأكيد تقرير للسابق، فبتقدم النفي عليه لا يبطل حكم العموم، بخلاف المستقل.
لكن صرح ابن الزملكاني في "البرهان" بالتسوية.
نعم، أورد على قولهم: (تقدُّم النفي لسلب العموم) نحو قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ [مريم: ٩٣]، فينبغي أن تُقيد القاعدة بأن لا ينتقض النفي، فإن انتقض، كانت لعموم السلب.
وقد يقال: انتقاض النفي قرينة إرادة عموم السلب؛ لأن النفي للموضوع، وما بعد "إلا" لا تَسلط للنفي عليه، بل هو مثبت، والتفريع في الاستثناء يجعل ما بعد "إلا" مستندًا لما قبلها، فالإثبات لكل فرد فرد كما لو لم يدخل النفي والاستثناء.
وأورد بعضهم على التقرير للقاعدة بأن "السلب الكلي يقتضي نفي الحكم عن كل فرد" أنه إنما يقتضيى نفي الحقيقة من حيث هي، ولكن نفي الحقيقة مستلزم لنفي الأفراد.
ورُدَّ ذلك بأن "كُلًّا" و"كلما" و" لا لشيء" و"لا واحد" وسائر كلمات السور إنما تستعمل باعتبار الأفراد، لا باعتبار الحقيقة، لأن اعتبار الحقيقة إنما هو في القضية الطبيعية، لا المسوَّرة.
الثاني من الصيغ: "جميع":
وهي مثل "كل"، إلا أنها لا تضاف إلا إلى معرفة، فلا تقول: (جميع رجل)، وتقول: (جميع الناس) و(جميع العبد).
وإلا أنَّ دلالتها على كل فرد فرد بطريق الظهور، بخلاف "كل"، فإنها بطريق
[ ٣ / ١٣١١ ]
النصوصية.
وفرق الحنفية بينهما بأن "كُلا" تعم على جهة الانفراد، و"جميع" على جهة الاجتماع.
ونقل ابن العارض المعتزلي في كتاب "النكت" عن الزَّجاج أنه حكاه عن المبرد.
قيل: والذي قاله المبرد إنما هو في نحو: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠]. وحكاه كذلك ابن الخشاب وابن إياز، وإن كان ابن بابشاذ نقل عنه خلافه.
على أنه قد تمنع التفرقة بينها وبين "كل" بذلك، فإن "جميع" تقتضي التفصيل بخلاف مجموع، وهذا شائع في الاستعمال.
قال بعضهم: إذا كانت "جميع" إنما تضاف لمعرفة فهو إما بِـ "اللام" أو بكونه "مضافًا لمعرفة"، وكُل منهما يفيد العموم، فَلَمْ تُفِده "جميع".
وجوابه أن ما فيه الألف واللام يُقدر حينئذٍ أنها للجنس، والعموم مستفاد من "جميع". وأما المضاف نحو: "جميع غلام زيد" فليست فيه لعموم كل فرد، بل لعموم الأجزاء كما سبق إيضاح الأمرين في الكلام على "كل"، فاعْلَمه.
وقولي: (نَحْوُ "جَمِيعٍ") إشارة إلى أن ما كان من هذه المادة مثلها في العموم، كَـ"أجمع" و"أجمعين" ونحوهما. ومَن زعم أن "أجمعين" تقتضي الاتحاد في الزمان بخلاف "جميع"، فالأصح خلاف قوله، قال تعالى: ﴿وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٣٩].
نعم، اختلف في أن: "أجمع" ونحوه إذا وقع بعد "كل"، هل التأكيد بالأول والثاني زيادة فيه؟ أو بكل منهما؟ أو بهما معًا؟ الأرجح الأول كما في سائر التوابع.
ومن مادة [جمع] (^١) أيضًا: "جاء القوم بأجمُعهم" (وهو بضم الميم جمع "جَمعْ" بفتح أوله
_________________
(١) كذا في (ص، س، ض)، لكن في (ق): جميع.
[ ٣ / ١٣١٢ ]
وسكون ثانيه): كَـ "عَبْد وأَعْبُد". ولا يقال: بِـ "أجمَعهم" بفتح الميم؛ لئلا يتوهَّم أنه "أجمع" الذي يؤكد به؛ لأن ذاك لا يضاف للضمير ولا يدخل عليه حرف الجر. كذا قاله الحريري في "درة الغواص" (^١)، لكن قد حكى الوجهين ابن السكيت، وإنْ كان الأقيس "الضم".
ويدخل في قولي: (نَحْوُ) أيضًا "سائر"، فقد قال الجوهري: إنها بمعنى "جميع" (^٢)؛ لأنها من سور المدينة، وهو المحيط بها.
وغلطوه، وليس كذلك؛ فقد ذكره السيرافي في "شرح سيبويه" والجواليقي في "شرح أدب الكاتب" وابن بري وغيرهم، وأوردوا له شواهد كثيرة.
وممن عدها من صيغ العموم القاضي في "مختصر التقريب" والقاضي عبد الوهاب في "الإفادة" كما نقله الأصفهاني في "شرح المحصول"، لكن الموجود في "الإفادة" إنما هو حكاية ذلك وتغليطه بأنها من "أسأر"، أي: أبقى، فهو من "السؤر" وهو البقية، فلا تعم كما هو المشهور.
لكن لا تَنافي بينهما، فهي للعموم المطلق ولعموم الباقي بحسب الاستعمال، كما تقول: اللهم اغفر لي ولسائر المسلمين.
وقال -ﷺ- في حديث غيلان لما أسلم على عشرة نسوة: "أمسك أربعًا، وفارق سائرهن" (^٣). أي: جميع من يبقى بعد الأربع.
ويدخل في قولي: (نَحْوُ) أيضًا: "معشر" و"معاشر" و"عامة" و"كافة" و"قاطبة".
_________________
(١) درة الغواص في أوهام الخواص (ص ٢٠٢).
(٢) قال في (الصحاح، ٢/ ٦٩٢): (سائر الناس: جميعهم).
(٣) صحيح ابن حبان (رقم: ٤١٥٧)، سنن البيهقي الكبرى (١٣٨١٩) وغيرهما. قال الألباني: صحيح. (التعليقات الحسان: ٤١٤٥).
[ ٣ / ١٣١٣ ]
نحو: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الأنعام: ١٣٠]، "إنَّا معاشر الأنبياء لا نورث" (^١)، ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]، وقالت عائشة: "لَمَّا مات -ﷺ- ارتدت العرب قاطبة" (^٢). قال ابن الأثير: أي: جميعهم.
لكن "معشر" و"معاشر" لا يكونان إلا مضافين، بخلاف "قاطبة" و"عامة" و"كافة": فإنها تضاف وتفرد.
وقولي: (وَلمَوْصُولٍ بِذَا يُقْفَى) إلى آخره -أي: بالعموم يُقضى فيه، فالأسماء الموصولات من صيغ العموم، وكذا أسماء الشرط والاستفهام، لكن هل هي من القسم الذي يفيد بمفرده؟ أو لا؟
الظاهر الأول، خلافًا لمن زعم أن ذلك لانضمام الصلة ونحوها كما اعترض به القرافي على الإمام وعدى ذلك إلى أسماء الاستفهام والشرط وإلى ما سبق من لفظ: "كل" و"جميع"؛ لأنه لا بُدَّ في ذلك من انضمام لفظ إليه.
وهذا مردود؛ لأن الصلة إنما هي قيد في أصل الدلالة، لا في إفادة العموم. وكذا ما ينضم لأسماء الاستفهام والشرط ونحو: "كل" و"جميع".
نعم، من ألفاظ هذه الأنواع الثلاثة ما يختص في العموم بنوع في الغالب، نحو: "مَنْ" للعاقل، وربما قيل: التعبير بِـ "العالِم" أَوْلى؛ ليدخل نحو: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾
_________________
(١) مسند أحمد (٩٩٧٣)، سنن النسائي الكبرى (رقم: ٦٣٠٩)، المعجم الأوسط (رقم: ٤٥٧٨) بلفظ: (إنا معشر الأنبياء لا نورث). وفي صحيح البخاري (رقم: ٢٩٢٦)، صحيح مسلم (رقم: ١٧٥٩) بلفظ: (إِنَّ رَسُولَ الله -ﷺ- قال: لَا نُورثُ، ما تَرَكْنَا صَدَقَة). قال الحافظ ابن حجر في (التلخيص الحبير، ٣/ ١٠٠) في إسناد النسائي: (إسناده على شرط مسلم).
(٢) تاريخ دمشق (٣٦/ ٣١٠)، المطالب العالية (١٥/ ٧٢٧).
[ ٣ / ١٣١٤ ]
[لرعد: ٤٣]. لكن الكلام الآن حيث كانت عامة، فالتعبير بالعاقل مستقيم، نحو: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ [فصلت: ٤٦]، ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر: ٥٦].
و"ما" لغير العاقل، نحو: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر: ٢]، ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى﴾ [طه: ١٧].
ومنها ما يختص بالزمان، كـ"متى"، أو المكان، كَـ "أين".
وما يعم الكل، كَـ"أل"، وسيأتي إيضاحها في المحلَّى بِـ "أل" والفرق بينهما والخلاف فيهما.
وكَـ "أي" الشرطية والاستفهامية، لا الموصولة؛ فلذلك عَقَّبتُ بالأمثلة وبينتُ ما يحتاج إلى البيان وإخراج ما يخرج في الأبيات الآتية. والله أعلم.
ص:
٥٧٩ - كَـ "مَا"وَ"مَنْ "، وَلإنَاثٍ يَشْمَلُ ذِي في كَـ "مَنْ بَدَّلَ دِينًا، يُقْتَلُ"
٥٨٠ - وَكَـ "مَتَى" في زَمَنٍ، وَ"حَيْثُما" وَ"أَيْنَ" في الْمَكَانِ فِيمَا عُلِمَا
٥٨١ - نَعَمْ، مِنَ الْمَوْصُولِ "أَيٌّ "تُفْرَدُ فَلَيْسَ فِيهَا مِنْ عُمُومٍ يُقْصَدُ
الشرح:
فأشرت إلى أن "مَن" و"ما" للعموم، سواء أكانتا للشرط أو للاستفهام أو موصولتين.
أما الشرطيتان: فبالاتفاق، وأما الاستفهاميتان فعَلَى قول الجمهور، منهم: الشيخ أبو إسحاق وسليم الرازي وابن السمعاني وابن الصباغ وغيرهم، وأبو بكر الرازي والبزدوي من الحنفية، والقرطبي والأبياري مِن المالكية، واختاره الإمام الرازي والآمدي والهندي،
[ ٣ / ١٣١٥ ]
لكن ظاهر تقييد إمام الحرمين بالشرطية خروج الاستفهامية.
وأما الموصولتان: فالمختار فيهما العموم، فقد مَثَّل الغزالي في "المستصفى" لعموم "ما" بقوله -ﷺ-: "على اليد ما أخذت حتى تؤديه" (^١).
وقد مثل الكلُّ تأخيرَ البيان إلى وقت الحاجة بقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] حتى قال ابن الزبَعْرى ما قال.
وجرى على عمومهما ابن الحاجب وابن الساعاتي والصفي الهندي.
ونقله القرافي عن صاحب "التلخيص"، يعني: النقشواني، وأنكر ذلك الأصفهاني وقال: (إن المصرح به فيه خلاف ذلك) (^٢).
فلذلك أطلقته في النَّظم وإنْ كان مقتضى كلام كثير أنهما ليسا للعموم، وصرح به أبو منصور البغدادي وسليم في "التقريب"، وهو ظاهر تقييد القاضيين أبي بكر وعبد الوهاب "مَن" و"ما" بالشرطيتين والاستفهاميتين.
وفيهما قول ثالث لبعض الحنفية: أن العموم فيهما عموم كل مجموعي، لا كلية، بخلافهما شرطيتين واستفهاميتين. فإذا قال: (مَن زارني فأعطه درهمًا)، استحق كل واحد واحد ممن زاره درهمًا. وإذا قال: (أعط مَن في هذه الدار درهمًا)، استحق الكل درهمًا واحدًا.
_________________
(١) سنن أبي داود (رقم: ٣٥٦١)، سنن الترمذي (١٢٦٦)، وغيرهما. قال الألباني: ضعيف. (ضعيف أبي داود: ٣٥٦١).
(٢) الكاشف عن المحصول (٤/ ٢٣٠).
[ ٣ / ١٣١٦ ]
تنبيهات
الأول: استُشْكل عموم "مَن" و"ما" في الاستفهام مثلًا بأنه لو قيل: مَن في الدار؟ حَسُنَ أن يجاب بالمفرد، فيقال: زيد. وكذا لو قيل: ما عندك؟ فتقول: درهم.
وأجاب القرافي بما معناه أن العموم من حيث شموله لكل ما يصلح دخوله فيه، وأما الجواب بالواحد فباعتبار الواقع، ولا تنافي بينهما.
واستُشكل أيضا بِقَول الفقهاء فيما لو قال: (مَن دخل داري فله درهم)، أو: (مَن خلت فهي طالق) أنَّ مَن دخل ثانيًا لا يستحق درهمًا آخَر، ولا مَن دخلت لا تُطلَّق طلقةً ثانيةً.
وجوابه: أن العموم في الأشخاص، لا في الأفعال، إلا أنْ تقتضي الصيغة التكرر، نحو: "كلما"، أو يحكم به قياسًا؛ لكون الشرط علة، نحو: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ [الجاثية: ١٥]، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧)﴾ [الزلزلة: ٧].
فإن قيل: لو قتل المُحرِم صيدًا بعد صيد، تكرر الجزاء مع أن الصيغة "مَن" في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ [المائدة: ٩٥] الآية.
قيل: لتعدد المحل كما أجاب به الماوردي والمحاملي والجرجاني في "المعاياة".
قالوا: بخلاف ما لو كان المحل واحدًا كالمثال السابق، حتى لو قال: (مَن دخل داري فله درهم) وله عدة دُور، فكلما دخل دارًا، استحق درهمًا؛ لاختلاف المحل.
ولهذا لو قال: (طَلق من نسائي مَن شئت)، لا يطلق إلا واحدة.
ولو قال: (مَن شاءت)، له أن يطلق عددًا يشاء؛ لتعدد المحل.
فإن قيل: لو قال: (مَن رد عبدي فله درهم) فرده جمع، استحقوا درهمًا، لا أن لكل
[ ٣ / ١٣١٧ ]
واحد درهمًا.
فالجواب -كما قرره الماوردي- أنه لم يصدر مِن كُلٍّ تمام الشرط المعلَّق عليه، بل جزؤه؛ فاستحق الجزء.
الثاني: أن العموم في "مَن" و"ما" وغيرهما لا يخفى أنه فيمن يقبل الحكم المذكور.
ففي "الكفاية" في باب السير: إذا قال الأمير: (مَن غزا معي فله دينار)، لا يدخل أهل الفيء ولا النساء، بخلاف ما لو قال: مَن قاتل معي فله دينار.
قال: لأن الغزو حُكم يتوجه لأهله، وأما الصبيان فخارجون من الأمرين؛ لذلك، وكذا العبيد بلا إذن السيد.
الثالث: لم أذكر اختصاص "مَنْ" بالعاقل و"ما" بغيره؛ لأنَّ كُلًّا منهما قد يستعمل في الآخَر كثيرًا في مواضع مشهورة في النحو، والعموم موجود، فلا حاجة لذِكر اختصاص ولا غيره فيهما.
وذكرتهما من أمثلة الأقسام الثلاثة؛ حتى يتقيدا بها؛ ليخرج ما سبق في باب الأدوات من ورودهما نكرتين موصوفتين ونكرتين تامتين، فإن ذلك لا عموم فيه إلا بقرينة نفي ونحوه، نحو: ما مررت بمن معجب لك، أو: بما معجب لك.
وقولي: (وَلإنَاثٍ يَشْمَلُ) إلى آخِره -إشارة إلى مسألة تتعلق بِـ "مَن" الشرطية، وهي أنها هل تشمل المؤنث؟ أو تختص بالمذكر؟
المشهور الأول؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ [النساء: ١٢٤]، فلولا شمولها للأنثى لَمَا بيَّن به مع المذكر، ولقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الأحزاب:]، ولقوله -ﷺ-: "من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه". فقالت أم
[ ٣ / ١٣١٨ ]
سلمة: "فكيف تصنع النساء بذيولهن" الحديث (^١)، وقد سبق، فأقرها النبي -ﷺ- على فهم دخول النساء في "مَن" الشرطية.
ولأنه لو قال: (من دخل داري فهو حر) فدخلها النساء، عُتِقن بالإجماع كما قاله في "المحصول".
وحكى ابن الحاجب وغيره قولًا أنَّ "مَنْ" تختص بالذكور، ولا يدخل فيها الإناث. ويُعزى لبعض الحنفية، وأغرب ابن الدهان النحوي فعزاه للشافعي.
وبنى المخالف على ذلك عدم قتل المرتدة؛ لحمله قوله -ﷺ-: "مَن بَدَّل دِينه فاقتلوه" (^٢) على اختصاصه بالذكور.
ومذهبنا أنها تُقتل؛ بناء على دخول الإناث في الحديث.
نعم، قيد إمام الحرمين الخلاف بِـ "مَنْ" الشرطية، وبه عَبَّر ابن الحاجب وجَمعٌ حتى لا يجري الخلاف في الاستفهامية والموصولة.
لكن قال الصفي الهندي: الظاهر أنه لا فرق.
واعتذر بعضهم عن إمام الحرمين بأنه إنما قيد بذلك لكونه لم يذكر الاستفهامية والموصولة في صيغ العموم.
وقولي في النَّظم: (في كَـ "مَنْ بَدَّلَ") يحتمل الرأيين، أي: مثل: "مَن بدل دينه" في كونها شرطية أو في كونها مِن صُوَر "مَنْ" في الجملة، مثالًا، لا قيدًا، ولكن الاحتمال الثاني أعم وأَفْيد، فهو الأرجح.
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) صحيح البخاري (رقم: ٢٨٥٤)، وغيره.
[ ٣ / ١٣١٩ ]
تنبيهات
الأول: الخلاف في مدلول "مَنْ" و"ما"، لا في لفظهما.
فقد قال النحاة كما في "التسهيل" وغيره: إن "مَن" و"ما" في اللفظ مفردان مذكران، وإذا قصد بمعناهما غير ذلك فإنما يدل عليه مراعاة المعنى مِن عَوْد ضمير ونحوه (^١).
ومرادهم بذلك أن معناهما في الأصل من حيث إطلاق لفظهما مفرد مذكر، ومخالفة ذلك إنما هي بحسب مراد المتكلم، فالكل باعتبار المدلول باعتبارين، وإلا فنفس اللفظ ليس الكلام فيه، فإن "لفظ سائر الكلمات" إذا أريد لفظه، يذكَّر باعتبار "لفظ"، ويؤنث باعتبار "كلمة".
فتقول: (زيد ثلاثي) و: (ثلاثية)، أي: كلمة ثلاثية.
الثاني: اختُلف في "مَنْ"، فالأرجح تناولها للعبيد، وقيل: تختص بالأحرار. وكأنَّ ذلك من حيث الشرع، فسيأتي أن العبيد هل تدخل في العمومات الشرعية؟ أو لا؟
وقولي: (وَكـ "مَتَى" في زَمَنٍ) أي إنَّ عموم "متى" إنما هو باعتبار الأزمنة، فنحو: (متى دخلت الدار، فأنت حر) يعتق بأيِّ وقت دخل.
نعم، قيده ابن الحاجب وغيره بالأزمان المبهمة، فلا يقال: (متى طلعت الشمس)، بل يقال: (إذا طلعت). وهذا مراد مَن أطلق العبارة كما أطلقتُ ذلك في النَّظم؛ لظهوره.
ولا فرق في "متى" أن يتصل بها "ما" (كَـ) "متى ما") أوْ لا.
وقولي: (وَ"حَيْثُمَا" وَ"أينَ" في الْمَكَانِ) معناه أن عمومهما في الأمكنة، كقوله: حيثما
_________________
(١) تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد لابن مالك (ص ٣٦).
[ ٣ / ١٣٢٠ ]
تستقم يقدِّر لك الله خيًرا في سالف الأزمان.
وكقولك: أين أجلسَني الله أجلِس.
ومما يختص أيضًا من أسماء الشروط والاستفهام: "أنَّى وأيَّان" للزمان.
و"مهما" و"إذ ما" في الشرط. وغير ذلك مما تقرر في العربية.
ومما يدخل أيضًا في إطلاق الموصول: "الذي" و"التي" وفروعهما، و"ذا" بعد "ما" و"مَن" الاستفهاميتين، نحو: "ماذا عندك؟ " و"مَن ذا عندك؟ " على الخلاف في اشتراط ذلك، فإن الكوفيين لا يشترطونه؛ تعلقًا بقوله: (وهذا تحملين طليق). وأوَّلَه البصريون على أن "تحملين" حال، لا صلة.
وكذلك "ذو" الطائية وما تَفرع منها.
نعم، قيد بعضهم ذلك بأن لا يظهر فيه عهد، نحو: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: ٤]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠]، بخلاف نحو: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَن﴾ [غافر: ٣٠]، ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾ [المجادلة: ١].
وفيه نظر؛ لأنَّ شرط صلة الموصول العهد على ما فيه من إشكال سيأتي، ويأتي جوابه وأنه لا ينافي العموم، وحينئذٍ فنحو: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَن﴾ [غافر: ٣٠] غايته أنه عام أريد به خاص، لا أنه لا عموم فيه أصلًا.
ومن الموصولات أيضًا "أل" في نحو: "العالم" و"المخلوق"، فيقتضي العموم، كما لو قال: (القائم من عبيدي حر)، أو: (الداخلة للدار من نسائي طالق).
ذكره بعض الحنفية، وهو واضح وإنْ تعقبه بعض شيوخنا بما لا يجدي، بل ويلزم على قوله أن لا يستدل بعموم ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ [المائدة: ٣٨]، ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢] الآيات.
[ ٣ / ١٣٢١ ]
نعم، مَن لم يجعل "مَنْ" و"ما" الموصولتين عامتين يقول بذلك أيضًا في: "الذي" و"التي" وفروعهما وغير ذلك من الموصولات.
وستأتي نصوص الشافعي وكلام الأصحاب في ذلك (في مسألة: المحلَّى بِـ "أل").
والراجح عموم الموصولات كلها سِوَى ما استثنيته في النَّظم، وهو "أي"، نحو: "يعجبني أيهم هو قائم"، فلا عموم فيها، بخلاف الشرطية نحو: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]، والاستفهامية نحو: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ [النمل: ٣٨]، ومن الشرطية: "أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل" (^١).
وهي تشمل العاقل وغيره، كما في: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ [النمل: ٣٨]، هذا هو المرجح عند الجمهور.
وممن صرح بعموم الشمول فيها الشيخ أبو إسحاق، وإنْ كان القاضي عبد الوهاب وافق ابن السمعاني في أنها للعموم البدلي، لا الشمولي، وكذا قال صاحب "اللباب" من الحنفية وأبو زيد في "التقويم": إنها نكرة، لا تقتضي العموم إلا بقرينة، حتى لو قال: "أي عبيدي ضربته فهو حر" فضربهم، لا يعتق إلا واحد، بخلاف: "أي عبيدي ضربك فهو حر" فضربوه جميعًا، عُتقوا؛ لعموم فعل الضرب.
وكذا صرح إلْكِيَا بأنها ليست للعموم.
وفي "فتاوى" القاضي حسين والغزالي: لو قال: "أي عبيدي حج فهو حر" فحجوا كلهم، لا يعتق إلا واحد.
لكن في "فتاوى الشاشي" أنه لا فرق عندنا بين الصورتين، وأنهم يعتقون جميعًا؛ عملًا بعموم "أي".
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ٣ / ١٣٢٢ ]
وبذلك صرح الأستاذ أبو منصور، فقال: ("أَيّ " أَعَم المبهمات).
وزعم أصحاب الرأي أنه على الواحد غالبًا.
وكذلك قال أبو حنيفة في "أي عبيدي ضربت فهو حر": يحمل على الواحد، و"أي عبيدي ضربك ": على الجميع؛ لأنه أضاف الفعل الذي علق به الحرية إلى الجماعة.
قال الأستاذ: (ونحن نقول بعموم اللفظ في الموضعين). انتهى
ووجَّه ابن يعيش وغيره هاتين المسألتين -وهُما معروفتان لمحمد بن الحسن- بأن الفعل في المسألة الأولى خاص؛ لإسناده لضمير المخاطب، وفي الثانية عام؛ لإسناده لضمير هو عام. وقرروا أن الفعل يعم بعموم فاعله، لا بعموم مفعوله؛ لأن الفاعل كالجزء من الفعل، لا يُستغنى عنه، والمفعول يستغني عنه الفعلُ.
وبذلك أيضا وجَّه القاضي حسين الفرق.
وقد اعترض ابن عمرون النحوي على ذلك بأن ضمير الفاعل والمفعول فيهما على حدٍّ سواء، كقول العباس بن مرداس:
وما كنتُ دُون امرئ منهما ومَن تخفض اليوم لا يُرفع
فإن "مَن" الشرطية عامة باتفاق، مع أن التقدير: "ومَن تخفضه اليوم"، و"الهاء" عائدة على "مَن" وهو الاسم العام.
وأما ضمير الفاعل فخاص، وهو ضمير النبي -ﷺ-.
وأطال في ذلك وفي الاستشهاد عليه.
واعلم أن الحنفية عدوا الحكم إلى "أي عبيدي ضُرب" مبنيًّا للمفعول. قاله ابن جني؛ لأن الفاعل وإنْ لم يُذكر ففي حُكم المذكور.
[ ٣ / ١٣٢٣ ]
ويَرُده: "أيما إهاب دُفي فقد طهر" (^١)، وهُم ممن قال فيه بالعموم حتى أدرجوا فيه جِلد الكلب.
تنبيه:
إذا اتصلت "أي " بِـ "ما"، كانت "ما" تأكيدًا لها، خلافًا لقول إمام الحرمين في "البرهان ": إن "ما" للعموم في "أيما امرأة نكحت نفسها" الحديث.
لاعتقاده أن "ما" فيها هي الشرطية.
وقريب من ذلك قول الغزالي: إنَّ "ما" مؤكدة للعموم.
لكن الصواب أن يُقال: إنها مؤكدة لأداة الشرط، وهو عند النحويين من التأكيد اللفظي بمنزلة تكرير اللفظ، فإنْ أراد الغزالي ذلك فواضح.
تنبيه آخر:
استُشكِل جَعْل الموصولات من صيغ العموم مع اشتراطهم في الصلة أن تكون معهودة معلومة للمخاطب إلا إذا قُصد الإبهام تهويلًا؛ لتذهب نفس السامع كل مذهب، كقوله تعالى: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨]؛ ولهذا كانت الصلة هي المعرِّفة للموصول، خلافًا لمن قال: إنَّ المعرِّف له هو "أل" ظاهرة أو مقدرة فيما ليست فيه كَـ "من" و"ما"، والعهد ينافي العموم (كما سيأتي)، وصرح به ابن الحاجب وغيره.
قلت: قد يجاب بأن العهد ليس في نفس الموصول المدَّعَى عمومه، بل في قيده، وقيد العام إنما يخصص محل عمومه ولا يسقط عمومه، كَـ: "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ٣ / ١٣٢٤ ]
رأت" (^١) الحديث، فوصْفهم بالصلاح لم يخرج "عبادي" عن العموم بالكلية.
فإن قلتَ: العهد يجعل المدلول معيَّنًا، والعموم استغراق بلا حصر، بخلاف ما ذكرت من قيد الوصفية ونحوها.
قلتُ: لم يجعله إلا معيَّنًا في الذهن، لا في الخارج. فإذا أريد تعيُّنه في الخارج فذاك بحسب الواقع؛ ولهذا قال البيانيون في التعريف بالموصولية: إنه قد يكون لينبه المخاطب على [خطئه] (^٢)، نحو:
إن الذين تَرونهم إخوانكم يشفي غليلَ صدورهم أن تُصْرَعُوا
فإنه ليس المقصود معيَّنًا في الخارج، بل كل مَن ظُن بهذه الصفة.
وقد يكون بالإيماء إلى وجه بناء [الخبر] (^٣)، نحو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر: ٦٠] الآية، ليس المراد قومًا بأعيانهم.
وبهذا التقدير يُعلم أن نحو: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ لم يخرج عن العهد؛ لأن كل ما يتخيله المخاطب في ذهنه يصير به عهدًا، بخلاف ما لم يُعْهَد فيه الصلة لا عهذا خارجيًا ولا ذهنيًا، فإنه مخصوص حقيقةً أو تقديرًا. فَتَأَمَّلْه.
فإن قيل: المحكوم بأنه معهود في المحلَّى "بأل" إنما هو الاسم الداخل عليه "أل"، وهو الذي يُقضَى بعمومه حيث لا عهد، فلِمَ لا قيل بعمومه ولو كان فيه عهد كما قلتَ به في الموصول؟ قلتُ: المعهود هو الاسم، و"أل" قرينة العهد.
_________________
(١) صحيح البخاري (رقم: ٣٠٧٢)، صحيح مسلم (رقم: ٢٨٢٤).
(٢) كذا في (ص)، لكن سائر النسخ في بعضها: (خطابه)، وفي البعض الآخر: (خطايه).
(٣) في (ق): الخير.
[ ٣ / ١٣٢٥ ]
وأما المعهود في الموصول فهو الصلة، والموصول ليس فيه عهد، بل مُقيد بما فيه العهد، والله أعلم.
ص:
٥٨٢ - وَللْعُمُومِ أَيْضًا الْمُعَرَّفُ بِـ "ألْ" لِغَير الْعَهْدِ فِيمَا تَصِفُ
الشرح:
هذا هو القسم الثاني من صيغ العموم الدالة عليه من حيث اللغة، وهو ما يدل لا مستقلًّا، بل بواسطة أمر آخر.
وقد سبق أنه قسمان: في إثبات، وفي نفي ونحوه.
فما في الإثبات ضربان: اقتران بالألف واللام، وتقييد بإضافة لمعرفة.
والمراد أن قرينته ليست هي النفي، لا أنه لا يكون في النفي؛ لئلا يَرِد: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَات﴾ [البقرة: ٢٢١]، "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" (^١).
فأشرت بهذا البيت إلى الضرب الأول من القسم الأول في الإثبات، وهو ما قرينته "أل"، وفي معناه أن يكون نفس "أل" هي العامة كما سبق في الموصولات، فإن القول فيهما واحد على القول بعموم الموصولة.
ولهذا يقع في تمثيلاتهم المحلَّى بِـ "أل" واستدلالاتهم على العموم فيها بمواضع "أل" فيها موصولة؛ إشعارًا بأنه لا فرق بينهما في الحكم.
ويتميز كلّ عن الآخر بأن الموصولة هي الداخلة على وصف صريح، كاسْم الفاعل
_________________
(١) صحيح البخاري (رقم: ٨٥٨)، صحيح مسلم (رقم: ٤٤٢).
[ ٣ / ١٣٢٦ ]
واسم المفعول ونحوهما من صِيَغ المبالغة، و"فعيل" كَـ "جريح"، والصفة المشبهة كالجميل، خلافًا لقول ابن العلج في "البسيط": إنها لا توصل بها؛ لبُعدها عن شبه الفعل؛ لثبوت معناها. ورجحه من المتأخرين الشيخ جمال الدين ابن هشام في "مغني اللبيب".
أما غير الصريح كالذي غلبت عليه الاسمية: كَـ "أبطح" و"أجرع" فَـ "أل" فيه للتعريف كما هي في الجوامد كَـ "رجل". فى أن أبا الحسن الأخفش يقول في "أل" الموصولة: إنها للتعريف.
وبالجملة فالمقترن بِـ "أل" كيف كانت إما أن تكون للعهد أو للجنس، والعهد إما ذِكري وإما ذهني. وفي تحقيقهما وتفاصيلهما أمور مشهورة في العربية لا نُطَول بها.
فإذا عرف إرادة العهد بقرينة، فلا عموم اتفاقًا. نحو: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٦]، ﴿يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٧]، ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ [آل عمران: ٣٦].
وممن نقل الاتفاق في ذلك الإمام الرازي في "المحصول".
قال بعضهم: إلا أن يكون باعتبار أفراد المعهودين خاصة، فيكون العموم فيه بهذا الاعتبار. وهو ظاهر.
فإن قيل: ما الفرق بين هذا وبين العام إذا ورد على سبب خاص؟ فإنه عام على المرجَّح كما سيأتي، فلِمَ لم يُجْرَ الخلاف الذي هناك هنا في أنه يَعُم المعهود وغيره ولا يُعْمَل بخصوص العهد؟
فالجواب أنَّ "أل" العهدية إذا لم يكن موضوعًا ما هي فيه للعموم، فليس من العام الذي يخرج بعضه ويبقى بعضه، بخلاف ذاك، فإن العموم فيه بالوضع، ولكن هل يطرقه تخصيص بالسبب؟ أوْ لا؟ فافترقا.
[ ٣ / ١٣٢٧ ]
والجنسية إما أن تدخل على:
- جمع كثرة لمذكر كَـ "رجال"، أو مؤنث كَـ "صواحب"، أو قِلة وهو جمْعَا التصحيح لمذكر كَـ "مسلمين" أو مؤنث كَـ "مسلمات")، أو تكسير بوزن "أفعِلة" أو "أفعُل" أو "فِعْلة" أو "أفعال"، كَـ "أكسِية" و"أفلُس" و"صِبية" و"أجمال"). والقلِة من ثلاثة أو اثنين -على الخلاف- إلى أحد عشر، ومن بعدها للكثرة.
- أو ما في معنى الجمع من "اسم جنس جمعي" كَـ "تمر"، أو "اسم جمع" كَـ "قوم " و"رهط" و" طائفة" و"نساء".
- وإما على مثنى، كَـ "رجُلين".
- أو ما في معناه، كَـ "شفع" و"زكا".
- وإما على مفرد، كَـ "رجُل".
فأما غير المفرد مما ذكرناه فالصحيح من الأقوال أنه للاستغراق، نحو: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾ [النمل: ٨٨]، ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]، "الناس مجزيون بأعمالهم" (^١) و"في الغنم السائمة الزكاة" (^٢). ومن الموصولة نحو: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] الآية، ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، وغير ذلك من الآيات والأحاديث.
قال ابن برهان: القول بعمومها هو قول معظم العلماء.
وقال ابن الصباغ: إنه إجماع أصحابنا.
_________________
(١) الأسرار المرفوعة للأخبار الموضوعة (ص ٣٦٢)، المقاصد الحسنة للسخاوي (ص ٢٨٢).
(٢) سبق تخريجه.
[ ٣ / ١٣٢٨ ]
ودليله أن العلماء لم تزل تستدل بآية السرقة وآية الزنا وآية الأمر بقتال المشركين ونحو ذلك.
وفي "الصحيحين" احتجاج عمر حين قتال أبي بكر -﵂- مانعي الزكاة بقول النبي -ﷺ-: "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله" (^١) الحديث، وأقره أبو بكر وغيره، ثم احتج أبو بكر بقوله -ﷺ-: "إلا بحقه"، والزكاة من حقه.
وقد احتج أبو بكر - ﵁ - بقوله ﵊: "الأئمة من قريش" (^٢)، وأقروه. رواه أحمد والنسائي وغيرهمما.
ووقع في "شرح المهذب" أنه في "الصحيحين"، ولعله أراد معنى الحديث، وهو حديث ابن عمر مرفوعًا: "لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي في الناس اثنان" (^٣).
وكذا الاستدلال بحديث: "إنا معاشر الأنبياء لا نورث" (^٤). رواه النسائي. وفي "الصحيحين" منه: "لا نُورَث، ما تركنا صدقةٌ" (^٥). وغير ذلك مما لا ينحصر.
وأصرحها قول النبي -ﷺ- في التشهد في "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين": "فإنكم إذا قلتم ذلك، فقد سلمتم على كل عبد لله صالح في السماء والأرض" (^٦). أخرجه البخاري
_________________
(١) صحيح البخاري (رقم: ١٣٣٥)، صحيح مسلم (رقم: ٢٠)
(٢) مصنف ابن أبي شيبة (رقم: ٣٢٣٨٨)، مسند الإمام أحمد (رقم: ١٢٣٢٩)، سنن النسائي الكبرى (رقم: ٥٩٤٢)، وغيرها. قال الألباني: صحيح. (إرواء الغليل: ٥٢٠).
(٣) صحيح البخاري (رقم: ٣٣١٠)، صحيح مسلم (رقم: ١٨٢٠)، واللفظ لمسلم.
(٤) سبق تخريجه.
(٥) صحيح البخاري (رقم: ٢٩٢٦)، صحيح مسلم (رقم: ١٧٥٩).
(٦) سبق تخريجه.
[ ٣ / ١٣٢٩ ]
ومسلم.
والقول الثانى: لا يفيد الاستغراق. حكاه صاحب "المعتمد" عن الجبائي، وحُكي أيضًا عن جمعٍ من الفقهاء.
قال ابن السمعاني: (سواء جمع السلامة والتكسير) (^١).
وقال سليم في "التقريب": سواء المشتق وغيره.
وحُكي أيضًا في "المعتمد" عن أبي هاشم أنه يفيد الجنس دون الاستغراق، وحكاه غيره عنه أيضًا وعن الفارسي.
ومن الغريب عزو المازري والأبياري في شرحَي "البرهان" ذلك للشيخ أبي حامد، يدفعان بذلك قول إمام الحرمين: إن اتفاق الأصوليين على أن ذلك يفيد الاستغراق.
ولا يصح عنه إلا أنه نقله عن أبي هاشم.
نعم، زعم بعضهم أن القول بعموم الجمع المعرف إذا كان جمع قِلة -مُشكل؛ لأنه إلى عشرة، والعموم ينافي ذلك.
وعنه أجوبة كثيرة:
منها جواب إمام الحرمين: حمل كلام سيبويه والنحاة على المنكَّر، وكلام الأصوليين على المعرَّف.
ومنها: أن أصل الوضع في القِلة ذلك، لكن كثر استعماله كالكثرة إما بِعُرف الاستعمال، أو بِعُرف الشرع.
ومنها: أن المقتضي للعموم إذا دخل على الواحد، لا تدفعه وحدته، فدخوله على جمع
_________________
(١) قواطع الأدلة (١/ ١٦٧).
[ ٣ / ١٣٣٠ ]
القِلة لا يدفعه تحديده بهذا العدد من باب أَوْلى.
وقيل: السؤال من أصله لا يَرِد؛ فقد قال الزَّجاج وابن خروف: إن جَمْعَي القِلة والكثرة سواء.
وقيل: لا يَرِد؛ لأمر آخَر، وهو أن المقتضي للعموم إذا دخل على جمع -فيه خلاف سيأتي- أن آحاده جموع أو وحدان. فإن كان وحدانًا فقد ذهب اعتبار الجمعية بالكلية، وإن كان جموعًا فلا تنافي بين استغراق كل جمعٍ جمعٍ [وكَوْن] (^١) تلك الجموع كل واحد منها له عدد مُعَين.
وقيل غير ذلك.
وأما المفرد المحلَّى بِـ "أل" ففيه أيضًا مذاهب سواء أكانت "أل" مُعرفة أو موصولة (كما سبق تقريره).
أحدها: إفادته العموم، وهو ما نص عليه الشافعي في "الرسالة" حيث قال: (إن ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ ونحوه مِن العام الذي خُص). وكذا في "الأم" و"البويطي".
ونقله عنه أصحابه في ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وله في الآية كلام آخر سيأتي بيانه.
وأيضًا: فلم تَزل العلماء تستدل بآية السرقة وآية الزنا من غير نكير.
ولوقوع الاستثناء منه وهو معيار العموم، نحو: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر: ٢ - ٣]، ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] الآية، ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج: ١٩] الآية.
_________________
(١) كذا في (ت، س)، لكن في (ص، ق): لانه. وفي (ض، ش): كون.
[ ٣ / ١٣٣١ ]
وأيضًا: فيوصف بصيغة العموم، كما قال تعالى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور: ٣١].
وقال الأستاذ وسليم: إنه المذهب. ونقله الأستاذ أبو منصور عن القائلين بالصيغ، ونقله القاضي عبد الوهاب عن جمهور الأصوليين وكافة الفقهاء، وبه قال أبو عبد الله الجرجاني الحنفي، وقال القرطبي: إنه مذهب مالك وغيره من الفقهاء. وقال الباجي: إنه الصحيح. وبه قال أيضًا الشيخ أبو إسحاق الشيرازي وابن برهان وابن السمعاني، واختاره إلْكِيَا وابن الحاجب، ونقله الآمدي عن الشافعي والأكثرين، ونقله الإمام الرازي عن المبرد والفقهاء.
نعم، اختُلف في جهة عمومه -هل هو من حيث اللفظ؟ أو المعنى؟ - على وجهين حكاهما الشيخ أبو حامد وسليم وابن السمعاني.
الأكثر على الأول، ورجحه سليم.
وصحح ابن السمعاني الثاني، قال: (وكأنه لما قال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] أَفْهَمَ أن القطع من أجل السرقة) (^١).
وكذا قال إلْكِيَا: إنه من ترتيب الحكم على الوصف.
ولعله إنما ذكره تفريعًا على طريقة أرباب الخصوص، وإلا فقد قال هو آخرًا: إنَّ الصحيح أنَّ هذه الألفاظ للعموم.
المذهب الثاني: إنه يفيد الجنس، لا الاستغراق. وهو عن أبي هاشم والفارسي كما يقولان به في الجمع، واختاره الإمام الرازي وأتباعه.
_________________
(١) قواطع الأدلة (٢/ ١٥٥).
[ ٣ / ١٣٣٢ ]
ولما نقله ابن الخباز النحوي عن الفارسي قال: إنه احتج على ذلك بأمور لا تصبر على النظر حق الصبر.
قال: (ويُضعِّف مذهبه أنها لو كانت لتعريف الماهية لم يكن بين النكرة والمعرف بها فرق، لأن النكرة تدل على الماهية دلالة وضعية، كَـ "فرس" و"حجر". فإذا قلت: "الفرس" و"الحجر" ولم تقصد العهد وأردتَ نفس الماهية فقد عَنيتَ ما عَنَاه الواضع، وأضَعْتَ حَقَّ الألف واللام؛ فثبت أن المراد بها العموم كما قال المبرد). انتهى
الثالث: أنه يحتمل الأمرين؛ فيكون مُجْمَلًا. حكاه الأستاذ عن بعض أصحابنا.
الرابع أنه يفيد العموم إن كان مما يتميز واحِدُه بالتاء ولكن لا يتشخص له واحد ولا يتعدد، كَـ "الذهب" و"العسل"، بخلاف ما يتشخص مدلوله كَـ "الدينار" و"الدرهم" و"الرجُل"، فإنه يحتمل العموم، نحو: "لا يقتل المسلم بالكافر" (^١)، ويحتمل قصد تعريف الماهية، كَـ "الدينار أفضل من الدرهم ".
قاله الغزالي في "المستصفى" و"المنخول" وإنْ وافق في "معيار العلوم" على أنه للاستغراق، واختار هذا التفصيل أيضًا ابن دقيق العيد.
الخامس: الفرق فيما دخلت عليه "أل" بين ما فيه "هاء التأنيث" الدالة على توحيده كَـ "ضربة") فهو محتمل للعموم وللجنس، بخلاف ما لا هاء فيه أصلًا (كَـ "رجل")، أو فيه هاء بنيت عليها الكلمة (كَـ "صلاة" و"زكاة")، فالمقترن بِـ "أل" من ذلك عام.
نقله الأبياري عن إمام الحرمين، وقال: (إنه الصحيح) (^٢).
ونوزع بأن الذي في "البرهان" ونقله عنه المازري غير ذلك.
_________________
(١) صحيح البخاري (رقم: ٦٥١٧) وغيره بلفظ: (لَا يُقْتَل مُسْلِمٌ بِكَافِر).
(٢) التحقيق والبيان في شرح البرهان (١/ ٩٠٣).
[ ٣ / ١٣٣٣ ]
تنبيهات
الأول: تقييد العموم فيما سبق بانتفاء العهد يقتضي أن الأصل فيه هو الاستغراق؛ ولذلك احتاج العهد إلى قرينة. فما احتمل العهد والاستغراق لانتفاء القرينة محمول على الأصل وهو الاستغراق (كما هو ظاهر كلام أكثر الأصوليين)؛ لعموم فائدته. ونقله ابن القشيري عن المعظم وصاحب "الميزان " عن ابن السراج النحوي، وهو الذي أورده الماوردي والروياني أول "البيع "، قالا: لأن الجنس يدخل فيه العهد، بخلاف العكس.
وظاهر كلام بعضهم الحمل على العهد، وبه صرح ابن مالك من النحاة.
وفي قول ثالث: إنه مجمل؛ لكونه محتملًا على السواء. وهو قول إمام الحرمين وابن القشيري، وقال إلْكِيَا: إنه الصحيح. بل سبق الإمام إلى ذلك غيره، فقد حكاه الأستاذ عن بعض أصحابنا.
وقول رابع يخرج من كلام ابن دقيق العيد في "شرح العنوان" حيث قال: إنَّ هذا يختلف باختلاف السياق ومقصود الكلام، وُيعرف ذلك بقرائن ودلائل.
قلتُ: غايته تَوقُّف كل مِن الأمرين على قرينة تدل على إرادته. وهذا عَيْن القول بأنه مجمل، على أن الترجيح من هذا الخلاف مضطرب عند الأصوليين وغيرهم في أن: الأصل العموم حتى يقوم دليل على العهد؟ أو العهد حتى يقوم دليل على العموم؟ أو كلٌّ أصل فيحتاج لدليل؟
لكن الأول هو مقتضَى ترجيح الأكثر.
التنبيه الثاني:
إذا قلنا بعموم صيغ الجموع والمثنى وما في معناهما بقرينة في الإثبات كَـ "أل"
[ ٣ / ١٣٣٤ ]
و"الإضافة" الآتي ذِكرها وفي النفي ونحوه مما سيأتي، هل تسلب دلالته على الجمعية وتصير أفراده وحدانًا كأفراد المفرد في ذلك؟ أو تبقى آحاده جموعًا أو مثنيات؟
فيه خلاف يظهر أثره في الاستدلال بذلك على حكم الواحد وفي أن العموم إذا خُص وكان جمعًا هل يجوز إلى أن يبقى واحدٌ؟ أو لا بُدَّ من عدد يَصْدُق عليه ذلك اللفظ؟ وستأتي هذه المسألة وما فيها في محلها من التخصيص، وفي غير ذلك أيضًا كما سبق في التفرقة بين جمعَي القِلة والكثرة، فيلحظ معنى ذلك في كل فرد من أفراد ذلك العام.
ذهب كثيرٌ إلى الثاني.
ورجح القرافي الأول، وقال: (يتعين اعتقاد زوال الجمعية ويصير كالمفرد، ويكون الحكم لكل فرد فرد، سواء كانت الصيغة جمعًا أو ما في معناه) (^١).
وربما نقل عن الحنفية الأول.
وعن الشافعية الثاني؛ ولهذا شرطوا في كل صنف من مستحقي الزكاة ثلاثة إلا العاملين، وقالوا فيمن حلف لا يتزوج النساء أو لا يشتري العبيد: لا يحنث إلا بثلاثة.
وعند الحنفية يحنث بواحد. قاله الرافعي في "كتاب الطلاق" محافظةً على الجمع، ولم ينظروا لكونه جمع كثرة حتى لا يحنث إلا بأحد عشر.
نعم، في "الحاوي" للماوردي: حلف "لا يتصدق على المساكين"، يحنث بواحد. أو "ليتصدقن على المساكين"، لا يبر إلا بثلاثة؛ لأنَّ نفي الجمع ممكن، بخلاف إثبات الجمع، أي: مع عمومه.
قلتُ: وبهذا نستفيد أنهم إنما قالوا في أصناف الزكاة بالجمع؛ لتعذر تعميمهم، فاقتصر
_________________
(١) شرح تنقيح الفصول (ص ١٨٠).
[ ٣ / ١٣٣٥ ]
على ما يقع عليه لفظ الجمع في الأصل.
ونقل عن ابن الصباغ أن اللام الداخلة على الجمع تُصيِّره كاسم الجنس، أي: حتى يصدق على الواحد، لكنه يشكل بمسألة أصناف الزكاة.
نعم، الفرع الثاني -وهو "لا أتزوج النساء" أو "لا أشتري العبيد"- في نفي، ومع ذلك شرطوا فيه الثلاثة.
وعلى الجملة فالفروع فيه مضطربة، إلا أن يُعلَّل كل فرع بما يليق به مِن غير نظر إلى خصوص ما نحن فيه.
على أنَّ القول الأول هو ما يقع في عبارة كثير من علماء البيان.
ففي "المفتاح" و"التلخيص" أن استغراق المفرد أشمل، بدليل: "لا رجال في الدار" إذا كان فيها رجل أو رجلان، دُون "لا رجل".
ذَكَرَا ذلك لَمَّا تَكلمَا على أن تعريف المسند إليه باللام قد يكون لإفادة الاستغراق؛ فعُلم من كلامهما أنَّ هذه القاعدة وإنِ استدل عليها بما هو في النفي وهو: "لا رجال في الدار" و"لا رجل في الدار"، فإنما ذلك لظهور الاستدلال منه، وإلا فلا فرق في قرينة العموم بين أن يكون في إثبات أو نفي.
نعم، النفي الداخل على الجمع قد يُعْنَى به سلب العموم أو نفي المجموعية، فلا يكون مما نحن فيه من "أل" المفيدة للاستغراق، كما قيل به في قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٢]: إنَّ المراد: لا يدركه الكل، بل البعض. فهو مِن سلب العموم.
وقيل: المراد: لا يحيط بكنه حقيقته. فيكون من عموم السلب، وهو الأرجح، وعليه فالمراد نَفْي كل فرد فرد، لا نفي كل جمع جمع، حتى لا يلزم منه نفي إدراك فرد واحد أو اثنين.
[ ٣ / ١٣٣٦ ]
ومن ثَم قالوا في قوله تعالى حكايةً عن زكريا ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ [مريم: ٤]: إنما لم يَقُل: "وهن العظام" بالجمع؛ لإرادته شمول الوهن لكل عظم عظم، لا لجمعٍ جمع فقط الذي لا يلزم منه وهن كل فرد فرد من العظام.
قال صاحب "الكشاف": (إنما وَحَّد العظم لأن الواحد هو الدال على معنى الجنسية. وقصده إلى أن هذا الجنس الذي هو عمود البدن وبه قوامه قد أصابه الوهن. ولو جمع لكان قصد إلى معنى آخَر، وهو أنه لم يهن منه بعض عظامه، ولكن كلها) (^١). انتهى
وهو ظاهر فيما ذكر من الفرق.
ويحتمل أنه إنما أراد أن "اللام" في العظم للحقيقة، لا للاستغراق؛ لأنه ممن يرى بنفي إفادة "اللام" الاستغراق بذاتها كما سنذكره عنه من بعد.
وقد تعقب المولى سعد الدين التفتازاني على صاحب "التلخيص" وأشبع الكلام في إبطال مغزاه، فقال: (ولقائل أن يقول: لو سُلم كَوْن استغراق المفرد أشمل في النكرة المنفية فلا نُسلم ذلك في المعرَّف باللام، بل الجمع المحلَّى بلام الاستغراق يشمل الأفراد كلها مثل المفرد كما ذكره أكثر أئمة الأصول والنحو، ودل عليه الاستقراء، وصرح به أئمة التفسير في كل ما وقع في التنزيل من هذا القبيل، نحو: ﴿أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٣٣]، ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١]، ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البقرة: ٣٤]، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]، ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٣]، ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٨]، إلى غير ذلك؛ ولهذا صح بلا خلاف: "جاءني القوم -أو العلماء- إلا زيدًا" أو "إلا الزيدين" مع امتناع "جاءني جماعة من العلماء إلا زيدًا" على الاستثناء المتصل).
_________________
(١) الكشاف عن حقائق التنزيل (٣/ ٦).
[ ٣ / ١٣٣٧ ]
إلى آخر ما ذكر بِطُولِه.
ثم قال: (وإنما أطنبتُ الكلام في هذا المقام؛ لأنه من مسارح الأنظار ومطارح الأفكار، كم زلَّت فيه للأفاضل أقدامهم، وكَلَّتْ دُون الوصول إلى الحقِّ أفهامهم). انتهى
وهو كلام نفيس وإن كان لنا معه في بعضه أبحاث ليس هذا موضع ذكرها، لكن منها فيما نقلناه عنه من الاستشهاد بامتناع "جاءني جماعة من العلماء إلا زيدًا" على الاستثناء المتصل، قَصْده بذلك أنَّا إذا قلنا: آحاد الجمع العام جموع وإنَّ الجمعية في الأفراد باقية مع العموم، كان يلزم أن يجوز الاستثناء من جماعة جماعة، [لا] (^١) من الأفراد واحدًا، وذلك ممتنع. فثبت سلب الجمعية بالكُلية، لكن لفظ "جماعة" ليس هو المدَّعَى أنه فرد من أفراد صيغ الجموع المقترنة بدليل الشمول كَـ "العلماء"، إنما الخصم يدَّعِي أنَّ آحاد "العلماء" علماء وعلماء وعلماء، وهكذا.
وعلى تقدير أنْ يكون هذا مراده بجماعة من العلماء فقد يقال: إنما امتنع الاستثناء منه؛ لكونه نكرة. وسيأتي أن النكرة -وإنْ كانت جمعًا- لا يستثنى منها.
وكان ينبغي أن ينقض على صاحب "التلخيص" بقوله عقب ذلك: (ولا تنافي بين الاستغراق وأفراد الاسم) جوابًا عن سؤال السكاكي: إن الاسم المفرد -الذي يقابل المثنى والمجموع- يدل على الوحدة، والاستغراق يدل على الكثرة، والجمع بينهما في نحو "الإنسان" و"لا رجل في الدار" جمع بين متنافيين.
فأجاب بأنه لا تنافي؛ لأن الحرف وهو "لام الاستغراق" أو "لا" التي للنفي إنما دخلت عليه حال كونه مجردًا من إرادة معنى الوحدة والكثرة، ودلَّ على هذا التجرد كلمة الاستغراق، فيصير اللفظ بذلك دالًّا على الحقيقة، محتملًا للوحدة والكثرة.
_________________
(١) من (ت، س).
[ ٣ / ١٣٣٨ ]
فمقتضى الاستغراق عَيَّن أحد الاحتمالين ونَفَي الأخر؛ فلم يجتمعَا.
وأيضا: فلأنه بمعنى كل فرد، لا مجموع الأفراد، وإذا كان كذلك جاء مثلُه في الجمع، فيصير اللفظ بقرينة العموم المراد به الحقيقة من غير وحدة ولا كثرة، على أن في العموم مع الحقيقة إشكالًا سنذكره والجواب عنه.
الثالث:
التحقيق فيما يدخل عليه "أل" المعرِّفة وفي حكمها الموصولة كما سبق أنه:
إما أن يكون المراد معها نفس الحقيقة، لا ما يصدق عليه من الأفراد وهو تعريف الجنس والحقيقة ونحو ذلك. ويساوي ذلك دلالة عَلَم الجنس كما سبق تقريره في موضعه كَـ "أسامة".
وإما أن يكون المراد فردًا معينًا في الخارج (وهو العهد الخارجي)، ونحوه العَلَم الشخصي كَـ"زيد".
وإما فرد غير معيَّن (وهو العهد الذهني) كَـ "أدخل السوق" لمن ليس بينك وبينه عهد بِسُوق معيَّن، ونحوه النكرة كَـ"رجل".
وإما كل الأفراد (وهو الاستغراق)، ونحوه لفظ: "كل" ونحوها من صيغ العموم؛ فلذلك جعلوا ضابطها أن يحل "كل" محلها حقيقةً إذا أريد استغراق الأفراد.
فإن كان مجازًا فهو لاستغراق الخصوصيات، نحو "أنت الرجُل علمًا".
وقد شكك السكاكي في استفادة الاستغراق من اللام، فقال: (إن الحقيقة من حيث هي هي لا واحدة ولا كثيرة؛ لتحققها مع الوحدة تارة ومع الكثرة أخرى، وإنْ كانت لا تنفك في الوجود عن أحدهما، فهي صالحة للتوحد والتكثر بكون الحكم استغراقًا أو غير استغراق، على مقتضَى المقام. فإذا كان خطابيًّا مثل: "المؤمن غِير كريم، والفاجر خِب لئيم"،
[ ٣ / ١٣٣٩ ]
حُمل على الاستغراق؛ بِعِلَّة إيهام أن القصد إلى فرد دون آخر مع تحقق الحقيقة فيهما -ترجيحٌ لأحد المتساويين (^١). وإذا كان استدلاليًّا، حُمل على أقَل ما يحتمل وهو الواحد في المفرد والثلاثة أو الاثنان في الجمع).
ثم اختار أن "اللام" للعهد، قال: (تبعًا لبعض أئمة أصول الفقه، وقَصْدُ الحقيقة [في] (^٢) جملة المعهود الذهني، ولكن الاستغراق في أفرادها لمكان الاحتياج على طريق التحقيق أو التهكم، أو لأنه عظيم الخطر، أو لغير ذلك) (^٣). انتهى ملخصًا.
قال صاحب "التلخيص" (^٤) في "الإيضاح ": (حل هذا الإشكال يخرج مما سبق).
يريد ما قدمته من التفرقة بين قَصْد "الدلالة على الحقيقة" و"الدلالة على أفراد الحقيقة".
الرابع:
استُشكل على العموم في المفرد المُحلى بِـ "أل" ما لو قال: "الطلاق يلزمني لا أفعل كذا"، وحنث، فإنه لا يقع الطلاق الثلاث.
وقد سأل أبو العباس القرافي الشيخ عز الدين بن عبد السلام عن ذلك، فأجابه -كما حكاه في "شرح المحصول"- بأن هذا يمين، فيراعَى فيها العُرف دون الأوضاع اللغوية (^٥).
قال الشيخ تقي الدين السبكي: (وقد يجاب بأن الطلاق حقيقة واحدة، وهي قطع عصمة النكاح، وليس له أفراد حتى يقال: تندرج في العموم، ولكن مراتبه مختلفة، منها ما
_________________
(١) كأنه قال: أنَّ القصد إلى فَرد .. ترجيحٌ لأحد المتساويين.
(٢) في (ت، س): من.
(٣) مفتاح العلوم (ص ٢١٥ - ٢١٦).
(٤) يقصد: جلال الدين القزويني (المتوفى ٧٣٩ هـ).
(٥) نفائس الأصول (٢/ ٥٠٩).
[ ٣ / ١٣٤٠ ]
قصد به تشعيث النكاح وهو الرجعى، وجوز الشارع فيه أن يكون مرة بعد أخرى، والتشعيث الحاصل من الثانية اكثر مِن الأُولى، ومنها ما يحصل به البينونة مع إمكان الرد بغير محلل، وهو إذا كان بعوض، ومنها البينونة الكبرى وهو الثلاث، فيحمل اللفظ عند الإطلاق على أدنى المراتب، ولا يُعمم المراتب؛ لأنها ليسست أفرادًا، فالألف واللام لا تدل على قوة مَرتبة أو ضعفها، فلا يحمل إلا على الماهية).
قال: (وهذا شيء يمكن أن يقال، والأدب مع الشيخ عز الدين الاقتصار على جوابه) (^١). انتهى
قلتُ: على أن ما قاله الشيخ تقي الدين لا يخلوا من نظر؛ لِمَا قررناه من أن العموم لا ينافي الحقيقة، خلافًا للسكاكي، وحينئذٍ لا ينافي تفاوت الأفراد في مراتب ولا غيرها، فتأمَّله، وستأتي لنا مسائل في العام في النفي مع التعريف والتنكير.
الخامس:
قد سبق الخلاف في الجمع إذا اقترن به قرينة العموم: هل تصير أفراده جموعًا؟ أو وحدانًا؟ وأن ما في معنى الجمع مثله، كَـ "اسم الجمع" إذا دخلته "لام التعريف"، حتى يحنث مَن حلف "لا يكلم الناس" بواحد، لكن إذا حلف "لا يكلم ناسًا" لا يحنث إلا بثلاثة. نقله الرافعي في "كتاب الأيمان" عن ابن الصباغ وغيره، ففيه التفرقة بين قرينة العموم في الإثبات والنفي، وفيه ما سبق.
ثم يقع النظر من ذلك في ألفاظ، منها: "طائفة": فقيل: أقَلها ثلاثة. وقيل: يصدق على الأقل من ذلك؛ لأنها القطعة من الشيء.
_________________
(١) الإبهاج (٢/ ١٠٣).
[ ٣ / ١٣٤١ ]
والذي نَص عليه الشافعي الأول.
فقال في "باب صلاة الخوف": (والطائفة ثلاثة فأكثر، وأكره أن يصلي بأقل من طائفة) (^١). انتهى
واعترض عليه ابن داود بأن اللغة أنها تطلق على الواحد [بِقِلَّة. نُقِل] (^٢) عن الفراء.
وأيضًا فالشافعي قال في: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢]: (إنَّ الطائفة تصدق على الواحد).
وأجيب:
- إما بأن مراد الشافعي بأنها ثلاثة في صلاة الخوف، فيستحب أن تكون ثلاثة، وذلك لقرينة: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] وكذا في الأخرى ﴿لَمْ يُصَلُّوا﴾ الآية. فضمائر الجمع تدل على ذلك، لا أن كل طائفة ثلاثة.
- وإما أن الطائفة ثلاثة في اللغة كما نقله غير واحد، منهم الزمخشري وغيره.
وإنما قال في ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢]: (إنها واحد) بقرينة الإنذار؛ لأنه يكون بالواحد.
ومنها: "قوم"، وهُم الذكور، بدليل: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ [الحجرات: ١١] الآية، فإنه قابلهم بالنساء.
وكذا "الرهط"، قال الجوهري: هو ما دون العشرة من الرجال لا يكون فيهم امرأة.
وقال ابن سِيدَهْ: من ثلاثة إلى عشرة.
_________________
(١) الأم (١/ ٢١٩).
(٢) في (ت، ش، ض): نقله ثعلب.
[ ٣ / ١٣٤٢ ]
وكذلك "النفر" اسم جمع كَـ"قوم" و"رهط".
السادس:
للعلماء اضطراب في مواضع من "المحلَّى بِأل"؛ لمحل الاحتمال فيها، كلفظ "البيع" في قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، فيه للشافعي أقوال: هل هو عام مخصوص؟ أو أريد به خاص؟ أو اللام فيه للعهد؟ أو مجمل؟
وفي قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] له قولان في انه للعموم أو مجمل، الى غير ذلك.
فليس منشأ الخلاف في مثل ذلك التردد في عدم اقتضاء "أل" العموم؛ بل لتجاذب القرائن في الاحتمالات كما هو مبين في محله في الفقه، وسنذكر فيه بحثًا في "باب المجمل".
ونحو ذلك قول الزمخشري في لفظ "الحمد": (إن "أل" فيه للحقيقة، لا الذي يزعمه الناس من الاستغراق) (^١).
وتردد الناس في أنه يرى ما يُعْزى للمعتزلة مِن أنَّ "اللام" للعهد في "الحمد" الذي يعرفه كل أحد منه، أو أنه يقول: إنها للجنس المشار به إلى ما يعرفه كل أحد مِن الحمد كما ينقل ذلك عن المعتزلة أيضًا وأنهم لا يقولون بالاستغراق، أو هو مخالف لهم برأي آخر كما هو مُقرر في موضعه.
ونحو ذلك قول أهل المنطق: إن موضوع القضية إذا كان مُعرفًا بِـ "أل"، لا يكون مسورًا بسور الكلية كالواقع بعد "كل"، بل تكون مهملة، نحو: "الإنسانُ في خُسْر" كما تقدم التنبيه عليه في تقسيم الكلام وأن ابن الحاجب يقول: المتحقق فيها الجزئية. كما هو قول
_________________
(١) الكشاف (١/ ٥٣).
[ ٣ / ١٣٤٣ ]
الغزالي في كتاب "معيار العلوم"، وكأنهم إنما لم يجعلوا "أل" سورًا؛ لمحل الاحتمال، بخلاف "كل"، فإنها صريحة، والله أعلم.
ص:
٥٨٣ - وَشَامِلٌ ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ النَّبِيْ وَإنْ وُصِلْ بِـ "قُلْ "، وَمثْلُ ذَاحُبِيْ (^١)
الشرح:
لما بينتُ أن المحلَّى بِـ "أل" للعموم، ذكرت مسائل من مختلف في محل العموم فيه، كالفروع للقاعدة.
فمنها: لفظ "الناس" في نحو: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] هل يشمل الرسول -ﷺ-؟
فيه مذاهب هي جارية أيضًا في نحو: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٠٤]، ﴿يَاعِبَادِيَ﴾ [العنكبوت: ٥٦]، وغير ذلك من صيغ العموم:
أحدها وهو الصحيح وقول الجمهور: نعم، لِصِدق ذلك عليه، فلا يخرج إلا بدليل.
ثانيها: لا، لقرينة المشافهة؛ لأن المشافِه غير المشافَه، والمبلِّغ غير المبلَّغ، والآمِر والناهي غير المأمور والمنهي، فلا يكون داخلًا.
ورُدَّ بأن الخطاب في الحقيقة هو من الله للعباد، وهو منهم، وهو مع ذلك مبلِّغ [للأمة] (^٢)، فالله هو الآمر الناهي، وجبريل هو المبلغ له، ولا تنافي في كون النبي -ﷺ- مخاطَبًا
_________________
(١) قد يكون معناه: اعتُرِض. في لسان العرب (١٤/ ١٦٢): (حَبَا لَهُ حَبِيٌّ: اعترضَ لَهُ مَوْجٌ).
(٢) كذا في (ص، ق)، لكن في (س): للآية.
[ ٣ / ١٣٤٤ ]
مخاطِبًا مبلَّغًا مبلِّغًا باعتبارين.
وربما اعتل المانع بأنه -ﷺ- له خصائص، فيحتمل أنه غير داخل؛ لخصوصيته، بخلاف الأمر الذي خاطب به الناس.
ورُدَّ بأنَّ الأصل عدمُه حتى يأتي دليل.
ثالثها وبه قال الصيرفي والحليمي: لا يدخل إنِ اقترن ذلك بِـ "قُل"، نحو: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ [لأعراف: ١٥٨]، ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ﴾ [الزمر: ٥٣]، وإلا فيدخل.
ورَدَّه إمام الحرمين بأن القول مستندٌ إلى الله تعالى، والرسول مبلِّغ عنه، فلا معنى للتفرقة.
رابعها: يدخل في خطاب القرآن ولا يدخل في خطاب السُّنة. قاله المقتَرح.
تنبيهات
الأول: محل الخلاف حيث لا قرينة تنفي دخوله، نحو: "يا أيها الأمة" أو "يا أمة محمد". أما ذلك فلا يدخل فيه بلا خلاف. قاله الصفي الهندي (^١).
وأشار اليه القاضي عبد الوهاب، ومثَّله بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٢٤] الآية؛ لأنَّا المأمورون بالاستجابة.
قال: (ومثله قوله تعالى: ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا﴾ [الطلاق: ١٠ - ١١]، تقديره: اطلبوا رسولًا، على الإغراء). انتهى
الثاني: قيل: لا فائدة للخلاف في هذه المسألة، فإنه -ﷺ- داخل في الحكم كَـ "الأُمَّة"
_________________
(١) نهاية الوصول (٤/ ١٣٨١).
[ ٣ / ١٣٤٥ ]
قطعًا.
ورُدَّ باحتمال أن يقول المخالف: إنَّ ذلك بدليل خارجي.
وتظهر فائدته فيما لو فعل ما يخالف ذلك: هل يكون نسخًا في حقه؟
إنْ قلنا: هو داخل، فنسخ. أي: إذا دخل وقت العمل، لأن ذلك شرط المسألة كما سيأتي في كل عام وخاص بعده.
الثالث: مما يشبه هذه المسألة في مدركها أنَّ الشاة مثلًا مِن الأربعين من الغنم تزكي نفسها وغيرها. وكذا الواحد من الأربعين في الجمعة يصحح الجمعة له ولغيره، والنية في الصلاة إذا جعلناها ركنًا تُصحح نفسها وسائر الأركان.
وبه يندفع قول الغزالي: إنها بالشروط أَشبه من حيث إنها لا تتعلق بنفسها بل بغيرها.
نعم، أجاب الرافعي بأنه لا يمتنع أن تصحح سائر الأركان دون نفسها، لعدم احتياجها. قال: (وكأن القائل: "أُصلي" مريد معظم الأركان) (^١).
وفيه نظر إذا لم نجعل النية شرطًا، وما ذكرناه أَوْلى.
وقد تعلق بشبهة الغزالي مَن يجعل تكبيرة الإحرام شرطًا ومن يجعل السلام شرطًا. وجوابه ما سبق، والله أعلم.
ص:
٥٨٤ - وَيَدْخُلُ الْعَبْدُ كَذَاكَ الْكَافِرُ في مِثْلِ لَفْظِ "الناسِ"؛ فَهْوَ وَافِرُ
الشرح: مِن المسائل المشار إليها أيضا هاتان المسألتان:
_________________
(١) العزيز شرح الوجيز (١/ ٤٦١).
[ ٣ / ١٣٤٦ ]
الأُولى: العبيد والإماء داخلون فيما يشملهم لُغة من خطاب الشارع، مثل: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ [البقرة: ٢١]، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٠٤].
ومثل "المؤمنين" و"العباد" ونحو ذلك على الأصح من ثلاثة أوجُه حكاها الماوردي؛ لأنهم مكلفون، فلا مانع من دخولهم في لفظ يشملهم لغةً، وعليه أتباع الأئمة الأربعة. فقد نقله ابن برهان عن معظم أصحابنا، وبه قال أيضًا الأستاذ والقاضي أبو الطيب وإلْكِيَا، ونقله القاضي عبد الوهاب عن معظم أصحابهم.
وثانيها: لا يدخلون إلا بدليل؛ لأنهم أتباع الأحرار.
وثالثها: إنْ تَضمَّن الخطاب تعبُّدًا، تَوجه إليهم، أو مُلكًا أو ولاية أو عقدًا فلا.
بل حكى بعضهم الإجماع على عدم خطابهم بالعبادات المالية؛ لأنه لا ملك لهم. وفيه نظر.
قال الهندي: (القائلون بعدم دخول العبيد والكفار -أيْ في لفظ "الناس" ونحوه- إنْ زعموا أنه لا يتناولهم لغةً فمكابرة، وإن زعموا أنَّ الرِق والكفر أخرجهم شرعًا فباطل) (^١).
لأن الإجماع أنهم مكلفون في الجملة، أما المبعض فالظاهر تغليب جزء الحرية، فلا يجري فيه الخلاف في العبيد.
المسألة الثانية:
دخول الكفار في لفظ يشملهم لغةً كَـ "الناس" و"أُولي الألباب" ونحو ذلك، وهو الصحيح. وبه قال الأستاذ؛ إذْ لا مانع من ذلك.
ونقل عن بعض أصحابنا أنهم لا يدخلون، ولَعَله لكون الكفار غير مخاطبين بالفروع،
_________________
(١) نهاية الوصول (٤/ ١٤٠٠).
[ ٣ / ١٣٤٧ ]
وسبقت المسألة.
إلا أنَّ المانع هنا أَطلق، ولم يقيد بخطاب الفروع.
نعم، إنْ قامت قرينة بعدم دخولهم أو أنهم هم المراد لا المؤمنون، عُمل بها، نحو: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، لأن الأول للمؤمنين فقط إما نعيم بن مسعود الأشجعي أو أربعة كما نَص عليه الشافعي في "الرسالة" (^١)، والثاني لكفار مكة.
لكن قد يقال: إنَّ "اللام" في ذلك للعهد الذهني، والكلام في الاستغراقية.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣] المراد الكفار؛ بدليل باقي الآية. نَص عليه الشافعي في "الرسالة"، وجعله من العام الذي أُريدَ به خاص (^٢).
فقد يُدَّعَى ذلك أيضًا في الآية التي قبلها، فلا تكون "أل" فيها عهدية.
ويتفرع على ذلك أنَّ الذِّمي إذا زنا، هل يرجم؛ من حديث: "الثيب بالثيب رجم بالحجارة "؟
فعندنا يُرجم، وعند الحنفية لا يرجم، لذلك.
أما "الذين آمنوا" و"المؤمنون" ونحو ذلك فلا يدخل فيه الكفار.
لكن ابن السمعاني -بعد أن نقل عن الحنفية أنَّ الخطاب بذلك لا يشملهم- قال: (المختار أنه يعم المؤمنين والكفار؛ لعموم التكليف، وإنما خُص المؤمنون بذلك؛ للتشريف،
_________________
(١) الرسالة (ص ٥٩).
(٢) الرسالة (ص ٦٠).
[ ٣ / ١٣٤٨ ]
لا للتخصيص، بدليل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٨]، وقد ثبت تحريم الربا في حق أهل الذمة). انتهى
وضُعِّفَ بأن هذا لأمر خارجي، لا من حيث الصيغة، إما لعموم الشرع، أو للعمومات الشاملة لهم لغةً، أو لغير ذلك. والله أعلم.
ص:
٥٨٥ - كَذَا الْمُضَافُ إنْ يَكُنْ مُعَرَّفَا جَمْعًا وَمُفْرَدًا وَلَوْ قَدْ وُصِفَا
٥٨٦ - بِوَحْدَةٍ بِالتَّاءِ أَوْ بِغَيْرهَا مِنْ جِنْسِهِ كـ "تَمْرَةٍ" عَرَّفْتَهَا
الشرح: أي: ومن صيغ العموم بالقرينة في الإثبات: المضاف إلى معرفة، وهو معنى قولي: (إنْ يَكُنْ مُعَرَّفَا).
وسواء أكان ذلك المضاف:
- جمعًا، أي: في المعنى؛ ليدخل فيه الجمع بصيغته وما فيه معنى الجمعية من اسم جنس جمعي أو اسم جمع أو نحو ذلك كما سبق نظيره في المحلَّى بِـ "أل".
- أو مفردًا، وهو ما ليس شيئًا من ذلك.
أما الجمع فقد صرحوا به، نحو: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] إلى آخِر المذكورات بصيغة الجمع في الآية.
وفي التشهد: "وعلى عباد الله الصالحين"؛ ولهذا قال -ﷺ-: "فإنكم إذا فعلتم ذلك فقد سلمتم على كل عبد لله صالح في السماء والأرض" (^١).
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ٣ / ١٣٤٩ ]
وأما المفرد فزعم الهندي في "النهاية" (^١) -كما نقله شيخنا بدر الدين الزركشي- أنهم لم يَنصوا على المسألة، وإنما ذلك من قضية التسوية بين الإضافة ولام التعريف.
قال: (لكن قد صرح بالتسوية جماعة) (^٢).
وممن صرح بذلك الإمام الرازي في أثناء الاستدلال على أن الأمر للوجوب، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣].
وفي الفروع الفقهية مما يشهد لإفادة المضاف المفرد العموم، لو قال: "إن كان حملك ذكرًا، فأنت طالق طلقة" أو "أنثى، فطلقتين" فولدت ذكرًا وأنثى، لم تطلق؛ لأن المعلق عليه "كل حملها ذكرًا أو أنثى" ولم يوجد.
ويجري مِثله في "تعليق العتق" وغيره.
ومن وروده للعموم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨]، وقوله تعالى: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ [الحاقة: ١٠]، والرسول إلى المؤتفكات موسى وهارون، ونحوه: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦]، وفي الحديث: "منعت العراق درهمها ودينارها، ومنعت الشام قفيزها وصاعها" (^٣).
وقال أصحابنا فيمن حلف ليشربنَّ ماء النهر: يحنث في الحال؛ لعموم المضاف وهو محال، فكان نحو: "لأصعدن إلى السماء". وفي وجه: لا يحنث، كما هو قول الحنفية؛ لأن العُرف في مِثله إرادة شيء من ماء النهر.
ويجري في أصل المسألة خلاف مما سبق في المحلى بِـ "أل"، نحو قول أبي هاشم وغيره:
_________________
(١) نهاية الوصول (٣/ ١٢٣٤).
(٢) تشنيف المسامع (٢/ ٦٦٩).
(٣) صحيح مسلم (رقم: ٢٨٩٦) وغيره.
[ ٣ / ١٣٥٠ ]
إنه لا يعم المضاف كما لا يعم المحلَّى. قال: لاستوائهما.
وقول الغزالي في "المستصفى" و"المنخول": (إن كان مما يتميز واحدُه بالتاء ولكن لا يتشخَّص له واحد كـ "الذهب" و"العسل"، فيعم، أو لا يتميز بالتاء بل يتشخص كَـ "الدينار" و"الدرهم" و"الرجُل" فيحتمل العموم) (^١).
وسبق أنه خالف ذلك في "المعيار"، وأنَّ ابن دقيق العيد اختار تفصيله السابق.
وقول آخر بالتفصيل بين ما فيه "هاء التأنيث" للوحدةكـ "ضربة" فيحتمل العموم وغيره، وبين ما لا "هاء" فيه كـ "رجل"، أو فيه هاء لا للوحدة بل بُني عليها كـ"صلاة" و"زكاة"، فيعم.
وإلى هذا الخلاف أشرت بقولي في النَّظم: (وَلَوْ قَدْ وُصِفَا بِوَحْدَةٍ بِالتَّاءِ أَوْ بِغَيْرِهَا مِنْ جِنْسِهِ). أي: ولو كان ذلك المضاف متصفًا بأنه واحد إما بالتاء الفاصلة بينه وبين جنسه كَـ "تمرة" و"تمر") وإما بوحدة لا بالتاء كَـ "دينار" و"درهم" و"رجل").
نعم، للقرافي هنا تفصيل آخر بين أن يَصدُق على القليل والكثير نحو: "مالي صدقة" فيعم، وبين أن يَصدُق على الجنس بِقَيْد الوحدة فلا يعم، نحو: "عبدي حر" و"امرأتي طالق".
قال ابن دقيق العيد في "شرح الإلمام": (وقد أشار إليه ابن الحاجب إشارة لطيفة -يعني في "مختصره الكبير" (^٢) - حيث قال في [تعداد] (^٣) صيغ العموم: والمضاف مما يصلح للبعض
_________________
(١) المستصفى (ص ٢٣٣).
(٢) مختصر منتهى السؤل والأمل (٢/ ٧٠١)، الناشر: دار ابن حزم.
(٣) في (ت): هذا إن.
[ ٣ / ١٣٥١ ]
والجميع) (^١).
وهذا التفصيل يقرُب مما سبق عن الغزالي في اسم الجنس المحلى بِـ "أل". قيل: ولعله إنما أخذه منه.
تنبيهات
أحدها: ما سبق في الجمع أو نحوه المحلى بِـ "أل" حيث كان عامًّا هل أفراده جموع؟ أو وحدان؟ يأتي مثله هنا.
ومما يدل على الثاني في باب المضاف ما سبق من قوله -ﷺ-: "فإنكم إذا فعلتم ذلك فقد سلمتم على كل عبد لله صالح في السماء والأرض" مع أنَّ الصيغة "عباد الله" جمع مضاف، فجعله الشارع شاملًا لكل فرد فرد، ولم يقُل: سلمتم على كل عباد عباد من عباد الله.
ويدل له أيضًا: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: ٤٥]، ففهم -ﷺ- من قوله تعالى: ﴿وَأَهْلَكَ﴾ [هود: ٤٠] أن ابنه داخل حتى أجابه تعالى بأنه: ﴿لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: ٤٦].
وكذا قوله تعالى: ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ [العنكبوت: ٣١] فَهِم إبراهيم -﵇- العموم لكل واحد واحد، فقال: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾ [العنكبوت: ٣٢]، حتى أجابه الملائكة بتخصيص لوطٍ من العموم وأهلِه إلا امرأته.
وفهمت فاطمة -﵂- من قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] أن الولد وارث، وهي ولد واحد، حتى أجابها الصديق -﵁- بقوله ﵇: "إنا معاشر
_________________
(١) شرح الإلمام بأحاديث الأحكام (١/ ١٤٣ - ١٤٤)، ط: دار النوادر.
[ ٣ / ١٣٥٢ ]
الأنبياء لا نورث" (^١)، وهو كثير.
ومَن تتبع هذا، يجده غير منحصر، وكذلك التشكيك في اجتماع العموم في جمع القِلة مع تحديده وغير ذلك مما سبق. فليستحضر ما يمكن مجيئه هنا.
الثاني:
حيث قلنا بتعميم المضاف فعمومه أقوى من عموم المحلَّى بِـ "أل" الاستغراقية؛ بدليل أن الإمام الرازي ممن ينفي عموم المحلَّى بِـ "أل" وقد صرح بتعميم المضاف في: ﴿الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] كما سبق.
قال السبكي في "شرح المختصر": (ولذلك لو حلف لا يشرب الماء، حنث لشرب القليل؛ لعدم تناهي أفراده، فلما استحالت إرادة الجميع، انتقل لأحد محامل اللام وهو الجنس، ولو حلف لا يشرب ماء البحر، لم يحنث إلا بِكُله؛ لأن عموم الإضافة أقوى، وكأنه قال: "ماء البحر كله") (^٢). انتهى
وتوجيه ذلك أن "لا يشرب الماء" "اللام " فيه تحتمل الاستغراق والجنس، فاستحالة الاستغراق قرينة إرادة الجنس، وليس للمضاف إلا وجه واحد وهو الاستغراق، فاستمر عليه.
ثم قال: (ولو كتب الزوج بِطلاق زوجته عند بلوغ الكتاب، فبلغها وقد انمحى موضع الطلاق أو سقط، فالأصح: لا يقع؛ لأنه لم يبلغها جميع الكتاب. وقيل: يقع. وقيل: إن قال: "إذا جاءك كتابي"، يقع؛ لأنه قد جاءها كتابه. وإن قال: "إذا جاءكِ الكتاب" لم يقع؛ لأنه لم
_________________
(١) سبق تحريجه.
(٢) رفع الحاجب (٣/ ٨١).
[ ٣ / ١٣٥٣ ]
يَجِئها جميعه، وكذا إذا قال: "إذا جاءك كتابب هذا"؛ لتأكيد المفرد المضاف باسْم الإشارة، فقد جعل على هذا الوجه عموم الإضافة أقوى) (^١). انتهى
وفيه نظر؛ لأن مدْرَك هذا الوجه أنه أرادبِ "الكتاب" المجموع، وتعليله بأنه لم يجئها جميعه يرشد إلى ذلك، فأين العموم فيه الذي قُدِّم عليه عموم الإضافة؟
وإنما يقال: (أقوى) إذا كان كل منهما للعموم، اللهم إلا أن يريد أنه محتمل للمجموع، فأشبه الفرع الذي قَبْله في احتمال الجنسية، ولا كذلك المضاف؛ فإنه لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا، فيصح.
الثالث:
لو قال: "زوجتي طالق" وله زوجات، لمَ لا يطلق الكل؛ لأن المضاف يَعُم كما هو قول ابن عباس وأحمد فيما حكاه الروياني في "البَحر"؟
قال: لأنَّ الواحد يُعبر به عن الجنس، مِثل: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ [البقرة: ١٨٧] المراد: ليالي الصيام. ثم أجاب بأنه مجاز، والكلام محُال على الحقيقة ما أمكن. انتهى
وفيه نظر؛ لأن العموم في المضاف حقيقة، والتفريع عليه، وإنما يجاب عنه بما سبق في المحلى بِـ "أل" من قوله: (الطلاق يلزمني) من اقتضاء العُرف ذلك، ولا يأتي جواب السبكي هنا؛ لأن الكلام في زوجاته.
أما لو قال: "مالي صدقة"، فإنه يعم؛ إذْ لا عُرف فيه؛ ولهذا استدل على إباحة السمك الطافي بحديث: "والحل ميتته" (^٢).
_________________
(١) رفع الحاجب (٣/ ٨٢).
(٢) سنن أبي داود (رقم: ٨٣)، سنن الترمذي (٦٩) وغيرهما بلفظ: (هو الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الحلُّ مَيْتَتُهُ). قال=
[ ٣ / ١٣٥٤ ]
الرابع:
قيل: يُستثنى من محل الخلاف في المضاف لفظ "بعض" و"نصف" و"ثلث" و"ربع" ونحو ذلك؛ إذْ لو اقتضى العموم، لَمَا كان فرقٌ بين الحكم على البعض والحكم على الكل، وينبغي أن يخصص ادعاء ذلك بما إذا لم تَدْع للعموم ضرورة، نحو: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٥٥]؛ لاستحالة أن يفضل كل واحد على كل من سواه، فتفوت الأفضلية للبعض.
فإنْ دعت الضرورة للعموم، فهو عام، نحو: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥]، ﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ [سبأ: ٤٢]، ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات: ٥٠]، ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [الأعراف: ٢٤]، على أن في عموم بعض هذه الأمثلة نظرًا، والله أعلم.
ص:
٥٨٧ - كَذَاكَ في سِيَاقِ نَفْيٍ نَكِرَهْ وَمنْهُ: "لَا يَسْتويان"، وَاذْكُرَهْ
٥٨٨ - في نَحْوِ: "لَا أَكلْتُ"، أَوْ سِيَاقِ نَهْيٍ أَوِ الشَّرْطِ إذَا [يُلَاقِي] (^١)
٥٨٩ - كَذَاكَ الِاسْتِفْهَامُ، نَحْوُ: "هَلْ رَجُلْ؟ " وَفي سِيَاقِ الِامْتِنَانِ ذَاكَ قُلْ
الشرح: قد سبق أنَّ مِن أقسام العام لغةً ما يكون في النفي أو معناه، فذكرتُ في هذه
_________________
(١) =الألباني: صحيح. (صحيح أبي داود: ٨٣).
(٢) في (ض، ش، ن ٣، ن ٤): تلاقي.
[ ٣ / ١٣٥٥ ]
الأبيات منه أربع مسائل، وخامسة من غيره ذكرتها استطرادًا.
الأولى:
النكرة في سياق النفي، سواء باشرها النافي وهو "ما" و"لا" و"لاتَ" و"ليس" و"لَمْ" و"إنْ" والفعل المستعمل فيه نحو "قَلَّما رجل يفعل كذا إلا بكذا" أو لم تباشره أداة النفي، خلافًا للآمدي في قوله في "الأبكار": إن ما لم تباشره لا يعم.
حتى زعم بعضهم أن التعبير بكون "النكرة في النفي "أحسن؛ لأنه أعم، بخلاف السياق، فإنه قاصر على محل خلافية الآمدي، لكن الظاهر أن السياق يدخل فيه ما باشر النافي وما لم يباشر.
وبالجملة فيُرد على الآمدي بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ [الأنعام: ٩١] ردًّا على مَن قال: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١]، فلو لم يكن عامًّا لَمَا حصل به الرد.
ومما استُدل به على أن النكرة في النفي عامة أنه لو لم يكن كذلك لَمَا كان قولنا: "لا إله إلا الله" نفيًا لدعوى مَن ادَّعى إلهًا سوى الله. ذكره الإمام الرازي.
نعم، من النكرة في النفي ما هو نَص، ومنها ما هو ظاهر في العموم.
فالأول:
إما لكون النكرة لا تقع إلا في نفي وشبهه، نحو: "ما فيها ديار" أو "داعٍ" أو "غريب" أو "أحد" إذا لم تُقَدر همزته بدلًا من واو "واحد" فإن ذلك يكون في الإثبات نحو: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]
وإما لكونها مما يصدق على القليل والكثير، نحو: "ما فيها شيء".
وإما أن يكون اسمًا لـ "لا" العاملة عمل "إنَّ"، نحو: "لا حول ولا قوة إلا بالله" سواء
[ ٣ / ١٣٥٦ ]
بُنيت كما مثلنا أو لم تُبن نحو: "لا غلام سفر قادم" و"لا طالعًا جبلًا ظاهر"، ونحو ذلك مما اختل فيه شرط التركب مع "لا".
وإما أن تكون مقترنة بـ "مِن" المزيدة لتنصيص العموم أو تأكيده كما قاله في "التسهيل".
فالأول نحو: "ما في الدار مِن رجل"، والثاني نحو: "ما فيها مِن ديار"؛ لأن العموم فيها نَص كما قدمنا بدون "مِن"، فدخولها مؤكِّد، بخلاف الأول فإنه محتمِل قبل دخول "مِن" لإرادة نفي الواحد أو الجنس وإنْ كان مرجوحًا فبدخول "مِن" صار نصًّا في العموم.
وسواء في مَدْخول "من" [أن] (^١) يكون مبتدأ نحو: ألَا لا من سبيل إلى هند.
أو فاعلًا، نحو: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢].
أو مفعولًا، نحو: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤].
أو اسم كان، نحو: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ٤].
أو مفعولًا أولًا في "باب ظن" أو نحو ذلك.
نعم، يُنبه في هذا القسم على أمرين:
أحدهما: أن المفيد للعموم الذي فيه "مِن" لتنصيص العموم هل هو "مِن"؟ أو النفي؟
الراجح الثاني؛ لأنها كانت للعموم فيه ظاهرًا، فلم تُفِد "مِن" إلا جعله نصًّا.
ثانيهما: أن "مِن" الداخلة على النكرة مطلقًا هل تحتمل معنى آخر؟
قيل: نعم، تكون للتبعيض ولابتداءِ الغاية.
قال ابن مالك: (في كلام سيبويه إشارة إلى أنها للتبعيض، أيْ إذْ قال في "ما أتاني مِن
_________________
(١) كذا في (ص)، لكن في (س): بين أن.
[ ٣ / ١٣٥٧ ]
رجل": إنَّ "مِن" أُدْخِلت؛ لأن هذا موضع تبعيض) (^١). هذا نصُّه.
وقد استشكل أبو حيان مجامَعة التبعيض للعموم؛ إذ يصلح موضعها "بعض"، وهو ينافي العموم.
قيل: والحامل له على ذلك اعتقاده أنَّ "مِن" هي المفيدة للعموم. ولكن سبق أن الراجح خلافه.
فعَلَى الراجح -وهو أن المفيد له النفي- لا ينافيه؛ لأن النفي كأنه منصب على كل بعض بعض إشعارًا بشمول كل بعض، وهو حقيقة العموم.
الثانى: وهو ما ليس نصًّا:
وهو النكرة في النفي في غير الصُّوَر المذكورة في القسم الأول، نحو: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ [الصافات: ٤٧]، و"ما مررت برجل"، و"ليس في الدار رجل"، ونحو ذلك.
وقد اختُلف في عموم النكرة فيه على قولين:
أحدهما: لا، وهو قول المبرد كما حكاه أبو حيان في "الارتشاف" في "باب حروف الجر"، واختاره القرافي وحكاه عن سيبويه وعن الجرجاني والزمخشري إذ قال في قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]: إنَّ العموم استُفيد من لفظة "مِن"، وكذا ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [الأنبياء: ٢] الآية، وإنَّ "مِن" تارة تكون لإفادة العموم نحو ما تقدم، وتارة لتوكيد العموم نحو: "ما جاء في من أحد".
ولكن يحتمل أن مراد الزمخشري: لا تفيده نصًّا، بل ظهورًا؛ بدليل مقابلته بتوكيده، فيكون جاريًا على ما قررناه، ولأن قوله: (إنَّ "مِن" هي المفيدة للعموم) لو حمل على إفادة
_________________
(١) شرح التسهيل لابن مالك (٣/ ١٣٥)، الكتاب لسيبويه (٤/ ٢٢٥).
[ ٣ / ١٣٥٨ ]
أصل العموم، لكان هو القول المرجوح فيما سبق.
فإذا أُوِّل على إفادته نَصِّيَّته، كان مطابقًا للراجح وهو أنَّ النفي هو المفِيد له.
ونقله أيضًا القرافي عن ابن السيد تمسكًا بقوله: إنَّ "لا رجلَ في الدار" بالبناء على الفتح جواب لمن قال: "هل في الدار مِن رجل؟ " فإنه سؤال عن مفهوم مطلق الرجل. وإنَّ "لا رجُل" بالرفع جواب لمن قال: "هل في الدار رجل واحد؟ "، فلذلك يُقال في هذا: "بل رجلان".
ويمكن حمل كلامه على الفرق بين النصية والظهور، لا أنه لا عموم فيه أصلًا.
وتبع القرافي في نقل ذلك عن مَن سبق الأصفهاني في "شرح المحصول"، وحكاه الأبياري في "شرح البرهان" والقرطبي في أصوله عن النحاة، قال: (وإن كان ظاهر كلام الأصوليين التسوية بينها وبين المبنية على الفتح).
والقول الثاني: إنها تعم، وهو ظاهر إطلاق الجمهور، ونقله أبو حيان عن سيبويه وأن "مِن" إذا دخلت في مثل هذا فإنما هي لتأكيد الاستغراق.
وكذا نقله عن سيبويه أيضًا إمام الحرمين في كلامه على حروف المعاني، فقال: (قال سيبويه: إذا قلت: "ما جاءني رجل" فاللفظ عام، ولكنه يحتمل أن يريد "ما جاءني رجل، بل رجلان" -كما يعدل عن الظاهر في نحو: "جاء الرجال إلا زيدًا" (^١) - فإذا قلت: "ما جاءني من رجل" اقتضى نفي جنس الرجال على العموم من غير تأويل) (^٢). وهذا صريح في تقرير القول المرجح.
لكن قال القرافي أنه لم يجد هذا النص في كتاب سيبويه وأنه سأل عنه مَن هو عالم
_________________
(١) هذه الجملة ليست في "البرهان".
(٢) البرهان في أصول الفقه (١/ ١٤٣).
[ ٣ / ١٣٥٩ ]
بالكتاب، فقال: لا أعرفه.
ورُد ذلك بأن مَن حفظ حُجةٌ على مَن لم يحفظ.
وقد صنف ابن خروف في ما نقله إمام الحرمين عن سيبويه ولم يجده في كتابه، ولم يذكر هذا الموضع منه.
وما نقله القرافي عن سيبويه إنْ ثبت فيُحمل على إرادة نفيه للعموم نصًّا، لا ظهورًا؛ جمعًا بينه وبين هذا النص، وكذا غيره كما سبق.
وأما قول "جمع الجوامع": (نصًّا إنْ بُنيت على الفتح، وظاهرًا إنْ لم تُبن) (^١) فحسن من حيث إنه جمع بين القولين مِن غير أن لا يبقى في المسألة خلاف، إلا أنه قاصر من حيث إن النصية تكون في مواضع أخرى وإن لم تُبْن كما قررناه.
تنبيهات
الأول: إذا قلنا بأن النكرة في النفي للعموم فظاهر كلام الحنفية -واختاره السبكي- أن ذلك من حيث إن النفي إذا ورد على الماهية، لزم منه انتفاء الأفراد المتضمنة لها، فالعموم فيه لزوم، لا بالذات.
وظاهر قول غيره من الشافعية -واختاره القرافي- أن ذلك بالذات، وأن النفي إنما هو للأفراد؛ بدليل جواز الاستثناء، والماهية لا يستثنى منها، بل من الأفراد.
لكن فيه نظر؛ لأنَّ الأفراد مُراد نفيها قطعًا سواء بالمطابقة أو اللزوم، فالاستثناء سائغ على كل حال.
_________________
(١) جمع الجوامع (٢/ ١٠) مع شرح المحلي وحاشية العطار.
[ ٣ / ١٣٦٠ ]
ويبنى على الخلاف التخصيص بالنية، فإنْ قلنا يقول الحنفية فلا يؤثر، حتى لو قال في اليمين: "لا أكلت" ونوى معينًا، لا يُسمع. وإنْ قلنا يقول الآخر، فيؤثر وُيسمع. وسيأتي في هذه المسألة مزيد بيان.
وقال القاضي تاج الدين السبكي في "منع الموانع": (المختار في المبني على الفتح أن العموم باللزوم، وفي غيره أن العموم بالذات) (^١).
ولا يظهر لهذا التفصيل وجه، على أنه قد سبق في تقرير العموم في الصيغ ما يؤيد قول الشافعي في المسألة، فراجعه.
الثاني: محل كون النكرة في النفي للعموم -كما قاله السهروردي في "التنقيحات"- ما إذا لم يقصد سلب العموم في الحكم، نحو: "ما كل عدد زوجًا"، فإنَّ المقصود إبطال قول مَن قال: "كل عدد زوج"، ففرق بين عموم السلب وسلب العموم.
الثالث: هل يقال: إن العام هو النكرة في النفي بلا زيادة على ذلك؟ أو بزيادة عليه وهو أن العموم لضرورة تصحيح الكلام؟
ذهب أبو الحسين في "المعتمد" إلى الأول، والإمام الرازي إلى الثاني. وكذا قال إلْكِيَا والدبوسي.
قيل: وهو الحق.
ولعل فائدة الخلاف في ذلك تظهر في التراجيح.
الرابع: محل عموم النكرة في النفي إذا كانت مفردًا، فإن كانت جمعًا أو ما في معناه نحو: "ما رأيت رجالًا" فقال أبو هاشم: لا تعم؛ بدليل: ﴿مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ
_________________
(١) منع الموانع (ص ١٧٨).
[ ٣ / ١٣٦١ ]
الْأَشْرَارِ﴾ [ص: ٦٢].
وصححه إلْكِيَا، قال: (لأن الإبهام في النكرة اقتضى الاستغراق، فإذا ثُني أو جُمع، زال الإبهام، ويَحسُن أنْ يقال حينئذٍ: "ما رأيت رجالا، بل رجلين").
وظاهر كلام الغزالي ترجيحه أيضًا، وقال القاضي: هو كالنفي للواحد في الاستغراق.
وقد سبق في مسألة أن "عموم الجمع هل أفراده جموع؟ أو وحدان؟ " كلام صاحب "التلخيص" في البيان وإيضاحه ما يوضح هذا البحث، فراجعه.
قولي: (وَمنْهُ: "لَا يَسْتَوِيَانِ"، وَاذْكُرَهْ في نَحْوِ: "لَا أَكَلْتُ") إشارة إلى مسألتين مفرعتين على أن "النكرة في النفي للعموم"، ولكن فيهما خلاف من وجه آخر:
الأُولى:
نفي الاستواء وما في معناه من التساوي والمساواة والتماثل والمماثلة ونحو ذلك سواء فيه نفيه في فعل مثل: "لا يستوي كذا وكذا" أو في اسم مثل: "لا مساواة بين كذا وكذا" هل يعم كل استواء؟ أو لا؟
قولان:
بأولهما قال جمهور أصحابنا، وعليه جرى الآمدي وابن الحاجب وغيرهما.
وبالثاني قال أبو حنيفة وأصحابه والمعتزلة والغزالي والإمام الرازي وأتباعه كالبيضاوي.
وأثر الخلاف في:
الاستدلال على أن المسلم لا يقتل بالذمي بقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ الحشر: ٢٠] فلو قيل به، لثبت استواؤهما.
والاستدلال على أن الفاسق لا يلي عقد النكاح بقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ
[ ٣ / ١٣٦٢ ]
كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨]؛ إذ لو قلنا: يَلِي، لاستوى مع المؤمن الكامل وهو العدل. فإنِ ادُّعِي أن الفاسق في الآية إنما أريد به الكافر بدليل مقابلته بالمؤمن، قلنا: ففيه دلالة على أن الكافر لا يكون وليًّا على المؤمنة.
ومَن نفى العموم في الآيتين، لا يمنع قصاص المؤمن بالذمي ولا ولاية الفاسق.
فإن قلتَ: قوله تعالى: ﴿هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر: ٢٠] قرينة على أن المراد نفي الاستواء في الآية بالفوز، لا مطلقًا، وكذا قوله عقب الآية الأخرى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٦] إلى آخره -قرينة أن المراد نفي الاستواء في دخول الجنة.
قلتُ: لا قرينة في ذلك، غايته أنه ذكر بعض أفراد العموم، ولا يخصِّص على الصحيح.
ومن أمثلة المسألة أيضًا: قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ [آل عمران: ١١٣]، وفي الجاثية ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ [الجاثية: ٢١] الآية -على قراءة ﴿سَوَاءً﴾ بالنصب، وفي الحديد: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد: ١٠] وفي الزمر: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ﴾ [الزمر: ٢٩]، ونحو ذلك.
إذ لا فرق -كما سبق- في نفي النكرة الدالة على الاستواء بين أن يكون فعلًا أو اسمًا.
واعلم أن مأخذ القولين في المسألة أن "الاستواء في الإثبات" هل هو من كل وجه في اللغة؟ أو مدلوله لغةً الاستواء من وجه ما؟
فإن قلنا: من كل وجه، فنفيه مِن سلب العموم، فلا يكون عامًّا.
وإن قلنا: من بعض الوجوه، فهو من عموم السلب في الحكم؛ لأن نقيض الإيجابِ الكُلي سَلْبٌ جُزئي، ونقيض الإيجابِ الجزئي سَلْبٌ كُلي.
ولكن كون الاستواء في الإثبات عامًّا من غير صيغة عموم -ممنوع، غايته أن حقيقة
[ ٣ / ١٣٦٣ ]
الاستواء [ثبتت] (^١).
وأعجب من ذلك احتجاج الإِمام الرازي وأتباعه بأن نفي الاستواء أعم مِن نَفْيه من كل وجه ومن نَفْيه مِن بعض الوجوه، والأعم لا يَلزم منه الأخص.
وهو مردود -كما قاله ابن الحاجب وغيره- بأنَ ذلك في الإثبات.
أما نفي الأعم فيلزم منه انتفاء الأخص، كنفي "الحيوان" نفي للإنسان.
هذا إن سَلَّمنا أنَّ الاستواء عام له جزئيات.
أما إذا قلنا: [حقيقة] (^٢) واحدة، فإنه يلزم مِن نَفيها نفي كل متصف بها.
وقد استدل مَن نفى العموم في المسألة أيضًا بأنه لو عَمَّ، لم يَصْدُق؛ إذ لا بُدَّ بين كل شيئين من مساواة ولو في نفي ما سواهما عنهما.
وجوابه أنه إنما ينفي مساواة يصح انتفاؤها، لا كل مساواة؛ لأن ذاك مدرك إرادته بالعقل.
وفي كلام إلْكِيَا حكايته قول ثالث، وهو حكايته عن قوم أنه من باب المجمل؛ لأنه يحتمل من كل وجه ومن الوجه الذي قد ذكر في الآيتين الأولتين، وهو قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر: ٢٠] وكذا التفصيل في الأخرى؟ إذ معناه: "لا يستوون في الفوز بالجنة".
وعليه جرى الهندي، إذ قال: (الحق أن قوله: ﴿يَسْتَوِي﴾ أو ﴿لَا يَسْتَوِي﴾ من باب المجمل ومن باب المتواطئ، لا العام) (^٣). انتهى
_________________
(١) كذا في (ص، ق)، لكن في (ت، ش، ض): نفيت.
(٢) كذا في (ص)، لكن في (س): حقيقته.
(٣) نهاية الوصول (٤/ ١٣٦٩).
[ ٣ / ١٣٦٤ ]
وقد سبق أن ذلك مِن ذِكر بعض أفراد العام، ولا يلزم منه أن يبقى مجملًا.
ونظير هذا الخلافِ الخلافُ في قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ [آل عمران: ٣٦] هل هو عام حتى إذا خرج منه شيء يكون تخصيصًا بدليل؟ أو مجمل؛ لأنا نعلم بالضرورة تساويهما في الإنسانية وغيرها؟
والأرجح الأول؛ لعموم نفي المشابهة؛ فلذلك يحتج به على أن المرأة لا تكون إمامًا ولا قاضيًا ولا إمامة في اقتداء المذكور بها وغير ذلك؛ عملًا بالعموم.
وأما كون تساويهما في الإنسانية فذاك خارج من المراد كما سبق، ومن ثَم امتنع اجتماع المثلين.
قال ابن دقيق العيد: (لفظ "المثل" قال على المساواة بين الشيئين إلا فيما لا يقع التعدد إلا به).
وفي شرح "جمع الجوامع" لشيخنا بدر الدين الزركشي أن المصنف (يعني تاج الدين السبكي) قد اختار أمرًا آخر غير ما سبق، وهو أنَّ لفظ "المساواة" المراد به المعادلة، والسواء: العدل، و"فلان لا يساويه" أي: لا يعادله ولا يكون وزانه، ومنه قوله: وليس سواء عالم وجهول. وقوله:
وأَعْلَمُ إنَّ تسليمًا وتركًا لَلَا متشابهان ولَا سَوَاء
أي: لا يتعادلان ولا قريبًا من المعادلة، وإذا كان معناه المعادلة والمكافأة، كان هذا معناه نفيًا وإثباتًا. وحينئذٍ فيتوقف الاستدلال بالآية على عدم القصاص في الكافر وعدم ولاية الفاسق بالآية الأخرى على أنه ليس بكفء وأن الكفاءة معتبرة (^١). انتهى ملخصًا.
_________________
(١) تشنيف المسامع (٢/ ٦٨٧).
[ ٣ / ١٣٦٥ ]
ولا يخلو من نظر لمن تأمله.
المسألة الثانية:
الفعل المنفي هل يعم حتى إذا وقع في يمين نحو: "والله لا آكل" أو "لا أضرب" أو "لا أقوم" أو "ما أكلت" أو "ما قعدت" ونحو ذلك ونوى تخصيصه بشيء، يُقبل؟ أو لا يعم فلا يقبل؟
يُنظر: إما أن يكون الفعل متعديًا أو لازمًا، فالأول هو الذي يُنصب فيه الخلاف عند أكثر الأصوليين كما سنذكره.
فإذا نُفي ولم يُذكر له مفعول به، ففيه مذهبان:
أحدهما قول الشافعية والمالكية وأبي يوسف من الحنفية: إنه عام.
وثانيهما وبه قال أبو حنيفة: لا يعم. واختاره القرطبي من المالكية والإمام الرازي من الشافعية.
ومنشأ الخلاف أنَّ المنفي الأفراد، فيقبل إرادة التخصيص ببعض المفاعيل به؛ لعمومه؟ أو المنفي الماهية ولا تَعدد فيها؛ فلا عموم؟
وقد سبق أن الأصح هو الأول، وبنوا عليه أن الحالف إذا قال: "إن تزوجت أو أكلت أو شربت أو سكنت أو لبست" ونوى شيئًا دون شيء، لا يُقبل.
فإنْ ذَكر المفعول به كـ "لا آكل تمرًا" أو "لا أضرب زيدًا" فلا خلاف بين الفريقين في عمومه وقبوله التخصيص.
لكن فرق الحنفية بأن المفعول به إذا لم يذكر، يكون النفي منصبًّا على حقيقة الأكل وماهيته، وإذا ذكر المفعول به، توجَّه النفي إليه، فكان الفعل المتعلق به عامًّا يقبل التخصيص.
[ ٣ / ١٣٦٦ ]
ورُد بأن المقدَّر في حكم المذكور، فلا فرق.
نعم، ألحقَ أبو حنيفة بذكرِ المفعول به ما إذا أتى بعد الفعل بمصدره كـ "لا آكل أكلا"؛ لأنه إذا ذكر، تقيَّد الفعل به، فكان كالمفعول به.
وأجيب عنه بأنه وإن لم يذكر فلم يخرج عن دلالة الفعل عليه؛ لأنه مضمونه، فكان كالمذكور.
وربما قرروا قوله بأن المصدر يدل على المرة، فجاز أن يراد به خاص.
وجوابه: أن المصدر المؤكد لا يدل إلا على الحقيقة؛ فلهذا كان مؤكدًا.
واعلم أن الإِمام الرازي لما اختار مذهبهم قال: (نَظرُ أبي حنيفة فيها دقيق؛ لأن النية لو صحت لصحت إما في الملفوظ أو غيره، والأول باطل؛ لأن الملفوظ هو الأكل وهو ماهية واحدة لا تقبل التعدد. فإن أُخِذَت مع زيادة عليها فتعددها بحسبه، وحينئذ فتقبل التخصيص. فإذا لم تكن تلك الزيادة، فلا تَعدد، فلا تقبل تخصيصًا. وأيضًا أجمعنا على أنه لو نوى التخصيص بالزمان والمكان، لم يصح، فكذا إذا نوى تخصيص المفعول به بشيء دون شيء) (^١). انتهى بمعناه.
ورُد بأن الماهية إنما لا تتعدد إذا لم يدخل عليها النفي؛ لأنها حينئذ من قبيل المطلق. فإذا نفيت، فلا بُد من نفي جميع الأفراد؛ ضرورة انتفاء الماهية، سواء قلنا: النفي للأفراد بالذات، أو: باللازم لنفي الماهية.
فتبيَّن أن النظر الدقيق إنما هو لأصحابنا.
وأما دعوى الإجماع على عدم صحة التخصيص بزمان أو مكان وقياس المفعول به
_________________
(١) المحصول (٢/ ٣٨٤).
[ ٣ / ١٣٦٧ ]
فممنوعان.
أما الأول: فالشافعية لا فرق عندهم في صحة إرادة التخصيص بين المفعول به وبين الزمان والمكان ونحوهما، وقد نص الشافعي على أنه إذا قال: "إن كلمت زيدًا فأنت طالق" ثم قال: "أردت شهرًا" أنه يصح ويُقبل منه.
وأما الثاني -وهو القياس عليه- فلو سلم، أمكن الفرق بأن المفعول به من مقومات الفعل المتعدي وجودًا وذهنًا، إذ لا يوجد ولا يُعقل إلا به. وأما الزمان والمكان فمتعلِّقان بالفاعل حيث افتقر، وإلا فأفعال الله تعالى لا تفتقر لزمان ولا مكان.
ومما ضعِّف به قول الحنفية أنهم وافقوا في الفعل المذكور على جواز تخصيصه باللفظ بخلاف النية، وعللوه بأن النية ضعيفة، فلا تقوى على تخصيص المقدَّر. فناقضوا في جعله عامًّا لقبول التخصيص باللفظ، غير عام لعدم قبوله التخصيص بالنية.
ثم هو على العكس مما ذكروه؛ فإن الضعيف يقوى على تخصيص الضعيف ما لا يقوى على القوي، فإذا كان يَقْوَى على تخصيص القوي وهو المفعول إذا ذُكر، فأَولى أن يقوى على تخصيصه إذا لم يُذكر وكان مُقدرًا.
ومن هنا يُعلم ضعف رد القرافي عليهم بمثل قوله تعالى: ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦]؛ لأنه ليس محل النزاع، إنما محله التخصيص بالنية.
تنبيهات
الأول: ظاهر كلام إمام الحرمين والغزالي والآمدي والهندي أن الخلاف لا يجري في الفعل القاصر حتى يجوز التخصيص باعتبار المصدر المضمن له بالنية قطعًا.
لكن القاضي عبد الوهاب في "الإفادة" أطلق الفعل، فاقتضى أنْ لا فرق، فقال: الفعل
[ ٣ / ١٣٦٨ ]
في سياق النفي هل يقتضي العموم كالنكرة في سياق النفي؛ لأن نفي الفعل نفي للمصدر، فإذا قلنا: "لا يقوم زيد"، كأنَّا قلنا: "لا قيام"؟ أوْ لا؟ إلى آخِره.
وربما وقع في تمثيل الغزالي المسألة بأفعال قاصرة وإن كان موضوع المسألة فيما له مفعول، فمثَّل بِـ "إنْ ضربت -أو إن خرجت- فأنت طالق" ونوى الضرب بآلة بعينها أو الخروج من مكان بعينه، مع أن ترجمة المسألة ليس فيها التخصيص بالنية في الآلة ولا في فعل قاصر في المكان، اللهم إلا أن يريدوا بتعدي الفعل ما هو أعم من التعدي بنفسه أو بالحرف.
وقولي في النظم: (في نَحْوِ: "لَا أَكَلْتُ") يحتمل نحوه في كونه فعلًا أو في كونه فعلًا متعديًا.
ومن أمثلة العموم في اللازم قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [طه: ٧٤]، ﴿وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦] ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [فاطر: ٣٦]، ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾ [طه: ١١٨].
الثاني: إذا قال: "إن أكلت" فهو مثل: "لا أكلت"؛ لِمَا سيأتي من كون النكرة في سياق الشرط للعموم كالنفي، فمِن ثَّم جمع بينهما ابن الحاجب وغيره.
وإن كان ابن السبكي جعل ذلك ضعيفًا، إذ قال: ("لا أكلت"، قيل: و"إنْ أكلت") (^١).
لأنه يحمل كلام مَن قال: (النكرة في سياق الشرط للعموم) على العموم البدلي، لكن سيأتي رد ذلك وأن المراد الشمولي.
ولا تظن أني أسقطتُ ذلك في النظم اختيارًا مني لهذا، بل لأني لما ذكرتُ أن النكرة في الشرط تعم، كان ذلك مُكتفًى به؛ لأنه والنفي في ذلك سواء.
_________________
(١) جمع الجوامع (٢/ ٢٠) مع حاشية العطار.
[ ٣ / ١٣٦٩ ]
الثالث: لا يختص جواز التخصيص بالنية بالعام، بل يجري في تقييد المطلق بالنية؛ ولذلك لما قال الحنفية في "لا أكلت": (إنه لا عموم فيه، بل مطلق، والتخصيص فرع العموم)، اعتُرض عليهم بأنه يصير بالنية تقييدًا لمطلق، فَلِمَ [منعوه] (^١)؟
نعم، إذا قلنا بجواز الأمرين بالنية، فيقال: كيف خالفت الشافعية ذلك في فروع؟ منها إذا قال: "كل امرأة لي طالق" أو "نسائي طوالق" وعزل بعضهن بالنية، لا يقبل.
وكذا لو قال: "أنت طالق ثلاثًا" وأراد تفريقها على الأقراء أو أراد "إذا جاء رأس الشهر"، على الصحيح في الكل.
وجوابه أنه إنما لم يُقبل؛ لأنه ادَّعى خلاف الظاهر، بخلاف مسألة: "لا أكلت" و"إن أكلت"، فإنه إذا نوى مأكولًا خاصًّا، فليس فيه مخالفة الظاهر.
ولهذا قلنا في المسائل السابقة: إنه مع نفي القبول يُديَّن إلا إذا رفع بالكلية، كما إذا قال: "أردت إن شاء الله" على ما ذكره كُبراء المذهب.
ولو أَقرَّ في صك أنه لا دعوى له على زيد ولا طلب بوجه من الوجوه ثم قال: "أردت في عمامته -أو قميصه- لا في داره وبستانه"، قال القاضي أبو سعد: هذا موضع تردد، والقياس قبوله؛ لأن غايته تخصيص عموم، وهو محتمل.
قال النووي: (الصواب لا يقبل في ظاهر الحكم، لكن له تحليفه أنه لا يعلم أنه قصد ذلك).
الرابع: حكى الغزالي عن الحنفية أنهم ردوا هذه المسألة إلى أنه من المقتضَى، وهو لا عموم له.
_________________
(١) كذا في (من)، لكن في سائر النُّسخ: يمنعوه.
[ ٣ / ١٣٧٠ ]
ورَدَّه بالفرق بينهما من جهة أن المقدَّر في المقتضى إنما هو لِيَتم الكلام به، وأما المفعول فإن الفعل يدل عليه بصيغته ووضعه، فَـ "الأكل" يدل على "مأكول" لا من جهة الاقتضاء، بل من نفس اللفظ.
قيل: وفيما قاله نظر؛ فإن الذي هو من دلالة اللفظ بوضع الفعل إنما هو المصدر؛ لدلالة الفعل عليه مع الزمان المحصل، أما بقية المفاعيل -وكذا الفاعل- إنما دلالته عليه باللزوم، لا بالصيغة والوضع.
المسألة الثانية من مسائل الأصل:
" النكرة في سياق النهي" للعموم؛ لأنه في معنى النفي كما صرح به أهل العربية، نحو: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤].
ويجري فيه ما سبق فيما يختص بالنفي، نحو: "لا تضرب من أحد"، أو لا يختص، نحو: "لا تضرب من رجل"، ويدخل أيضًا الفعل المنهي عنه، نحو: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ﴾ [طه: ٨١]، ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢]، ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء: ٣٣] ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨].
الثالثة:
" النكرة في سياق الشرط" للعموم أيضًا، نحو: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ [فصلت: ٤٦]، ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ [التوبة: ٦] ونحو ذلك؛ لأنه في معنى النفي؛ لكونه تعليق أمر لم يوجد على أمر لم يوجد.
وقد صرح إمام الحرمين في "البرهان" بإفادته العموم، ووافقه الأبياري في شرحه، وهو
[ ٣ / ١٣٧١ ]
مقتضَى كلام الآمدي [و] (^١) ابن الحاجب في مسألة: "لا أكلت" و"إن أكلت" كما سبق.
وزعم بعضهم أن المراد بعمومه "العموم البدلي" لا "الشمولي" كابن السبكي في "شرح المنهاج"، كأنه أخذ ذلك من أن أداة الشرط إما للتكرر وهي "كلما" أو لغيره وهي باقي الأدوات، ولكن هذا لا ينافي العموم وإلا لم تكن أدوات الشرط للعموم وقد سبق أنها مِن صِيَغِه.
ويدل على ذلك أن المراد في نحو: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ أنه لو استجاره واحد أو الكل، كان الحكم فيهم ما ذُكر، فلولا العموم لاقتصر على إجارة واحد، فإذا استجار بعده أحد، لا يجيره، كـ "أعتق رقبة" لا يختص؛ لأن عمومه بدلي، حتى إذا أعتق واحدة، لا يَلزم أن يعتق بعدها شيئًا.
والتكرير في "كُلما" إنما هو في واحد، نحو: "كلما جاءك زيد فأعطه درهمًا". وهو واضح.
الرابعة:
النكرة في سياق الاستفهام الإنكاري تعم أيضًا؛ لأنه في معنى النفي كما صُرِّح به في العربية في "باب مسوغات الابتداء وصاحب الحال" وفي "باب الاستثناء" وفي "الوصف المبتدأ المستغني بمرفوعه عن خبر" عند مَن يشترط [تقدُّم نَفْي] (^٢) أو ما في معناه، نحو: "هل قائم زيد؟ "، وفي غير ذلك.
قال تعالى: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم: ٩٨]، ﴿هَلْ تَعْلَمُ
_________________
(١) كذا في (ص، ق)، لكن في (س): وكذا.
(٢) كذا في (ت، س)، لكن في سائر النُّسخ: النفي.
[ ٣ / ١٣٧٢ ]
لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]، فإن المراد نفي ذلك كله؛ لأن الإنكار هو حقيقة النفي.
المسألة الخامسة:
وهي المذكورة استطرادًا بعد ما ذُكر من صيغ العموم لغةً بقرينة في النفي: "النكرة في سياق الامتنان"، وهي للعموم كما ذكره القاضي أبو الطيب في "تعليقه" في الكلام في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]، وجرى عليه ابن الزملكاني في كتاب "البرهان".
قيل: والقول بذلك مأخوذ من قول البيانيين في تنكير المسند إليه: إنه يكون للتكثير، نحو: "إنَّ له لإبلًا" و"إن له لغنمًا". وعليه حمل الزمخشري ﴿أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾ [الشعراء: ٤١]، وكذا قرره في قوله تعالى: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (١٢)﴾ [الغاشية: ١٢]، ولكن في أخذ العموم من ذلك نظر؛ إذْ لا يَلزم من الكثرةِ الاستغراقُ.
قلت: مرادهم بالكثرة البلوغ إلى غاية لا تدرك، مبالغةً في الكثرة، لا كثرة ما وإن كان ذلك على وجه الادعاء، وحينئذٍ فهو معنى العموم؛ فإنهم قالوا فيه: (إنه الاستغراق من غير حصر) كما سبق.
ونظير ذلك ما قالوه في نحو: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٤]، وفي نحو: "لبيك وسعديك" من كون المراد الكثرة بلا حصر، وهذا أمر مذوق لمن تأمله.
نعم، لا يبقى لخصوص الامتنان معنى، بل كل مقام اقتضى في النكرة التكثير يقال فيه ذلك، والامتنان فرد منه، وهو حسن.
تنبيه:
مما ذكر من عموم النكرة في الإثبات - غير ما سبق من الامتنان ونحوه - صُوَر:
منها: ما سيأتي من الجمع المنكَّر على قول الجبائي، ويأتي رده.
[ ٣ / ١٣٧٣ ]
ومنها: "النكرة في سياق الطلب"، نحو: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١]. وقد يقال: إن كان ذلك لاقتضاء المقام التكثير، فهو مما سبق تقريره في الامتنان، وإن كان التنكير فيه للتعظيم، فلا يلزم منه العموم؛ لأن العظمة باعتبار الشيء في نفسه، والتكثير باعتبار الكمية. وذِكر هذا الدعاء من جوامع الأدعية يحتمل أن يكون لإرادة التكثير أو التعظيم، لا لاقتضاء العموم بذاته.
ومنها: "النكرة في سياق الأمر" على خصوصه وإن دخل تحت الذي سبق من الطلب. قاله في "المحصول" ونقله عن الأكثرين، واستدل عليه بأن نحو: "أعتق رقبة" لولا أنه للعموم لَمَا خرج عن العهدة بأي إعتاق أعتقه، بل يعتق جميع ما يَقدر عليه من رقاب الدنيا.
وهو عجيب؛ فإنه مطلق يكتفَى فيه بواحد؛ فإن عمومَه عمومُ بَدَل.
قال أبو الحسين بن القطان: (إذا قال: "اقتل مشركا"، لا يلزم منه قتْل كل مشرك، بل يقتل مشركًا ما).
قال: (ويحتمل أن يريد معيَّنًا، فيجب التوقف إلى البيان. وقيل: إذا حمل على الجنس، خُص ووقف فيه. وهو قول أهل العراق). انتهى
ومنها: قول الحنفية: إن النكرة إذا وُصفت بصفة عامة، كانت معرفة بذلك، كالمعرف بـ "لام الجنس".
قالوا: مثل: "لا تكلم إلا رجلًا كوفيًّا"، فله أن يكلم جميع الكوفيين، بخلاف ما لو قال: "إلا رجلًا" فكلَّم رجلين؛ فإنه يحنث.
ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾ [البقرة: ٢٢١]؛ لأنه في معرض التعليل، فلولا أنه عام لَمَا صح التعليل.
ومنه أيضًا: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]، فهو عندهم عام؛ لأجل وصفه
[ ٣ / ١٣٧٤ ]
بالأحسنية، إذِ المراد بالوصفِ الوصفُ المعنوي، لا خصوص النعت النحوي.
ورُدَّ ذلك بأن هذا العموم إنما هو العموم العقلي الذي يأتي من الأقسام، والكلام في العام لغةً.
على أن ما ذكروه قد صرح محمَّد بن الحسن في "الجامع الكبير" بما يخالفه، فقال فيما لو حلف لا يكلم كوفيًّا: إنه يبر بواحد. ولو كان للعموم لَمَا برَّ بذلك، بل بالجميع.
وأيضًا فهو مردود بأن الوصف للنكرة ليس مسوقًا للتعميم، بل لبيان المراد بالنكرة.
وقد فرعوا على هذا قاعدتهم المشهورة، وهي: "أيُّ عبيدي ضربك فهو حر" فضربوه جميعًا، عُتقوا. و"أيُّ عبيدي ضربته فهو حر" فضربهم جميعًا، لا يُعتق إلا واحد منهم.
والفرق أنه وصف في المسألة الأولى بالضرب، وهو عام، وفي الثانية قطع عن الوصفية؛ لأن الضرب إنما أضيف إلى المخاطَب، لا إلى النكرة التي [تتناولها] (^١) "أيّ".
وهو عجيب؛ لأنه إنْ أريد النعت النحوي فلا نعت في الموضعين، وإن أريد الوصف المعنوي فهو موجود في الموضعين؛ لأنه كما وصف في الأُولى بالضاربية وُصِف في الثانية بالمضروبية له.
وقد أجاب بعضهم عن ذلك بما لا يشفي؛ فلا نُطَول به.
ومنها: الفعل المتعدي إذا حذف مفعوله واحتمل أن يكون معرفة ونكرة ولكنه ذُكر لِيعم، نحو: "زيد يعطي ويمنع "، ومنه: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس: ٢٥]، أي: كل أحد.
ولم يذكر ذلك الأصوليون، بل أهل البيان. لكن عموم المفعول إنما هو بالقرينة التي
_________________
(١) كذا في (ص)، لكن في (س): يتناولها.
[ ٣ / ١٣٧٥ ]
اقتضت أن يكون عامًّا كما مُثِّل، فالتعميم في الحقيقة إنما هو بلفظ عام مقدَّر، فيكون كما لو ذُكر؛ بدليل أنه لو قال قائل: (هل ضربت رجلًا؟) فقلت: (ضربت)، لا عموم فيه؛ لعدم قرينة العموم، بل فيه قرينة الخصوص.
قولي: (كَذَاكَ في سِيَاقِ نَفْيٍ بكِرَهْ) أي: كذلك من الصِّيَغ "النكرة في سياق النفي". فـ "كَذَاكَ" خبر مقدَّم، و"نَكِرَهْ" مبتدأ مؤخَّر، و"في سياق نفي" حال.
وقوفي: (وَاذْكُرَهْ في نَحْوِ) إلى آخِره -أي: اذكُر العموم واعتقده في ذلك أيضًا. والله أعلم.
ص:
٥٩٠ - وَقَدْ يَعُمُّ اللَّفْظُ عُرْفًا مِثْلُ مَا في رَأْيٍ الْفَحْوَى وَ"حُرِّمَ" اتْمِمَا
الشرح:
هذا هو القسم المقابل للعام لغةً، وكذا ما بعده، وهو أن يكون اللفظ عامّا بالعُرف أو بالعقل.
فالأول في ثلاثة أمور:
أحدها: فحوى الخطاب.
الثاني: لحن الخطاب وإنْ لم أذكره في النَّظم ولا فرق، وهو واضح.
ولكني جريت على المشهور كما فعل صاحب "جمع الجوامع".
وقد مَثَّل هو في "شرح المنهاج" بالقسمين، وهُما الحكم على شيء والمسكوت عنه مساوٍ له فيه أو أَوْلى، نحو: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠] ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣].
[ ٣ / ١٣٧٦ ]
وقد سبق بيان القسمين في مفهوم الموافقة وحكاية الخلاف في "الفحوى" أنه دَلَّ على المسكوت قياسًا؟ أو نقل عُرفًا؟ أو مجازًا بالقرينة؟ أو دَلَّ من حيث المفهوم؟
فلذلك قلت: (في رَأْيٍ)؛ لأن الراجح ما نص عليه الشافعي أنه بالقياس.
والثالث: ما نُسب الحكم فيه لذات، وإنما تعلق في المعنى بفعل اقتضاه الكلام، نحو: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣].
فإنَّ العُرف في الأُولى نقله إلى تحريم الأكل على العموم، وفي الثانية إلى جميع الاستمتاعات المقصودة من النساء، فيشمل الوطء ومقدماته، ومنهم مَن يُقَدر الوطء فقط.
وسيأتي بيان ذلك مبسوطًا في "مسألة عموم المقتضَى".
ومنهم مَن زعم أنه من قبيل المجمل، وسيأتي بيانه أيضًا هناك وفي باب "المُجْمَل".
وقولي: (وَ"حُرِّمَ" اتْمِمَا) أي: أتمم المذكور في الآية، إما الآية الأولى أو الثانية. والله أعلم.
ص:
٥٩١ - وَعَقْلًا ايْضًا مِثْلُ تَرْتِيبٍ عَلَى وَصْفٍ، فَذَا بِلَفْظِهِ لَنْ يَشْمَلَا
٥٩٢ - وَمثْلُهُ الْمَفْهُومُ في الْمُخَالَفَهْ وَللْعُمُومِ ضَابِط مَا خَالَفَهْ
الشرح:
هذا الثاني من المقابل للعام لغةً، وهو العام بالعقل، وذلك ثلاثة أمور:
أحدها: ترتيب الحكم على الوصف، نحو: "حرمت الخمر؛ للإسكار"، فإن ذلك يقتضي أن يكون عِلَّة له، والعقل يحكم بأنه كما وُجدت العلة يوجد المعلول، وكلما انتفت ينتفي.
فهذا القسم لم يدل بِلُغة؛ لأنه لا منطوق فيه بصيغة عموم، ولا بالمفهوم، وذلك ظاهر،
[ ٣ / ١٣٧٧ ]
ولا بالعُرف؛ لعدم الاشتهار فيه، فلم يَبْقَ إلا العقل.
وإذا قلنا بأن نحو: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] من باب القياس، يكون من العام عقلًا أيضًا.
ولك أن تقول في عموم العِلل: إن هذا إنما هو في العِلل العقلية، أما الشرعية فمُعَرِّفات، ولا يَلْزَم من ثبوتها ولا من انتفائها ما ذكر؛ فقَدْ يتخلف المعلول؛ لمانع، وهي مسألة "نقض العلة"، وسيأتي إيضاح ذلك في "باب القياس"؛ فإنه محله.
نعم، ترتيب الحكم على العلة وإنْ كان من حيث عموم العلة عقلًا لكنه إذا كان من الشرع، فالحكم في عمومه لكل ما فيه تلك العلة التي وقع القياس بها -شرعي.
وقيل: لُغوي، وقيل: لا يعم، لا شرعًا ولا لغةً.
ومن أمثلة المسألة: قولة - ﷺ - في قتلى أُحد: "زملوهم بكلومهم ودمائهم؛ فانهم يحشرون وأوداجهم تَشْخَبُ دمًا" (^١). فإنه يعم كل شهيد شرعًا، أو لغةً، أوْ لا ولا (على الأقوال).
_________________
(١) انظر: مسند أحمد (رقم: ٢٣٧٠٨)، معرفة السنن والآثار للبيهقي (٣/ ١٤٢، رقم: ٢٠٩٧)، ولفظ أحمد: (زَمِّلُوهُمْ بِكُلُومِهِمْ وَدِمَائِهِمْ). وفي: سنن النسائي (٢٠٠٢) وغيره، ولفظ النسائي: (زَمِّلُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ، فَإِنَّهُ لَيْسَ كَلمٌ يُكْلَمُ في الله إِلَّا يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَدْمَى، لَوْنُهُ لَوْنُ الدَّمِ وَرِيحُهُ رِيحُ المسْكِ). قال الألباني: صحيح. "صحيح النسائي: ٢٠٠١). وفي: سنن الترمذي (٣٠٢٩)، سنن النسائي (٤٠٠٥) وغيرهما، بلفظ: (يَجِيءُ الْمَقْتُولُ بِالْقَاتِلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَاصِيَتُهُ وَرَأْسُهُ في يَدهِ، وَأَوْدَاجُهُ تَشْخَبُ دَمًا ..) الحديث. قال الألباني: صحيح. "صحيح سنن الترمذي: ٣٠٢٩).
[ ٣ / ١٣٧٨ ]
الثاني: مفهوم المخالفة عند القائل به، كقوله - ﷺ -: "مطل الغني ظلم" (^١)، فإنه بمفهومه يدل على أن مطل غير الغني عمومًا لا يكون ظلمًا.
والثالث: إذا وقع جوابًا لسؤال، كما لو سُئل النبي - ﷺ - عن مَن أفطر، فقال: "عليه الكفارة"؛ فيُعلم أنه يَعُم كل مفطر.
وإنما لم أذكر هذا في النَّظم لأنه يمكن دخوله تحت الذي قبله، فإنه ينحل إلى أن الحكم بالكفارة لأجل الإفطار، فهو تعميم بالعلة، والله أعلم.
وقولي: (وَللْعُمُومِ ضَابِطٌ مَا خَالَفَهْ) تمامه قولي بعده:
ص:
٥٩٣ - مِعْيَار صِحَّةُ الِاسْتثنَاءِ مِنَ الَّذِي فِيهِ احْتِمَالٌ جَائِي
٥٩٤ - لِأنَّهُ إخْرَاجُ مَا قَدْ وَجَبَا دُخُولُهُ، فَلَا عُمُومَ نُصِبَا
٥٩٥ - في عَدَدٍ؛ إذْ هُوَ غَيْرُ مُحْتَمِلْ وَلَا مُنكَّرٍ سِوَى مَا قَدْ قُبِلْ
٥٩٦ - وَلَوْ يَكُونُ في جُمُوعٍ رَاسِبًا (^٢) إذِ الدّخُولُ لَيْسَ فِيهِ وَاجِبَا
الشرح:
لما انتهى الكلام في صيغ العموم لغة وعرفًا وعقلًا، ذكرتُ ضابط العام الذي به يعرف عمومه، حتى لو ادُّعي في شيء عموم، عُرض على الضابط، فإن قَبِله، عرفنا عمومه.
وهو أنَّ: ضابط العموم ومعياره صحة الاستثناء منه، نحو: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) جاء في "لسان العرب، ١/ ٤١٨ ": (جَبَل راسبٌ: ثابتٌ).
[ ٣ / ١٣٧٩ ]
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العصر: ٢، ٣]؛ ولذلك يستدل به من أثبت صيغ العموم ردًّا على من زعم أن وضعها للخصوص أو وقف كما سبق من المذاهب.
وقولي: (مِنَ الَّذِي فِيهِ احْتِمَالٌ جَائِي) قَيدٌ في الضابط، زِدته على البيضاوي وغيره ممن يطلق أن الاستثناء معيار العموم، حتى يخرج العدد إذا قلنا بصحة الاستثناء منه كما هو قول الجمهور (كما سيأتي)، فإنه قابل للاستثناء وليس بعام قطعًا.
فيقال: إلا أنه ليس محتملًا للعموم، ونحن إنما جعلنا الاستثناء معيارًا في لفظ يكون محتملًا، فيكون المراد يكون الاستثناء معيارًا أنَّ كل ما لم يَقبل الاستثناء منه لا يكون عامًّا، لا أن كل ما يَقبل الاستثناء منه عام.
ثم عَللتُ كون الاستثناء معيارًا بأن الاستثناء: إخراج ما لولاه لوجب دخوله في المستثنى منه، فإذا كان القابل للإخراج بالاستثناء واجب الدخول، فكل فرد يمكن إخراجه به واجب الدخول، وذلك حقيقة العموم.
وما اعتُرض به من كون وجوب الدخول يناقض خروجه بالاستثناء -فاسد؛ لأنا لم نَدَّعِ وجوب الاندراج إلَّا بتقدير أن لا يخرج بالاستثناء، فهو خارج منه وإن دخل لغةً. وسيأتي في التنبيهات فيه زيادة بيان وأن الحكم على المستثنى منه إنما هو بعد إخراج المستثنى، فلا تناقض.
وقولي: (فَلَا عُمُومَ نُصِبَا في عَدَدٍ) إلى آخره -هو مما نُفي فيه العموم، لعدم صِدق ضابط العام فيه؛ ولذلك عطفته بِـ "الفاء" المشعرة بالسببية والترتيب.
فأشرت إلى مسألتين، لتمهيد الضابط وتقريبه:
الأُولى: أن العدد ليس بعام، بل دلالته دلالة الكل على أجزائه، ولو كان عامًّا لكان من دلالة الكلي على جزئياته مستغرقًا لها، وهو وإن ساغ الاستثناء منه على الراجح لكنه -كما
[ ٣ / ١٣٨٠ ]
تَقدم- ليس محتملًا للعموم حتى يكون الاستثناء منه دليل عمومه.
وإنما قلت: إنه يستثنى منه على الراجح؛ لأن الاستثناء من العدد فيه ثلاثة مذاهب:
الصحيح: الجواز مطلقًا؛ يخطيء ذلك في كلام العرب فيما لا ينحصر.
الثاني: المنع مطلقا؛ لأن أسماء الأعداد نصوص، والنصوص لا تقبل التخصيص. ونقل ذلك ابن عصفور عن البصريين، قال: إلا إذا كان العدد مما يستعمل للمبالغة، كالمائة والألْف. أي: ولأجل ذلك لا يكون في نحو قوله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] إبطالًا لقول المنع مطلقًا؛ لأن هذا خارج عن محل الخلاف.
والثالث: إن كان المستثنى عقدًا كالعشرة والعشرين، فلا يجوز، وإن لم يكن عقدًا كالواحد والاثنين إلى التسعة، جاز. أي: ومحله أيضًا فيما لا يكون للمبالغة، وإلا فقوله تعالى: ﴿إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ المستثنى عقد، فكيف تمتنع؟
ونشأ من هذا الخلاف خلافٌ في فروع:
منها: لو قال: "أربعتكن طالق إلا فلانة"، وقع الطلاق على الكل عند القاضي حسين والمتولي؛ لعدم صحة الاستثناء؛ لأن الأربع ليست صيغة عموم، بل نصوص، فرَفْع البعض رفْع بعد نَص، فكان كقوله: "أنت طالق طلاقًا لا يقع عليك".
وردَّ ذلك الرافعي بأن مقتضَى التعليل بذلك أن لا يصح الاستثناء من العدد في الإقرار، نحو: "له عليَّ عشرة إلا درهما".
قال: (ومعلوم أنه ليس كذلك) (^١).
_________________
(١) العزيز شرح الوجيز (٩/ ١٣١).
[ ٣ / ١٣٨١ ]
ثم استشكل على القاضي قوله: (إنه لو قدم المستثنى على المستثنى منه كما لو قال: "إلا فلانة أربعتكن طوالق" أنه يقع على الثلاث دون المستثناة)، وما الفرق بين التقدم والتأخر في هذا؟
قيل: ولا إشكال؛ لأنه لَمَّا أخرج قبل الحكم، كان الحكم موجهًا للثلاث دون المستثناة.
قلتُ: وهو عجيب؛ فإن الرافعي إنما استشكل تعليل القاضي بأنه ليس عامًا حتى يخرج منه، بل نص، ومن هذه الحيثية لا فرق بين التقديم والتأخير.
المسألة الثانية:
الجمع المنكَّر -كـ "رجال" و"مسلمين" ونحوهما- ليس بعام، خلافًا للجبائي من المعتزلة كما نقله القاضي في "مختصر التقريب" والإمام الرازي والآمدي وأتباعهم، وربما حُكي عن المعتزلة كما عبَّر به ابن برهان، لكن الذي حكاه عبد الجبار إنما هو عن الجبائي، وحكى مقابِلَه عن أبي هاشم.
نعم، لا اختصاص للمعتزلة بذلك، فقد حكى الشيخ أبو حامد الخلاف وجهين لأصحابنا، وكذا الشيخ أبو إسحاق في "اللمع" وسليم في "التقريب"، ونصر ابن حزم قول التعميم، ونُقل أيضًا عن جمهور الحنفية، واختاره البزدوي وابن الساعاتي.
وعلى كل حال فالأصح أنه "لا يعُم" كما قال الشيخ أبو حامد وسليم: إنه ظاهر المذهب، وعليه عامة أصحابنا. قال: لأن أهل اللغة يسمونه نكرة، ولو كان عامًّا، لم يكن نكرة.
أي: لمغايرة معنى النكرة لمعنى العموم كما سبق في تعريف "العام"، ولأنه يَصْدُق على أقَل الجمع وعلى ما زاد مرتبة بعد أخرى إلى ما لا يتناهى، وهذا الأخير هو مدلول "العام". وإذا كان مدلول النكرة أعم من هذا ومن الصُّوَر السابقة، فالأعم لا يدل على الأخص،
[ ٣ / ١٣٨٢ ]
وعمومه في هذه [الصُّوَر] (^١) إنما هو عموم بدل، لا شمول.
ومن هنا يُعلم فساد قول الجبائي: إنه مشترك بين هذه [الصور] (^٢)، فيحمل على الجميع؛ بناءً على أن المشترك يُحمَل على جميع معانيه. فإنه يقول بذلك كالشافعي.
لأنَا (^٣) نمنع كونه مِن قبيل المشترك، بل مِن الكُلي الذي تحته جزئيات يصدق على كل منها حقيقة، كـ "إنسان" على كل فرد فرد، فالمراتب في الجمع كالأفراد في "إنسان".
وأما استدلاله على عمومه بأنه يَقبل الاستثناء وهو دليل العموم فيُرَد بمنع ذلك؛ فإنَّ الأصح عند النحاة أنه لا يجوز الاستثناء من النكرة؛ لِمَا سبق أنه "إخراج ما لولاه لوجب دخوله"، وهذا لا يجب دخوله على تقدير عدم الاستثناء، نحو: "جاء رجال إلا زيدًا"؛ لجواز أن يكون "رجال" مراد المتكلم بها غير زيد، فلا يحتاج لإخراجه؛ لأنه لم يدخل.
وتَعلُّق مَن جوَّز الاستثناء منه بأن "عموم البدل موجود فيه، وذلك كاف في صحة الاستثناء" مردود بأنه لم يُقْطَع بدخوله حتى يخرج.
نعم، اختار ابن مالك أن الاستثناء من النكرة جائز بشرط الفائدة، نحو: "جاءني قوم صالحون إلا زيدًا"، وخَرَّج عليه الاستثناء من العدد نحو: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾.
وعلى تسليم أنه يجوز الاستثناء من الجمع المنكَّر فقد بيَّنا أنَّ المراد يكون "الاستثناء معيار العموم" أنَّ ما لا يُستثنَى منه لا يكون عامًّا، لا أن كل ما يصح الاستثناء منه يكون عامًّا؛ بدليل العدد.
_________________
(١) كذا في (ص، ق)، لكن في (س): الصورة.
(٢) كذا في (ص، ق)، لكن في (س): الصورة.
(٣) هذا بيان سبب فساد قول الجبائي.
[ ٣ / ١٣٨٣ ]
ولهذا كان قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] "إلَّا" فيه صفة للنكرة، لا استثناء منه؛ لِتَعذُّر الاستثناء فيه من جهة المعنى ومن جهة اللفظ على القول الراجح.
تنبيهات
الأول: إذا قلنا بأنَّ الجمع المنكر ليس عامًّا، فعَلَى ماذا يحمل؟
فقيل: يُحمل على أقَل الجمع.
وقيل: يُحمل على مجموع الأفراد مِن دلالة الكل على الأجزاء، ويحكَى في المسألة خلاف آخَر لا تَحقُّق له، أضربنا عنه.
نعم، أقَل الجمع ما هو سنذكره في بحث "التخصيص" وأنَّ "جمع القِلة" أقَلُّه ثلاثة إلى عشرة، وأقَل "جَمْع الكثرة" أحد عشر فصاعدًا.
ولهذا قال الهندي في هذه المسألة: (الذي أظنه أنَّ الخلاف في عموم الجمع المنكَّر في غير جمع القِلة، وإلا فالخلاف فيه بعيد جدًّا؛ إذْ هو مخالف لِنَصِّهم أنه للعشرة فما دُونها، فالقول بعمومه بعيد) (^١).
لكن القاضي في "مختصر التقريب" لما نقل مذهب الجبائي نقله في الجمْعَين معًا، وهو قضية كلام البزدوي.
نعم، فرَّق بعض الحنفية، فقال في "جمع السلامة": يُحمل على المتيقن، وهو أقَل الجمع. وفي "جمع الكثرة": يُحمل على العموم.
_________________
(١) نهاية الوصول (٤/ ١٣٣٢).
[ ٣ / ١٣٨٤ ]
وهو أقرب من القول بالتعميم في النوعين؛ لِمَا قررنا في نهاية القِلة أنها إلى عشرة، وفي الكثرة إلى ما لا نهاية له.
الثاني:
من فروع هذه المسألة: لو أَقرَّ له بدراهم، قُبِل تفسيره بأقَل الجمع على الأرجح كما هو ظاهر كلام الأصحاب، وقد صرح الهروي في "الإشراف" بحكاية وجهين فيه مَبنيين على القاعدة، وأشار إليه أيضًا الماوردي في "الحاوي".
وغير الإقرار في ذلك مِثله، كَالعتق والنذر والوصية ونحو ذلك.
ففي الرافعي في فروع "الطلاق": (لو حلف لا يشتري العبيد أو لا يتزوج النساء، يحنث بثلاثة) (^١).
وفي "طبقات العبادي" أن أبا عبد الله البوشنجي نقل عن الشافعي -فيما لو قال: (إنْ في كفي دراهم هي أكثر من ثلاثة فعبدي حر) فكان في كله أربعة- أنه لا يعتِق عبده؛ لأن ما زاد في كفه على ثلاثة درهم واحد، لا دراهم.
وهذا حَمْل لقول المعلِّق: "أكثر" على معنى "زائد"؛ لأنه العُرف، فأما إذا قصد أن المجموع أكثر، فينبغي أن يعتِق. وبالجملة فلم يحمل "دراهم" على العموم.
وقد عُلم مما حكيناه من الخلاف أن رد ابن الحاجب وغيره على الجبائي بأنه لو قال: (له عندي عبيد) صحَّ تفسيره بأقَل الجمع، أي: اتفاقًا، لا يحسُن؛ لجواز أن يقول الجبائي بالوجه الآخر في المسألة.
وأيضًا فقد يقول: إنما حُمل على ذلك؛ لتعذُّر العمل على العموم؛ إذِ المقر له لا يستوعب
_________________
(١) العزيز شرح الوجيز (١٢/ ٣٤٧).
[ ٣ / ١٣٨٥ ]
ملك العبيد.
لكن في هذا نظر؛ لأن مِثل هذا إنما يُحمل على ما يمكن منه.
الثالث: كل مما دلَّ على جمعية دلالة المجموع -كـ "ناس" و"خيل" ونحو ذلك- حُكمه حُكم الجمع، لا نحو "قوم" و"رهط"؛ لأن دلالته دلالة المجموع، لا الجميع، وسيأتي في مسألة "أقَل الجمع" في ذلك مزيد بيان.
الرابع: ضمير الجمع [لمخاطَبين] (^١) يَعُمهم، كـ ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ١١٠] ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧]. وهل يَعُم غيرهم؟ أم لا؟
هي مسألة الخطاب الشفاهي، وستأتي.
ونقل صاحب "الكبريت الأحمر" -من المعتزلة- أن القاضي عبد الجبار نقل في الدرس عن الشيخ أبي عبد الله البصري أنه يُحمل على الاستغراق.
وجرى على ذلك في "المحصول"، فقال: إذا قال: "اكرموا زيدًا"، دل على الاستغراق حتى يتوجه الأمر إلي كل واحد بخصوصه.
وما قاله يقتضي أنه لو قال مثلًا لعبيده أو وكلائه: "أعطوا زيدًا مما في أيديكم عشرة"، يكون كل واحد مأمورًا بإعطاء عشرة.
وفيه نظر، وإنما ينبغي أنْ يُحمل على أنَّ كل واحد يعطي قَدْر ما يَخُصه مِن توزيع العشرة عليهم، حتى لو قال لنسوته: "إنْ أعطيتنني ألفًا فأنتن طوالق" يُوزع كذلك.
نعم، لو أعطت واحدة أكثر مما عليها وكان المعطَى هو القَدْر الذي قاله، وقع الطلاق كما في الذي قبله.
_________________
(١) في (ص، ق): المخاطبين.
[ ٣ / ١٣٨٦ ]
وقولي: (وَلَا مُنكرٍ سِوَى مَا قَدْ قُبِلْ) أي: سِوَى النكرة في سياق النفي وما أُلحق به كما سبق، فإن ذلك مقبول فيه ادِّعاء العموم.
وقولي: (وَلَوْ يَكُونُ في جُمُوعٍ) أي: ولو يكون التنكير في صِيَغ جموع، فإنه لا عموم فيه.
ثم أشرت إلى دليل نفي العموم وخروجه من ضابط الاستثناء بقولي: (إذِ الدُّخُولُ لَيْسَ فِيهِ وَاجِبَا)، وسبق تقريره، والله أعلم.
ص:
٥٩٧ - وَمنْهُ فِعْل مُثْبَت، نَحْوُ: "قَضَى لِلْجَارِ بِالشُّفْعَةِ" فِيمَا يُقْتَضَى
٥٩٨ - كَذَاكَ "كَانَ يَجْمَعُ الصَّلَاةَ في سفَرِهِ"، وَالْمُقْتَضَى فِيهِ نُفِي
الشرح:
هذا أيضًا مما لا عموم فيه؛ لأنه نكرة، وهو الفعل المثبت، فقد حكى الزجاجي إجماع النحاة على أن الأفعال نكرات؛ لأن كل فعل له فاعل يكون به جملة، والجُمَل نكرات؛ ولذلك لا [يضاف الفعل] (^١)؛ لانتفاء فائدة الإضافة من الجمل، وإن أضيف إليها فلكونها حَلَّت محل مفرد.
وقد مثلتُ في النَّظم المسألة بنحو: ("قَضَى لِلْجَارِ بِالشُّفْعَةِ")، ونحو: ("كَانَ يَجْمَعُ الصَّلَاةَ في سَفَرِهِ").
وأشرتُ بالمثالين إلى أنه لا فرق بين أن يكون الفعل مما ادُّعي أنه يدل على التكرر عُرفًا (نحو: "كان") أو لا، وأنه لا فرق بين أن يذكر له متعلق من صيغة العموم أو لا، وأنه لا
_________________
(١) في (ت): يضاف للفعل. وفي (س): تضاف للفعل.
[ ٣ / ١٣٨٧ ]
فرق بين أن يكون المعبر عنه لفظًا (كـ "أمر - ﷺ - " و"نهى" و"قضى بكذا") أو فِعلًا غير لفظ (كـ "صلى" ونحوه).
وفي كل من ذلك خلاف وتفصيل نذكره.
فأما الفعل الذي لا يُشعِر بتكرر قطعًا فأصح الأقوال فيه وقول الجمهور أن الراوي إذا أخبر به، لا يكون عامًّا؛ لأنه إذا كان له جهات وأحوال، فلا يقع إلا على وجه واحد:
- فإنْ عُلم بدليل، تَعَيَّن الحملُ عليه.
- أو لم يُعْلم والأحوال فيه غير متضادة، فهو محمول على واحد منها مِن غير تعيين؛ للاحتمال. ولا عموم؛ للاستحالة.
- وإن [كانت] (^١) متضادة، فهو مجُمل حتى يتبين الحال.
فمن ذلك حديث ابن عمر في الصحيحين: "دخل النبي - ﷺ - البيت ومعه أسامة وبلال وعثمان بن طلحة، فأغلقوا عليهم الباب، فلمَّا فتحوا كنتُ أول مَن ولج، فلقيتُ بلالًا، فسألته: هل صلى رسول الله - ﷺ - في الكعبة؟ قال: ركعتين بين الساريتين عن يسارك إذا دخلت، ثم خرج فصلَّى في وجه الكعبة ركعتين" (^٢).
وهذا معنى تمثيل ابن الحاجب بقوله: (مِثل: "صلَّى داخل الكعبة"، فلا يَعُم الفرضَ والنفلَ) (^٣).
وذلك لأن قول بلال: "ركعتين" تقديره: صلَّى ركعتين. وبعض الشراح لمَّا لم يكن في لفظ الحديث "صلى داخل الكعبة" جعله في كلام ابن الحاجب مثالًا.
_________________
(١) في (ت): كانت فيه.
(٢) صحيح البخاري (رقم: ٣٨٨).
(٣) مختصر المنتهى (٢/ ١٨١) مع بيان المختصر.
[ ٣ / ١٣٨٨ ]
وأما قول أصحابنا بالاكتفاء بالفعل الواحد للفرض والنفل في مسائل (كصلاة داخل المسجد الفرض، فإنه يحصل به التحية، وكالغسل في يوم الجمعة للجنابة وغسلها، وكذا في العيد، وكالفرض عند الإحرام بحج أو عمرة يُغني عن ركعتي الإحرام، وما أشبه ذلك) فليس من عموم الفعل الفرض والنفل، بل لسقوط السُّنة به، لحصول المقصود، كما يسقط فرض الكفاية عن مَن لم يفعل بفعل غيره إذا عَلِمه، أو أنه يحصل له الثواب على النفل، لكن هذا إذا نواهما، فإنْ نوى الفرض فقط ففي حصول السُّنة كلام في ذلك مذكور في الفقه في مواضعه.
ومثل ذلك أيضًا حديث عمران بن حصين في "أبي داود" و"الترمذي" و"النسائي" أنه - ﷺ -: "صلى بهم، فسجد سجدتين، ثم تشهد، ثم سلم" (^١). قال الترمذي: حسن غريب. والحاكم: صحيح على شرط البخاري ومسلم.
وكذا الحديث المشار إليه في النَّظم وهو: "قضى بالشفعة للجار" (^٢) محمول -إنْ صحَّ-
_________________
(١) سنن أبي داود (رقم: ١٠٣٩)، سنن الترمذي (رقم: ٣٩٥)، وغيرهما، وفي سنن النسائي (١٢٣٦) بلفظ: (أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى بِهِمْ، فَسَهَا، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ). قال الألباني: ضعيف شاذ. (إرواء الغليل: ٤٠٣).
(٢) قال الإِمام البخاري في (التاريخ الكبير، ١/ ١١١): (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ: "قَضَى النَّبِيُّ - ﷺ - بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ في الدَّارِ وَالأَرْضِ"). وفي مصنف ابن أبي شيبة (٢٢٧١٦) بلفظ: (قَضَى رَسُولُ الله - ﷺ - بِالشُّفْعَةِ لِلْجِوَارِ)، وفيه أيضًا (٢٢٧١٧) بلفظ: (قَفَى رَسُولُ الله - ﷺ - بِالشُّفْعَةِ بِالجوَار). وفي صحيح البخاري (رقم: ٢١٣٨) بلفظ: (قَضَى النبي - ﷺ - بِالشُّفْعَةِ في كل مَالٍ لم يُقْسَمْ)، صحيح مسلم (رقم: ١٦٠٨) بلفظ: (قَضَى رسول الله - ﷺ - بِالشُّفْعَةِ في كل شِرْكَةٍ لم تُقْسَمْ ربْعَةٍ أو حَائِطٍ، لَا محلُّ له أَنْ يَبِيعَ حتى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ). وفي سنن النسائي (٤٧٠٥) بلفظ: (قَضى رَسُولُ الله - ﷺ - بِالشُّفْعَةِ والجوَار). وقال الألباني: صحيح بما قبله. (صحيح النسائي: ٤٧١٩).
[ ٣ / ١٣٨٩ ]
على أنه قضى به لجار في حالة يكون فيها الشفعة، أو أن الشريك يسمى "جارًا" كما قاله الشافعي - ﵁ - في "المختصر" في استدلال الخصم بحديث: "الجار أحق بسقبه" (^١)، أو قال: "بشفعته" (^٢) كما رواه في "الأم" عن سفيان، عن إبراهيم بن ميسرة، عن عمرو بن الشريد، عن أبي رافع.
واستشهد في "الأم" و"المختصر" في تسميته "جارًا" يقول الأعشى: (أَجَارَتنا بِيني، فإنك طالِقة). فسمَّى الزوجة "جارًا"؛ فكذا الشريك.
وإنما قلتُ: (إنْ صحَّ)؛ لأن بعض الحفاظ قال: لم يَرِد بهذا اللفظ.
قال ابن السبكي في "شرح المختصر": (إنه لفظ لا يُعرف). قال: (ويقرب منه ما رواه النسائي عن الحسن مرسلًا: "قضى النبي - ﷺ - بالجوار") (^٣). انتهى
وقال غيره: إن النسائي قد روى أيضًا من حديث أبي الزبير عن جابر: "أنَّ النبي - ﷺ - قضى بالشفعة بالجوار" (^٤).
وأخرجه البيهقي من حديث سمرة: "أن النبي - ﷺ - قضى بالجوار، وقال: جار الدار أحق
_________________
(١) الأم (٧/ ١١٠)، صحيح البخاري (رقم: ٢١٣٩).
(٢) مصنف عبد الرزاق (١٤٣٩٦)، مصنف ابن أبي شيبة (٢٢٧١٩). وفي سنن الترمذي (١٣٦٩) بلفظ: (الجار أحق بالشفعة). وفي سنن أبي داود (٣٥١٨) بلفظ: (الجار أحق بشفعة جاره). وقال الألباني في (إرواء الغليل: ١٥٤٠): (حديث جابر: "الجار أحق بشفعة جاره .. "صحيح).
(٣) رفع الحاجب (٣/ ١٧٢).
(٤) سنن النسائي (رقم: ٤٧٠٥) بلفظ: (قضى رسول الله - ﷺ - بالشفعة والجوار). وقال الألباني: صحيح بما قبله. (صحيح النسائي: ٤٧١٩).
[ ٣ / ١٣٩٠ ]
بالدار" (^١).
نعم، روى هذا الأخير أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح.
وممن قال: (إن الفعل المثبت لا يَعُم) القاضي أبو بكر، والقفال الشاشي، والأستاذ أبو منصور، والشيخ أبو حامد، والشيخ أبو إسحاق، وسليم، وابن السمعاني، وإمام الحرمين، وابن القشيري، والإمام الرازي، ونقله الآمدي عن الأكثرين.
ولم يفصلوا بين عمومه في أحواله وبين أن يذكر له متعلق بصيغة عموم؛ نظرًا إلى أن صيغة (فَعَلَ) تقتضي تَقدم معهود خاص، فيكون مُقَدمًا على العموم.
فنحو: "نهى عن بيع الغرر" (^٢)، لا يَعُم كل غَرر.
وكذا نحو: "أمر رسول اللهﷺ - بقتل الكلاب" (^٣). رواه مسلم عن ابن مغفل.
"نهى رسول اللهﷺ - عن المحاقلة والمزابنة والمخابرة والمعاومة وعن الثنيا" (^٤).
وكذا حديث: "قضى بالشفعة للجار" كما سبق.
قال الغزالي: (وكما لا عموم للفعل بالنسبة إلى أحواله، لا عموم له بالنسبة إلى
_________________
(١) سنن البيهقي الكبرى (رقم: ١١٣٦١) بلفظ: (عن سمرة: " أن رسول الله - ﷺ - قضى بالجوار"، وعن سمرة أنَّ النبي - ﷺ - قال: "جار الدار أحق بالدار"). والجزء الثاني في سنن الترمذي (رقم: ١٣٦٨). وقال الألباني: صحيح. (صحيح سنن الترمذي: ١٣٦٨).
(٢) مسند أحمد (٨٨٧١)، سنن أبي داود (رقم: ٣٣٧٦) وغيرهما. وقال الألباني في (إرواء الغليل: ١٢٩٤): صحيح. وهو في صحيح مسلم (١٥١٣) بلفظ: (نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر).
(٣) صحيح مسلم (٢٨٠)، ورواه البخاري (٣١٤٥) عن ابن عمر - ﵁ - مرفوعًا.
(٤) صحيح مسلم (رقم: ١٥٣٦).
[ ٣ / ١٣٩١ ]
الأشخاص إلا أن يدل دليل من خارج، نحو: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (^١).
والقول الثاني: التفصيل بين الأحوال فلا عموم له فيها، وبين ما يذكر بصيغة عموم فيعمها؛ نظرًا إلى صِيَغ العموم المتعلقة بالفعل.
واختار هذا ابن الحاجب بعد أن قال: (إن الفعل المثبَت لا عموم له). وجعل هذا مسألة أخرى بعد أن فرغ من مسألة الفعل المثبت.
وقد سبقه إلى هذا شيخه الأبياري حيث أورده سؤالًا في "شرح البرهان" والآمدي بحثًا، فأقامه ابن الحاجب مذهبًا وارتضاه، وتبعه ابن الساعاتي في "البديع".
وقال ابن دقيق العيد في "شرح العنوان": (اختار بعض الفضلاء -وكأنه يريد ابن الحاجب- عموم نحو: "قضى بالشفعة للجار"؛ بناء على عدالة الصحابي ومعرفته باللغة ومواقع اللفظ، مع جواز أن تكون الرواية على وَفْق السماع مِن غير زيادة ولا نقصان).
قال: (ومنهم مَن قال: لا يَعُم؛ لأن الحجة في المحكي، ولا عموم في المحكى).
ثم قال: (وهذا لا بُدَّ فيه من تفصيل: إنْ كان المحكي فِعلًا لو شوهد لم يَجُز حملُه على العموم، فلذلك وجه. وإنْ كان فِعلًا لو حُكي لكان دالًّا على العموم، فعبارة الصحابي عنه يجب أن تكون مطابقة [للمقول] (^٢)؛ لِمَا تَقدم مِن معرفته وعدالته ووجوب مطابقة الرواية للمعنى المسموع). انتهى
وما قاله قد ذكر القاضي في "التقريب" قريبًا منه، إذ قال: (إن الصحابي العالم باللسان إذا قال: "إن النبي - ﷺ - " عبَّر عن إثبات معنى وحُكم ليس له في اللسان ألفاظ محتملة،
_________________
(١) صحيح البخاري (٥٦٦٢) وغيره.
(٢) كذا في (ص، ق)، لكن في (س): للقول.
[ ٣ / ١٣٩٢ ]
[قُبِل] (^١) ذلك بمثابة روايته اللفظ. وإنْ ذكر معنًى وهو مما له عبارة محتملة، وجب مطالبته بحكاية اللفظ). انتهى
ونحو ذلك قول ابن القشيري: إذا تحققنا في "قضَى بكذا" أنَّ القضاء فِعل فليس بعام. وإنْ كان لفظًا فإنِ اختص بمعيَّن في خصومه، تَعَيَّن، إلا أن يقوم دليل على العموم.
أي: كما أشار إليه الغزالي كما سبق.
قال ابن القشيري: فإنْ كان لفظًا عامًّا في وضع اللغة، تمسكنا بعمومه. أي: كما لو قال الشارع: "قضيت بالشفعة للجار" أو: "لا تقتلوا الكلاب" أو: "لا تبتاعوا بالملامسة" (وهو قول الشيخ تقي الدين) لو حُكي لكان دالًّا على العموم.
ومن ثَّم قال القرافي: (إن المسألة مبنية على جواز الرواية بالمعنى، فإنْ منعنا، امتنعت المسألة؛ لأنَّ "قضى" ليس هو لفظ الشارع، وإنْ جوَّزنا -وهو الصحيح- فشرطه المساواة، فيجب حينئذٍ فيما فيه صيغة عموم -كـ "الغرر"- أن يكون عامًّا، وإلا فتقدح في عدالته حيث روى بصيغة العموم ما ليس بعام، وحينئذٍ فلا يتجه قولنا: "الحجة في المحكي، لا في الحكاية"، بل الحجة في الحكاية؛ لأجل قاعدة الرواية بالمعنى) (^٢).
قلتُ: وربما عبر بعضهم عن هذا التفصيل بأن لفظ "قضى" عام، بخلاف لفظ "أمر" و"نهى" ونحوهما.
وفيه نظر؛ لأن كلًاّ مِن الأمرين محتمل أن يكون المعبر عنه كان بصيغة عموم أو كان خاصًّا.
وفي المسألة مذهب آخر بالتفصيل في "قضى" بين أن تتصل به "الباء" نحو: "قضى
_________________
(١) كذا في (ت، س)، لكن في (ش، ض): قيل.
(٢) شرح تنقيح الفصول (ص ١٨٩)، نفائس الأصول (٢/ ٥٤٤).
[ ٣ / ١٣٩٣ ]
بالشفعة" فلا يعم، أو لا، نحو: "قضى أن الخراج بالضمان" فيعم؛ لأن الظاهر من ذلك حكايته لفظه ﵇. حكاه القاضي والأستاذ أبو منصور والشيخ أبو إسحاق في "شرح اللمع" والقاضي عبد الوهاب وصححه، وحكاه عن أبي بكر القفال من أصحابنا، لكن المحرر عن القفال ما سبق.
على أنَّ مِثل هذا "الباء" فيه مُقدَّرة، فلا فرق بين وجودها لفظًا أو تقديرًا.
ومذهب آخر بالتفصيل بين لفظ "أمر" و"نهى" وبين سائر الأفعال، فالأول للعموم، والثاني محتمل. واختاره القرطبي، قال: لأنَّ الأمر والنهي لا بُدَّ فيهما من دالٍّ مِن الشارع عليهما، فلمَّا لم يذكر الصحابي لا مأمورًا ولا منهيًّا، عُلم أن المخاطَب بذلك كل المكلفين كسائر خطابات التكليف.
ولا يخفَى ضَعْف ذلك مما سبق من توجيه الأقوال.
تنبيهان
الأول: وقع في كلام الشافعي ما يقتضي العموم وما يقتضي عدمه، فيكون له قولان. فقال في "الأم" مجيبًا عن قوله على: "لعن الله المحلل والمحلل له" (^١) ما نصه:
(ونكاح المحلل الذي رُوي أن رسول الله - ﷺ - لعنه عندنا -والله أعلم- ضرب من نكاح المتعة؛ لأنه غير مُطلَق) (^٢). انتهى. أي: غير عام.
_________________
(١) سنن أبي داود (رقم: ٢٠٧٦)، سنن ابن ماجه (١٩٣٦)، وغيرهما. قال الألباني: (صحيح. "صحيح أبي داود: ٢٠٧٦).
(٢) الأم (٥/ ٧٩).
[ ٣ / ١٣٩٤ ]
وقال في تأجيل الدية على العاقلة [ثلاث] (^١) سنين كما نقله عنه الإِمام في "النهاية" أنه
قال في بعض مجاري كلامه: (لم ينقل النقلة واقعة قضى رسول الله - ﷺ - بضرب العقل فيها على العاقلة إلا المرأتين، فأمكن من ذلك أن يضرب عقل المرأة على العاقلة في ثلاث سنين. ثم إذا قلت ذلك، اطرد فيه أن بدل كل نفس مضروب في ثلاث سنين) (^٢).
أي: سواء كان الواجب الدية كاملة (كالرجل) أو نصفها (كالمرأة).
قال الإِمام: (ويمكن أن يقال: قول الراوي "قضى" تأسيسُ شرع منه، وليس تمهيدًا في قضية) (^٣) إلى آخِره.
قلت: ومثل ذلك استدلاله بحديث: "قضى - ﷺ - بأن الخراج بالضمان" (^٤)، واستدلاله بقوله: "نهى عن بيع اللحم بالحيوان" (^٥)، فاستدلاله -﵁ وأصحابه بمثل ذلك مما لا ينحصر- دليل على قولهم بالعموم، لكن عمومه ليس بالصيغة، بل لورود ما يدل على العموم غير ذلك من لفظ الشارع، أو من حيث عموم شرعه، أو بالقياس.
وفي "المستصفى" في "باب السُّنة": (إن قول الصحابي: "أمر رسول الله - ﷺ - بكذا" أو: "نهى عن كذا" قيل: إنه أمر لجميع الأُمة. والصحيح أن من يقول بصيغ العموم ينبغي أن يتوقف في هذا، ويحتمل أن يكون ما سمعه أمرًا للأُمة أو أطلقه أو لشخص بعينه؛ فيوقف
_________________
(١) كذا في (ص، ق)، لكن في (س): في ثلاث.
(٢) نهاية المطلب (١٦/ ٥٢٨).
(٣) نهاية المطلب (١٦/ ٥٢٨).
(٤) سنن الترمذي (رقم: ١٢٨٥)، سنن النسائي (٤٤٩٠)، وغيرهما. قال الألباني: حسن. "صحيح سنن الترمذي: ١٢٨٥).
(٥) سبق تخريجه.
[ ٣ / ١٣٩٥ ]
فيه إلى الدليل، لكن يدل عليه أن أمره للواحد أمره للجماعة) (^١).
الثاني:
جعل بعض المتأخرين الخلاف في المسألة لفظيًّا من جهة أن المانع للعموم ينفي عموم الصيغ المذكورة، والمثبِت له إنما هو بدليل من خارج، وهو إجماع السلف على التمسك بها، وهو قريب مما سبق عن الغزالي.
لكن في جعله لفظيًّا نظر؛ فإنه إذا وَرَدَ مثل هذه الصيغ ولم يَقُم دليل، فالقائل بالعموم يُعمم من غير تَوقُّف على مجيء دليل عليه.
اما القسم الثاني:
وهو الفعل الذي قد تلمح إفادته التكرار (نحو: "كان يفعل كذا") ففي عمومه وجهان حكاهما الشيخ أبو إسحاق، أصحهما: لا عموم فيه؛ لأنه فِعل مُثْبَت. وحكى الوجهين أيضًا ابن برهان.
وذلك كحديث أنس في "البخاري": "أن النبي - ﷺ - كان يجمع بين الصلاتين في السفر" (^٢). فمقتضاه وقوع الجمع لكن -على المرجَّح- مَرة، إما تقديمًا وإما تأخيرًا، لا أنه كان يجمع بينهما في السفر دائمًا.
وذهب ابن برهان إلى قولٍ بالتفصيل:
- بين ما شأنه أن يشيع، فَيعُم، نحو قول عائشة: "كانت الأيدي لا تُقطع في زمن النبي
_________________
(١) المستصفى (ص ١٠٥).
(٢) صحيح البخاري (رقم: ١٠٥٩)
[ ٣ / ١٣٩٦ ]
- ﷺ - في الشيء التافه" (^١)
- وبين ما شأنه الكتمان، كَـ "الوطء" ونحوه، فلا يَعُم، يقول زيد بن ثابت: "كانت عمومتي يفعلونه ولا يغتسلون" (^٢).
قيل: ومنشأ الخلاف أنَّ "كان" هل تقتضي التكرار؟ أو لا؟
فقيل: تقتضيه لُغةً. وبه جزم القاضي أبو بكر، فقال: إن قول الراوي: "كان النبي - ﷺ - يفعل كذا" يفيد في عُرف اللغة تكثير الفعل وتكريره، قال تعالى: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ [مريم: ٥٥] أي: يداوم على ذلك.
وكذا قال القاضي أبو الطيب، وجرى عليه ابن الحاجب، إلا أنه قال ما معناه: إنه لا يَلزم مِن التكرار العموم. وهو ظاهر.
وقيل: تقتضي التكرار عُرفًا لا لغةً. ونقله صاحب "المعتمد" عن عبد الجبار، وقال الهندي: إنه الأظهر.
ويمكن حمل كلام ابن الحاجب أيضًا على هذا.
والثالث: لا يفيده لا لغةً ولا عرفًا. واختاره في "المحصول".
وقال النووي في "شرح مسلم": (إنه المختار الذي عليه أكثر المحققين من الأصوليين، فهي تفيد مرة. فإنْ دل دليل على التكرار من خارج، عُمل به، وإلا فلا) (^٣).
_________________
(١) مصنف ابن أبي شيبة (٢٨١١٤) بلفظ: "لَمْ يَكُنْ يُقْطَعُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيّ - ﷺ - في الشَّيْءِ التَّافِه". قال الإِمام الدارقطني في كتابه "العلل"، ١٤/ ٢٠٢): (حديث عائشة صحيح، ويشبه أن يكون هشام وصله مرة وأرسله مرة).
(٢) مسند أحمد (٢١١٣٤) بنحوه.
(٣) شرح النووي على صحيح مسلم (٦/ ٢١).
[ ٣ / ١٣٩٧ ]
والتحقيق ما قاله ابن دقيق العيد: إنها تدل على التكرر كثيرًا (^١)، كما يقال: "كان فلان يقري الضيف"، ومنه: "كان النبي - ﷺ - أجود الناس" (^٢) الحديث، ولمجرد الفعل قليلًا مِن غير تكرر (^٣)، نحو: "كان النبي - ﷺ - يقف بعرفات عند الصخرات" (^٤)، وقول عائشة: "كنت أُطَيِّب النبي - ﷺ - لِحِلِّه وحرمه" (^٥). ولم يقع وقوفه بعرفة وإحرامه وعائشة معه إلا مرة.
ومنه: ما في "سنن أبي داود" بسند صحيح عن عروة عن عائشة وهي تذكر شأن خيبر:
"كان النبي - ﷺ - يبعث عبد الله بن رواحة إلى يهود خيبر فيخرص النخل" (^٦). فهذا لا يمكن فيه التكرار؛ لأن خيبر كانت سنة سبع، وعبد الله بن رواحة قُتل في غزوة مؤتة سنة ثمان.
واعلم: أن هذا الخلاف غير خلاف النحاة في أن "كان" هل تدل على الانقطاع؟ أو لا؟
اختيار ابن مالك الثاني، ورجح أبو حيان الأول.
وإنما قلنا: (إنه غيره)؛ لأنه لا يلزم من التكرار عدمُ الانقطاع، فقد يتكرر الشيء ثم ينقطع.
_________________
(١) يعني: تأتي كثيرًا دالة على التكرار.
(٢) صحيح البخاري (رقم: ١٨٠٣)، صحيح مسلم (رقم: ٢٣٠٨).
(٣) يعني: تأتي قليلًا لمجرد الفعل من غير تكرُّر.
(٤) صحيح مسلم (١٢١٨) بلفظ: (.. ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، حَتَّى الى الْمَوْقِفَ، فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاء إِلَى الصَّخَرَات ) الحديث.
(٥) مسند أحمد (٢٥٥٦٤)، سنن النسائي (رقم: ٢٦٩١)، صحيح ابن حبان (٣٧٧٢). قال الألباني: صحيح الإسناد. "صحيح النسائي: ٢٦٩٠).
(٦) مسند أحمد (٢٥٣٤٤)، سنن أبي داود (رقم: ١٦٠٦) وغيره. قال الألباني: ضعيف. (ضعيف سنن أبي داود: ١٦٠٦).
[ ٣ / ١٣٩٨ ]
نعم، يلزم بالضرورة من عدم الانقطاعِ التكررُ، لكن لا قائل به.
قولي: (وَالْمُقْتَضَى فِيهِ نُفِي) [هي] (^١) مسألة مستأنفة بعد تمام المسائل التي لا عموم فيها؛ لكونها نكرة في الإثبات، وهي أن المقتضَى هل هو عام؟ أو لا؟
والمرجَّح المنع، وهو معنى قولي: (نُفِي)، أي: العموم. فالضمير فيه عائد إلى العموم الذي الباب معقود له، أي: نفاه الأكثرون كما سيأتي.
وقد سبق في تقسيم الكلام إلى منطوق ومفهوم وتقسيم "دلالة المنطوق" أنها إذا توقفت في الصدق أو الصحة على محذوف، تسمَّى "دلالة الاقتضاء".
ف "المقتضِي " (بالكَسر) هو الكلام المحتاج للإضمار. و"المقتضَى" (بالفتح) هو ذلك المحذوف. ويعبر عنه أيضًا بِـ "المُضْمَر" وإن لم يكن اصطلاح النحاة.
فالمختلف في عمومه على أظهر الاحتمالين هذا المقتضَى بالفتح؛ بدليل استدلال مَن نفى عمومه يكون العموم من عوارض الألفاظ، فلا يجوز دعواه في المعاني كما ذكره ابن السمعاني وغيره.
ويحتمل أن محل الخلاف في "المقتضِي" (بالكسر) وهو المنطوق به المحتاج في دلالته للإضمار كما صَوَّر به من الحنفية شمس الأئمة والدبوسي وصاحب "اللباب"، لكن جَعْلهم مدار الخلاف على أن ذلك المحذوف "هل هو كالمنطوق حتى يقال بعمومه؟ أو معدوم حقيقةً حتى لا يُدَّعَى فيه العموم؟ " يقتضي خلاف ذلك.
إلا أنْ يقال: مرادهم عموم المنطوق المحتاج للإضمار باعتبار الإضمار أوْ لا، لا عموم المنطوق لذاته، فبهذا ينجمع الطريقان في محل الخلاف.
_________________
(١) كذا في (ق، س)، لكن في (ص): هذه.
[ ٣ / ١٣٩٩ ]
وبالجملة فحاصل المسألة أن المحتاج إلى تقدير -في نحو ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] و[غيرها] (^١) من الأمثلة الآتي ذِكرها- إنْ دَلَّ دليل على تقدير شيء من المحتملات بِعَيْنه، فذاك، سواء أكان المقدَّر عامًّا في أمور كثيرة أو خاصًّا بِفَرد. وإنْ لم يدل دليل على تعيين شيء -لا عام ولا خاص- مع احتمال أمور متعددة لم يرجح بعضها، فهل تُقَدَّر المحتملات كلها وهو المراد بالعموم في هذه المسألة؟ أوْ لا؟
فيه مذاهب، وأجرى القرافي الخلاف وإنْ تَعيَّن البعض بدليل، قال: (كما يقول الشافعي بالجمع بين الحقيقة والمجاز وإنْ كانت الحقيقة متعينة).
وما قاله بعيد، والظاهر أن الأقوال حيث لا دليل كما قرره ابن الحاجب وغيره.
أحدها: نعم، نقله الأصفهاني في "شرح المحصول "عن "شرح اللمع" للشيخ أبي إسحاق، وبه قال جمعٌ من الحنفية، ونقله القاضي عبد الوهاب عن أكثر الشافعية والمالكية، وصححه النووي في "الروضة" في "كتاب الطلاق" حيث قال: المختار لا يقع طلاق الناسي؛ لأن دلالة الاقتضاء عامة.
يعني من قوله - ﷺ -: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" (^٢) الحديث. إلا أن يُحمل كلامه على أن الذي يُقدَّر يكون عامًا، لا أن المراد التعميم بتقدير المحتملات كلها.
وكذا يحمل على ذلك قول مَن قال: إن قاعدة الشافعي تقتضي التعميم؛ بدليل أنَّ كلام الناسي عنده لا يُبطل الصلاة، وعند أبي حنيفة يبطلها.
وكذا يحمل كلام مَن نقل من الحنفية (وهُم من سبق ذِكره آنفًا) عن الشافعي أنه يقول بالعموم؛ تنزيلًا للمقدِّر منزلة المنصوص، بخلاف قول أبي حنيفة، فإن عنده أن ذلك معدوم
_________________
(١) كذا في (ص، ق)، لكن في (س): نحوها.
(٢) سبق تخريجه.
[ ٣ / ١٤٠٠ ]
حقيقةً، فلا يوصف بالعموم.
نعم، سيأتي حكايته نَص للشافعي مُصرِّح بتقدير المحتملات.
فإن قيل: إذا كان بعض المحتملات عامًّا وبعضها خاصًّا ولم يدل على التعيين شيء، فهل يترجح العام؛ لِكثرة فائدته؟ أو لا؟
قيل: اختيار القرافي تقدير الأعم.
قلتُ: وقرره الشيخ تقي الدين في "شرح الإلمام"، وقال: (إنه وجه يمكن أن يحصل به مقصود مَن أراد التعميم، مِثل أن يُقَدر في مِثل: "رُفع عن أمتي الخطأ" حُكمَ الخطأ). انتهى
ومثله تقدير الإِمام الرازي في: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ التصرف في الميتة؛ ليعم الأكل والبيع والملابسة وغير ذلك.
الثاني: أن المقتضَى لا عموم له باعتبار تقدير المحتملات كلها، وهو المشهور عن الحنفية وعن جمهور الشافعية.
قال ابن دقيق العيد في "شرح الإلمام": وهو المختار عند الأصوليين؛ لأن ضرورة [الإخبار] (^١) تندفع بالبعض، فلا حاجة للزائد عليه.
قيل: فيؤدي للإجمال.
وعُورِض بأن إضمار الكل يَلزم منه تكثير مخالفة الدليل، أو أن العموم من عوارض اللفظ، والمقتضَى معنى، لا لفظ، أو غير ذلك.
ثم اختلف القائلون بعدم التعميم على أقوال:
أحدها: أنه مجُمَل؛ فيُتوقَّف فيه حتى يبيَّن المراد بدليل أو يترجح بكونه أقرب إلى
_________________
(١) في (س): الاضمار.
[ ٣ / ١٤٠١ ]
الحقيقة أو بغير ذلك. وهو ما اختاره الشيخ أبو إسحاق والغزالي وابن السمعاني والإمام الرازي والآمدي وابن الحاجب وغيرهم. فإنْ رجح بعضها [بمُرجح] (^١)، فلا إجمال، فإن المقدَّر حينئذٍ كالملفوظ، فإن كان عامًّا فعام من هذه الحيثية، أو خاضًا فيتعين.
ثانيها: أنه ليس بمجمَل، بل يُحمل على اللائق بالمقصود. حكاه ابن برهان.
وفيه نظر؛ فإنه إذا كان لائقًا دون غيره، فقدْ تَرجَّح، والصورة (^٢) حيث لم يترجح منها شيء.
ثالثها: يرجع في التعيين للمجتهد.
وهو فاسد؛ لأن المجتهد لا يقول إلا بدليل، والفرض خلافه.
رابعها: يضمر الموضع المختلف فيه؛ لأن المجمَع عليه مستغنٍ عن الدليل. حكاه الشيخ أبو إسحاق.
وفيه نظر أيضًا؛ فإنَّ المخالِف -في ذلك المختلَف فيه- يقول في تقدير خصمه مِن غير دليل: إنه تَحَكُّم.
خامسها: يُقدر ما يقتضيه عُرف الاستعمال قبل الشرع. ونُقل عن الآمدي.
وفيه النظر السابق، وهو أن الكلام في ما لم يترجح فيه شيء لا بِعُرْفٍ ولا بِغيره.
الثالث من المذاهب: التوقف في رجحان شيء من القولين. وهو ظاهر كلام الآمدي آخِرًا؛ لتعارض المحذور مِن كثرة الإضمار ومن الإجمال.
نعم، اختار في "باب المجمل" أن كثرة الإضمار أرجح؛ لثلاثة أَوجُه: كون الإضمار في
_________________
(١) كذا في (س، ق)، لكن في (ص): مرجح.
(٢) يعني: صورة المسألة.
[ ٣ / ١٤٠٢ ]
اللغة أكثر من الإجمال، والإجماع على وجود الإضمار، والخلاف في جواز الإجمال، ودلالة حديث: "لعن الله اليهود؛ حُرمت عليهم الشحوم، فجملوها، وباعوها، وأكلوا أثمانها"ـ (^١) على إضمار جميع التصرفات المتعلقة بالشحوم في التحريم.
وأما ابن الحاجب فخالف هناك اختيار الكرخي في مِثل: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ أن ذلك مجمل مع التزامه هنا أن الإجمال أقرب من مخالفة الأصل.
واعلم أن الشافعأنه نَصان يوافق كل منهما قولًا من القولين الأولين:
أحدهما: نَصه في "الأم" (^٢) في "كتاب الحج" لما ذكر الدماء الواجبة [للترفه] (^٣) -وهو دم التقليم وترجيل الشعر والطيب واللباس والتغطية- جعل جميع ذلك مقدَّرًا في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦].
قال الماوردي: (التقدير عند الشافعي: "فمن كان منكم مريضًا فتطيَّب أو لبسَ أو أَخذَ من ظفره") (^٤) إلى آخره.
الثاني: قوله في "الإملاء": إنَّ هذا ليس مضمرًا في الآية، وإنما يضمر حلق الرأس فقط، والباقي مقيس عليه.
قلت: ويمكن الجمع بين النصين -مع التزام أن الشافعي لا يُقدِّر الجميع- بأن يقال: إنَّ نَص "الأم" إنما دل على أن الحكم في الكل كذلك، لكن لا من حيث وجوب تقدير
_________________
(١) مسند البزار (١/ ٢٩٥)، مصنف ابن أبي شيبة (٢١٦١٥) وغيرهما. وبنحوه في: صحيح البخاري (رقم: ٣٢٧٣، ٤٣٥٧)، صحيح مسلم (رقم: ١٥٨٢).
(٢) الأم (٢/ ١٨٨).
(٣) كذا في (ص، ق)، لكن في (س): للمترفه.
(٤) الحاوي الكبير (٤/ ٢٢٧).
[ ٣ / ١٤٠٣ ]
الاحتمالات كلها عمومًا، بل لأن الدليل قام على تقدير هذه الأمور بأعيانها حتى لا يجري في غيرها من الاحتمالات.
ونحن قد بيَّنا أن الدليل إذا قام على تقدير شيء، وجب تقديره واحدًا أو اثنين أو ثلاثة أو أكثر، وسواء أكان ذلك الدليل قياسًا أو غيره؛ فلهذا قال في نص "الإملاء": وإنه يُضْمَر الحلق. أي: لقرينة سبب النزول في الآية، فإن كعب بن عجرة قال: "فِيَّ نزلت، حُملت إلى رسول الله والقمل يتناثر على وجهي" (^١) الحديث، وغير الحلق بالقياس عليه.
تنبيهات
الأول: نشأ من هذا الخلاف اختلاف في المقدر فيما لا ينحصر في الكتاب والسنة.
من ذلك قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] أي: وقت الحج. ثم قيل: التقدير: وقت الإحرام. وقيل: وقت الأعمال.
ومنه: هو ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ سبق تقدير الإِمام في "تفسيره": التصرف؛ ليعم. وهو خلاف ما قدَّره في "المحصول" مِن "أَكْل".
قيل: وهو أجود؛ لأن الأكل إذا حرم على الإطلاق لا للحرمة ولا للاستقذار ولا للضرر، يكون نجسًا، فينشأ عنه امتناع بيعه والصلاة فيه ونحو ذلك من الأحكام، إلا ما يستثنى من دبغ الجلد والاستصباح بالدهن؛ لدليل قام على ذلك، ولهذا قال ﵇: "إنما حر من الميتة أكلها" (^٢). وعليه أيضًا حديث: "لعن الله اليهود؛ حُرمت عليهم شحوم
_________________
(١) صحيح البخاري (رقم: ١٧٢١)، صحيح مسلم (رقم: ١٢٠١).
(٢) تهذيب الآثار للطبري (٢/ ٨٠٣)، سنن الدارقطني (١/ ٤٢)، وغيرهما. وهو في صحيح البخاري (١٤٢١) وصحيح مسلم (٣٦٣) بلفظ: (إنما حُرم أكلُها).
[ ٣ / ١٤٠٤ ]
الميتة، فجملوها، فباعوها" (^١)؛ لأنه إذا حرمت، لزم منع بيعها وغيره كما قررناه.
ومنه حديث: "إنما الأعمال بالنية" (^٢)، هل يُقَدَّر: "إنما صِحَّة"؛ لأن نفي الصحة أقرب إلى الحقيقة وهي نفي الذات؟ أو يُقدر نفيُ الكمال؟ أو يُقدر ما هو أعم نحو: "إنما يُعتَبر" أعم من الاعتبار للصحة أو للكمال؟ أو غير ذلك؟
وقد بسطناه في "شرح العمدة"، ونزيد هنا ما قال إمام الحرمين: إنه لا ينبغي للخصم -على بُعد مذهبه- أن يُقَدر الكل إلا إذا لم يُنافِ بعضُها بعضًا، فمن قَدَّر الكل عند المنافاة فقد أساء وأسرف وركب شططًا. وهذا مِثل: "لا صيام"، فإن تقدير الكمال ينافي تقدير الصحة؛ إذْ نفي الكمال يُفْهِم إثبات الصحة، فلا يصح تقديره مع نفي الصحة (^٣).
ووافق إمامَ الحرمين على هذا ابنُ السمعاني.
قيل: وفيما قالاه نظر، فإنَّ نفي الكمال لا يقتضي إثبات الصحة، فإن نفي الأخص قد يكون لانتفاء الأعم، ولانتفاء الأخص مع ثبوت الأعم، كما في قوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [لقمان: ١٠] أي: لا عمد [فيها] (^٤) فترونها. ونحوه قول الشاعر: علَى لاحِبٍ لا يُهْتَدَى بمناره. أي: لا منار له فيُهتدَى به.
نعم، تَوجُّه النفي للأخص وإنْ ثبت الأعم أرجح مِن حيث إنه لولا ثبوت الأعم لَمَا كان لتسليط النفي على الأخص معنى ولا فائدة.
ولهذا قال أبو حيان في "تفسيره" عند قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ [البقرة: ٩]: إن
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) البرهان (٢/ ٦٥٩).
(٤) كذا في (ص، ق)، لكن في (ت، س، ض): لها.
[ ٣ / ١٤٠٥ ]
الأكثر في كلام العرب فيما إذا نُفِي المقيد بقيد أنه نَفْي للقيد فقط وإثبات للمقيد، وأنَّ نفيهما معًا خلافُ قول الأكثر في كلامهم (^١).
فوضح بذلك قول الإِمام والسمعاني.
ومنه حديث: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (^٢). كذا رواه بهذا اللفظ أبو القاسم التيمي الحافظ في "مسنده" عن ابن عباس مرفوعًا، والبيهقي في "خلافياته" عن ابن عمر مرفوعًا، ورواه ابن ماجه والضياء المقدسي، كلاهما عن ابن مصفى بلفظ: "إن الله وضع عن أمتي" (^٣).
نعم، أنكره أحمد، وقال محمَّد بن نصر المروزي: ليس له إسناد محتج به.
وقال البيهقي عن الحاكم: إنه تفرد به الوليد بن مسلم عن مالك، وهو صحيح غريب.
وعلى كل حال فيقدر فيه كما تَقدم: "رُفع حُكم"، وهو أحسن من تقدير: "إثم" أو نحوه إنْ قُلنا: الأعم أرجح.
ومن هذا الباب: "لا هجرة بعد الفتح" (^٤). أي: لا وجوب هجرة؛ لأن الهجرة جائزة،
_________________
(١) تفسير البحر المحيط (١/ ١٨٤).
(٢) سُنن ابن ماجه (٢٠٤٥) وغيْره بلفظ: (وضع عن أمتي ..)، صحيح ابن حبان (٧٢١٩) وغيْره بلفظ: (تجاوز عن أمتي ). وقال الشيخ الألباني في (إرواء الغليل، رقم: ٢٦٥): "صحيح بمعناه). وذكر بعض طُرُقه وألفاظه في (إرواء الغليل، رقم: ٨٢) وقال: (المشهور في كُتُب الفقه والأصول بلفظ: "رفع عن أمتي "، ولكنه منكر). وانظر المقاصد الحسنة للإمام السخاوي (ص ٣٦٩).
(٣) سبق تخريجه.
(٤) صحيح البخاري (رقم: ٢٦٣١)، صحيح مسلم (رقم: ١٨٦٢).
[ ٣ / ١٤٠٦ ]
و"لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" (^١)، "لا عدوى ولا طيرة" (^٢)، "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة" (^٣)، "لا إيمان لمن لا أمانَ له، ولا عهد لمن لا دِين له" (^٤)، "لا نكاح إلا بولي" (^٥)، "لا أُحِل المسجد لِجُنُب ولا لحائض" (^٦).
وهو باب واسع، مقرر كل لفظة منه في موضعها، ولكنه إنما يتأتى على أن اللفظ الشرعي يُطلق على الصحيح والفاسد. أما إذا قُلنا: (يختص بالصحيح) وهو الحقُّ، فنفْي ذلك لا يحتاج لتقدير أصلًا؛ لأن الحقيقة غير متعذرة حتى يُعدَل إلى المجاز؛ ولهذا قال - ﷺ - للمسيء صلاته: "ارجع فَصَلِّ؛ فإنك لم تُصَلِّ" (^٧).
الثاني:
قد تَقرر أنَا إذا قُلن النهي عموم المقتضَى وأنهْ يقدر بعض المحتملات ولو كان عامًّا إذا دل عليه دليل. لكن الحنفية عَدوا منع العموم فيه إلى صورة تقدير العام، وبنوا عليه مسائل، فقالوا: إذا قال: "أنت طالق" ونوى الثلاث، لا يصح.
_________________
(١) مصنف عبد الرزاق (١٩١٥)، سنن البيهقي الكبرى (رقم: ٤٧٢١)، سنن الدارقطني (١/ ٤١٩)، وغيرها. قال الألباني: ضعيف. (السلسلة الضعيفة: ١٨٣).
(٢) صحيح البخاري (رقم: ٥٣٨٠)، صحيح مسلم (رقم: ٢٢٢٠).
(٣) صحيح مسلم (رقم: ٧١٠).
(٤) مسند الإِمام أحمد بن حنبل (رقم: ١٢٤٠٦)، صحيح ابن حبان (رقم: ١٩٤)، وغيرهما بلفظ: (لَا إِيمَانَ لمِنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ، وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ). قال الألباني: صحيح. (التعليقات الحسان: ١٩٤).
(٥) سبق تخريجه.
(٦) سنن أبي داود (رقم: ٢٣٢)، السنن الكبرى للبيهقي (١٣١٧٨)، وغيرهما. قال الألباني: ضعيف. (ضعيف أبي داود: ٢٣٢).
(٧) سبق تخريجه.
[ ٣ / ١٤٠٧ ]
وعندنا يصح؛ لأن عندهم المقتضَى لا يمكن أن يكون عامًّا، وعندنا يمكن.
وتقريره أنَّ "أنت طالق" يحتمل أن يُقَدر بعده: "واحدة" و"اثنتين" و"ثلاثًا". فإذا نوى الثلاث أو اثنتين، أضمر بعض المحتمل الذي هو أَعَم من قوله "واحدة"، فقُبل.
ووافقوا على أنه لو قال: "أنت طالق طلاقًا" ونوى الثلاث، وقعت؛ لأنه صرح بما كان يُقَدر في دلالة الاقتضاء، فجاز أن يخصصه ويعممه.
ونحوه: "حلف لا يشرب" ونوى مياه العالم، وقد سبق أن مسألة: "لا آكُل" و"إنْ أكلت " جعلها بعض الحنفية من فروع هذه المسألة.
الثالث:
اختلف في دلالة الاقتضاء: هل هي مغايرة [للإضمار] (^١)؟
ومَن قال بالتغاير فَرَّقوا بفروق فيها نظر. ولا جدوى لذلك ولا طائل تحته، فلا نُطَول به، فإن المتكلمين في عموم المقتضَى أمثلتهم وتقريراتهم شاهدة بأن لا فرق بينهما هنا.
الرابع:
ليس بين قولنا هنا: (إن الراجح أن المقتضى ليس بعام) وبين ما سبق من كون ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَة﴾ [المائدة: ٣] و﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ونحو ذلك من العام عُرفًا- تنافٍ؛ لأن المراد هناك أنه إذا قُدِّر شيء عام في جزئيات، يكون المفيد لعمومها العرُف. والذي هنا إنما هو هل يُقَدَّر كل المحتملات؟ أوْ لا؟ والله أعلم.
_________________
(١) في (ص): للاجمال. وفي (ق): للاحتمال.
[ ٣ / ١٤٠٨ ]
ص:
٥٩٩ - كَذَاكَ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا عَمَّا وَمَا يَلِي مِنْ ذِي الْعُمُومِ ذَمَّا
٦٠٠ - أَوْ مَدْحًا الْعُمُومُ فِيهِ بَاقِي مَا لَمْ يُعَارِضْهُ عُمُومٌ لَاقِي
الشرح: تضمن البيتان مسألتين:
الأُولى المرجح فيها عدم العموم، والثانية بالعكس.
فأما الأُولى وإلى نَفْي العموم فيها أشرت بقولي: (كَذَاكَ)، أي: كالذي قبله في كون العموم فيه نُفِي، وهي "المعطوف على العام" إذا تَعَذَّر عمومه، وجب أن يعتقد خصوصه، ولا يلزم أن يكون عامًّا كالمعطوف عليه.
مثاله قوله - ﷺ -: "لا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده" (^١). رواه أحمد وأَبو داود والنَّسائي. ولفظه عن قيس بن عباد، قال: (انطلقت أنا والأشتر إلى علي، فقلنا: هل عَهِدَ إليك نبي الله شيئًا لم يعهده إلى الناس عامة؛ قال: لا، إلَّا ما كان في كتابي هذا. فأخرج كتابًا من قُراب سيفه، فإذا فيه: "المؤمنون تتكافأ دماؤهم، وهُم يد على مَن سواهم، وَيسْعَى بذمتهم أدناهم، ألَا لا يُقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده") (^٢). والحديث في "البخاري" (^٣) سوى قوله: (ولا ذو عهد في عهده).
_________________
(١) مسند أحمد (٦٦٩٠)، وفي: سنن أبي داود (٢٧٥١)، سنن النَّسائي (٤٧٤٥)، وغيرهما بلفظ: (لا يُقتل مسلم بكافر ..). قال الألباني: صحيح. (إرواء الغليل: ٢٢٠٨).
(٢) سنن النَّسائي (رقم: ٤٧٣٤)، سنن أبي داود (رقم: ٤٥٣٠) وغيرهما. قال الألباني: صحيح. (صحيح أبي داود: ٤٥٣٠).
(٣) صحيح البخاري (رقم: ٢٨٨٢) بلفظ: (وَأَنْ لَا يقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ).
[ ٣ / ١٤٠٩ ]
والخلاف في هذه المسألة شهير بيننا وبين الحنفية مع الاتفاق على أن "النكرة في سياق النفي للعموم". فهُم يقدرون - تتميمًا للجملة الثانية - لفظًا عامَّا؛ تسويةً بين المعطوف والمعطوف عليه في متعلقه، فيكون على حد قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، فيُقدر: "ولا ذو عهد في عهده بكافر"؛ إذ لو قدّر خاصًّا وهو "ولا ذو عهد في عهده بحربي"، لزم التخالف بين المتعاطفين وأن يكون تقديرًا بلا دليل، بخلاف ما لو قدّر عامًّا، فإن الدليل عليه من المصرح به في الجملة التي قبلها، وحينئذٍ فيخصص العموم في الثانية بالحربي بدليل آخَر، وهو الاتفاق على أن المعاهد لا يُقتل بالحربي ويُقتل بالمعاهد والذمي.
قالوا: وإذا تَقرر هذا، وجب أن يخصص العام المذكور أولًا؛ ليتساوَيا، فيصير: "لا يُقتل مسلم بكافر حربي، ولا ذو عهد في عهده بحربي".
وأما أصحابنا فإذا قدَّروا في الجملة الثانية، فإنما يقدِّرون خاصًّا، فيقولون: "ولا ذو عهد في عهده بحربي"؛ لأن التقدير إنما هو بما تندفع به الحاجة بلا زيادة، وفي تقدير بـ "حربي" كفاية، ولا يضر تخالفه مع المعطوف عليه في ذلك؛ إذ لا يشترط إلَّا اشتراكهما في "أصل الحكم"، وهو هنا "منع القتل" بما يذكر أو بما يقوم الدليل عليه، لا في كل الأحوال.
كما في قوله تعالى: ﴿وُبُعُوَلَتُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فإنه مختصٌّ بالرجعيات وإنْ تَقدم المطلقات بالعموم، وستأتي المسألة.
وممن حرر محل الاختلاف بذلك ابن السمعاني، فقال: (لا يجب أن يضمر فيه جميع ما يمكن إضماره مما في المعطوف عليه، بل يُضمر قَدْر ما يفيد ويستقل به. وعند أبي حنيفة يضمر فيه جميع ما سبق مما يمكن إضماره) (^١). انتهى
_________________
(١) قواطع الأدلة (١/ ٢٠٥).
[ ٣ / ١٤١٠ ]
وقيل بالوقف.
وقيل: إنْ قُيد بقيد غير قيد المعطوف عليه فلا يُضمر فيه، وإنْ أطلق، أضمر فيه. كذا نُقل عن بعض الحنابلة، وعن بعض المتأخرين منهم أنَّه إنما يخصص المعطوف عليه بما في المعطوف من الخصوص إذا كان بخصوص المادة كالحديث، لا نحو: "اضرب زيدًا وعمرًا قائمًا في الدار".
ولأجل ذلك عِيب على مَن ترَجم هذه المسألة - كالآمدي - بأن "العطف على العام هل يقتضي العموم في المعطوف؟ "؛ فإن هذا شامل لما لا خلاف فيه، وهو ما لو قال: "ولا ذو عهد في عهده بحربي"، فلا يَسع أحدًا أن يقول باقتضاء العطف على العام - هنا - العموم مع كون المعطوف خاصًّا.
ولا نحن نقول فيما إذا قُدر عام: (إنه خاص) بلا دليل خصصه، إنما المقصود بالمسألة أن إحدى الجملتين إذا عُطفت على الأخرى وكانت الثانية تقتضي إضمارًا ليستقيم وكان نظيره في الجملة الأولى عامًّا، هل يجب أن يساويه في عمومه فيضمر عام؟ أو لا كما قررناه؟
ولذلك لّمَا رأى ابن الحاجب التَّرجمة بذلك مختلة، عبَّر عنها بقوله: (مسألة: قالت الحنفية: مثل قوله - ﷺ -:) (^١) الحديث.
ومنهم مَن يصحح التَّرجمة بِـ "العطف على العام" بأن هذا خرج مَخْرج اللقب على المسألة، لا لمراعاة قيودها.
وسلك الإمام فخر الدين والبيضاوي والهندي وغيرهم مسلكًا آخر في التَّرجمة، فقال: عطف الخاص على العام لا يقتضي تخصيص المعطوف عليه.
أي: فإن "بكافر" في الجملة الثانية تخصَّص "بالحربي"، فهل يكون تخصيصًا للعام الأول
_________________
(١) مختصر المنتهى (٢/ ١٩٥) مع بيان المختصر.
[ ٣ / ١٤١١ ]
به، ويكون التقدير: "لا يقتل مسلم بكافر حربي"؟ أي: بل يقتل بالذمي؟ أو هو باق على عمومه ولا يقدح عطف الخاص عليه؟
الأول قول الحنفية، والثاني قول الشَّافعية.
ولكن هذا يشمل ما لو صرح في الثانية "بحربي" من باب أَولى، ولا يضر ذلك في التصوير، إلَّا أنَّه يخرج عن ملاحظة المقدر هل يقدر عامًّا؟ أو خاصًّا؟
ومما يُضعف قولهم أنَّ كون الحربي مهدرًا مِن المعلوم من الدين بالضرورة، فلا يَتوهم أحد قَتْل مُسلِم به، فحمل الكافر في "لا يُقتل مسلم بكافر" عليه ضعيفٌ؛ لعدم فائدته.
على أن ترجمة المسألة بِـ "المعطوف" على كل حال فيه نظر؛ لأن المعطوف في الحديث في الحقيقة هو "ذو عهد" على النائب عن الفاعل في "يُقتل" وهو "مُسلم"، إلَّا أنْ يُقدر بعده مجرور بِباء؛ ليقابل"بكافر" في الجملة الأُولى، فيكون من عطف معمولين على معمولي عامل، وهو جائز قطعًا.
لكن فيه على كل حال إبهام؛ لأنَّا لا نَعلم ما المراد بالمعطوف: المرفوع؟ أو المجرور؟
نعم، ابن السمعاني وجمع من أصحابنا قد وافقوا الحنفية على أن مُدَّعاهم في هذه المسألة أرجح، وكذا ابن الحاجب مُصرَّح بموافقتهم، قائمٌ بالاستدلال لهم، مجيبٌ عن أدلتنا وإنْ لم يكن من مذهبه قتل المسلم بالكافر، إلَّا أنَّه يقول: (التخصيص طَرَق العام الأول بدليل من خارج، والعام الثاني كذلك) (^١).
_________________
(١) انظر: مختصر المنتهى مع شرحه (٢/ ١٩٦).
[ ٣ / ١٤١٢ ]
تنبيهات
الأول: كل ما سبق مِن اختلاف الفريقين إنما هو حيث كان الأمر لا يستقيم إلَّا بإضمار في الجملة الثانية.
فهل يضمر قَدْر الضرورة؟ أو ما دل عليه العام في الجملة قبلها؟
ولهذا عقبتُ في النَّظم هذه المسألة بمسألة المقتضَى؛ لاشتراكهما في الإضمار، لكن قَدْر الحاجة؟ أو العام؟ فيه الخلاف.
نعم، ذهب قوم من أصحابنا إلى أن الجملة الثانية كلام تام لا يحتاج إلى تقدير خاص ولا عام، وأن المعنى: النهي عن قتل المعاهد ما دام في عهده. فالقيد في منع قتله كَوْنه "في عهده"، والفائدة حاصلة بذلك.
واعتُرض:
- بأنه يلزم امتناع قتل المعاهد مطلقًا ولو قَتل مسلمًا أو معاهدًا.
- وبأنه لا يصير له مناسبة للجملة قبله؛ لأن تلك في بيان "المكافأة في القصاص"، وهذه في "مطلق قتل المعاهد"، وأي ارتباط بينهما؟ " وكلام البليغ يُصان عن ذلك.
- وبأن الإقدام على قتل ذي العهد حرام، والصحابة يعرفون ذلك، وقد قال تعالى: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة: ٤]، فلم يَبْقَ في ذلك فائدة جديدة؛ ولذلك لَمَّا كان إقدام المسلم على قتل الكافر غير الحربي محرَّمًا، لم يذكر في الجملة الأولى إلَّا كونه إذا قتله هل يقتل به؟ أو لا؟
والجواب:
عن الأول: أنَّه عام خُص، كما أنهم قدَّروا "ولا ذو عهد في عهده بكافر"، وهو كان عامًّا
[ ٣ / ١٤١٣ ]
خُص. بل في تقديرهم ذلك مجازان: حذف وتخصيص، وفي هذا التقدير تخصيص فقط.
وعن الثاني: كما قال أَبو إسحاق المروزي في "التعليقة": إن عداوة الصحابة للكفار في صدر الإسلام كانت شديدة جدًّا، فلما قال ﵊: "لا يقتل مسلم بكافر" خشي أن يتجرد هذا الكلام، فتحملهم العداوة الشديدة بينهم على قتل كل كافر مِن معاهد وغيره، فعقبه بقوله ما معناه: (ولا يُقتل ذو عهد في زمن عهده).
وعن الثالث: بأن هذا الحكم عام في الصحابة وغيرهم، وربما اشتدت عداوة غير الصحابة للكفار؛ فقتلوا المعاهد وغيره؛ غفلة عن عصمة المعاهد، بل وفي الصحابة قد يكونون إنما علموا ذلك بهذا اللفظ. فلو سكت الشارع عنه؛ لَبادروا لقتلهم.
وأما أن في القرآن ما يدل على تحريم قتل المعاهد فليس هذا بأول شيء توارد عليه دلالة الكتاب والسُّنة.
الثاني:
ذكر القدوري من الحنفية في كتابه "التجريد" (^١) في الحديث تقديرين آخَرين غير تقديرهم المشهور:
أحدهما: أنَّه لا حذف فيه، بل على التقديم والتأخير. والأصل: "لا يقتل مسلم ولا ذو عهد في عهده بكافر".
وثانيهما: أن"ذو عهد" مبتدأ، و"في عهده" خبره، و"الواو" للحال. أي: لا يقتل المسلم بكافر، والحال أنَّه ليس ذو عهد في عهده.
_________________
(١) التجريد (١١/ ٥٤٥٦).
[ ٣ / ١٤١٤ ]
قال: (ونحن لو فرضنا خلو الوقت عن عهد لجميع الكفار، لم يقتل مسلم بكافر) (^١).
أي: لأنه لا كافر حينئذٍ إلَّا وهو حربي.
وجوابه: أن الأول ضعيف؛ لأن التقديم والتأخير خلاف الأصل، ولا دليل يقتضيه.
والثاني في غاية البعد؛ لأن فيه إخراج "الواو" عن أصلها وهو العطف، ومخالفة رواية "ولا ذي عهد" بالخفض إما عطفًا على كافر كما يقوله الجمهور، أو على "مسلم" كما يقوله الحنفية وأنه خفض بالمجاورة.
وأيضًا فيقتضي بمفهومه أن المسلم يقتل بالكافر مطلقًا في حالة "كون ذي العهد في عهده"، وهذا لا يقوله أحد، فإنه لا يُقتل بالحربي اتفاقًا.
الثالث:
من فروع هذه القاعدة:
لو قال: "حفص طالق ثلاثا وعمرة"، قال القاضي حسين قبيل باب طلاق المريض: (يحتمل أن تقع على "عمرة" واحدة؛ لأن المعطوف يجوز أن يكون بخلاف المعطوف عليه).
وفي "الرافعي": (لو طلَّق إحدى امرأتيه ثلاثًا ثم قال للأخرى: "أشركتُك معها"، عن إسماعيل البوشنجي أن المسألة جرت بين يدي فخر الإسلام الشاشي بمدينة السلام، فأجاب بأنها تطلق واحدة. وخالف البوشنجي فيه وقال: قد أوقع على الأُولى ثلاثًا، والعطف يقتضي التشريك) (^٢).
قال الرافعي: (والتردد قريب من الخلاف فيما إذا قال مَن تحته أربع لِثلاث منهن:
_________________
(١) التجريد (١١/ ٥٤٥٩).
(٢) العزيز شرح الوجيز (٩/ ٢٤ - ٢٥).
[ ٣ / ١٤١٥ ]
"أوقعتُ عليكن - أو بينكن - طلقة"، ثم قال للرابعة: "أشركتُك معهن". وفيه وجهان، أظهرهما: تطلق واحدة، والثاني: عن القفال: تطلق ثنتين) (^١).
نعم، ربما قدر الأصحاب في بعض الفروع ما في المعطوف عليه في المعطوف، ولَعَلَّه لقرينة في ذلك الموضع.
ففي "فروع ابن الحداد": أوصَى لزيد بعشرة ولعبد الله بعشرة ولخالد بخمسة، وقال: "قدِّموا خالدًا على عبد الله"، وكان الثُّلث عشرين، كان لزيد ثمانية، ولخالد خمسة؛ لتقدمه، ولعبد الله سبعة؛ لأن الثلث لا يفي بالكل. فيجب أن ينقص الخَمس من كُلٍّ، ويزاد نقص عبد الله واحدًا، لتقدم خالد عليه.
ووافقه الأصحاب، وكأنه قال: "وقدموا خالدًا على عبد الله بشيء". ولو قدر كذلك؛ لكان لخالد أربعة وشيء، ولعبد الله ثمانية إلَّا شيء.
المسألة الثانية:
العام إذا كان في سياق المدح أو الذم، هل العموم فيه باقٍ؟ أو لا؟
وذلك مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣، ١٤]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥)﴾ [المؤمنون: ٥].
فيه ثلاثة مذاهب:
أحدها: أنَّه غير باقٍ على عمومه. ونقله إمام الحرمين وغيره عن الشَّافعي، وهو أحد وجهين لأصحابنا، حكاهما أَبو الحسين بن القطان والأستاذ أَبو منصور وسليم الرازي وابن
_________________
(١) العزيز شرح الوجيز (٩/ ٢٤ - ٢٥).
[ ٣ / ١٤١٦ ]
السمعاني وغيرهم.
ونقل الثاني منهما أَبو بكر الرازي (مِن الحنفية) عن القاشاني، ونقله ابن برهان عن الكرخي وغيره.
وقال إلْكِيَا: إنه الصحيح. وجزم به القفال الشاشي؛ ولذلك منع الشَّافعي التمسك بآية الزكاة السابقة في وجوب زكاة الحلي المباح، إلى غير ذلك. وجزم به أيضًا القاضي حسين.
الثاني وعليه الجمهور: أنَّه عام؛ إذْ لا تنافي بين قَصْد العموم وبين المدح أو الذم.
وقال الأستاذ أَبو إسحاق الأسفراييني: إنه الظاهر من المذهب. وقال الشيخ أَبو حامد وسليم: إنه المذهب. وكذا قال ابن برهان وابن السمعاني والشيخ أَبو حامد وغيره.
والثالث: وهو أصحها، وهو الثابت عن الشَّافعي، الصحيح من مذهبه: إنه باقٍ على عمومه إذا لم يعارضه عام آخر لم يُسَق لمدح ولا ذم. فإنْ عارضه ذلك، عُمل بالمعارِض الخالي مِن المدح والذم. وهذا في الحقيقة عَيْن القول بالعموم؛ لأن غاية المعارَضة قرينة تُقَدِّم غيرَه عليه في صُورة.
ولهذا قال الشيخ أَبو حامد وسليم الرازي وابن السمعاني وغيرهم من أئمتنا: إنه لا خلاف حينئذ على المذهب أنَّه يترجح على ما فيه مدح أو ذم.
نعم، حكى غير هؤلاء الخلاف مطلقا في الحالين.
وحكى أَبو عبد الله السهيلي - من أصحابنا - وجهًا أنَّه يوقف هذان العامَّان إلى أن يتبين الحال، كالمتعارضين.
ولكن يدل للمُرجَّح عملُ الصحابة بالعام المعارِض للعام الذي فيه المدح.
فقد رُوي عن عثمان كت أنَّه قال في الجمع بين الأختين بملك اليمين: "أحلتهما آية
[ ٣ / ١٤١٧ ]
وحرمتهما آية، والتحريم مُقدَّم" (^١). وأراد بآية الحل: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣]، وآية التحريم: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا﴾ [النساء: ٢٣]. فحَكَمَ بعموم آية الحل، ولكن قدم عليه آية التحريم؛ لأن آية الحل مسوقة للمدح والمنة. ووافقه الصحابة على ذلك.
وبهذا رد على داود احتجاجه بقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ على إباحة الأختين بملك اليمين.
ومَثَّل أَبو عبد الله السهيلي للعامَّين اللذين سِيق أحدهما للمدح دُون الآخر بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٥، ٦]، فإنه سِيق للمدح وهو يَعُم مِلك اليمين، سواء الأخت وغيرها، فيرجح عليه ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا﴾؛ فإنه عام في مِلك اليمين والنكاح.
نعم، قد يقال: إن بين الآيتين عمومًا وخصوصًا مِن وجه، فرجحت إحداهما بكونها تقتضي التحريم كما سبق عن عثمان، لا لِكونها تجردت عن مدح فَقُدِّمت على ذات المدح.
ومَثَّل الشيخ أَبو حامد وابن السمعاني وغيرهما بقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] الآية، سِيقت لبيان عَيْن المحرمات دُون العَدد، بخلاف آية: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر: ١]، فإنها للعَدد، وهي تعم الأخت وغيرها، فيقضَى بتلك؛ لأنها مسوقة لبيان المحرَّم. وكذلك يُقضَى بها على قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
_________________
(١) الذي في مصنف ابن أبي شيبة (١٦٢٦٤) وسنن الدَّارَقُطني (٣/ ٢٨١) واللفظ للدارقطني: (أن عثمان بن عفان سُئل عن الأختين مما ملكت اليمين، فقال: لا آمرك ولا أنهاك، أحلتهما آية وحرمتهما آية). وفي: مصنف عبد الرزاق (١٢٧٢٨)، سنن البيهقي الكبرى (رقم: ١٣٧٠٨) وغيرهما واللفظ للبيهقي: (أحلتهما آية وحرمتهما آية، وأما أنا فلا أحب أنْ أصنع هذا).
[ ٣ / ١٤١٨ ]
تنبيهات
أحدها: ليست هذه المسألة مقصورة على ما سِيق للمدح أو الذم فقط، بل ذلك خارج مخَرَج المثال.
وإنَّما الضابط أن كل عام سِيق لغرض هل يبقى على عمومه؟ أو يكون ذلك الغرض صارفًا له عن العموم؟
فيقال على هذا: قوله - ﷺ -: "فيما سقت السماء أو كان عثريًّا العُشر، وما سُقي بالنضح نصف العُشر" (^١) مَسوق لبيان مقدار الواجب، فلا يكون عامًّا في الخضراوات نحو القثاء والرمان.
ومَن يقول بالعموم، يقول: إنه خُص بنحو ما رواه الحاكم: "فأما القثاء والرمان والقصب فعفو عفا عنه رسول الله - ﷺ -" (^٢). أو: إن هذا الحديث عام قدِّم على حديث: "فيما سقت السماء"؛ لكونه مسوقًا لبيان المقدار.
الثاني: قال الشيخ عز الدين: ليس من هذا الباب: العام المرتب على شرط تَقدم ذِكره، بل ذلك خاص اتفاقًا، كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٥]، فالشرط المتقدم هو صلاح المخاطَبين الحاضرين، وصلاحهم لا يكون سببًا للمغفرة لمن تَقدم مِن الأمم قبلهم أو يأتي بعدهم؛ فإن قواعد الشرع تَأبى ذلك،
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) المستدرك على الصحيحين (رقم: ١٤٥٨)، سنن البيهقي الكبرى (رقم: ٧٢٦٨) بلفظ: (وأما القثاء والبطيخ والرمان والقصب فقد عفا عنه رسول الله - ﷺ -). قال الحافظ ابن حجر ﵀ في (التلخيص الحبير، ٢/ ١٦٥): (فيه ضعف وانقطاع).
[ ٣ / ١٤١٩ ]
فإنَّ صلاح كل [أحد] (^١) لا يتعداه لغفران غيره إلَّا أن يكون فيه سبب، وهنا لا سبب؛ فلا يتعدى، فيتعين أن يكون المراد: "فإنه كان للأوابين منكم غفورًا"، فإن الشرط لا يكون جزاؤه لغيره.
قلت: وتحتمل الآية أيضًا أن "الألف واللام" في "الأوابين" للعهد، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٠]، في خبر: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾ [الأعراف: ١٧٠] الآية.
وقد قيل هنا: إن الرابط العموم اكتُفي به لدخول المبتدأ تحته. فيقال هنا مثله.
وربما يُقَرَّر في آية "الأوابين" بأن الجواب فيه مُقدَّر، أي: إن تكونوا صالحين فأنتم أوابون، والله تعالى للأوابين غفور. أو أن الخطابَ في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ﴾ [الإسراء: ٢٥] عامّ للخلق كلهم، أي: يا أيها العباد إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورًا. ويكون صلاح كلٍّ سبئا لمغفرته، من باب"ركب القوم دوابهم"، لا أن المجموع سببٌ للغفران للمجموع.
الثالث:
قيل: إنَّ هذه المسألة هي مسألة "غير المقصودة" هل تدخل في العموم؟ وقد سبقت، فلا حاجة لإعادتها.
يدل على ذلك أن القاضي عبد الوهاب لما حكى الخلاف في تلك، مَثَّل بآية الزكاة: هل يدخل فيها الحُلي المباح ونحوه مما لم يُقصَد؛ ووافقه الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد في "شرح الإلمام". ومِن ثَمَّ نقل الأصفهاني في "شرح المحصول" الخلاف الذي نقله القاضي
_________________
(١) كذا في (ق، ص)، لكن في (س): واحد.
[ ٣ / ١٤٢٠ ]
عبد الوهاب في "غير المقصودة" هنا.
وعلى هذا فاستغراب ابن السبكي في "منع الموانع" الخلاف في غير المقصودة - حتَّى نَقْلُه عن"المسودة" الأصولية لبني تيمية - ليس بجيد.
قلتُ: قد يفرق بين المسألتين بأن تلك لا يشترط فيها وجود قرينة من مدح وغيره تَصْرفه عن العموم بالكُلية، والعموم باق هناك في غير المقصودة إجماعًا.
وأما هنا فيرتفع العموم فيه، ويكتفى فيه ببعض ما يصدق عليه اللفظ عند مَن يرى بأن لا عموم فيه؛ ولهذا نُقل عن الشَّافعي في هذه المسألة أنَّه قال: (الكلام مفصل في مقصوده، مجمل في غير مقصوده). فانظر كيف سماه "مجملًا"؛ والله أعلم.
ص:
٦٠١ - وَذُو الْعُمُومِ في خِطَابٍ شُوفِهَا بِهِ لِمَوْجُودٍ، وَمَا لَهُ انْتِهَا
٦٠٢ - لِغَيْرِهِمْ لَفْظًا، وَلَكِنْ يَشْمَلُ لِأَنَّ شَرْعَهُ عُمُومًا يُقْبَل
الشرح:
مما اختُلِف في عمومه: الخطاب الوارد شفاهًا في الكتاب والسنة، مِثل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٦٨]، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٧٢]، ﴿يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ﴾ [الزخرف: ٦٨].
لا خلاف في أنَّه عام في الحكم الذي تضمنه لمن لم يشافَه به، سواء أكان موجودًا أو غائبًا وقت تبليغ النبي - ﷺ - أو معدومًا بالكلية. فإذا بلغ الغائب والمعدوم بعد وجوده، تَعَلَّق به الحكم.
وإنَّما اختُلِف في جهة عمومه.
[ ٣ / ١٤٢١ ]
والحاصل: أن العام المشافَه فيه بحكم لا خِلاف في شموله لغةً للمشافَهين وفي غيرهم حُكمًا، وإنَّما الخلاف في غيرهم: هل الحكم شامل لهم باللغة؟ أو بدليل آخر؟
ذهب جمعٌ من الحنابلة والحنفية إلى أنَّه من اللفظ.
وذهب أكثرون إلى أنَّه بدليل آخر، وذلك مما عُلم مِن عموم دِينه - ﷺ - بالضرورة إلي يوم القيامة.
ويدل عليه قوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]، وقوله - ﷺ -: "وبعثت إلى الناس عامة" (^١). وأَصْرح من ذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا﴾ [الجمعة: ٢] إلى قوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة: ٣].
وهذا معنى قول كثير كابن الحاجب: (إن مِثل: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٦٨]، ليس خطابًا لمن بَعْدهم - أَيْ مَن بَعْد المواجَهين - وإنَّما يثبت الحكم بدليل آخَر من إجماع أو نص أو قياس) (^٢).
واستدلوا بأنه لا يقال للمعدومين: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾.
وأجابوا عما استدل به الخصم بأنه: الو لم يكن المعدومون مخاطبين بذلك، لم يكن - ﷺ - مرسَلًا إليهم) بأنه لا يتعين الخطاب الشفاهي في الإرسال، بل مطلق الخطاب كافٍ.
_________________
(١) صحيح البخاري (رقم: ٣٢٨).
(٢) مختصر المنتهى مع شرحه (٢/ ٢٢٣).
[ ٣ / ١٤٢٢ ]
تنبيهات
الأول: قال ابن دقيق العيد: مَن خصَّه بالمخاطَبين فينبغي أن يعتبر فيه أحوالهم؛ حتَّى لا يدخل في خطابهم مَن ليس بِصِفتهم إلَّا بدليل مِن خارج، وهذا غير الاختصاص بأعيانهم، وهو أعلى مرتبة منه؛ لأن اعتبار الأعيان في الأحكام عليه أدلة كثيرة. ويحتمل أن لا يعتبر أحوالهم وصفاتهم إلَّا لاعتبار مناسبة أو غيرها، والأليق بالتخصيص الأول.
وقال في "شرح العنوان": الخلاف في عموم خطاب المشافَهة قليل الفائدة، ولا ينبغي أن يكون فيه خلاف عند التحقيق؛ لأن اللغة تقضى بأنْ لا يتناول غير المخاطَب، والقَطْع بأن الحكم شامل لغير المخاطَب؛ لِمَا عُلم من عموم الشريعة.
الثاني: عَبَّر جمعٌ عن المسألة بأن الخطاب مع الموجودين في زمنه - ﵇ - لا يتناول مَن بَعدهم إلَّا بدليل منفصل.
وعَبَرَّ جمعٌ بأخص، وهو نحو: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾، ﴿يَاأَيُّهَا آمَنُوا﴾.
وقال بعض المتأخرين: للألفاظ حالتان: أن يكون محكومًا بها، أو محكومًا عليها.
ففي الأول: يجب أن يكون مدلولها موجودًا حالة الحكم، نحو: "يا زيد"، ونحوه.
وفي الثاني: يشمل مَن وُجِد ومن سيوجَد، نحو: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]. وذلك كما لو قلت لولدك: "اصحب العلماء"، فلا فرق بين الموجود عالِمًا حال الخطاب ومَن سيصير عالِمًا بعد ذلك.
الثالث: اعترض النقشواني في "تلخيص المحصول" على هذه المسألة بقول الأصوليين: إن المعدومَ محكومٌ عليه بالخطاب القديم مِن غير فرق بين خطاب المشافَهة وغيره.
وأجيب بأن ذلك غفلةٌ منه؛ لأن ذاك في الكلام النفسي، والكلام هنا في الخطاب
[ ٣ / ١٤٢٣ ]
اللفظي.
وأجاب في "البديع" بأن الكلام هناك في تسميته أمرًا ونهيًا، وهنا في تسميته خطابًا.
وضُعِّف بأن ذلك إذا قلنا: لا يسمى خطابًا. والمرجَّح خلافُه كما سبق.
الرابع: مما يحقق المرجَّح في المسألة (وهو أن الخطاب مقصور لُغة على المشافَهين) الاتفاق على أنَّه لو قال لمن حضر مِن زوجاته: (يا نسائي أنتن طوالق)، لا يقع الطلاق على مَن لم [يواجهه] (^١) بالخطاب مِن بقية زوجاته ولو كان في المجلس.
ويُعرف تمييز مَن خوطِب مِن غيْره بالقرائن.
وقولي: (لِأَنَّ شَرْعَهُ) إلى آخِره هو تعليل لعمومه، أي: ليس العموم باللفظ مِن وضع اللغة، بل لكون شرعِه عامًّا. ولم أذكر الإجماع ولا القياس؛ لأن هذا كافٍ، والقياس إنما نشأ مِن هذه الحيثية، والإجماع إنما استند إلى عموم شرعه. والله أعلم.
٦٠٣ - ثُمَّ خِطَابُ الْمُصْطَفَى لَا يَشْمَلُ أُمَّتَهُ، وَالْجَمْعُ حَيْثُ يُجْعَلُ
٦٠٤ - مُذَكَّرًا مُسَلَّمًا لَا يَدْخُلُ فِيهِ الْإنَاثُ؛ فَلِذَا يُفَصَّلُ
٦٠٥ - إلَّا بِتَغْلِيبٍ مَعَ الدَّلِيلِ وَلَيْسَتِ الْأُمَّةُ في الْمَشْمُولِ
٦٠٦ - بِنَحْوِ ﴿يَا أهْلَ الْكِتَابِ﴾ ثُمَّ مَا خُوطِبَ وَاحِدٌ بِهِ لَنْ يَعْمُمَا
الشرح:
اشتملت الأبيات على أربع مسائل:
_________________
(١) كذا في (ص، ق)، لكن في (س): تواجهه.
[ ٣ / ١٤٢٤ ]
الأولى:
خطاب الله تعالى نبيه محمدًا - ﷺ - بنداءٍ ونحوه هل يتناول الأُمة؟ أو لا؟
وذلك مِثل قوله تعالى:، ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١ - ٢]، ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ﴾ [التحريم: ١]: ا، ونحو ذلك مما يمكن أن يراد بما تضمنه مِن الحكم الأُمة معه، ويمكن أن يراد النبي - ﷺ - أيضًا به، ولا قرينة على إرادتهم معه.
فقال الجمهور: ليس بعام للأُمة إلَّا بدليل يوجب التشريك، إما مطلقًا أو في ذلك الحكم بخصوصه مِن قياس أو غيره. وحينئذ فشمول الحكم لهم بذلك لا باللفظ؛ لأن اللغة تقتضى أن خطاب المفرد لا يتناول غيره.
وقال أَبو حنيفة وأحمد: يشمل الأُمة، ولا ينصرف الحكم عنهم إلَّا بدليل من خارج. واختاره جمعٌ من أصحابنا كابن السمعاني، وكذا إمام الحرمين على ما يؤول إليه تفصيل له نذكره.
أما ما لا يمكن إرادة الأمة معه فيه مِثل: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: ١ - ٢] ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] ونحو ذلك فلا دخول للأُمة فيه قطعًا.
ومن ذلك ما قامت فيه قرينة على اختصاصه به من الخارج، نحو: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦]. فتفصيل إمام الحرمين بين أن تَرِد الصيغة في محل التخصيص فيكون خاصًّا به، أوْ لا فيكون عامًّا - ليس قولًا آخَر، بل تبيين لمحل الخلاف.
وأما ما لا يمكن فيه إرادة النبي - ﷺ - بذلك الحكم المقترن بخطابه بل يكون الخطاب له والمراد الأُمة فليس ذلك مِن محل النزاع أيضًا، وذلك مِثل قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، فخطابه بذلك من مجاز التركيب، وهو ما أُسنِد فيه الحكم
[ ٣ / ١٤٢٥ ]
لغير مَن هو له، نحو: "أنبت الربيع البقل"، ﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ [غافر: ٣٦]. وقد سبق تقريره في "باب المجاز".
ولأجل ذلك انتُقد على ابن الحاجب تمثيله محل النزاع بآية: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ﴾.
نعم، حكى ابن عطية عن مكي والمهدوي أن الخطاب بقوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٥] للنبي - ﷺ -، والمراد أُمته. ثم قال: (وهذا ضعيف؛ لا يقتضيه اللفظ) (^١).
والتحقيق: أن هذا ونحوه من باب"خطاب العام مِن غير قَصْد مخاطَب معيَّن".
والمعنى: اتفاق جميع الشرائع على ذلك، أي: ويكون هذا مثل: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: ١٢] كما قرره أهل البيان، وأنهم لَمَّا تناهت حالهم الفظيعة في الظهور، لم يختص بها مخاطَب دون مخاطَب.
ونحوه: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾ [الكهف: ١٨]، وقوله - ﷺ -: "بَشِّر المشائين في ظُلَم الليل إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة" (^٢).
قيل: والأَولى أن يُقَرر مِثل ذلك بأنه عام عموم الشمول، كاستعمال المشترك في معانيه، لا أن المراد عموم البدل للمخاطَبين للصلاحية لكل مخاطَب بما يقتضي أن يصير الضمير - وهو أَعْرَف المعارف - في معنى النكرة. وإذا قرر: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ﴾، ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ ونحو ذلك على هذا المحمَل، اندفع الإشكال في هذه الآيات ونحوها من أصله؛ لأنه - ﷺ - ليس مقصودًا بذلك.
_________________
(١) المحرر الوجيز (٢/ ٢٨٨).
(٢) سنن أبي داود (رقم: ٥٦١)، سنن التِّرمِذي (٢٢٣) وغيرهما. قال الألباني: صحيح. (صحيح أبي داود: ٥٦١).
[ ٣ / ١٤٢٦ ]
وأما التقييد بأن لا قرينة على إرادة الأُمة معه فمُخرج لِمَا إذا دلت قرينة على ذلك، فليس ذلك من محل النزاع أيضًا، مِثل: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١]، الآية، فإن ضمير الجمع في: "طَلَّقْتُم" و"طَلِّقُوهُنَّ" قرينة لفظية تدل على أن الأُمة مقصودة معه بالحكم، وأنَّ تخصيصه بالنداء تشريفٌ له - ﷺ -؛ لأنه إمامهم وقدوتهم وسيدهم الذي يَصدر فِعلهم عن رأيه وإرشاده؛ ولذلك ابتدأ الشَّافعي - ﵀ - "كتاب الطلاق" بهذه الآية؛ لِمَا فهمه من عمومها.
وخطاب الواحد وإن كان قد يَرِد بصيغة جمع، نحو: ﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٩٩، ١٠٠] إلَّا أنَّه مجاز، فلا يقدح في دعوى القرينة في نحو: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾، بل القرينة في مِثل ذلك قد توجد والضمير مفرد، نحو: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]، الآية، فإن غير النبي - ﷺ - هذا الحكم أَوْلى منه به؛ ولهذا قال بعده: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢].
تنبيهات
الأول: عَكْس هذه المسألة - نحو "يا أيها الأُمة" - قال الهندي والقاضي عبد الوهاب: لايدخل قطعًا. كما سبق تقريره في مسألة: شمول ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الرسولَ.
الثاني: القائلون بشمول نحو ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ للأُمة لا يقولون: إنه باللغة، بل للعُرف في مِثله، حتَّى لو قام دليل على خروج النبي - ﷺ - مِن ذلك، كان من العام المخصوص. ولا يقولون: إنهم دخلوا بدليل آخَر؛ لأنه حينئذٍ ليس محل النزاع. فيتحد القولان.
الثالث: مما يظهر فيه ثمرة الخلاف في المسألة ما خرَّجه الحنفية على أصلهم مِن انعقاد
[ ٣ / ١٤٢٧ ]
النكاح بلفظ الهبة بقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، إذِ الأُمَّة مِثله في هذا الحكم؛ لشمول اللفظ لهم عُرفًا.
وعندنا لم يدخل غيره، فيكون مِن خصائصه على المرجَّح.
وفي وَجْه أنه لا ينعقد نكاحه بلفظ الهبة؛ قياسًا على الأُمة. عَكْس مقالة الحنفية مطلقًا.
المسألة الثانية:
جمع الذكر السالم - كَـ "المسلمين" - هل يدخل فيه الإناث؛ وكذا ضمير المذكرين نحو: "فعلوا" و"افعلوا" و"تفعلون" و"فعلتم" ونحو ذلك.
بل ولا يختص بالضمائر، بل اللواحق، نحو: "ذلكم" و"إياكم" إذا قلنا بأنها حروف لحقت الضمائر المنفصلة، وهو المرجَّح، فكل ذلك لا يدخل فيه النساء إلَّا بطريق التغليب مجازًا. هذا ما ذهب إليه الشَّافعي وأصحابه والجمهور، كما لا يدخل "الرجال" في لفظ المؤنث إلَّا بدليل.
وممن نقله عن الشَّافعي القفالُ الشاشي وابن القطان والشيخ أَبو حامد والماوردي في "كتاب القضاء"، والروياني: في "كتاب السير"، وابن القشيري.
قيل: وأخذوا ذلك من حديث عائشة: "يا رسول الله، على النساء جهاد؟ قال: عليهن جهاد لا قتال فيه، الحج والعمرة" (^١). أخرجه ابن ماجة بإسناد جيد.
فلو كن يدخلن في جمع المذكر وهو قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال: ٦٥]، ونحو قوله: ﴿وَجَاهَدُواْ﴾ [البقرة: ٢١٨] لَعرفت عائشة ذلك ولم تَسأل.
_________________
(١) مسند أحمد (٢٥٣٦١)، سنن ابن ماجة (٢٩٠١) وغيرهما. قال الألباني: صحيح. (صحيح ابن ماجة: ٢٣٦٢).
[ ٣ / ١٤٢٨ ]
وهذا أَوْلى من الاستناد إلى حديث أم سلمة في النَّسائي: "قلت: يا رسول الله، ما لَنا لا نُذْكَرُ في القرآن كما يُذكر الرجال؟ فأنزل الله ﷾: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] الآية" (^١)؛ لجواز أن تريد أُم سلمة: ما لَنا لا نُذكر صريحًا بالتنصيص؟
وممن نقله عن أصحابنا الأستاذُ أَبو منصور وسليم في "التقريب"، واختاره القاضي أَبو الطيب في "الكفاية"، وابن السمعاني في "القواطع"، وإلْكِيَا الهراسي، ونصره ابن برهان في "الوجيز" ونقله في "الأوسط" عن معظم الفقهاء، والشيخ أَبو إسحاق في "التبصرة"، ونقله ابن القشيري عن معظم أهل اللغة، وقال القاضي: إنه الصحيح.
وذهبت الحنفية - ومنهم شمس الأئمة وصاحب"اللباب" وغيرهم - إلى أنَّه يتناول الذكور والإناث.
وحكاه القاضي أَبو الطيب عن أبي حنيفة، وحكاه الباجي عن ابن خويز منداد، ونُسب للحنابلة والظاهرية.
لكن ظاهر هذا القول أنَّه ليس مِن حيث اللغة، بل بالعُرف أو بعموم الأحكام أو نحو ذلك.
قال إمام الحرمين: (اندراج "النساء" تحت لفظ "المسلمين" بالتغليب، لا بأصل الوضع) (^٢).
وقال الأبياري: (لا خلاف بين الأصوليين والنحاة في عدم تناولهن بجمع المذكرين.
_________________
(١) السنن الكبرى للنسائي (١١٤٠٤)، مستدرك الحاكم (٣٥٦٠).
(٢) البرهان (١/ ٢٤٤).
[ ٣ / ١٤٢٩ ]
وإنَّما ذهب بعض الأصوليين إلى ثبوت التناول؛ لكثرة اشتراك النوعين في الأحكام) (^١).
أي: فيكون الدخول عُرفًا أو نحوه، لا لُغةً.
ثم قال: (وإذا قُلنا بالتناول، هل يكون دالًّا عليهما بالحقيقة والمجاز؛ أو عليهما مجازًا صِرفا؟ فيه خلاف، ظاهر مذهب القاضي الثاني، وقياس قول الإمام الأول) (^٢).
تنبيهات
الأول: احترزت بقولي: (الْجَمْعُ) عن اسم الجمع نحو: "قوم" كما سبق في مسألة "الجمع المحلَّى بِأل".
وبقولي: (المسَلَّم) - أي الذي سلم فيه بِناء واحِدِه - عن المكسر (^٣) كَـ "رجال"، فإنه لا يشمل المؤنث قطعًا، وعن اللفظ الذي يدل على الجمعية من غير علامة للتذكير وليس جمعًا مكسرًا، كَـ "الناس"، فإنه يدخل فيه الرجال والنساء قطعًا.
وقولي: (فَلِذَا يُفَصَّلُ" إشارة إلى ما سبق من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ الآية وما سبق في سببها.
نعم، ما أُلحق بالجمع: منه ما يُلْحَق به في هذا الحكم (كَـ "بنين")، ومنه ما يشملهما قطعًا (كَـ "عشرين")، ومنه ما يختص به الإناث قطعًا (كَـ "أرضين" و"سنين").
ويظهر ذلك كله بتأمله.
_________________
(١) التحقيق والبيان في شرح البرهان (٢/ ٤١).
(٢) التحقيق والبيان في شرح البرهان (٢/ ٤٢ - ٤٣).
(٣) يعني: قولي: (المسَلَّم) احترزت به عن المكسر.
[ ٣ / ١٤٣٠ ]
الثاني: يُستثنى من محل الخلاف في ضمير الجمع المذكر ما لو عاد على النوعين، نحو: "يا أيها الرجال والنساء"، ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]. فلا خلاف في دخولهن. قاله القاضي عبد الوهاب، ولكن هذا بقرينة، والكلام حيث لا قرينة.
ونحوه في القرينة (وإنْ تأخرت) حديث: "سبق المفردون"، ثم فسرهم - ﷺ - بقوله بعده: "هم الذاكرون الله كثيرا والذاكرات" (^١). فلا شاهد فيه لمن قال بالدخول.
ومنهم مَن قال: محل الخلاف في غير الخطاب الشفاهي، أما إذا شافَه رجالًا ونساءً بـ "افعلوا"، فإنهن يدخلن قطعًا. ولكن هذا بالقرينة، والكلام حيث لا قرينة.
ولم يختلف المفسرون في قوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٣٨]، أنَّه متناول لآدم وحواء ولإبليس.
وربما كانت القرينة مخُرجة، كما في قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، فإن المشركات لا يَدخُلن؛ لقرينة نهيه ﵇ عن قتل النساء.
ولأجل قرينة الإدخال استُدل بقوله ﵇: "أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم" (^٢) على أن المرأة تُقيم الحد على مملوكها بحق المِلك الذي يشترك فيه الذكر والأنثى، فالقرينة: تعليق الحكم بوصف الِملك.
الثالث: سكتوا عن الخناثى، هل يدخلون في خطاب المذكر؟ أو المؤنث؟
والظاهر مَن تَصرّف الفقهاء دخولهم في خطاب النساء في التغليظ والرجال في التخفيف، وربما أُخْرج عن القسمين. وقد أُفرد أحكام الخناثى بالتصنيف.
_________________
(١) صحيح مسلم (٢٦٧٦).
(٢) مسند أحمد (٧٣٦)، سنن أبي داود (٤٤٧٣) وغيرهما. قال الألباني: صحيح. (صحيح أبي داود: ٤٤٧٣).
[ ٣ / ١٤٣١ ]
الرابع: مما يُخرَّج على هذه القاعدة مسألة "الواعظ" المشهورة في الفقه وهو قوله للحاضرين عنده: "طلقتكم ثلاثًا" وامرأته فيهم وهو لا يدري.
أفتى الإمام بوقوع الطلاق. قال الغزالي: وفي القلب منه شيء. وقال الرافعي والنووي: ينبغي أن لا يقع. قال النووي ﵀: لأن النساء لا يدخلن في هذا اللفظ كما تَقرر في الأصول.
وذكر الرافعي مَأْخذًا غير ذلك، وذكر غيرهما أنَّه ينبغي أن يخرَّج على "حنث الجاهل" كما لو حلف لا يسلم على زيد، فسلَّم على قوم هو فيهم ولم يَعلمه.
وفي المسألة مباحث مذكورة في كتب الفقه لا نُطَول بها.
المسألة الثالثة:
خطاب الشارع بنحو: "يا أهل الكتاب" لا يدخل فيه أُمة محمد - ﷺ -، سواء أكان ذلك من خطاب الله ﷿ أو خطاب نبيه - ﷺ - لهم بأمر الله تعالى.
ومثله خطاب بني إسرائيل، كقوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا﴾ [النساء: ٤٧] ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [آل عمران: ٦٤]، ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا﴾ [المائدة: ٥٩]، ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]، ونحو ذلك من الآيات، وهو كثير.
إلَّا أنْ يدل دليل على مشاركتهم لهم فيما خوطِبوا به؛ وذلك لأن اللفظ قاصر عليهم، فلا يتعداهم.
والمراد بـ "أهل الكتاب"اليهود والنصارى، لا عبدة الأوثان ولا المجوس؛ إما لأن كتابهم رُفع، أو لغير ذلك مما قرره أصحابنا في النكاح وغيره.
وخالف في ذلك أَبو البركات مجد الدين ابن تيمية في "مسودته" في الأصول، وقال: (إنه
[ ٣ / ١٤٣٢ ]
يشمل الأُمة إنْ شركوهم في المعنى) (^١).
قال: (لأن شرعه عام لبني إسرائيل وغيرهم مِن أهل الكتاب وغيرهم كالمؤمنين؛ فيثبت الحكم فيهم كما في أهل الكتاب. وذلك كأمره لواحد مِن المكلَّفين، فإنه يعم غيره).
أي: على رأي من يقول به كما سيأتي.
قال: وإن لم يشركوهم فلا، كما في قوله لأهل بدر: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ﴾ [الأنفال: ٦٩] ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ [آل عمران: ١٢٢]، فإنَّ ذلك لا يَعُم غيرهم.
قال: (ثم الشمول هاهنا هل هو بطريق العادة العُرفية؟ أو الاعتبار العقلي؟ فيه الخلاف المشهور).
قال: (وعلى هذا ينبني استدلال الأئمة على حُكمنا بمثل قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾ [البقرة: ٤٤]، الآية، فإن هذه الضمائر راجعة لبني إسرائيل).
قال: (وهذا كله في الخطاب على لسان محمد - ﷺ -، أما خطابه لهم على لسان موسى أو غيره من الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - فهي مسألة: شرع من قبلنا هل هو شرع لنا؟ والحكم هنا لا يثبت بطريق العموم الخطابي قطعًا، بل بالاعتبار العقلي عند الجمهور) (^٢).
وأما عكس هذه المسألة: وهو دخول الكفار في نحو: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أو "يأيها المؤمنون" أو نحو ذلك - فقد سبق الكلام عليه في مسألة دخول الكافر في لفظ "الناس"المقترن بلام الاستغراق وأن المسألة مَبنية على تكليف الكافر بالفروع، فدخولهم من حيث عموم الشرع، لا مِن حيث اللغة، فإنَّ الوصف نحُرج لهم.
_________________
(١) المسودة (ص ٤٢).
(٢) المسودة (ص ٤٢ - ٤٣).
[ ٣ / ١٤٣٣ ]
المسألة الرابعة:
خطاب الشرع لواحد هل يدخل فيه غير ذلك المخاطَب؟ أو لا؟
وهي أَعَم من المسألة السابقة، وهي مخاطبة النبي - ﷺ - بلفظ يختص به، هل تدخل الأُمة؟
ولكن ربما تفاوتا بمدارك خاصة بأحدهما دون الآخر. يظهر ذلك للمتأمل.
وإنْ كان الشيخ أَبو حامد فَرَضَ مسألة خطاب الواحد بأَعَم مِن خطاب الله لنبيه - ﷺ - ومن خطاب النبي لواحد مِن أُمته، ومثَّله بـ ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ﴾ [المائدة: ٦٧]، ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال: ٦٥].
وحاصل هذه المسألة: أن الخطاب الخاص بواحد من الأُمة إنِ اقترن بما يخص ذلك الواحد، فلا يكون غيرُه مِثله في ذلك الحكم، كحديث أبي بردة في العناق في "الصحيحين": "تجزئك، ولن تجزئ عن أحد بعدك" (^١).
نعم، رخص النبي - ﷺ - في العناق أيضًا لزيد بن خالد الجهني كما في أبي داود (^٢)، ولعقبة بن عامر كما في "الصحيحين" (^٣)، وربما قال: "ولن تجزئ عن أحد بعدك". وهو محمول على تخصيص لعموم بعد تخصيص.
وإنْ لم يقترن بما يدل على اختصاص المخاطَب به فالأصح مِن المذاهب أنَّه لا يتناول
_________________
(١) صحيح البخاري (٩١٢)، صحيح مسلم (١٩٦١).
(٢) في سنن أبي داود (٢٧٩٨): (عَنْ زيدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ، قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ الله - ﷺ - فِي أَصْحَابِهِ ضَحَايَا، فَأَعْطَانِي عَتُودًا جَذَعًا. قَالَ: فَرَجَعْتُ بِهِ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُ جَذَع. قَالَ: "ضَحِّ بِهِ". فَضَحَّيْتُ بِهِ). قال الألباني: حسن صحيح. (صحيح أبي داود: ٢٧٩٨).
(٣) صحيح البخاري (٢١٧٨)، صحيح مسلم (١٩٦٥)، ولفظ البخاري: (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ - ﵁ -: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَعْطَاهُ غَنَمًا يَقْسِمُهَا عَلَى صَحَابَتِهِ، فَبَقِيَ عَتُودٌ، فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: "ضَحِّ بِهِ أَنْتَ").
[ ٣ / ١٤٣٤ ]
غيره من الأُمة إلَّا بدليل، وهو قول الجمهور.
ونَص عليه الشَّافعي، فقال الإمام في "النهاية" في "باب الرضاع": (وقد أشار الشَّافعي إلى تَصرُّف في حديث سالم رمز إليه المزني، وهو أن خطاب رسول الله - ﷺ - إذا اختص بشخص في حكاية حال، فحُكْم الصيغة اختصاص الحكم بالمخاطَب. وإذا قضينا بأن الناس في الشرع واحد فإنما هو مُتلَقّى من إجماع الصحابة لما يشاهدونه من قرائن الأحوال الدالة على عدم الاختصاص).
قال: (واضطرب رأيهم في قضية سالم في التخصيص واللفظ في نفسه مختص بالمخاطَب، فلم يَجُز تعميم الحكم، لاسيما إذا اعتقد خلافه مما يستقل دليلًا) (^١). انتهى
القول الثاني: ويُعْزى للحنابلة، صرح به القاضي أَبو يعلى منهم وغيره: أنَّه عام بنفسه. إلَّا أن كلام القاضي يقتضي أنَّه عام بالشرع، لا بوضع اللغة؛ للقطع باختصاصه لغةً.
وحكى ابن القطان من أصحابنا هذين القولين وجهين لأصحابنا، قال: والأكثرون على الأول، والثاني: أنَّه للعموم؛ بدليل حديث: "حُكمي على الواحد حُكمي على الجماعة" (^٢).
وحكى الأستاذ أَبو منصور خلافًا لأصحابنا أن العموم لغير الواحد هل هو بالقياس؟ أو بحديث "حُكمي على الواحد"؟ وقال: إن الأول قول ابن سريج.
فيخرج مِن قول الإمام: (إنه بالإجماع) ومن هذين ثلاثةُ آراء في جهة العموم.
_________________
(١) نهاية المطلب (١٥/ ٣٥٣).
(٢) قال الإمام السخاوي في (المقاصد الحسنة، ص ٣١٤): (ليس له أصل كما قاله العراقي في تخريجه، وسُئل عنه المزي والذهبي فأنكراه، وللترمذي والنَّسائي من حديث أميمة ابنة رقيقة: "ما قولي لامرأة واحدة إلَّا كقولي لمائة امرأة" لفظ النَّسائي، وقال التِّرمِذي: "إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة").
[ ٣ / ١٤٣٥ ]
وفي كلام الإمام أيضًا ما يُشعر برابع، وهو أنَّه بمقتضى عُرْف الشرع.
وفي كلام غيره إطلاق أنَّه بالعُرف، حتَّى إنَّ الإمام قال: لا ينبغي أن يكون لهذا الخلاف حقيقة.
وخالفه المقترح وغيره، وقالوا: الخلاف معنوي.
والقول الثالث في الأصل وبه قال أَبو الخطاب [من] (^١) الحنابلة: أنَّه إنْ وقع جوابًا لسؤال كقول الأعرابي: "واقعتُ أهلي في رمضان" (^٢) فقال: "أَعْتِق"، كان عامًّا، وإلَّا فلا، نحو قوله - ﷺ -: "مروا أبا بكر فليُصَلِّ بالناس" (^٣)، فلا يدخل فيه غير أبي بكر. وكذا قوله في المبارزة: "يا فلان، قُم فبارز" (^٤).
قال: و(كذلك إذا حَكم - ﷺ - في حادثة بين نَفْسَين، كان واجبًا على كل أَحد أن يحكم عليه بمثل تلك الحادثة. فهذا لا أعلم فيه خلافًا) (^٥). انتهى
_________________
(١) كذا في (ص، ق، ش)، لكن في (س، ض، ت): و.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) صحيح البخاري (٦٣٣)، صحيح مسلم (٤١٨).
(٤) الذي في السنن الكبرى للبيهقي (١٨١٢٤) بلفظ: (قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: قُمْ يَا حَمْزَة، قُمْ يَا عَليّ، قُمْ يَا عُبَيْدَة، فَبَارَزَ عُبَيْدَةُ عُتْبَةَ ) الحديث. وبنحوه في: مسند أحمد (٩٤٨)، سنن أبي داود (٢٦٦٥)، مستدرك الحاكم (٤٨٨٢) وغيرها. قال الألباني: صحيح. (صحيح أبي داود: ٢٦٦٥).
(٥) التمهيد في أصول الفقه (١/ ٢٧٦).
[ ٣ / ١٤٣٦ ]
تنبيهات
الأول: حديث: "حُكمي على الواحد حُكمي على الجماعة" لا يُعرف بهذا اللفظ، وسُئل عنه المِزِّي والذهبي، فقالا ذلك.
نعم، معناه ثابت، فروى التِّرمِذي والنَّسائي من حديث مالك، عن محمد بن المنكدر، عن أميمة بنت رقيقة، قالت: أتيت النبي - ﷺ - في نساء من المهاجرات نبايعه، فقال: "إني لا أصافح النساء، وما قولي لامرأة واحدة إلَّا كقولي لمائة امرأة" (^١). وقال التِّرمِذي حسن صحيح.
الثاني: إذا قُلنا بعموم خطاب الواحد وأن ذلك بِعُرف الشرع حتَّى يصير إذا تلفظ بالواحد، كان المراد به كل أحد عمومًا، وإنْ كان مجازًا إلَّا أنَّه صار حقيقة شرعية أو عُرفية، تَفَرع عن ذلك مسائل:
منها: ما حكاه الرافعي عن أبي العباس الروياني: (أن الرجُل إذا قال: "متَى قلتُ لامرأتي: أنت علَيَّ حرام، فإني أريد به الطلاق"، ثم قال لها بعد مُدة: "أنت علَيَّ حرام"، يحتمل وجهين:
أحدهما: الحمل على الطلاق؛ لكلامه السابق.
والثاني: أنَّه كما لو ابتدأ به؛ لاحتمال أن نيته تغيرت) (^٢).
_________________
(١) مسند أحمد (٢٧٠٥١)، سنن التِّرمِذي (١٥٩٧)، سنن النَّسائي (٤١٨١)، وغيرها. قال الألباني: إسناده صحيح. (السلسلة الصحيحة: ٥٢٩).
(٢) العزيز شرح الوجيز (٨/ ٥٢٥).
[ ٣ / ١٤٣٧ ]
وإنه يقتضي أنَّها لو لم تتغير، يُحمل على الطلاق جزمًا.
ويشبه المسألة ما لو ذكرا صداقًا في السر وصداقًا بالعلانية، وكذا إذا استعملا لفظ "المفاوضة" وأرادا "شركة العنان"، فإنه جائز على المنصوص.
وكل هذه المسائل مما يؤيد قول العموم لغير المخاطَب الواحد بالعُرف أو بغيره كما سبق، فإنه قوي وإنْ كان المرجَّح خلافه.
الثالث: "النداء" في هذه المسائل ليس بقيد، بل على سبيل المثال، وكذا الخطاب؛ إذَ المراد الحكم كيف كان. والله أعلم.
ص:
٦٠٧ - وَفي الْخِطَاب يَدْخُلُ الْمُخَاطِبُ في خَبَرٍ يَعُمُّهُ، وَالْوَاجِب
٦٠٨ - أَخْذٌ مِنَ الأَنوَاعِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ في آيَةِ الْأَخْذِ لِفَرْضِ مَالِهِمْ
الشرح:
أي: ومن الصُّوَر التي اختُلف في محل العموم فيها هاتان المسألتان:
الأُولي: أنَّ المخاطِب (بكسر الطاء) داخل - على الأرجح من المذاهب - في عموم متعلق خطابه إذا كان صالحًا له وكان خبرًا، لا أمرًا ولا نهيًا، أما الآمِر والناهي فغير داخلين في أمر ونهي بصيغة تَعُمهما كما سبق مبسوطًا في باب الأمر والنهي.
سواء أكان ذلك الخبر إخبارًا:
- عن أمر ونهي، كما لو قال النبي - ﷺ -: "إن الله أمر بكذا"، أو: "نهى عن كذا".
[ ٣ / ١٤٣٨ ]
- أو عن غيرهما، كقوله - ﷺ -: "مَن قال لا إله إلَّا الله خالصًا من قلبه، دخل الجنَّةَ" (^١)، "مَن أحيا أرضًا ميتة، فهي له" (^٢).
ومنه قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] إذا قلنا بصحة إطلاق لفظ "شيء" عليه تعالى، وكذا: ﴿اللهُ خَالِقُ كُلِّ شّيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦] فإنه وإنْ دخل لفظًا بناء على هذه القاعدة لكنه خارج قطعًا؛ إما بالعقل أو بغير ذلك كما سنذكره في مسألة التخصيص بالعقل.
وخرج بقيد "أن يكون اللفظ صالحًا لدخوله فيه" ما إذا كان بلفظ المخاطبة: نحو: "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم" (^٣). بل ولو قُلنا في الأمر والنهي: إن الآمِر والناهي يدخلان فيهما لكن إذا كان بلفظ الخطاب لا يدخلان، نحو: "لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول" (^٤). بخلاف نحو: "من نام فليتوضأ" (^٥)، فإن القائل بدخول الآمِر والناهي يقول هنا بالشمول.
نعم، الخلاف في الخبر وفي الأمر والنهي محله إذا لم يَقُم دليل على الدخول في الحكم، فإنْ كان كذلك فالشمول بذلك الدليل قطعًا.
واعلَم أنَّه يجري مع وجود لفظ الخطاب ما سبق مِن خلاف الحنابلة في أن الخطاب مع
_________________
(١) مسند أحمد (٢٢١١٣)، صحيح ابن حبان (٢٠٠) وغيرهما، ولفظ ابن حبان: (مَنْ شَهِدَ انْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله مُخْلِصًا مِنْ قَلْبِهِ، دَخَلَ الْجَنَّةَ). قال الألباني: صحيح. (التعليقات الحسان: ٢٠٠).
(٢) سنن أبي داود (٣٠٧٣)، سنن الترمذي (١٣٧٨) وغيرهما. قال الألباني: صحيح. (إرواء الغليل: ١٥٥٠).
(٣) صحيح البخاري (٥٧٥٧)، صحيح مسلم (١٦٤٦).
(٤) سبق تخريجه.
(٥) سنن أبي داود (٢٠٣)، سنن ابن ماجة (٤٧٧)، وغيرهما. قال الألباني: حسن. (إرواء الغليل: ١١٣).
[ ٣ / ١٤٣٩ ]
الموجودين يتناول مَن بعدهم بغير دليل منفصل.
وقد سبق في باب الأوامر والنواهي أن مقتضى كلام الرافعي والنووي في مسائل من "الطلاق" أن المتكلم لا يدخل في عموم كلامه ولو كان غير آمرٍ وناهٍ على الأصح.
ومما لم يسبق ما قاله أصحابنا فيما لو وقف على الفقراء ثم صار فقيرًا، هل يجوز له الأخذ؟ والأصح نعم، وقيل: لا، لأن مطلق الوقف ينصرف إلى غير الواقف.
وهذا وإن لم يكن فيه خطاب لكن الخلاف في الحقيقة في أن المتكلِّم بكلام يشمله: هل يدخل فيه؟ أو لا؟ سواء أكان هناك خطاب أو لا كما عُلم ذلك مِن الأمثلة السابقة.
وكثير من الأصوليين يعبر بذلك، وكثير يعبرون بِـ "المخاطِب" كما عبَّر به ابن الحاجب وغيره، وجرينا عليه في النَّظم، وكأنَّ النظر فيه إلى معنى الخطاب وإنْ لم يكن صيغة خطاب. فتأمله.
تنبيهات
الأول: وقع بحث في أن جبريل - ﵇ - هل يدخل فيما [يُبلغه للنبي] (^١) - ﷺ - من التكليف؟
والتحقيق نعم فيما يحتاج لفعل، كإمامته به في اليومين، وأما غيره فمأمور بتبليغه إياه فقط.
الثاني: المخاطَب (بفتح الطاء) هل يجري فيه الخلاف في المكسور؟
قال الشيخ جمال الدين في كتاب "التمهيد": لا يَبعُد تخريجه فيه. وفرع عليه لو قال:
_________________
(١) كذا في (ص، ق)، لكن في (س): يبلغ به النبي.
[ ٣ / ١٤٤٠ ]
"أعطِ هذا لمن شئت"، أو: "اصنع فيه ما شئت"، فليس له أخذه. ولو قال: "وكَّلتُك في إبراء غرمائي" وكان هو منهم، لم يدخل (^١).
وعلَّله القاضي أَبو الطيب بقوله: لأن المذهب الصحيح أن المخاطَب لا يدخل في عموم أمر المخاطِب له.
وذكر فروعًا غير ذلك.
وكان شيخنا شيخ الإسلام البلقيني يرد كون هذا قاعدة وتخريجها على مسألة المخاطِب (بالكسر)، وكتب بخطه: (إنه لا خلاف بين العلماء - بل بين الناس - مطلقًا في المخاطب بنحو "قوموا" أن كل مَن خوطِب به داخل. فإنْ كان الخطاب بنحو "مَنْ" و"الذين" فلا خلاف في الدخول أيضًا، نحو: "مَن رد عبدي فلَهُ كذا"، "مَن دخل الدار من نسائي فهي طالق"، فالمخاطب بذلك ونحوه داخل قطعًا، ولا يتخرج على المخاطِب - بالكسر - لأن المنع في ذلك لأن الشخص لا يخاطِب نفسه، فالقرينة فيه ظاهرة. والخلاف في الفروع المذكورة إنما هو لمدْرَك آخَر، وهو اقتضاء الحال أن لا يدخل المخاطب بما خوطب به لتهمة أو نحوها من القرائن، لا أن المخاطب هل يدخل في الخطاب؟ فإنه متناقض). انتهى ملخصًا.
وتعقب أيضًا الفروع المذكورة بما يطول ذِكره، وفي هذه الإشارة كفاية.
قلتُ: لكن كلام القاضي أبي الطيب السابق ذِكره أن المدرك هذا، وأن الخلاف منقول، وأن الراجح فيه عدم الدخول، إلَّا أنْ يُحمل على أن مراده بكونه لا يدخل في عموم أمر المخاطب له - لقرينة أنَّه لَمَّا لم يصرح المتكلم بإدخاله بالخطاب، كان المراد غيره.
قيل: وهذه المسألة هي مسألة: أوامر الله تعالى العامة هل يدخل فيها النبي - ﷺ -؟
_________________
(١) التمهيد للإسنوي (ص ٣٥٣).
[ ٣ / ١٤٤١ ]
وقد سبق أن الصحيح الدخول.
المسألة الثانية:
ذهب الجمهور إلى أن مثل قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]، يقتضي أخذ الصدقة من كل نوع إلَّا أن يُخص بدليل من السنة.
وهو ما نص عليه الشَّافعي في "الرسالة"، إذ قال بعد ذِكر الآية ما نصه: (وكان مخرج الآية عامًّا على الأموال، وكان يحتمل أن يكون بعض الأموال دون بعض، فدلَّت السّنة على أن الزكاة في بعض المال دون بعض) (^١).
وقال في موضع آخر: (ولولا دلالة السنة لكان ظاهر القرآن أن الأموال كلها سواء، وأن الزكاة في جميعها، لا في بعضها دون بعض) (^٢).
ونُقل عن نَص البويطي نحوه؛ ولهذا احتج بها أصحابنا على وجوب الزكاة في مال التجارة وعلى أخذ الشاة الصغيرة من الصغار، ونحو ذلك.
ومَن يرى العموم يستدل بها في كل نوع اختُلف في الزكاة فيه إلَّا أن يخرج مِن دلالة السُّنة المنع فيه.
ونُقل عن الشَّافعي أنَّه نَص في موضع آخَر على أن الآية من المجمَل الذي بيَّنته السّنة، وربما حمل نصه الأول على أنَّه أراد ذلك؛ لأن آخِره يقتضي احتمال الأمرين، إلَّا أن يقال: إنه إنما ذكره لكونه مرجوحًا بالنسبة إلى الأول، والإجمال شرطه التساوي.
وبالجملة فالقولان هنا كالقولين المنقولين عنه في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:
_________________
(١) الرسالة (ص ١٨٧).
(٢) الرسالة (ص ١٩٦).
[ ٣ / ١٤٤٢ ]
٤٣] وفي قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، مع قولين آخرين، وفي غير ذلك أيضًا.
وعلى قول الإجمال فلا يُستدل بها على مختلَف فيه إلَّا بدليل على شمول الآية له.
ونُقل عن الكرخي من الحنفية أن مقتضى الآية إنما هو أخذ صدقة واحدة من نوع واحد.
ورجحه ابن الحاجب حيث قال خلافا للأكثر: (لنا: أنَّه بصدقة واحدة يَصْدُق أنَّه أخذ منها صدقة، فيلزم الامتثال. وأيضًا فإن كل دينار مال، ولا يجب ذلك بإجماع) (^١). انتهى
وقد أُجيب:
- عن الأول بمنع صِدق ذلك؛ لأن "أموالهم" جمع مضاف، فكان عامًّا في كل نوع نوع وفرد فرد، إلَّا ما خرج بالسُّنة كما أشار إليه الشَّافعي.
- وعن الثاني بأن المراد: عن كل نصاب نصاب كما بيَّنته السُّنة.
ومما ذكر احتجاجًا للكرخي: أنَّ "مِن" في الآية للتبعيض ولو كانت الآية عامة، والتبعيض يَصْدُق ببعض المجموع ولو مِن نوع واحد.
وجوابه أن التبعيض في العام إنما يكون باعتبار تبعيض كل جزئي جزئي منه، فلا بُدَّ أن يكون مأخوذًا مِن كل نصاب؛ إذ لو أسقطت "مِن" لكان المال يؤخذ كله صَدَقة.
نعم، أجاب القرافي عن شُبهة الكرخي بأن "مِن" لا بُدَّ مِن تَعلُّقها بمحذوف، والأصل: "خذ صدقة كائنة من أموالهم"، فلمَّا قدم الجار والمجرور، كان في محل نَصب على الحال مِن المفعول، فلو أريد الخصوص، كانت الصدقة كائنة من بعض أموالهم، لا مِن كلها،
_________________
(١) مختصر المنتهى (٢/ ٢٢٨) مع بيان المختصر.
[ ٣ / ١٤٤٣ ]
وهو خلاف قضية أنَّها كائنة من أموالهم.
وفيه نظر؛ لأن وجود كونها بعض أموالهم يَصدق ولو كان بعض نوع منها.
ولعلَّ ما قاله القرافي هو الحامل لبعضهم على قوله: إن الجار إنْ كان متعلقًا بالفعل وهو "خُذ"، رجح قول الكرخي؛ لأن "صدقة" نكِرة في إثبات، فيحصل الامتثال بصَدقة واحدة مِن نوع. وإنْ تعلَّق بصفة "صَدقة" فيقوى قول الجمهور؛ لأنها إنما تكون من أموالهم إذا كانت مِن كل نوع نوع.
وفيه النظر السابق.
عَلَى أن أبا بكر الرازي - من الحنفية - نقل في كتابه عن شيخه أبي الحسن الكرخي أن الآية تقتضي أخذ الحقِّ مِن سائر أصناف الأموال.
فعَلَى هذا لا يبقى خلاف.
وأما الآمدي فتوقف في المسألة فلم يرجح شيئا، إذ قال في آخر كلامه: (وبالجملة فهي محتملة، ومأخذ الكرخي دقيق) (^١).
فائدة:
استنبط ابن حبان في صحيحه دليلًا لمقالة الكرخي السابقة من حديث: "ليس فيما دون خمس ذود صدقة، ولا فيما دون خمسة أوسق صدقة" (^٢)، فقال: (هذا يبين أن المراد مِن قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] أن المراد به بعض المال؛ إذ اسم"المال" يقع على ما دُون الخمس مِن ذلك، وقد نفى النبي - ﷺ - إيجاب الصدقة عن ما دُون الذي أخذ) (^٣). انتهى
_________________
(١) الإحكام للآمدي (٢/ ٢٩٨).
(٢) صحيح البخاري (١٣٤٠)، صحيح مسلم (٩٧٩)، صحيح ابن حبان (٣٢٦٨).
(٣) صحيح ابن حبان (٨/ ٦٢).
[ ٣ / ١٤٤٤ ]
ولا يخلو مِن نَظَر؛ فإن التخصيص يَطرق العام ولا ينفِي كونه عامًّا، بل يصير عامًّا مخصَّصًا. وقد سبق نحو هذه الشبهة في كلام ابن الحاجب والجواب عنها، والله أعلم.
فائدة:
٦٠٩ - لِلشَّافِعِيِّ: تَرْكُ الِاسْتِفْصَالِ يُنْزَلُ [كَالْعُمُومِ في الْمَقَالِ] (^١)
٦١٠ - لَكِنْ لَهُ: وَقَائِعُ الْأَحْوَالِ إذَا تَطَرُّقٌ لِلاحْتِمَالِ
٦١١ - فِيهَا، [اكتَسَتْ] (^٢) ثَوْبًا مِنَ الْإجْمَالِ وَسَقَطَ الْأَخْذُ بِالِاسْتِدْلَالِ
٦١٢ - وَالْجَمْعُ قَالَ شَيْخُنَا: في الْأُولَى لَفْظٌ وَذِي فِعْلٌ، فَهَذَا الْأَوْلَى
الشرح:
هذه أيضًا مِن المواضع التي يبحث عن اقتضاء العموم فيها، ومَن يُثبته يجعله نوعًا خارجًا عما سبق من صيغ العموم.
وإنَّما أفردته بالترجمة؛ لأنه من أصول إمامنا الشَّافعي الذي ذكره بأبلغ عبارة وأجمعها. وله عبارة أخرى ربما تُوهِم مخالفتها، فأوضحتها، وبيَّنتُ أنَّه لا تنافي بينهما على المرجَّح.
فأما العبارة الأولى فقد اشتهرت عنه ونقلها إمام مذهبه إمام الحرمين، وهي: "تَرْك الاستفصال في وقائع الأحوال مع قيام الاحتمال - يُنَزَّل مَنزلة العموم في المقال".
ومعناها أن الشارع - ﷺ - إذا حَكم بأمر في واقعة اطَّلع عليها إما بسؤال سائل أو بغير ذلك وهي تحتمل وقوعها على وجه من وجهين أو وجوه، يكون ما حَكم به - ﷺ - عامًّا في كل محتملاتها، وكأنه تَلفَّظ بعمومه فيها.
_________________
(١) في (س، ت): في العموم كالمقال.
(٢) في (ض، من، ت): اكتسب.
[ ٣ / ١٤٤٥ ]
فمن ذلك: أن غيلان بن سلمة الثقفي أَسلم وعنده عشر نسوة، فقال له النبي - ﷺ -: "أمسك أربعًا، وفارق سائرهن" (^١). رواه الشَّافعي من حديث معمر، عن الزُّهْريّ، عن سالم، عن أبيه. وكذا التِّرمِذي بلفظ: "فأمره النبي - ﷺ - أن يختار منهن أربعًا ويترك سائرهن" (^٢). ورواه أيضًا ابن ماجة والبيهقي، وأخرجه ابن حبان والحاكم.
وما نقله التِّرمِذي عن البخاري - من كونه غير محفوظ من تلك الجهة - يُعارضه تصحيح الأئمة له وما له من الشواهد.
واعلم أنَّه وقع في "النهاية" للإمام وتبعه الغزالي في "وسيطه" وفي "المستصفى" وتبعه الإمام الرازي في "المحصول" وكثير من أتباعهما وبعض "شراح البيضاوي" وافقهم أن صاحب هذه الواقعة ابن غيلان.
وهو غلط؛ فليس في الصحابة ابن غيلان.
نعم، في الرواة ابن عيلان (بالمهملة)، وهو قيس بن عيلان بن مضر، وزفر بن عيلان. وكأن هذا هو الحامل لابن الحاجب بعد قوله في "المختصر": (إنه ابن عيلان). ضبطه بخطه بالمهملة، ذكره في باب "الظاهر والمؤول" في التأويلات البعيدة.
فأخذ الشَّافعي من هذا الحديث أن الكافر إذا أسلم على أكثر من العدد الشرعي، عليه أن يختار العدد الشرعي من الكل ولو مع تأخُّر العقد عليهن عن المتروكات (^٣)؛ لعدم
_________________
(١) صحيح ابن حبان (٤١٥٧)، سنن البيهقي الكبرى (١٣٨١٩) وغيرهما. قال الألباني: صحيح. (التعليقات الحسان: ٤١٤٥).
(٢) سنن التِّرمِذي (١١٢٨)، سنن ابن ماجة (١٩٥٣) وغيرهما. قال الألباني: صحيح. (صحيح سنن التِّرمِذي: ١١٢٨).
(٣) يعني: التي اختارها كان عقد نكاحها متأخِّرًا عن عقد التي تركها.
[ ٣ / ١٤٤٦ ]
استفصال النبي - ﷺ - عن كونه عقد على الكل مغا أو مرتَّبًّا؛ تنزيلًا لذلك منزلة التنصيص على عمومه في الأحوال كلها، وإلَّا لكان تأخيرًا للبيان عن وقت الحاجة.
ونحو ذلك: ما رواه أَبو داود عن هُشَيم، عن ابن أبي ليلى، عن [حُمَيْضَة] (^١) بنت الشمردل، عن قيس بن الحارث: "أَنَّهُ أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ ثَمانِ نِسْوَة، فأمره النبي - ﷺ - أن يختار أربعًا" (^٢). وإسناده حسن، وله إسناد آخر يَقوى به.
وأخرج البيهقي بسنده عن عروة بن مسعود قال: (أَسْلَمْتُ وَتَحْتِي عَشر نِسْوَة، أربع منهن من قريش، إحداهن بنت أبي سفيان، فقال لي النبي - ﷺ -: "اخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا وَخَلِّ سَائِرَهُنَّ"). قال: (فَاخْتَرْتُ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا، منهن ابنة أَبِي سُفْيَانَ) (^٣). رجاله ثقات إلَّا أن فيه إرسالًا.
وروى الشَّافعي والبيهقي بسند غير قوي من حديث عمرو بن الحارث، عن نوفل بن معاوية، قال: (أَسْلَمْتُ وَتَحْتِي خَمْسُ نِسْوَة، فسألت رسول الله - ﷺ -، فقال: "فَارِقْ وَاحِدَةً، وَأَمْسِكْ أَرْبَعًا"). قال: (فَعَمَدْتُ إِلَى أَقْدَمِهِنَّ عِنْدِي عَاقِر مُنْذُ سِتينَ سَنَةً، فَفَارَقْتُهَا) (^٤).
_________________
(١) في جميع النسخ: خميصة. والصواب: حميضة.
(٢) سنن أبو داود (٢٢٤١)، سنن ابن ماجة (١٩٥٢). قال الألباني: صحيح. (صحيح أبي داود: ٢٢٤١).
(٣) سنن البيهقي الكبرى (١٣٨٣٣). قال الألباني في (إرواء الغليل: ١٨٨٣): (أخرجه الحافظ ابن المظفر .. والبيهقى .. والضياء المقدسى .. من طريق محمد بن عبيد الله، عن عروة، به، وقال المقدسى: رجاله ثقات، إلَّا أن عروة الثقفى قتلته ثقيف فى زمان رسول الله - ﷺ -، ومحمد بن عبيد الله لم يدركه).
(٤) مسند الشَّافعي (ص ٢٧٤، رقم: ١٣١٦)، سنن البيهقي الكبرى (١٣٨٣٥). قال الألباني: ضعيف. (إرواء الغليل: ١٨٨٤).
[ ٣ / ١٤٤٧ ]
وكذا عمم الشَّافعي الحكم في الأختين؛ لحديث فيروز الديلمي أنَّه أسلم وتحته أختان، فقال له النبي - ﷺ -: "اختر أيتهما شئت" (^١). رواه أحمد والتِّرمِذي وابن ماجة.
وخالف أَبو حنيفة في جَعْلِ ترك الاستفصال كالعام، وقال: إنه لم يقع في الواقعة إلَّا حالة واحدة، فإنْ دَلَّ على خصوص حاله دليل، فهو، وإلَّا [فمُجمَل] (^٢) إلى قيام دليل على كيفية الوقوع. ووافقه أصحابه سوى محمد بن الحسن؛ فإنه استحسن مقالة الشَّافعي.
ثم أوَّل أصحابه هذه الأحاديث إما على أنَّه - ﷺ - علم أن عَقد كل واحد ممن خَيَّره كان على كل نسائه معًا، لا مُرتَّبًا، وإما أنَّه مُرتَّب ولكن قوله له: "أمسك أربعًا" معناه: ابتدئ نكاح أربع. أو أن المراد: اختر أربعًا أوائل، أو غير ذلك من التأويلات البعيدة.
والقول بالعموم أقرب من ذلك كله؛ فقد كان من عادته - ﷺ - أن يستفسر في القضايا؛ حتَّى لا يدع ريبةً ولا إشكالًا.
ففي قصة ماعز لما قال: (زنيت)، قال له: "كيف كذا؟ أَبِكَ جنون؟ هل أحصنت؟ " (^٣). وغير ذلك من السؤالات الواقعة في حديثه في "الصحيحين" وغيرهما. وفي "البخاري": "لعلك قَبَّلْتَ أو غَمَزتَ" (^٤).
وفي ابن حبان: "هل تدري ما الزنا" (^٥).
_________________
(١) سنن التِّرمِذي (١١٢٩)، سنن ابن ماجة (١٩٥١). قال الألباني: حسن. (صحيح سنن التِّرمِذي: ١١٢٩).
(٢) كذا في (ص، ق)، لكن في (س): فمحتمل.
(٣) صحيح البخاري (رقم: ٦٤٣٠)، صحيح مسلم (رقم: ١٦٩١).
(٤) صحيح البخاري (رقم: ٦٤٣٨).
(٥) صحيح ابن حبان (٤٣٩٩)، سنن أبي داود (رقم: ٤٤٢٨)، سنن النَّسائي الكبرى (٧١٦٥) وغيرها.=
[ ٣ / ١٤٤٨ ]
وفي حديث: علقمة بن وائل في "مسلم" في الرجل الذي جاء يقود آخر بنَسعَة وقال: هذا قتل أخي. فقال: "أقتلته؟ " قال: نعم. قال: "كيف قتلته؟ " فذكر له كيف وقع (^١).
وفي حديث المجامع في رمضان: "هل تجد؟ هل تجد؟ " (^٢).
وفي حديث بيع الرطب بالتمر لَمَّا سُئل عنه، صححه التِّرمِذي وغيره: "أينقص الرطب إذا جف؟ " (^٣).
وغير ذلك مما لا ينحصر، مع أن بعضه ليس فيه حد ولا قصاص حتَّى يُدَّعى أن الاستفسار إنما هو للاحتياط فيهما.
ومما يُبعِد نفي القول بالعموم: كيف يخاطِب النبي - ﷺ - بالتخيير مَن هو متجدد في الإسلام وغريب مِن غير سبق بيان لشرائط النكاح مع أن الحاجة داعية إليه؛ لِقُرب عهده بالإسلام؟ "
وأَبْعَد منه أنَّه - ﷺ - كان يعرف كُلَّ حالة مِن حالات كل مَن خَيَّره، ولأن العقود فيها وقَعَت معًا، أو يعرف القديمات مِن الجديدات، ويصرح بالاختيار ومراده التعيين للقديمات، لاسيما وحديث الأختين فيه: "اختر أيتهما شئت"، فعلَّق بمشيئته. وتقريره مَن عمد إلى أقدم مَن عنده ففارقها واختار غيرها، وأنه فَهِم ذلك من قوله قوله: "اختر من شئت" الذي
_________________
(١) = قال الألباني: ضعيف. (التعليقات الحسان: ٤٣٨٣).
(٢) صحيح مسلم (رقم: ١٦٨٠).
(٣) صحيح البخاري (رقم: ١٨٣٤)، صحيح مسلم (رقم: ١١١١).
(٤) شرح معاني الآثار (٤/ ٦، رقم: ٥٠٧٦). وهو في: سنن التِّرمِذي (رقم: ١٢٢٥)، سنن أبي داود (رقم: ٣٣٥٩) وغيرهما بلفظ: (أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذا يَبِسَ؟). قال الألباني: صحيح. (إرواء الغليل: ١٣٥٢).
[ ٣ / ١٤٤٩ ]
تضمنه قوله: "فَارِقْ وَاحِدَةً، وَأَمْسِكْ أَرْبَعًا".
فإن قيل: كيف يثبت العموم بغير صيغة؟
قيل: الشَّافعي إنما قال: (يُنزل منزلة العموم). وهذا كما قال في المشترك في كونه يُحمل على معانيه: (إنه كالعام)، ولم يَقُل: إنه عام.
نعم، هو عكس إخراج صيغة العموم عن عمومها بالقرينة (كما سبق في مسائل، وكما سيأتي) على رأْي في العام على سبب، لكن المرجَّح في الوارد على سبب أنَّه باقٍ على عمومه، يُفرَّق بينه وبين هذا بأن تخصيص العام أصعب من تعميم الخاص.
تنبيهات
الأول: قَيَّد إمام الحرمين وابن القشيري القول في ترك الاستفصال بالعموم بأن يظهر استبهام الحال على الشارع. فإن عُلم بحال الواقعة، نَزل جوابه على وَفْقها ولا عموم.
قال: (كما يجري كثير من الفتاوى على مثل ذلك).
قلتُ: هذا في الحقيقة بيان لصورة المسألة، لا تقييد. ألا ترى إلى قول الشَّافعي: (تَطرَّق إليها الاحتمال)؛ فإنَّ ما عَلِم به لم يَبْق فيه احتمال.
ونحو ذلك ما حكى الشيخ تقي الدين في "شرح الإلمام" عن بعضهم أنَّه زاد في القاعدة أنَّه عام في واقعة سُئل عنها ولم تقع بعد، فإنْ وَقَعت وعُلِم حالها فلا عموم، بل الجواب واقعٌ على ما علِم. وإن التبس علينا أَعَلِمَ؟ أو لا؟ فالوقف.
وذكر الأبياري هذه الأقسام الثلاثة، غير أنَّه قال في الثالث: (إنه إنْ عُلم استبهامه على النبي - ﷺ - بقرينة، فالحمل على العموم باتفاق، وإنْ لم يُعلم استبهامه عليه، فالالتفات إلى القيد الوجودي يمنع القضاء على الأحوال كلها، وهو مُدرك أبي حنيفة، والالتفات إلى
[ ٣ / ١٤٥٠ ]
الإطلاق في السؤال ونحوه يقتضي استيفاء الأحوال) (^١).
أي: وإلا لكان إطلاقًا في موضع التقييد، أو إبهامًا في موضع البيان المحتاج إليه.
الثاني:
قال الأستاذ أَبو منصور: وافقنا أهل الرأي على جَعْلِه كالعام في جنين الحرة حيث أوجب فيه - ﷺ - غرة عَبد أو أَمَة ولم يسأل أَذَكَر هو؟ أم أنثى؟
قال الحافظ العلائي: وكذا حديث أم سلمة في المرأة التي كانت تهراق الدماء، فاستفتت لها أم سلمة النبي - ﷺ -، فقال: "لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أنْ يُصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قَدْر ذلك" (^٢) الحديث. فأطلق الجواب باعتبار العادة مِن غير استفسار عن أحوال الدم، فكان مُقدَّمًا على التمييز.
لكن المرجَّح عندنا تقديم التمييز؛ لحديث فاطمة بنت أبي حبيش مرفوعًا: "دم الحيض أَسود يُعْرَف، فإذا كان ذلك، فأَمْسِكي عن الصلاة" (^٣) الحديث.
ومن الحمل على العموم: حديث الأعمى الذي كانت أم ولده تقع فيه - ﷺ -؛ فقتلها، فلما ذكر ذلك له - ﷺ -، قال: "اشهدوا أن دمها هدر" (^٤). فاحتج به المالكية على عموم تحتم قتل
_________________
(١) التحقيق والبيان في شرح البرهان (٢/ ٧ - ٩).
(٢) سنن النَّسائي (رقم: ٢٠٨)، سنن أبي داود (رقم: ٢٧٤) وغيرهما. قال الألباني: صحيح. (صحيح أبي داود: ٢٧٤).
(٣) سنن أبي داود (رقم: ٢٨٦)، سنن النَّسائي (٢١٥)، وغيرهما. قال الألباني: صحيح. (إرواء الغليل: ٢٠٤)
(٤) سنن أبي داود (رقم: ٤٣٦١)، سنن النَّسائي (٤٠٧٠)، وغيرهما. قال الألباني: صحيح. (صحيح أبي داود: ٤٣٦١).
[ ٣ / ١٤٥١ ]
المتعرض لجنابه - ﷺ - ولو تاب؛ لأنه لم يستفسره، وكذلك قال أحمد؛ لأنه لم يسأل سيدها هل استتابها فتابت؟ أو لا؟ فيعُم وجوب القتل الحالين.
الثالث:
تقرير النبي - ﷺ - في الواقعة بمنزلة صريح جوابه حتَّى يكون عامًّا، كما قال ابن دقيق العيد: إن الأقرب تنزيله على ذلك؛ طردًا للقاعدة، ولإقامة التقرير مقام الحكم عند الأصوليين.
و[هكذا الحديث] (^١): "إنَّا نركب البحر ومعنا القليل من الماء، فإنْ توضأنا به، عطشنا" (^٢) يستدل به على أن إعداد الماء الكافي للطهارة بعد دخول الوقت مع القدرة عليه غير لازم؛ لأنهم أخبروا أنهم يحملون القليل من الماء، وهو محتمل أن يكون للعجز وأن يكون مع القدرة، ولم ينكر عليهم؛ فَيَعُم؛ لترك الاستفصال.
الرابع:
إذا ثبت عمومه، فقد يَطرقه التخصيص، وقد يُخصَّص به ما هو أعم منه:
فالأول: كحديث المرأة التي أراد زوجها أن يأخذ منها ابنها، فقال لها: "أنتِ أحقُّ به ما لم تنكحي" (^٣). ولم يُفصِّل بين سِن وسِن؛ فيُخَص بحديث الذي خيَّره فيه؛ لتمييزه.
_________________
(١) في (ت): هذا كحديث. وفي (ش): هكذا كحديث.
(٢) سنن أبي داود (رقم: ٨٣)، سنن التِّرمِذي (٦٩)، وغيرهما. قال الألباني: صحيح. (صحيح أبي داود: ٨٣).
(٣) مسند أحمد (٦٨٩٣)، سنن أبي داود (رقم: ٢٢٧٦) وغيرهما. قال الألباني: حسن. (صحيح أبي داود: ٢٢٧٦).
[ ٣ / ١٤٥٢ ]
والثاني: كحديث "إنَّ أُمي توفيت، أفينفعها إنْ تَصدقت عنها؟ قال: نعم" (^١). ولم يستفسره هل أوصت بذلك؟ أوْ لا؟ فيُخَص به - مع عمومه - حديث: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلَّا من ثلاث" (^٢) الذي هو أعم من الصدقة وغيرها.
الخامس:
قد يُستشكل على الشَّافعية عدم العمل بعموم إيجابه - ﷺ - الكفارة على المجامع في رمضان (^٣) ولم يستفسره عن كونه مُقيمًا أو مُسافرًا، عامدًا أو ناسيًا، مفسدًا بالجماع أو لا، ونحوه مما قُيِّد به إيجاب الكفارة.
وجوابه: أن ذلك مفهوم من قوله: (هلكت وأهلكت)، فإنه يدل على اجتماع الشروط.
وكُل موضع يُتخَيل فيه المخالفة إذا تأمله المنصف، يجد فيه قرينة المنع من العموم.
السادس:
إذا كان بعض حالات الواقعة نادرًا، فقضية كلام المقترح أنَّها لا تدخل في العموم، لأن العموم فيها ضعيف.
لكن الظاهر الدخول إذا قلنا بدخول النادر تحت اللفظ العام. بل قيل: يدخل قطعًا؛ لجواز أن يكون هو الواقع في الواقعة.
نعم، قضية كلام الرافعي أيضًا عدم الدخول؛ إذْ قال في اختلاع الحائض لَمَّا استدل
_________________
(١) صحيح البخاري (رقم: ٢٦٠٥)، سنن أبي داود (رقم: ٢٨٨٢)، سنن التِّرمِذي (٦٦٩) وغيرهما.
(٢) سنن التِّرمِذي (رقم: ١٣٧٦)، سنن النَّسائي (٣٦٥١)، وغيرهما. قال الألباني: صحيح. (صحيح سنن التِّرمِذي: ١٣٧٦).
(٣) سبق تخريجه.
[ ٣ / ١٤٥٣ ]
بقصة امرأة ثابت في خلع الحائض: (إن الحيض ليس بأمر نادر) (^١).
فإن مفهومه أنَّه لو كان أمرًا نادرًا، لَمْ يَعُمه الحكم.
وقال ابن دقيق العيد في حديث سبيعة الأسلمية لما أخبرته بوضع حملها، قالت: "فأفتاني أني قد حللت حين وضعت حملي، وأمرني بالتزويج إنْ بَدَا لي" (^٢): (إن بعضهم استدل به على انقضاء العدة بوضع الحمل على أي وجه كان، مُضغة أو عَلَقة، استبان فيه التخلق أم لا؛ لعدم الاستفصال).
قال: (وهو ضعيف لأن الغالب هو الحمل التام المتخلق، ووضع العَلَقة والمضغة نادر).
قال: (وإنَّما تقوى القاعدة حيث لا يترجح بعض الاحتمالات على بعض) (^٣). انتهى
وقولي: (لَكِنْ لَهُ: وَقَائِعُ الْأَحْوَالِ) إلى آخره - إشارة إلى أن للشافعي عبارة أخرى نُقِلت عنه وهي أيضًا مما يليق بفصاحته - ﵁ -، ظاهرها مُخَالَفَةُ ما سبق، وهي: "وقائع الأحوال إذا تَطرق إليها الاحتمال، كساها ثوب الإجمال، وسقط بها الاستدلال".
فإنَّ مفهومها أن المحتمِلَ من الوقائع لوجهين أو وجوه - مُجْمَلٌ، لا عام؛ لتعارض الاحتمالات من غير ترجيح.
قال القرافي: (سألت بعض الفضلاء الشَّافعية عن ذلك فقال: يحتمل أن يكون للشافعي قولان فيه).
ثم جمع القرافي بينهما بطريقين:
_________________
(١) العزيز شرح الوجيز (٨/ ٤٨٣).
(٢) صحيح البخاري (رقم: ٣٧٧٠)، صحيح مسلم (رقم: ١٤٨٤).
(٣) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (٢/ ١٩٥).
[ ٣ / ١٤٥٤ ]
(أحدهما: أن الأُولى فيما ضَعُف احتماله؛ لأن الاحتمال الضعيف لا يؤثر في دلالة الظواهر؛ لأنها لا تخلو عن احتمال. والثانية فيما قَوِيَ فيه الاحتمال بحيث ساوى الباقي أو قاربَه.
الثاني: أن الأُولى إذا كان الاحتمال في محل الحكم، والثانية فيما إذا كان في دليل الحكم.
فالأول: كقصة غيلان؛ لأن الاحتمال في النسوة، ونحوه: ﴿فَتَحْرِيْرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣] يحتمل أن تكون سوداء أو بيضاء وغير ذلك من الأوصاف.
والثاني: كحديث: "فيما سقت السماء العشر" (^١)، يحتمل أن يراد به عموم ما فيه الزكاة حتَّى من الخضروات، ويحتمل أنَّه سِيق لبيان قَدْر المخرج؛ لأن اللفظ إذا خرج لمعنى، لا يُحتج به في غيره. وكحديث المُحْرِم الذي وقع عن راحلته، فقال - ﷺ -: "لا تمسوه طِيبًا، ولا تُخمِّروا رأسه" (^٢) يحتمل أن يختص به وأنْ يَعُم كل محُرم) (^٣). انتهى
وضُعِّفَ الفرقان:
- بأن الاحتمال وإن ضَعُف فهو داخل في العموم، فيحتمل أنَّه المراد دون غيره، فهو - في ذلك - والقوي سواء.
- وأنَّ المحرم الذي مات: الاحتمال فيه في محل الحكم، بل غالب وقائع الأعيان الاحتمال فيها في محل الحكم، لا في دليله.
وجمع الأصفهاني في "شرح المحصول" بأجود من طريقي القرافي، و[كذلك] (^٤) الشيخ
_________________
(١) صحيح البخاري (١٤١٢).
(٢) صحيح البخاري (رقم: ١٢٠٨)، وفي صحيح مسلم (رقم: ١٢٠٦).
(٣) نفائس الأصول (٢/ ٥٣٧ - ٥٣٨)، شرح تنقيح الفصول (ص ١٨٧).
(٤) كذا في (ص، ق)، لكن في (س): لم يذكر.
[ ٣ / ١٤٥٥ ]
تقي الدين ابن دقيق العيد في "شرح الإلمام" والشيخ تقي الدين السبكي في "باب ما يحرم من النكاح" من"شرح المنهاج"، وهو أن:
الأُولى: فيما إذا كان فيه لفظ للنبي - ﷺ -، كقوله - ﷺ - لغيلان: "أمسك أربعًا" على رواية مَن روى قوله: "أمسك أربعًا وفارق سائرهن" (^١). وكذا في باقي الذين أسلموا كما تَقدم.
والثانية: فيما إذا لم يكن له فيها قول، بل حُكي فِعله فقط، نحو: "قضى بالشفعة للجار" (^٢). وسبق منه طائفة في مسألة الفعل المثبَت.
وإنَّما كان كذلك، لأن العموم من عوارض اللفظ قطعًا، وفي المعنى خلاف كما سبق أول الباب، فأمكن أن يحال عليه العموم.
نعم، سبق أنَّه ينبغي أن يكون تقرير النبي - ﷺ - في ذلك كقوله. وقد ذكرنا في " [باب] (^٣) السُّنة" أن التقرير هل هو من قبيل القول؟ أو الفعل؟ فإنما يأتي حمله على العموم إذا قلنا أنَّه كالقول.
وإلى هذا الجمع الثالث أشرت بقولي: (وَالْجَمْعُ قَالَ شَيْخُنَا) إلى آخره، إشارة إلى أن شيخنا شيخ الإسلام أبا حفص البلقيني قال: (إن هذا هو الأَولى في الجمع بين عبارتَي الشَّافعي).
فقولي: (في الْأُولَى) في شَطر البيت بضم الهمزة، أي: العبارة الأُولى.
وقولي في آخِر البيت: (الْأَوْلَى) بفتح الهمزة، أي: الأَرجَح.
وإنما تَعرضتُ لذلك؛ لِمَا كان شيخنا عليه من الاعتناء بنصوص الشَّافعي وممارسة
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) في (س، ت): كتاب.
[ ٣ / ١٤٥٦ ]
كلامه.
تنبيهات
الأول: وقع في عبارة الشيخ تقي الدين في "شرح المنهاج" أن الاستدلال في العبارة الأُولى بقول الشارع وعمومه.
وقد يُستشكل بأن محل الخلاف حيث لا يكون ثَمَّ لفظ عام، إلَّا أن يقال: مراده بِـ "قوله وعمومه " على تقدير أن يُجعل عامًّا كما قررناه، لا أن يكون صيغته صيغة عموم.
نعم، قيل: في حديث: "اختر أيتهما شئت" صيغة عموم، وهي "أي" الموصولة.
لكن سبق أن "أيًّا" الموصولة لا عموم فيها. وبتسليم أن يكون فيها عموم فهو من جهة المرأتين، لكن يحتمل أن يكون في حالة نكاحهما مرتبًا أو معًا؛ ولهذا أدخلوه في محل الخلاف.
وأيضًا فعموم الشمول فيه متعذر، إنما عمومه عموم بدل، وإلا لجاز الجمع، وقد قال تعالى في المحرَّم: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣].
الثاني: في ذكر أمثلة - غير ما سبق - تتمهد بها العبارتان، فمنها:
مِن الأولى: حديث ابن عمر في "الصحيحين": أن رسول الله " - ﷺ - أتاه رجل وهو واقف عند الجمرة، فقال: يا رسول الله، حلقت قبل أن أرمي. فقال: "ارْمِ ولا حرج". وأتاه آخَر، فقال: ذبحتُ قبل أن أرمي. فقال: "ارْمِ ولا حرج". وأتاه آخر، فقال: أفضت قبل أن أرمي. فقال: "ارْمِ ولا حرج" (^١). وفي حديث ابن عبَّاس نحوه.
فقوله: "ولا حرج" شامل للعمد والسهو والعِلم والجهل وغير ذلك من الحالات، وأما
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ٣ / ١٤٥٧ ]
الحديث الذي فيه: "لم أَشْعُرْ، ففعلت كذا" (^١) فتلك واقعة أخرى.
ويكون الأمران مِن ذِكر بعض أفراد [العام] (^٢)، لا أنَّه من المطلق والمقيد فيتقيد بحالة عدم الشعور.
ومنها: حديث الذي كان على خيبر، فأتى النبي - ﷺ - بِتَمْرٍ جَنِيبٍ، فقال له - ﷺ -: "أَكُل تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟ " (^٣). الحديث. وقال له فيه: "لَا تَفْعَلْ، بِعْ الجْمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ اشْتَرِ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا". رواه البخاري. فاحتج به الشَّافعية والحنفية على الجواز، قَبِض أو لم يَقبِض؛ لعدم الاستفسار.
ومنها: حديث ثابت بن قيس: "خذ الحديقة، وطلقها تطليقة" (^٤). ولم يفصل بين أن تكون حائضا أو لا. وقد سبق، ونحو ذلك، وهو كثير.
ومن الثانية:
حديث؛ "أنَّه كان يغتسل هو وبعض أزواجه من إناء واحد تختلف أيديهما" (^٥) محتمل لكونه مع رشاش ودونه.
ومع الرشاش محتمل أن الواقع قُدِّر، لو قُدِّر مخالفًا لغَيَّر أوْ لا.
والإناء صغير، أو ما فيه قُلَّتان.
_________________
(١) صحيح البخاري (رقم: ٨٣)، صحيح مسلم (رقم: ١٣٠٦).
(٢) في (ص، ق): العموم.
(٣) صحيح البخاري (رقم: ٢٠٨٩)، صحيح مسلم (رقم: ١٥٩٣)، واللفظ للبخاري ولكن بـ (ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيًا).
(٤) صحيح البخاري (رقم: ٤٩٧١) بلفظ: (اقْبَل الحْدِيقَةَ، وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَة).
(٥) صحيح البخاري (رقم: ٢٥٨).
[ ٣ / ١٤٥٨ ]
وأيضًا فيحتمل أن تتأخر يده - ﷺ - عنها أو يدها حتى يُستدل به على الأول للطهارة بفضل مائِها أو لا؛ ولذلك جاء في حديث عائشة أنها قالت: "أَبْقِ لي، أَبْقِ لي". ولم يَرِد أنه قال لها: أَبْقِي لي، أَبْقي لي.
ومنها: ما روي "أن زنجيًّا وقع في بئر زمزم؛ فمات، فأمر ابن عباس بأن تُنزح" (^١).
فاستدل به الحنفية على تنجيس الماء الذي بلغ قُلتين وإنْ لم يتغير، بل بمجرد الملاقاة.
وأجاب الشافعي بأنه قد يكون الدم ظهر وغَيَّر، ويحتمل أن نزحها كان [تنظيفًا] (^٢)، لا لأجل التنجيس، وأن يكون احتياطًا؛ لاحتمال التغير؛ فلا يتعيَّن كونه للتنجيس بمجرد الملاقاة.
إلى غير ذلك، وقد ذكر الحافظ العلائي في قواعده طائفة مِن الأمثلة.
الثالث:
قولي: (إذَا تَطَرُّقٌ) أي: إذا حصل أو وُجد؛ لأن "إذَا" تختص بالجُمَل الفعلية.
وقولي: (سَقَطَ الْأَخْذُ بِالِاسْتِدْلَالِ) أي: سقط الأخذ للحُكم منها بسبب الاستدلال؛ فإنه لا دليل فيها؛ لإجمالها. والله أعلم.
* * *
(تَمَّ بِعَوْن الله تعالى الجزءُ الثالث، وَيلِيه الجزء الرابع، وأوله: التخصيص)
_________________
(١) سنن الدارقطني (١/ ٣٣) بلفظ: (أَنَّ غُلامًا وَقَعَ فِي بِئْرِ زَمْزَمَ؛ فَنُزِحَتْ). وفي تاريخ ابن أبي خيثمة (١/ ٢٨٩، رقم: ٩٨١) بلفظ: (إِنَّ إِنْسَانًا وَقَعَ فِي بِئْرِ زَمْزَمَ، فَمَاتَ، فَأَمَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِالْعُيُونِ فَسُدَّتْ وَأَنْ يُنْزَحَ الْمَاءُ).
(٢) في (ص، ق): تطييبًا.
[ ٣ / ١٤٥٩ ]
التخصيص
٦١٣ - الرَّسْمُ في "التَّخْصِيصِ" قَصْرُ مَا يَعُمْ في بَعْضِهِ وَلَوْ عَلَى فَرْدٍ يَلُمْ
٦١٤ - إلَّا إذَا كَانَ الْعُمُومُ جَمْعَا فَذَا أقَلُّهُ ثَلَاثٌ وَضْعَا
٦١٥ - مَا لَمْ يَكُنْ لِكَثْرَةٍ فَزَائِدُ عَشَرَةٍ مَا لَمْ يَنُبْ فَعَائِدُ
الشرح:
لما انتهى الكلام في العموم وصِيَغه، شرعتُ في مُقابِلِه وهو الخصوص.
فالخاص في الابتداء أمره ظاهر، وإنما النظر فيما كان عامًّا ثم صار خاصًّا بدليل، فهذا يتوقف معرفته على بيان التخصيص والمخصَّص (بالفتح) والمخصِّص (بالكسر).
فأما "التخصيص" فرسْمه كما أشرتُ إليه في النَّظم: قَصْر العام على بعض أفراده.
فخرج تقييدُ المطلق؛ لأنه قَصْر مُطْلَق لا عام، كَ ﴿رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢].
وكذا الإخراجُ من العدد، كَـ "عشرة إلا ثلاثة" ونحو ذلك.
ودخل في العام:
- ما عمومه باللفظ، نحو: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] قُصِر بالدليل على غير الذمي ونحوه ممن عُصِمَ بأمان.
- وما عمومه بالمعنى، كقصر عِلة الربا في بيع الرطب بالتمر -مثلًا- بأنه "ينقص إذا جَف" على غير العرايا، وكقَصْر مفهوم الموافقة في نحو: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] على غير حبس الأصل في دَين الفرع على قول الغزالي بجوازه، وإنْ كان المرجَّح في المذهب ما صححه البغوي وغيره مِن المنع. وكقَصْر مفهوم المخالفة في نحو: "إذا بلغ الماء
[ ٤ / ١٤٦٦ ]
قلتين، لم يحمل الخبث" (^١) على غير ما وقع فيه ميتة لا نَفس لها سائلة، وشبه ذلك.
تنبيهات
الأول: المراد مِن قَصْرِ العام قصرُ حُكمه، وإنْ كان لفظ العام باقيًا على عمومه لكن لفظًا لا حُكمًا؛ فبذلك يخرج إطلاق العام وإرادة الخاص؛ فإنَّ ذلك قَصْر دلالة لفظ العام، لا قصر حُكمه. وسيتضح ذلك بما سيأتي مِن كون التخصيص إخراجًا مِن الحكم، لا مِن لفظ "العام"، ومِن الفرق بين العام المخصوص والعام المراد به الخصوص، وأن دلالةَ الأولِ على باقي الأفراد حقيقةٌ (على المرجَّح)، والثاني مجاز قطعًا.
ولهذا قال البيضاوي عقب تعريف "التخصيص" وتبعه في "جمع الجوامع": إنَّ القابل للتخصيص حكم ثبت لمتعدد (^٢).
ولكن استُشكِل عليه بأنه يشمل العدد والجمع المنكَّر، والتخصيص إنما هو للعام، ولا عموم فيهما.
وقد أجاب في "منع الموانع" عن الأول: بأنَّ مدلول اسم العدد واحد، والتعدد إنما هو في المعدود.
ومراده بذلك أنَّ مدلول العدد كلٌّ مجموعيٌّ، فهو مفرد ذو أجزاء، بخلاف العام؛ فإن مدلوله جزئيات متعددة؛ لأنه كُلي كما سبق، والحكم فيه كُلية.
وعن الثاني: (بأنَّ الجمع المنكَّر إنِ اقترن بما يقتضي عمومه كـ "أل" أو "النفي" أو نحوه
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) منهاج الوصول (ص ١٧٤) بتحقيقي، جمع الجوامع (٢/ ٣٣) مع حاشية العطار.
[ ٤ / ١٤٦٧ ]
فواضح؛ لأنه عام، وإن لم يقترن بذلك وقُلنا: لا عموم فيه في الإثبات، فهو عام باعتبار قابليته لِأنْ يكون عامًّا بِشَرْطه. فقبوله لتخصيص حُكمه لذلك) (^١). انتهى
وفي الأخير نظر؛ لأن المفرد كَ "رجُل" كذلك، فيكون متعددًا بالقابلية، ولكنه حقه أن يزيد في الجواب بأنَّ الجمع المنكَّر إذا لم يكن عامًّا، فتعدده تَعدُّد أجزاء، لا جزئيات كما قُلنا بنحوه في العدد.
ولا يقال: فيه عموم بدلي، فيتعدد باعتباره.
لأنَّا نقول: عندما يكون دالًّا على فرد لا يكون دالًّا على آخَر؛ فلا تَعدُّد، وإلا يَلزم أن يكون نحو: "رجُل" في الإثبات متعدد المعنى، وهو باطل.
نعم، كَوْن الإخراج مِن الحكم لا مِن اللفظ سيأتي إيضاحه.
وقد تبين بذلك المخصَّص (بفتح الصاد)، وأنه العام بمعنى حُكمه، لا لفظه، فاعلمه.
الثاني:
قد يقال: يَرِد على تعريف "التخصيص" بما ذُكِر أن النادر وغير المقصود داخل لا العموم على المرجَّح كما سبق، وقَصْر العام عليهما ليس تخصيصًا شرعيًّا، خلافًا للحنفية.
فلذلك ضُعِّفَ تأويلهم حديث: "أيما امرأة نكحت نفسها" بالحمل على المكاتبة أو المملوكة -بأنه نادرٌ؛ فلا يُقصَر الحكم عليه.
فالجواب: أن المراد أنه مع ندوره لا يكون فيه دليل على تخصيص العام بذلك.
الثالث: أورد القرافي دخول النسخ لبعض أفراد العام باعتبار كون تخصيصها إنما ورد بعد دخول وقت العمل كما سيأتي إيضاحه.
_________________
(١) منع الموانع (ص ١٨٠ - ١٨١)، الناشر: دار البشائر الإسلامية.
[ ٤ / ١٤٦٨ ]
وقد يجاب بأن الكلام في عامٍّ باقٍ على أن دلالته على فرد فرد ظاهرة، لا نص. وبعد وقوع العمل يصير كالنص على كل فرد فرد؛ فلذلك كان نسخًا.
الرابع: قد يورَد على تعريف "التخصيص" أنه إنما يكون تخصيصًا بدليل، فَلِمَ لا قيل: قَصْر العام بدليل؟
وجوابه: أن الكلام في التخصيص الشرعي، فالتقدير: قَصْر الشارع العام على بعض أفراده. فأُضيف المصدر إلى مفعوله وحُذف الفاعل؛ لِلعِلم به؛ ولأجل ذلك لم أتعرض لكون تخصيص العام جائزًا؛ استغناءً بِذكر جوازه إلى واحد أو كذا إلى آخِر ما سيأتي.
وقد تَعرض ابن الحاجب وغيره لحكاية الخلاف في جواز تخصيص العام، فقال: (التخصيص جائز إلا عند شذوذ) (^١).
وأراد بذلك أن العام سواء كان أمرًا أم نهيًا أم خبرًا يجوز أن يَطرقه التخصيص ولو كان مؤكدًا بِـ"كل" ونحوها، إلا أن قومًا شذوا فمنعوه مطلقًا - وكذا حكاه الإمام الرازي وأتباعه.
لكن مقتضى إيراد الشيخ أبي حامد وسليم والشيخ أبي إسحاق وابن الصباغ وابن السمعاني وأبي الحسين والآمدي أن الخلاف إنما هو في تخصيص العام إذا كان خبرًا، لا أمرًا أو نهيًا، فإنه جائز بلا خلاف.
لنا: ورود ما هو مخصوص قطعًا، نحو: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦]، ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥]، ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: ٥٧]، ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]، ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٤].
وفي الأمر: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، وفي النهي: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى
_________________
(١) مختصر المنتهى (٢/ ٢٣٥) مع بيان المختصر.
[ ٤ / ١٤٦٩ ]
يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] مع أن بعض القربان غير منهي قطعًا.
بل قالوا: لا عام إلا وطَرقَه التخصيص، إلا مواضع يسيرة عقد الشافعي في "الرسالة" لها بابًا، وسيأتي بيانها.
وأما "العام" إذا أُكِّد، فلا يمتنع تخصيصه على أصح قولين للعلماء، حكاهما الماوردي والروياني في "باب القضاء"، ونقل القول بالمنع أيضًا أبو بكر الرازي عن بعضهم، وجزم به المازري، مستندين إلى أن التأكيد لنفي المجاز.
ولهذا وقع الجواب في قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] على قراءة نَصْبِ "كُلَّه"؛ لأنه لو لم يكن معيِّنًا للعموم، لَمَا وقع جوابًا لمن قال: ﴿هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [آل عمران: ١٥٤].
ولكن الأصح نعم، بدليل: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ [الحجر: ٣٠ - ٣١] إذا قُدِّر متصلًا، وفي الحديث: "فأحرموا كلهم إلا أبو قتادة" (^١).
وفي "البرهان" لإمام الحرمين أن الجواز قضية كلام الأشعري. وصرح به القفال الشاشي والماوردي والروياني.
بل ظاهر كلام الهندي في "باب النسخ" أنه إجماع.
قولي: (وَلَوْ عَلَى فَرْدٍ يَلُمْ) إشارة إلى القَدْر الذي ينتهي إليه التخصيص ويبقى العام مقصورًا عليه، وأنه إنْ كان العام بصيغة غير الجمع وما في معناه فيجوز إلى واحد، وإنْ كان جمعًا أو ما في معناه فيجوز إلى أقَل الجمع. وهذا هو أرجح المذاهب كما سنذكره، وحينئذٍ فيُحتاج إلى معرفة "أَقَل الجمع" ما هو إذا كان جمع قِلة أو كثرة؟
_________________
(١) صحيح البخاري (رقم: ١٧٢٨)، صحيح مسلم (رقم: ١١٩٦).
[ ٤ / ١٤٧٠ ]
فيتوجه الكلام إلى أمرين:
ما ينتهي إليه التخصيص، [و] (^١) بيان أقَل الجمع.
فالأول: فيه مذاهب:
أحدها: المختار -وهو رأي القفال الشاشي- أنه يجوز التخصيص إلى أن ينتهي إلى أقَل المراتب التي ينتهي إليها ذلك العام الذي قد خُصَّ.
فإن لم يكن جمعًا ولا في معنى الجمع كَـ "مَن" و"ما" و"أين" ونحو ذلك، فإلى أن يبقى واحد.
وإنْ كان جمعًا كَـ "الرجال" أو ما في معناه كَـ "النساء" و"القوم" و"الرهط" ونحو ذلك، فإلى أن يبقى أقَل ما ينطلق عليه الجمع أو ما في معناه.
وعلى هذا فيُفَصَّل في الجمع:
فإنْ كان جمع قِلة فإلى ثلاثة أو اثنتين على الخلاف الآتي في أقَل الجمع.
وإنْ كان جمع كثرة أو ما في معنى الجمع إذا لم يُقيِّد أهل العلم أقَله بشيء فإلى أحد عشر.
بل حكى قوم الاتفاق في إبقاء واحد إذا لم تكن الصيغة جمعًا أو معناه. فقال الأستاذ أبو إسحاق: (إنه لا خلاف في ذلك). وحكى القاضي عبد الوهاب عنه أنه ألحق أسماء الأجناس -كَـ "السارق" و"السارقة"- بالجمع المعرَّف في امتناع ردِّه إلى الواحد.
وقال الأصفهاني: (ينبغي أن يلحق بذلك أيضًا "أيّ" و"مَن" و"ما"؛ لتناوله الواحد والاثنين) (^٢).
_________________
(١) كذا في (ص)، لكن في (س): وفي.
(٢) الكاشف عن المحصول (٤/ ٤٠١ - ٤٠٢).
[ ٤ / ١٤٧١ ]
بل صرح إلكيا الطبري بذلك.
قال السبكي في "شرح البيضاوي" بعد حكاية مذهب القفال: (وما أظن القائل بهذا الرأي يقول به في كلِّ تخصيص، ولا يخالف في صحة استثناء الأكثر إلى الواحد، بل الظاهر أن قوله مقصور على ما عدا الاستثناء من المخصصات؛ بدليل احتجاج بعض أصحابنا عليه بقول القائل: عليَّ عشرة إلا تسعة. ويحتمل أن يعم الخلاف، إلا أن الظاهر خِلافه؛ لأن المنقول عنه المخالفة هنا لم تُنقل عنه ثَمَّ) (^١). انتهى
قلتُ: على أن هذا التفصيل وإنْ كان هو الراجح المفهوم من كلام جمهور أصحابنا لكنه مُفرَّع على أن الجمع العام آحاده جموع، لا وحدان. فأما إذا قُلنا: الآحاد وحدان، فهو حينئذٍ كَـ "مَن" و"ما" ونحوهما بلا فرق.
نعم، سبق اضطراب الترجيح في تلك المسألة، فاعْلَمه.
المذهب الثاني: أنه يجوز التخصيص إلى أن يبقى واحد مطلقًا، سواء أكانت الصيغة جمعًا أَم لا. وهو قول الشيخ أبي إسحاق الشيرازي.
وحكاه إمام الحرمين في "التلخيص" عن معظم أصحاب الشافعي، قال: وهو الذي اختاره. ونقله أيضًا عن معظمهم ابن الصباغ، ونقله ابن السمعاني عن سائر أصحابنا خلا القفال، وحكاه الشيخ أبو إسحاق عن إجماع أئمتنا، وصححه القاضي أبو الطيب، ونسبه القاضي عبد الوهاب للجمهور.
مِثاله قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] والقائل لذلك هو نعيم بن مسعود الأشجعي كما ذكره الآمدي وابن الحاجب وغيرهما تبعًا لكثير من المفسرين، لكن الذي ذكره الشافعي في "الرسالة" أنهم
_________________
(١) الإبهاج (٢/ ١٢٥).
[ ٤ / ١٤٧٢ ]
أربعة. وزاد بعضهم في نقله عن "الرسالة" أنه قال: وهُم الأربعة الذين تخلَّفوا عن أُحد.
لكن الذي رأيته في "الرسالة" في عِدة نُسخ صحيحة في "باب ما يكون من الكتاب عام الظاهر والمراد خاص" ما سبق بدون هذه الزيادة.
أما الناس في قوله تعالى: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] فذكر كثير من المفسرين أنه أبو سفيان، فيكون أيضًا شاهدًا للمسألة.
ومِثله أيضًا قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٥٤]، المراد بالناس هُم النبي - ﷺ - كما قاله كثير، ونحوه أيضًا قوله تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ [آل عمران: ٣٩]. قيل: هو جبريل وحده، وكذا قيل به في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ﴾ [آل عمران: ٤٢]، ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ﴾ [النحل: ٢] أيْ: بالوحي؛ لأن الرسول إلى جميع الأنبياء جبريل.
قلتُ: وفي الاستدلال بذلك على المسألة نظر؛ فإن ذلك إنما هو مِن العام المراد به خاص، لا من العام المخصوص، ويدل على ذلك ترجمة الشافعي السابقة.
المذهب الثالث: ما ذهب إليه أبو الحسين، وربما نُقل عن المعتزلة مِن غير تعيين، وإليه مَيل إمام الحرمين، واختاره الغزالي، ونقله بعض المتأخرين عن أكثر أصحابنا: أنه لا بُدَّ مِن بقاء جَمعٍ كثير.
قيل: إلا أن يستعمل ذلك العام في الواحد تعظيمًا، نحو: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣]. لكن لا حاجة إلى هذا الاستثناء؛ لأن هذا من إطلاق العام وإرادة الخاص، وليس الكلام فيه كما بيَّناه.
وهذا المذهب نقله أيضًا الآمدي وابن الحاجب عن الأكثرين، واختاره الإمام وأتباعه، لكن اختلفوا في تفسير ذلك الجمع الكثير الذي يبقى.
[ ٤ / ١٤٧٣ ]
فقال ابن الحاجب: (إنه الذي يَقْرب من مدلوله قبل التخصيص) (^١).
ومقتضى هذا أن يكون أكثر من النصف، وفسره جَمعٌ -كالبيضاوي- بأن يبقى غير محصور. والتفسيران متقاربان؛ إذِ المراد بكونه يقرب من مدلول العام أن يكون غير محصور، فإنَّ العام هو المستغرق لِما يَصْلح له مِن غيْر حَصْر، فهو معنى أن يبقى غير محصور، ولهذا قابله ابن الحاجب بأقوال الثلاثة والاثنين والواحد الآتي ذِكرها.
فقول البيضاوي في تعليله على تفسيره السابق: (لسماجة "أكلتُ كُل رمان في البيت" ولم يأكل غير واحدة) (^٢) إنما مراده أن يكون الذي في البيت الواحد والاثنان والثلاثة؛ لكون ذلك محصورًا، و"كُل" إنما تكون لغير المحصور.
وذِكرُهُ الواحد مثال، خلافًا لمن انتقد عليه بأنه لا يَلزم مِن قُبْح هذا قُبْحُ المحصور كالاثنين والثلاثة. فالدعوى عامة والدليل خاص.
وإذا تَقرر ما ذكرناه من عدم مغايرة التفسيرين، عرفتَ أن ما في "جمع الجوامع" مِن جَعْلِهما قولين متغايرين ليس بجيد.
المذهب الرابع: أنه لا بُد من بقاء أقَل الجمع مطلقًا ولو لم يكن صيغة العموم جمعًا. حكاه ابن برهان وغيره.
فقول ابن الحاجب: (وقيل: اثنان. وقيل: ثلاثة) لَعلَّه للخلاف الآتي في كون الجمع اثنين أو ثلاثة، فيرجعان إلى هذا المذهب، ويحتمل أن المدْرَك غير ذلك، والأمر سهل.
المذهب الخامس: التفصيل بين أن يكون التخصيص بالاستثناء والبدل فيجوز إلى واحد، وبين أن لا يكون بهما فلا يجوز إلى واحد. حكاه ابن المطهر.
_________________
(١) مختصر المنتهى (٢/ ٢٣٥) مع بيان المختصر.
(٢) منهاج الوصول (١٧٤) بتحقيقي.
[ ٤ / ١٤٧٤ ]
السادس: تفصيل آخَر، قال ابن الحاجب: (إنه المختار). قال الأصفهاني وغيره: ولا يعرف لغيره أن التخصيص إنْ كان بالاستثناء والبدل يجوز إلى واحد، أو بالمتصل غيرهما -كالصفة- يجوز إلى اثنين، أو بالمنفصل في العام المحصور القليل يجوز إلى اثنين أيضًا. مِثل: "قتلتُ كل زنديق"، وقد قتل اثنين، والزنادقة كانوا ثلاثة. وبالمنفصل غير المحصور أو العدد الكثير يكون المختار القول بإبقاء العدد الذي يَقْرب مِن مدلول العام.
قولي: (إلَّا إذَا كَانَ الْعُمُومُ جَمْعَا) إلى آخِره -بيان لمسألة أقَل الجمع ما هو؟ حتى يترتب عليها بعض المذاهب في المسألة السابقة. وهذا وجه مناسبة ذِكر مسألة "أقَل الجمع" هنا كما ذكرها إمام الحرمين والإمام الرازي وأتباعه. وذكرها جَمعٌ -كابن الحاجب- عقب مسألة: الجمع المنكَّر هل هو للعموم؟ أو لا؟
ولكن هنا أليق؛ لأنَّ مَن يقول بعموم الجمع المنكَّر لا يُعَيِّن الحمل على أقَل الجمع، بل على الأقل أو غيره مما يقتضيه الحال وإنْ كان يُحمل على الأقل حيث لا قرينة، لكنه ليس المقصود من تلك المسألة.
وفي أقل ما ينطلق عليه الجمع مذاهب تُقدَّم عليها مُقدِّمة، وهي: أن الدال على متعدد إما مثنى أو جمع أو اسم جمع أو جنس جمعي أو غير ذلك من الضمائر (كَـ "قمنا" و"قمتم" و"أنتم") أو الإشارة (كَـ"أولئك") أو الموصول (كَـ "الذين") أو غير ذلك مما لا ينحصر. لكن المثنى ونحوه لا غرض لنا فيه، بل في غيره.
فلنبدأ بالجموع؛ لأنها موضوع هذه المسألة غالبًا، ثم نتعرض لبعض ما أشرنا إليه.
فنقول:
الجمع قِسمان:
جمع قِلة: وهو ما يطلق للعَشرة فمَا دُونها.
[ ٤ / ١٤٧٥ ]
وجمع كثرة: وهو ما يُطلق لأحد عشر فصاعدًا إلى ما لا نهاية له.
وجمع القِلة منحصر في نوعين:
أحدهما: جموع التصحيح وهو: ما سَلِمَ فيها بناءُ الواحد، سواء كانت لمذكر نحو: "مسلمين" أو مؤنث نحو: "مسلمات".
وثانيهما: أربعة من جموع التكسير، جمعها بعض القدماء في قوله:
بأفعُلٍ وبأفعالٍ وأفعِلةٍ وفِعْلةٍ يعرف الأدنى من العددِ
وزاد -في ضم جمعي التصحيح إليها أبو الحسن الدَّباج من نحاة أشبيلية -بيتًا، فقال:
وَسَالِمُ الْجَمْعِ أَيْضًا دَاخِلٌ مَعَهَا في ذلك الحكم، فَاحْفَظْهَا وَلَا تَزِدْ
ودليل كون النوعين للقِلة الاستقراءُ، فإنهم لا يفسرون العدد القليل إلا بها، كَـ"ثلاثة أفلُس"، و"أربعة أجمال"، و"خمسة أرغِفة"، و"سبعة صِبية"، و"سبع بَنين" و"تسع شجرات" ونحو ذلك.
وعلَّل النحاة ذلك في جمع التصحيح بأنه على حَد المثنى، فوجب قِلته وحصره. وفي الأربعة من التكسير بأنها تُصَغَّر على لفظها كالمفرد، وغيرها من جموع التكسير إنما تُصَغَّر على إفراد واحدها ثم يجمع بِـ "الواو والنون" في العاقل، وبـ "الألف والتاء" في غيره، فيقال: "رُجَيْلون" و"دريهمات".
نعم، قد يقوم جمع القِلة مقام جمع الكثرة، وبالعكس، كما في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فإن المطلقات في غاية الكثرة، وجمعها بالألف والتاء، وأكَدَها في قوله: ﴿بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ بجمع قِلة.
واستعمل جمع الكثرة وهو "قروء" في ثلاثة، وربما كان ذلك استغناءً بما لا يستحق عما يستحق، كـ"رجال" ليس له جمع قِلة، و"أقلام" ليس له جمع كثرة.
[ ٤ / ١٤٧٦ ]
نعم، مقتضى قول سيبويه وجمع من أئمة النحو في التعبير عن ذلك بأنه قد "يُستعار كذا لكذا" أنَّ ذلك مجازٌ، وأن الحقيقة التفرقة السابقة.
فأول المذاهب في أقَل الجمع أنه ثلاثة، ولا يستعمل في الاثنين إلا مجازًا.
وإليه ذهب الأكثرون، منهم الشافعي وأبو حنيفة، واختاره الإمام الرازي وأتباعه كالبيضاوي، وكذا ابن الحاجب في "مختصره الكبير"، أما في "الصغير" فسيأتي ما وقع له فيه.
وربما رُوي هذا القول عن مالك، حكاه عنه عبد الوهاب، لكن المشهور عنه ما سيأتي. ورُوي عن عثمان وابن مسعود وابن عباس - ﵄ -. وممن نقله عن نَص الشافعي الروياني في "البحر" في "كتاب العدد"، قال: (وهو مشهور مذهب أصحابنا) (^١).
وقال إمام الحرمين: إنه ظاهر مذهب الشافعي. وقال إلْكِيا: هو مختار الشافعي. ونقله القاضي أبو الطيب عن أكثر أصحابنا، وقال الأستاذ أبو إسحاق: إنه ظاهر المذهب. ونقل أيضًا عن نَص الشافعي في "الرسالة"، ونقله أَبو الخطاب -من الحنابلة- عن نَص أحمد، وحكاه ابن الدهان عن جمهور النحاة، وفي "شرح الكتاب" لابن خروف أنه مذهب سيبويه.
قال القفال الشاشي في "أصوله": ولهذا جعل الشافعي أقَل ما يعطى من الفقراء والمساكين -أيْ من الزكاة- ثلاثة، وفي الوصية للفقراء أقَلهم ثلاثة.
قال: لأن السِّمات دلائل على المسميات، وقد جعلوا للمفرد والمثنى صيغة، فلا بُدَّ أن يكون للجمع صيغة بخلافهما.
الثاني من المذاهب: أن أقَله اثنان. وبه قال القاضي أبو بكر، وحكاه هو وابن خويز منداد عن مالك، واختاره الباجي.
_________________
(١) بحر المذهب (١١/ ٢٥٥).
[ ٤ / ١٤٧٧ ]
ونقله صاحب "المصادر" عن أبي يوسف، قال: ولهذا ذهب إلى انعقاد صلاة الجمعة باثنين سوى الإمام. فجعل قوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] اثنين يسعيان فصاعدًا إلى الإمام.
لكن أنكر ذلك عن أبي يوسف شمسُ الأئمة السرخسي، وقال: (إن عنده الجمع الصحيح ثلاثة كما يقوله محمد فيما نَص عليه في "السير الكبير") (^١).
وقال ابن حزم: (إنَّ كون أقل الجمع اثنين قولُ جمهور أهل الظاهر) (^٢). ثم اختار خِلافه.
وحكاه سليم عن الأشعرية وبعض المحدثين، وحكاه ابن الدهان النحوي عن محمد بن داود وأبي يوسف والخليل ونفطويه، واختاره الغزالي.
وربما احتُج لذلك بقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، فسألوا إلهًا مع الله؛ لتكون الآلهة اثنين، تَعالَى الله عن ذلك، لا إله غيره.
وُيروى هذا القول أيضًا عن عمر وزيد بن ثابت - ﵄ -.
واعلَم أن ما نُقل من ذلك عن الصحابة إنما أُخذ من اختلافهم في حجب الأم عن الثلث إلى السدس بأخوين أو بثلاثة، لا أنهم تكلموا في أقَل الجمع بخصوصه.
وربما كان مَأخذ مَن قال باثنين غير ذلك، كما روى ابن خزيمة والبيهقي وابن عبد البر بسندٍ -وإن كان متكلَّمًا فيه- إلى ابن عباس في الاستدلال على ذلك، ولكن الحاكم رواه، وقال: صحيح الإسناد: أنه دخل على عثمان، فقال له: (إن الأخوين لا يردان الأم إلى السدس، فإنما قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١]، والأخوان في لسان قومك
_________________
(١) أصول السرخسي (١/ ١٥١).
(٢) الإحكام في أصول الأحكام (٤/ ٤١٣).
[ ٤ / ١٤٧٨ ]
ليسَا بإخوة. فقال عثمان: لا أستطيع أن أنقض أمرًا كان قبلي وتوارثه الناس ومضى في الأمصار) (^١).
فقال ابن عباس: (إن الأخوين ليسَا بإخوة)، فلم يُنكر عليه عثمان ذلك، بل عدل إلى الاستدلال بما ذكره؛ فدل على توافقهما عليه، وأن مَن يرى بالحجب بأخوين ليس لكون أقَل الجمع اثنين، بل للإجماع السابق، أو قول الأكثر، أو نحو ذلك.
فمَن ينقل عن الصحابة أن أقَل الجمع اثنان، فَظَنٌّ منه أن سنده في الحجب لفظ "إخوة" في الآية.
وعلى ذلك يُحمل ما رواه الحاكم في المستدرك عن زيد أنه كان يقول: "الإخوة في كلام العرب أخوان فصاعدًا" (^٢) وروي نحوه عن عمر أنما مُرادهما في هذا الموضع، لدليل قام عندهما فيه.
الثالث: الوقف. حكاه الأصفهاني في "شرح المحصول" عن الآمدي، وفي ثبوته نظر؛ لأنه إنما أَشْعر به كلام الآمدي، إذْ قال في آخِر المسألة: (وإذا عُرف مآخذ الجمع من الجانبين، فعَلَى الناظر الاجتهاد في الترجيح، وإلا فالوقف لازم) (^٣).
ولكن هذا الكلام بمجرده لا يكفي في حكاية الوقف مذهبًا.
_________________
(١) مستدرك الحاكم (٧٩٦٠). قال الألباني: ضعيف. (إرواء الغليل: ١٦٧٨).
(٢) المستدرك على الصحيحين (رقم: ٧٩٦١). قال الألباني في (إرواء الغليل: ١٦٧٨): (أخرجه الحاكم .. من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه .. وقال: "صحيح على شرط الشيخين". ووافقه الذهبى، وأقول: ابن أبي الزناد لم يحتج به الشيخان، وإنما أخرج له البخارى تعليقًا، ومسلم في المقدمة، وهو حَسن الحديث).
(٣) الإحكام للآمدي (٢/ ٢٤٧).
[ ٤ / ١٤٧٩ ]
الرابع: أن أقَل ما يُطلق الجمع عليه واحد. وربما ينقل ذلك عن إمام الحرمين كما عزاه ابن الحاجب له، إذْ قال في "مختصره الصغير": (مسألة: أبنية الجمع لاثنين تصح، وثالثها: مجازًا. الإمام: ولواحد) (^١).
فإن كلامه يقتضي أن لنا قولًا أن الجمع لا يصح إطلاقه على الاثنين، لا حقيقة ولا مجازًا. ولكن لا يُعرف ذلك. ويقتضي أن الإمام يقول: إنَّ أقَل الجمع واحد. فإنْ أراد حقيقةً فلا قائل به أصلًا، أو مجازا فلا يمنعه أحد، لا الإمام ولا غيره.
والذي غَرَّ ناقل ذلك عن الإمام أنه قال في "البرهان" عقب مسألة: "التخصيص إلى ماذا ينتهي؟ " وذكر صيغة الجمع، ثم قال: (والذي أراه أن الرد إلى واحد ليسِ بدعًا، ولكنه أَبْعَد مِن الرد إلى اثنين) (^٢).
لكن كلام الإمام إنما هو منحط على ما قبله، وهو ما ينتهي إليه التخصيص. ومراده بقوله: (ليس بِدعًا) أن الانتهاء إلى واحد في التخصيص ليس بِدعًا وإنْ كان مجازًا.
ولهذا قال عقبه: (وهو أبْعد من الرد إلى اثنين)؛ لأن المجازات قد تتفاوت بها القُرب والبُعد من الحقيقة، ولو كان مراده أن ذلك يكون حقيقة، لَمَا قال: (وهو أبعد من الرد لاثنين)؛ لأن الحقيقة لا تتفاوت جزئياتها من حيث كونها حقيقة.
فالذي يقتضيه قول الإمام أو، وآخِرًا أن أقَل الجمع ثلاثة حقيقةً، وأنه في دُونها مجاز.
فمن أمثلة الإطلاق على الواحد: ما سبق في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، ونحوه.
ومثَّله ابن فارس بها "فقه العربية" بقوله تعالى: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل:
_________________
(١) مختصر المنتهى مع شرحه (٢/ ١٢٢).
(٢) البرهان (١/ ٢٤١).
[ ٤ / ١٤٨٠ ]
٣٥]؛ لأن المراد بالمرسلين سليمان.
وفيه نظر؛ لاحتمال إرادتها جنس المرسلين الذين سليمان -﵇- منهم.
ونحوه قول الزمخشري (^١) في: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥]؛ لأنه
نوح.
وفيه أيضًا نظر؛ لأنَّ مَن كذَّب رسولًا فقد كذّب الرسُل كلهم، كما يقال: فلان يركب الدواب. أي: شأنه ذلك. وعلى هذا فهو حقيقة خلاف، فقول الغزالي وغيره: (إنَّ مثل ذلك مجاز بالاتفاق) إنما نظروا في ذلك للواقع، لا للمفهوم.
نعم، إمام الحرمين مَثَّله بأن يرى امرأة تبرجت لرجلٍ فيقول لها: (أتتبرجين للرجال؟ !)، فإن كان مراده أنه يكون حينئذٍ مجازًا -وقد نقله عنه كذلك إلْكِيا- فهو مما لا نزاع فيه كما سبق؛ لأنه مِن إطلاق الكل على البعض. وإنْ كان حقيقةً، فهو نظر إلى المفهوم، لا إلى الواقع، أي: شأنك أن تتبرجي لجنس الرجال.
ويدل عليه قرينة خصوص الرجل المرئي، لا أن قصد قَصْر الرجال عليه.
نعم، من إطلاق الجمع وإرادة الواحد مجازًا إذا أطلق ذلك في مقام التعظيم برفع قَدْرِه عن رُتبة الواحد وضعًا ومحلًّا، كما يقال للكبير: (أنتم فعلتم ذلك). وقول المعظِّم نفسه: (فَعَلْنا ذلك). كما صرح أهل العربية بأن ذلك للمشارك أو المعظِّم نفسه كما في قوله تعالى حكايةً عمن قال: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [يوسف: ١٢]، ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣]، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ [الحجر: ٩]. وهو أمر لا ينحصر.
ومنهم من أَوَّل كلام الإمام السابق على أن إطلاق الجمع للواحد جائز اتفاقًا.
_________________
(١) قال الزمخشري في تفسيره (الكشاف، ٣/ ٣٢٨): (قوله: ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ والمراد نوح ﵇).
[ ٤ / ١٤٨١ ]
وإنْ حَمل السامع الجمع على واحد، الأكثر على المنع؛ لأنَّ المعْظَم على أن ألفاظ الجموع العامة نَصٌّ في أقَل الجمع وإنِ اختُلف في أنه اثنان أو ثلاثة.
وذهب الإمام إلى أنه يصح، فمسألة الإطلاق غير مسألة الحمل؛ كنظيره في المشترك في إطلاقه على معنييه وحَمْله عليهما.
قلتُ: وهذا عائد إلى ما سبق من أن كلام الإمام فيما ينتهي إليه التخصيص، فإن التخصيص إذا انتهى لواحد، [حمله] (^١) السامع عليه.
وقد تحررت المسألة وكلام ابن الحاجب عن الإمام، ولله الحمد.
تنبيهات
الأول: في تحرير محل الخلاف:
فليس الخلاف في لفظ "جَمْع" الذي هو مَصْدر جمَع يَجمَعُ جَمْعًا؛ فإنَّ معنى ذلك لغةً: الضم، وهو صادق على اثنين اتفاقًا.
ولا في لفظ "جماعة"؛ فإن ذلك لاثنين فصاعدًا قطعًا، كما في حديث أبي موسى الأشعري كما رواه ابن ماجه لكن بطريق ضعيف، وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فيما رواه الدارقطني من حديث عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي، وهو ضعيف وإنْ كان "عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده" محتجًّا به على الراجح.
نعم، للحديث طرق ضعيفة قد يتقوى بعضها ببعض أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: "الاثنان فما فوقهما جماعة" (^٢)، فإن القصد بذلك أيضًا الاجتماع؛ لحكمة تألُّف القلوب وغيرها.
_________________
(١) كذا في (ص، ق)، لكن في (س): حمل.
(٢) سنن ابن ماجه (٩٧٢)، سنن الدارقطني (١/ ٢٨٠)، المستدرك على الصحيحين (رقم ٧٩٥٧)، =
[ ٤ / ١٤٨٢ ]
ونحوه حديث النهي عن السفر إلا في جماعة (^١)؛ لِمَا في الاجتماع من الأُنس والأمن وغير ذلك.
وليس الخلاف أيضًا في نحو: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] وإنِ استدل به بعض من يرى أن أقَل الجمع اثنان، وهو مردود؛ لأن ذلك إنما هو لأن قاعدة اللغة أن كل اثنين أُضيفَا إلى مُتَضَمِّنيهما يجوز فيه ثلاثة أَوْجُه:
- الجمع على الأفصح، نحو: "قطعت رؤوس الكبشين".
- ثم الإفراد، كَـ"رأس الكبشين".
- ثم التثنية، كَـ"رأسَي الكبشين".
وإنما رُجح الجمع استثقالًا لتوالي دالَّين على شيءٍ واحد وهو التثنية، وتضمن الجمع التعدد، بخلاف ما لو أُفْرِد.
فالخلاف حينئذٍ إنما هو في الدال على الجمعية لا بطريق التثنية، وهي صِيَغ الجموع وما في معناها من أسماء الجموع، كَـ"قوم، ورهط، وخيل، ونساء، وبقر، وتمر"، ونحو: "أُولي،
_________________
(١) =وغيرها. قال الألباني: ضعيف. (إرواء الغليل: ٤٨٩).
(٢) في مسند أحمد (٥٦٥٠): (عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنِ الْوَحْدَةِ، أَنْ يَبِيتَ الرَّجُلُ وَحْدَهُ، أَوْ يُسَافِرَ وَحْدَهُ). قال الحافظ العراقي في (تخريج أحاديث الإحياء، ص ٧٢١): (أخرجه أحمد من حديث ابن عمر بسند صحيح). وفي: مصنف ابن أبي شيبة (٢٦٣٨٨)، المراسيل لأبي داود (ص ٢٣٧، رقم: ٣١١)، وغيرهما: عَنْ عَطَاء، قَالَ: "نَهَى رَسُولُ الله - ﷺ - أَنْ يُسَافِرَ الرَّجُلُ وَحْدَهُ، أَوْ يَبِيتَ فِي بَيْتٍ وَحْدَهُ". وفي صحيح البخاري (٢٨٣٦) عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي الْوحْدَةِ مَا أَعْلَمُ، مَا سَارَ رَاكِبٌ بِلَيْلٍ وَحْدَهُ".
[ ٤ / ١٤٨٣ ]
وأولات"، ونحو: "الذين، واللاتي"، ونحو: "هؤلاء"، ونحو: "فعلوا، وفعلنا" كما سبقت الإشارة إليه.
فالخلاف في ذلك كله مطَّرد كما يُفهم من أمثلِتهم واستدلالاتهم، كاستدلال الإمام الرازي وأتباعه بقوله تعالى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨] لمن قال: أقَل الجمع اثنان. وأجابوا عنه بأن المتقدم وإنْ كان داود وسليمان فقط لكن ضُم معهما المحكوم فيهما وهُما الخصمان.
نعم، رُدَّ هذا الجواب بأن المصدر إنما يضاف إلى فاعِله تارةً وإلى مفعوله أخرى، أما لهما معًا فلا، حتى [قال] (^١) أبو حيان: سمعتُ شيخنا أبا جعفر بن الزبير يقول: إنه جواب مَن لا يعرف شيئًا من العربية.
نعم، أشار ابن الحاجب في "مختصره الكبير" إلى تصحيحه بأنَّ "حُكم" هنا ليس مصدرًا حتى يُرَدَّ بذلك، بل المراد به "الأمر"، أي: أَمْر داود وسليمان والخصمين؛ فصَحَّ إضافته للكل، فاستقام الجواب.
قيل: وفيه تَكَلُّف.
قلتُ: لكنه أَوْلى مِن نِسبة هؤلاء الأئمة إلى جهل مِثل هذا، ويؤيد ذلك أنه يقال: (حضرت حكومة القاضي فلان وفلان وفلان المتحاكمين عنده). والإضافة تَصدُق بأدنى ملابسة، فإذا كان الحكم المراد به المحاكمة الصادرة بين الحاكم والمحكوم عليه، وضح ذلك.
الثاني:
قد سبق الفرق بين جَمعَي القِلة والكثرة، فإطلاق الخلاف حتى يشملهما مما يُستشكَل
_________________
(١) في (ص): قال شيخنا.
[ ٤ / ١٤٨٤ ]
باتفاق النحاة على أنَّ جمع الكثرة مِن أحد عشر فصاعدًا. فإنْ كان الخلاف في جمع القِلة فكيف يُطلِقون؟ وكيف يأتون في مُثُلهم واستدلالهم بكثير من جموع الكثرة؟ ! فإنْ كان ذلك لأن كُلًّا منهما يُطلق في معنى الآخَر، فمجاز كما سبق وصرح به الزمخشري وغيره، والكلام إنما هو في الإطلاق حقيقةً، حتى قال القرافي في بعض كُتبه أنَّ له نحوًا من عشرين سَنة يُورده ولم يتحصل عنه جواب.
قلتُ: إذا كان جمع القِلة يجري فيه الخلاف لا محالة، فالتجوز باستعمال "جمع الكثرة" في "جمع القِلة" يُصَيِّره كأنه مِن جموع القِلة، لا سيما إذا استُغنِي به عنه طرَقَهُ الخلافُ مِن حيث كونه صار مِن هذا النوع، فيُحكم عليه بما يُحكم على جمع القِلة، ويقع به التمثيل، وتترتب الأحكام كما ستراه في الفروع الآتية.
ونظير ذلك اليَدُ في السَّوْم والبيع الفاسد يَدُ غَصْبٍ مجَازًا، ويترتب عليها أحكام الغصب من الضمان بأقصى القيم من الغصب إلى التلف.
وكذا ما ذكر في الممْسِك في رمضان هل يُكره له السواك بعد الزوال كالصوم وإن أُطلق عليه صائم مجَازًا؟ ونحو ذلك.
بل قد يُدَّعَى أنَّ التجوز باستعمال "جمع الكثرة" موضع "جمع القِلة" إنما هو في الأصل، ثُم غلب في الاستعمال حتى صار حقيقة عُرفية.
كما قالوا في "غَنَم يَغْنَم": إنه أَخْذُ الغنم. ثم استُعمل في أَخْذ كل مال وغَلَبَ في كل نماء، كما في حديث: "له غنمه وعليه غرمه" (^١).
ونحوه في "السلب"، أصله فيما يلبسه، ثم عدوه إلى الفرس وآلة السلاح وغير ذلك،
_________________
(١) صحيح ابن حبان (٥٩٣٤)، المستدرك على الصحيحين (رقم: ٢٣١٥)، سنن البيهقي الكبرى (رقم: ١١٠٠٢). قال الألباني: ضعيف. (التعليقات الحسان: ٥٩٣٤).
[ ٤ / ١٤٨٥ ]
وأعطوه حُكم الحقيقة مع أنه مجَاز.
قلتُ: وعكسُ هذا الإشكالِ من حيث [العلة] (^١) الإشكالُ في جمع القِلة إذا اقترن بما يقتضي عمومه: كيف يقال بالعموم فيه مع أن نهايته في اللغة عشرة مع إطباق العلماء على الاستدلال بعمومه؟ نحو: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]، ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣]، إلى غير ذلك.
فَجُمِع بين الطريقين بأن الشارع تَصَرَّف في ذلك بالنقل، كما في الصلاة والحج والصوم، فعمم هذه الجموع بما اقترن بها وإنْ كان أصلها بغير العموم.
وجمع إمام الحرمين بأحسن من ذلك، وهو حمل كلام أهل العربية على حالة التجرد عما يقتضي العموم مِن "أل" ونحوها، وكلام الأصوليين والفقهاء على حالة الاقتران باللام ونحو ذلك.
وأقول: إنَّ هذا الإشكال في الأصل إنما يتوجه إذا قُلنا بأن الجمع إذا اقترن بما يقتضي عمومه، كانت أفراده وحدانًا، لا جموعًا.
أما إذا قُلنا: (أفراده جموع)، فَجِهَة عمومه غير نهاية أفراده، فإنَّ العموم حينئذٍ في كل عشرة عشرة أو تسعة تسعة أو باقي مراتبه.
بل والقائل بالأول جَرَّد الدلالة عن الجمعية أصلًا، وصار عنده دالًّا على الحقيقة مِن حيث هي كما سبق تقريره مطولًا، فتأمله.
_________________
(١) كذا في (ص، ق)، لكن في (ش): العلية. وفي (ت، س): الغاية. وفي (ض) كأنها: (الغاية) أو (الكفاية).
[ ٤ / ١٤٨٦ ]
الثالث:
من فوائد الخلاف سوى ما سبق من مسألة الأصول وهي "غاية ما ينتهي إليه التخصيص" خلافًا لما يقتضيه نَقْل الأستاذ أبي إسحاق من اتفاق أئمتنا على أنَّ التخصيص يجوز إلى واحد، فلا يبقى للخلاف في هذه المسألة فائدة.
لكن سبق رد ذلك بنقل [المذاهب] (^١) في تلك المسألة، ويترتب عليها أن الجمع نَصٌّ في أَقَلِّه، فإخراج بعضه يكون نسخًا، لا تخصيصًا. وتضم هذه المسألة إلى أن إخراج بعض العام بعد دخول وقت العمل يكون نسخًا كما سيأتي.
وسِوَى ما سبق من الفروع الفقهية:
لو قال: (له علَيَّ دراهم)، يلزمه ثلاثة، وقيل: درهمان.
وأنه يُكتفَى في الصلاة على الميت باثنين. نقله الرافعي عن "التهذيب"، وقال: (إنه بناء على أن أقَل الجمع اثنان) (^٢).
ولو أوصى لأقاربه وليس له إلا قريب واحد، فهل يصرف إليه الكل؟ أو الثلث؟ وجهان، وفي وجه ثالث حكاه الأستاذ أبو منصور: النصف.
قال في "المطلب": ولم أفهم له معنى، فإن كان بناءً على أن أقَل الجمع اثنان، فيلزمه فيما إذا أوصى للفقراء أنه يجوز الاقتصار على الاثنين، ولم نَرَ مَن قال به.
ولو قال: (إنْ تزوجتُ النساء -أو اشتريتُ العبيد- فهي طالق)، لم يحنث إلا بثلاثة. وقياس مَن يرى أن أقَل الجمع اثنان أنْ يحنث بهما.
_________________
(١) كذا في (ص، ق، ش)، لكن في (س، ت، ض): أئمة المذهب.
(٢) العزيز شرح الوجيز (٢/ ٤٤٢).
[ ٤ / ١٤٨٧ ]
فإنْ قيل: هلَّا جُعل ذلك تعليقًا على مستحيل حتى لا يحنث؛ لأن (اللام) للعموم؛ [فيقتضي] (^١) نساء أو عبيد العالم؟
قيل: لأن إعمال الكلام أَولى من إهماله؛ فيُحمل على الجنس، كما لو حلف لا يُكلم الناس، فإنه يحنث بواحد كما قاله ابن الصباغ وغيره. فلو قال: (ناسًا) بالتنكير، حنث بواحد؛ لأجل دلالة العموم. لكن هذا إذا قُلنا: أفراده وحدان، لا جموع. أمَّا إذا قُلنا: جموع، فينبغي أن لا يحنث إلا بثلاثة.
وشبَّه ابن الصباغ الأول -وهو ما اقترن بمقتضِي العموم- بما لو قال: (لا آكُل الخبز).
وفيه نظر؛ لِصِدْق ذلك على القليل والكثير، كَـ"الماء" و"العسل"، فلا يُشبَّه به ما يدل على الجمعية.
وفروع الفقه على هذه المسألة لا تنحصر، وفي هذه الإشارة كفاية.
قولي: (مَا لَمْ يَكُنْ لِكَثْرَةٍ فَزَائِدُ عَشَرَةٍ) أي: أقَل الجمع ثلاثة ما لم يكن من جموع الكثرة، فإن أقَله الزائد على العشرة، وهو أحد عشر.
وقولي: (مَا لَمْ يَنُبْ) تخصيص لقاعدة جمع الكثرة: أنه إذا ناب باستغنائه أو غيره، فإنه يصير كجمع القِلة حتى يكون أَقَله فيه الخلاف، والأرجح ثلاثة.
وقد أوضحنا ذلك. والله أعلم.
_________________
(١) كذا في (ق، س)، لكن في (ص): تقتضي.
[ ٤ / ١٤٨٨ ]
ص:
٦١٦ - وَإنْ يُخَصُّ اللَّفْظُ ذُو الْعُمُومِ يُرَدْ عُمُومُهُ لَدَى التَّفْهِيمِ
٦١٧ - تَنَاوُلًا لَا حُكْمًا، الَّا أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيمَا بَقِيْ، وَحُكْمُهُ
٦١٨ - بَاقٍ إذَا يَكُونُ بِالْمُعَيَّنِ خُصَّ وَلَوْ مُنْفَصِلًا مِنْهُ عُنِي
٦١٩ - أَوْ لَمْ يَكُنْ عُمُومُهُ قَدْ أَنْبَأَ عَنْهُ، وَأَمَّا إنْ يَكُنْ قَدْ [بُدِئَ] (^١)
٦٢٠ - بِقَصْدِ أَنْ يَكُونَ لِلْخُصُوصِ فَذَا مُجَرَّدٌ عَنِ التَّخْصِيصِ
٦٢١ - وَهْوَ مَجَازٌ نَوْعُهُ كُلِّيُّ أُطْلِقَ لِلَّذِي هُوَ الْجُزْئِيُّ
الشرح: اشتملت هذه الأبيات على أربع مسائل من مباحث تخصيص العموم.
الأُولى: أن تخصيص العام هل هو إخراج من حُكمِه والعمومُ في اللفظ باقٍ؟ أو مِن اللفظِ؟
الثانية: وهي مُفرَّعة على الأُولى، الفرق بين العام المخصوص والعام المراد به خاص.
الثالثة: أن العام بعد التخصيص دلالته على ما بقي حقيقة؟ أَم مجاز؟ وهل يَطَّرِد ذلك في العام المراد به خاص؟ أو لا؟
الرابعة: الحكم على العام إذا خُص هل هو باقٍ في الأفراد بعد التخصيص فيكون حُجة فيها؟ أو لا؟
فأما المسألة الأولى:
وهي كون الإخراج في التخصيص مِن الحكم لا من اللفظ؛ فلأن مقصود الشرع بيان
_________________
(١) في (ت، س، ض): ندبا.
[ ٤ / ١٤٨٩ ]
الحُكم للأفراد عمومًا أو خصوصًا، لا لكون اللفظ يدل أو لا. فإذا أَمر بقتل الكفار مثلًا ثم خَصص الذمي، فإنما خرج من الحكم وهو القتل، والمخرَج كافر لم يخرج عن تناول الكفار له. وقد سبق الإشارة لذلك مِن قول مَن قال: إن القابل للتخصيص حُكم ثبت لمتعدد. فالإخراج من الحكم على المتعدد، لا من إطلاق لفظ المتعدد.
وعن ذِكر ذلك استغنيت في النَّظم بما ذكرته هنا.
نعم، سيأتي في التخصيص بالاستثناء أن إسناد الحكم بعد الإخراج [أَوْلى] (^١).
وقد ذكره ابن الحاجب هناك في كيفية دلالة نحو: (عشرة إلَاّ ثلاثة) هل الإسناد للسبعة بعد الإخراج للثلاثة؟ أو أن مجموع اللفظ يصير دالًّا؟ أو غير ذلك مما سيأتي إيضاحه في محله؟
وأما المسألة الثانية (وهي من مهمات هذا الباب):
الفرق بين العام المخصوص والعام الذي أُرِيدَ به الخصوص، وهو مهم عزيز الوجود.
والشافعي ﵀ أشار إلى تغايرهما في ترديده في آية البيع ونحوه بين أقوال، منها: أنه عام مخصوص. ومنها: أنه عام أُريدَ به الخصوص، وكثرت مقالات أصحابه في تقرير ذلك.
قال الشيخ أبو حامد: (والفرق بينهما أن الذي أريد به الخصوص ما كان المراد به أقَل، وما ليس بمراد هو الأكثر).
قال ابن أبي هريرة: (وليس كذلك العام المخصوص؛ لأن المراد به هو الأكثر، وما ليس بمراد هو الأقل).
قال: (ويفترقان في الحكم مِن جهة أنَّ الأول لا يصح الاحتجاج بظاهره، وهذا يمكن
_________________
(١) كذا في (ص)، لكن (ق، س، ض): أولا.
[ ٤ / ١٤٩٠ ]
التعلق بظاهره؛ اعتبارًا بالأكثر).
وفرق الماوردي بوجهين، أحدهما هذا، والثاني أن إرادة ما أُريدَ به خاص متقدمة على لفظ العام، وما أُريدَ به العموم ثُم خُصَّ تتأخر أو تقارن.
وقال ابن دقيق العيد في "شرح العنوان": (يجب أن يُتَنبه للفرق بينهما، فالعام المخصوص أعم مِن العام الذي أُريدَ به الخصوص، ألا ترَى أن المتكلِّم إذا أراد باللفظ أولًا ما دَلَّ عليه ظاهره مِن العموم ثم أَخرَج بعد ذلك بعض ما دل عليه اللفظ، كان عامًّا مخصوصًا، ولم يكن عامًّا أريد به الخصوص. ويقال: إنه منسوخ بالنسبة إلى البعض الذي أخرج. وهذا متوجه إذا قصد العموم، وفرق بينه وبين أنْ لا يقصد الخصوص، بخلاف ما إذا نطق باللفظ العام مريدًا به بعض ما تناوله في هذا). انتهى
وحاصل ما قرره أنَّ العام إذا قُصِر على بعضه، له ثلاثة أحوال:
الأول: أنْ يُراد به في الابتداء خاص، فهذا هو المراد به خاص.
والثاني: أن يراد به عام ثم يخرج منه بعضه، فهو نسخ.
والثالث: أن لا يقصد به خاص ولا عام في الابتداء، ثم يخرج منه أمر يتبين بذلك أنه لم يُرَد به في الابتداء عمومُه، فهذا هو العام المخصوص.
فلهذا كان التخصيص عندنا بيانًا، لا نَسخًا، إلا إنْ أُخْرِج بعد دخول وقت العمل بالعام، فيكون نَسْخًا؛ لأنه قد تبَيَّن أن العموم أُرِيدَ في الابتداء.
وممن حرر الفرق بينهما أيضًا من المتأخرين الشيخ تقي الدين السبكي، فقال: (جرى ذِكر هذه المسألة في درس في العادلية يوم الاثنين، الثالث والعشرين من صفر سنة خمس
[ ٤ / ١٤٩١ ]
وأربعين وسبعمائة، فخبط فيها الحاضرون، وهُم معذورون [بسبب] (^١) ما بَلَغَهم مِن العِلم، فكتبتُ فيها وفي دلالة العام في الأمرين على الخاص -هل هو حقيقة؟ أو مجاز؟ - زبدة كلام مَن تكلم فيه من العلماء، وزدتُ عليهم تحقيقات لم يلموا بها).
فنذكر ما قاله؛ لما اشتمل عليه من الفوائد.
فقال: (العام الذي أريدَ به الخصوص هو العام إذا أُطلق وأريدَ به بعض ما يتناوله، فهو لفظ مستعمل في بعض مدلوله، وبَعْضُ الشيء غَيْره، فالذي يظهر أنه مجاز قطعًا، إلا إنْ قيل: إن العام دلالته على كل فرد من أفراده دلالة مطابقة. فقد يقال حينئذٍ على هذا بأنه حقيقة في كل فرد. فإنْ جاء خلاف فيه فإنما يجيء من هذه الجهة.
وشرط الإرادة في هذا النوع -على ما ظهر لنا- أن تكون مقارِنة لأول اللفظ، ولا يُكتفَى بطريانها في أثنائه؛ لأن المقصود فيها نقلُ اللفظ عن معناه إلى غيره واستعماله في غير موضوعه، وليست إرادة إخراج لبعض المدلول، بل إرادة استعمال اللفظ في شيء آخَر غَيْر موضوعه، كما يُراد باللفظ مجازه الخارج عنه، لا فرق بينهما إلا أنَّ ذاك خارج وهذا داخل؛ لأن البعض داخل في الكل.
ومَن يجعل الدلالة على كل فرد دلالة مطابقة، لا يناسبه أن يقول: إنه استعمال اللفظ في غير موضوعه، بل يصير كاستعمال المشترك في أَحد معنييه، وهو استعمال حقيقي، وإرادة أَحد مَعْنَيَي المشترك عند مانع استعمال المشترك في مَعْنَيَيْه لا شك أنها لا تخرجه عن موضوعه ولا تجعله مجازًا، بل هي مُصَحِّحة لاستعماله.
وأما عند مَن يُجَوِّز استعماله في معنييه فَهُم مختلفون إذا استُعمل في معنييه هل هو مجاز؟ أَم لا؟ فمَن جعله مجازًا فذلك لأن الاستعمال الحقيقي عنده هو استعماله في أحد المعنيين،
_________________
(١) كذا في (ص، ق)، لكن في (س): بحسب.
[ ٤ / ١٤٩٢ ]
ومَن جعله حقيقة كالعام كما هي طريقة السيف الآمدي في النقل عن الشافعي - ﵁ -، فيصير البحث فيه كالبحث في العام المراد به الخصوص.
وفيه نظر؛ لأنَّا نَعلم أن المشترك وَضَعَه الواضع لكل مِن المعنيين وَحْده، بخلاف العام. ولكن أدى مساق البحث على طريقة الآمدي إلى ما قُلناه.
ويؤنسك إلى اشتراط مقارنة الإرادة في هذا النوع لأول اللفظ ما ذكره الفقهاء في تكبيرة الإحرام وقي كنايات الطلاق، وإذا حَقَّقْت هذا المعنى، اضبطه.
وأما العام المخصوص فهو العام الذي أُريدَ به معناه مخُرجًا منه بعض أفراده. فالإرادة فيه إرادة الإخراج، لا إرادة الاستعمال، فهي تشبه الاستثناء، فلا يشترط مقارنتها لأول اللفظ، ولا يجوز تأخرها عن آخِره، بل يُشترط -إنْ لم توجد في أوله- أن تكون في أثنائه.
ويؤنسك في هذا ما قاله الفقهاء في مشيئة الطلاق وأنه يشترط اقتران النية ببعض اللفظ قبل فراغه، فالتخصيص إخراج كما أن الاستثناء إخراج.
ولهذا نقول: المخصصات المتصلة أربعة: الاستثناء، والغاية، والشرط، والصفة. والمخَصِّص في الحقيقة هو الإرادة المُخْرِجة، وهذه الأربعة والمخَصِّص المنفصل خَمْسَتُها دالة على تلك الإرادة، وتلك الإرادة ليست إرادة استعمال اللفظ في غير موضوعه؛ فلذلك لم يُقْطَع بكونها مجازًا، بل حصل التردد.
ومنشأ التردد أنَّ إرادة إخراج بعض المدلول هل [تُصَيِّر] (^١) اللفظ مُرادًا به الباقي؟ أو لا؟ والحقُّ لا، وهو يُشْبه الخلاف في الاستثناء، وبهذا يقوى أن العام المخصوص حقيقة، لكن الأكثرون على أنه مجاز. ووَجْهه أنْ يجعل اللفظ موضوعًا ليستعمل في معناه بتمامه غير مخرج منه شيء، فإذا أُخْرج منه شيء، كان مجازًا؛ لاستعماله على غَيْر الوجه الذي وَضَعَه
_________________
(١) كذا في (ص)، لكن في (س): يصير.
[ ٤ / ١٤٩٣ ]
الواضِعُ له عند الإطلاق. هذا فيما يحتمل المجاز، وهو ما كان ظاهرًا كالعام.
أما ما كان نصًّا كالعَدد فلا مجاز فيه، وليس إلا الإخراج المَحْض. ويظهر أثر هذا في أن المخصِّص المنفصل يأتي في العام ولا يأتي في العَدد، والاستثناء في العام كاشف عن الإرادة المخصِّصة، والاستثناء في العَدد هو المُخرج بنفسه، لا بدلالته على إرادة متقدمة، ولهذا لو أراد بعضَه فقط ولم يوجد لفظ الاستثناء، لم يَصِح في العَدد وَيصح في العام.
ولو قال: "أنت طالق ثلاثًا"، ونَوَى بِقَلْبه: "إلا واحدة" وماتت قبل نُطقه بقوله: "إلا واحدة"، يقع الثلاث. نعم، يُشترط نية الاستثناء قبل فراغ اللفظ؛ لأجل الربط، فالنية فيه شرط لاعتبار الاستثناء بعده، وليست مُؤثِّرة، والنية في التخصيص مؤثرة في الإخراج وحدها، ويدل عليها تارةً بمخصِّص منفصل، وتارةً بمتصل. والنية في العام المراد به الخصوص مؤثِّرة في نقل اللفظ عن معناه إلى غيره.
ومن هنا يُعْرَف أن عَدَّ ابن الحاجب البدل في المخصِّصات ليس بجيد؛ لأن الأول في قولنا: "أكلت الرغيف ثُلثه" يشبه العام المراد به الخصوص، لا العام المخصوص) (^١). انتهى
وهو كلام نفيس أوردتُه بحروفه؛ لِمَا فيه من تقرير أمور يُحتاج إليها في هذا الباب، ولكن إذا تأملته مع ما سبق من كلام مَن تَقدمه، تجده مفهومًا منه.
ويُعلم مِن ذلك أيضًا أن قول بعض مُتأخِّري الحنابلة في الفَرق بأن: (العام الذي أُريد به الخصوص أن يُطلِق المتكلِّم اللفظ العام ويريد به بعضًا مُعَينًا، والعام المخصوص هو الذي أريد به سَلْب الحكم عن بعض منه. وأيضًا فالذي أريد به خصوص يحتاج لدليل معنوي يمنع إرادة الجميع، فيتعيَّن له البعض، والمخصوص يحتاج لتخصيص لفظي غالبًا، كالشرط والاستثناء والغاية والمنفصل). انتهى
_________________
(١) الإبهاج في شرح المنهاج (٢/ ١٣٢ - ١٣٤).
[ ٤ / ١٤٩٤ ]
والوجهان خارجان مما سبق.
أما الأول وهو كون التخصيص السلب عن بعض الأفراد فهو قولهم: (التخصيص إخراج).
وأما الثاني وهو الاحتياج في المراد به خاص للدليل المعنوي فمعناه: الدليل الذي يدل على إرادة الخاص؛ لأنها أمر معنوي، فهو راجع لقولهم: (إن إرادة الخاص فيه سابقة).
ويُعلم أيضًا أن ما قاله تاج الدين السبكي في "شرح البيضاوي" بعد نقل كلام والده أن مقتضَى كلام الشافعي أنه لا فرق بينهما -ممنوع.
فذكر أن الشافعي في "الرسالة" قال في "باب ما نزل عامًّا دلت السُّنة على أنه يُراد به الخاص": (قال الله جل ثناؤه: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١] إلى قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١]، وقال: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢] إلى قوله: ﴿فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء: ١٢]. فأبان أن للوالدين والأزواج ما سُمّي في الحالات وكان عام المَخْرج، فدلت سُنة رسول الله - ﷺ - أنه إنما أريد به بعض الوالدين والمولودين والأزواج دُون بعض، وذلك أن يكون دِين الوالدين والمولودين والأزواج واحدًا، ولا يكون الوارث قاتلًا ولا مملوكًا). انتهى
قال: (ووقف والدي على ذلك، فذكر أن البحث الذي قرره -أي في الفرق بين النوعين- إنْ صح، احتمل أن يكون ما أورده الشافعي أراد به أن يكون عامًّا مخصوصًا وأنْ يكون مرادًا به الخصوص).
فظاهر كلامه أن والده يُسلِّم ما قاله في فَهم نَص الشافعي، وهو عجيب.
فقد عرفت من كلام ابن دقيق العيد وغيره أن العام المخصوص أُريدَ به خاص بالإخراج، لا في الابتداء، وأن مِن هذه الجهة يكون العام المخصوص أَعَم من العام الذي
[ ٤ / ١٤٩٥ ]
أريدَ به خاص.
فمعنى قول الشافعي: (دَلَّت السُّنة على أنه يُراد به الخاص) أنه سلب الحكم عن بعض الأفراد وبقي الحكم في الباقي؛ بدليل إيرادِه في ترجمة الباب، فالإرادة التي عناهَا إرادة الحكم، لا إرادة دلالة اللفظ وإطلاقه على الخاص.
ومن هنا يُعلم أنَّ قول الأصوليين: (إنَّ الخاص يُقضَى به على العام، تَقدَّم أو تَأَخر أو جُهِل أو قارَن) لا يُنافي ما سبق في الفرق بين العام المخصوص والمراد به الخصوص؛ لأن الإرادة في الثاني سابقة على العام، وفي الأول متأخِّرة أو مقارِنة؛ لأن إرادة الإطلاق غير إرادة السلب عن البعض، فلا يَضُر كَوْن إرادة السلب دليلها سابقًا.
ثم ذكر القاضي تاج الدين أن العام الذي يُراد عمومُه ضربان: ما أفراده كلها مُرادة، وما أُريدَ غالب أفراده ولكن نزل الغالب منزلة الكل. وأن الشافعي في "الرسالة" مثَّل للأول بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٧٦] وبقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦]، بناءً على أنه ليس مما خُص بالعقل، بل دَلَّ العقل أنه لم يدخل أصلًا، فالعموم فيه مراد.
ومَثَّل [للثاني] (^١) بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ [النساء: ٧٥]، فإنَّ مِن المعلوم أن فيها غَيْر الظالم، ولكن لِقِلَّتهم جُعلوا كالعدم (^٢). انتهى
وهذا يقتضي أنَّ لنا قِسمًا ثالثًا -في قَصْر اللفظ على بعض الأفراد- غير العام المخصوص والعام المراد به الخصوص؛ لأن الثاني إنما يكون إذا أطلق على الأقل كما سبق في كلام الشيخ أبي حامد والماوردي، والأول إنما يكون حيث لم يُرَد إطلاق اللفظ وإرادة بعض
_________________
(١) كذا في (ص)، لكن في (ق، س): الثاني.
(٢) انظر: الإبهاج (٢/ ١٣٤).
[ ٤ / ١٤٩٦ ]
الأفراد، وهذا أريد به بعض الأفراد وإنْ كانت هي الأكثر.
وأما المسألة الثالثة:
وهي أن دلالة العام بعد تخصيصه على باقي الأفراد هل هو حقيقة؟ أو مجاز؟
فيه مذاهب:
أحدها وهو المختار وعليه جريتُ في النَّظم: أنه حقيقة مطلقًا بأيِّ تخصيص خُصِّص. فقد قال الشيخ أبو حامد: (إنه مذهب الشافعي وأصحابه، وهو قول مالك وجماعة من أصحاب أبي حنيفة). انتهى
وذلك لأن الواضع لما وضعه للجميع وخرج بعض الأفراد من الحكم بدليل، لم تتأثر دلالة اللفظ على الباقي حقيقةً كما كانت كذلك.
وجزم بأنه حقيقة أيضًا القاضي أبو الطيب والشيخ أبو إسحاق وابن الصباغ وسليم، ونقله ابن برهان في "الوجيز" عن أكثر علمائنا، وقال إمام الحرمين في "التلخيص" وابن القشيري: إنه مذهب جماهير الفقهاء. ونقله الغزالي في "المنخول" عن الشافعي، ونقله ابن الحاجب عن الحنابلة، ورجحه الشيخ تقي الدين السبكي وغيره من المتأخرين.
الثاني: أنه مجاز مطلقًا، ونقله الإمام الرازي عن جمهور أصحابنا والمعتزلة كأبي علي وابنه، ونقله الشيخ أبو حامد وسليم عن المعتزلة بأسرها، واختاره البيضاوي وابن الحاجب والهندي. وفي "الأوسط" لابن برهان: إنه المذهب الصحيح. ونسبه إلْكِيَا للمحققين، ونقله في "المنخول" عن القاضي أبي بكر، وممن جزم به من الحنفية: الدبوسي والسرخسي والبزدوي، وحكوه عن اختيار العراقيين من الحنفية.
وحُكي عن الأشعري، لكن فيه نظر مِن وجهين كما قاله الشيخ أبو حامد:
أحدهما: أن الصِّيَغ عنده مشتركة بين العموم والخصوص، فإذا دَلَّ دليل على أنه
[ ٤ / ١٤٩٧ ]
للخصوص، كان استعماله فيه حقيقةً.
والثاني: أنه يحتج به فيما بقي بمجرده، فلو كان مجازًا، لم يحتج به إلا بقرينة.
احتُج لهذا المذهب بأنه حقيقة في الاستغراق، فلو كان حقيقة في الباقي بعد التخصيص، للزم الاشتراك، والمجاز خير منه.
وجوابه: أن الكُلي دلالته على كل جزئياته وبعضها سواء، إذ لا يُقال: دلالة إنسان على كل أفراده حقيقة وعَلَى زيد مجاز.
الثالث: أن له جهتين:
إحداهما: مِن حيث تناول اللفظ له بعد التخصيص كما كان قبله، فهو حقيقة.
والثانية: من حيث الاقتصار عليه دون ما خرج بالتخصيص، فهو مجاز.
كأنه جَمعْ بين القولين السابقين، وتحقيق المناط فيهما. وهو اختيار إمام الحرمين كما نص عليه في "البرهان".
وقال ابن القشيري والمقترح في تعليقه على "البرهان": (إنه معنى كلام القاضي).
وفيما قالاه نظر؛ فإنَّ القاضي أورده سؤالًا على نفسه، ثم أجاب عنه بأن هذا التفصيل ساقط، وذكر ما حاصله أن اللفظ إنما يكون حقيقة إذا كان الباقي منضمًّا مع الذي خرج، فبَعْد خروجه لا يبقى حقيقة، بل يجب أن يكون مجازًا، لاسيما إذا كان العام صيغة جمع وبقي بعد التخصيص واحد، فإنه مجاز وفاقًا.
وحاول ابن القشيري التوفيق بين كلام القاضي والإمام وأن كُلًّا منهما حق من وجه بما يَؤُول الأمر به إلى ما قاله إمام الحرمين من أنه حقيقة ومجاز باعتبارين.
ومنهم مَن حمل القول بكونه مجازًا على أنه أراد من حيث اللغة، والقول بكونه حقيقة من حيث الشرع، فلم يتواردَا على محل واحد.
[ ٤ / ١٤٩٨ ]
الرابع وبه قال أبو بكر الرازي من الحنفية: إنْ كان الباقي غير منحصر فحقيقة وإلا فمجاز؛ وذلك لأنه إذا بقي غير منحصر، كان معنى العام فيه وهو الاستغراق بغير حصر، بخلاف ما إذا كان الباقي محصورًا، فإنه مُغايِر حينئذٍ لمعنى العام.
ويتعجب من ابن السبكي في "شرح المختصر" في ضبط مقالة الرازي هذه بضابط قد ذكره أصحابنا في الفقه في تَزَوُّج امرأة من نساء فيهن له محَرم يجوز في غير المحصور دون المحصور.
قال إمام الحرمين: (غير الحصور كثرة يعسر العلم بقدرها على آحاد الناس).
وقال الغزالي: كل عدد لو اجتمعوا في صعيد لَعَسُر على الناظر عدتهم بمجرد النظر -كالألْف- فغير محصور، وإنْ سَهُل كالعشرة والعشرين فمحصور.
قال: (وبين الطرفين أوساط يلحق بأحدهما بالظن، وما وقع فيه الشك استفت فيه القلب). انتهى
ولكن هذا إنما هو في المحصور وغير المحصور في العُرف في الأفراد الوجودية في الخارج، وبحث الأصولي الذي عناه أبو بكر الرازي إنما هو مدلول الكُلي في الذهن.
الخامس: أنه حقيقة إن خُص بما لا يستقل من شرط أو صفة أو استثناء أو غاية، لا بالمستقل من عقل أو سمع، فإنه مجاز. وبهذا قال الكرخي من الحنفية والإمام الرازي.
وقال المازري أنه آخِر قَوليِّ القاضي، وأن أولهما كونه مجازًا مطلقًا (^١).
السادس ونقله بعضهم عن القاضي كابن الحاجب في "مختصره": أنه حقيقة إنْ خُص بشرط أو استثناء، لا صفة وغيرها.
_________________
(١) إيضاح المحصول (ص ٣٠٢).
[ ٤ / ١٤٩٩ ]
السابع: حقيقة إن خُص باستثناء، وإلا فلا. كذا قاله القاضي في "مختصر التقريب"، ولفظه: (فالصحيح عندنا من هذه المذاهب أن نقول: إذا تَقرر التخصيص باستثناء متصل، فاللفظ حقيقة في بقية المسميات، وإنْ [تَقرر] (^١) التخصيص بدلالة منفصلة، فاللفظ مجاز، لكن يُستدل به في بقية المسميات) (^٢). انتهى
نعم، إنْ جُعِل اقتصارُه على الاستثناء كالمثال لا للحصر فيه لأنه جَعَله في مقابلة المنفصل، كان موافقًا لِمَا سبق مِن نقل المازري عنه القول الخامس.
الثامن وبه قال عبد الجبار: أنه حقيقة إنْ خُص بشرط أو صفة، لا استثناء أو غيره.
التاسع: أنه حقيقة إن خُص بدليل لفظي، سواء أكان متصلًا أَم منفصلًا، وإلا فمجاز.
العاشر: إنْ بقي بعد التخصيص جمع فهو حقيقة، وإلا فهو مجاز.
وأما قول الغزالي: (إنه إذا لم يبق بعد التخصيص جمع، لا خلاف في كونه مجازًا) ففيه نظر، فقد ذكر القاضي عن بعض أصحابنا أن اللفظ حقيقة فيما يبقى وإن كان أقل من الجمع، قال: (وهذا بعيد جدًّا).
فلعل الغزالي إنما نفى الخلاف لقول الإمام ذلك.
وممن قال بهذا القول -مع بُعده- الباجي من المالكية، ونقله القاضي أبو الطيب عن الشيخ أبي حامد احتجاجًا بقوله تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣].
وقد تعقب ابن القشيري بذلك على مقالة القاضي السابقة المشعِرة بالاتفاق؛ لاستبعاده ذلك القول وأنه لا يُعْبَأُ به.
_________________
(١) كذا في (ص، ق)، لكن في (س): تقدَّر.
(٢) التقريب والإرشاد - الصغير (٣/ ٦٧)، التلخيص (٢/ ٤١).
[ ٤ / ١٥٠٠ ]
وأما شُبَه هذه المذاهب فَلَسْنَا بصدد ذِكرها؛ قصدًا للاختصار.
نعم، ننبه هنا على أمور:
أحدها: قد علمت أن هذا الخلاف إنما هو في العام المخصوص، أما العام المراد به الخصوص فمجاز قطعًا إلا على الجهة التي سبق في كلام السبكي أنه يمكن أن يَطْرقه الخلاف منها.
الثاني: فائدة الخلاف في هذه المسألة الخلاف في المسألة الآتية، فمَن يقول: حقيقة، يقول بأنه يُحتج به في الأفراد الباقية. ومَن يقول: مجاز، فلا إلا بقرينة تدل على بقاء الحكم فيه.
الثالث: إنما أطلقتُ في النَّظم كونه حقيقة ولم أُشِر إلى التعريض بشيء من المذاهب فيه بخلاف المسألة الآتي ذِكرها، وهي كونه حُجة في الباقي، فإني أومأت إلى بعض ما فيها من الأقوال؛ لأن الأهم في الباب بحث كونه حُجة أو لا.
المسألة الرابعة:
إذا خُص العام بشيء من المخصصات، هل تبقى حُجيته فيما بقي كما كانت قبل التخصيص؟ فيه مذاهب:
أصحها: أنه إنْ خُصَّ بمبهَم فليس بحجة. كما لو قال: (اقتلوا المشركين إلا بعضهم)، لا يُستدل به على الأمر بقتل فرد من الأفراد؛ إذ ما مِن فرد إلا ويجوز أن يكون هو المخرج.
ومنه قوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١] حتى ادَّعَى بعضهم الاتفاق فيه كالقاضي وابن السمعاني والأصفهاني في "شرح المحصول"، وكذا الآمدي، وهو ظاهر تقييد ابن الحاجب والبيضاوي وغيرهما محل الخلاف بالمخصص بمعيَّن.
وليس حكاية الاتفاق بصحيحة؛ ففي "الوجيز" لابن برهان حكاية الخلاف في هذه
[ ٤ / ١٥٠١ ]
الحالة، بل صحح العمل به مع الإبهام.
قال: (لأنَّا إذا نظرنا إلى فرد، شككنا فيه هل هو مِن المخرج؟ أم لا؟ والأصل عدمه، فيبقى على الأصل ويُعمل به إلى أن يُعْلم بالقرينة أن الدليل المخصِّص معارِض لِلَّفظ العام، وإنما يكون معارِضًا عند العِلم به). انتهى
وهو صريح في الإضراب عن المخصِّص والعمل بالعام في جميع أفراده. وهو بعيد وإنْ قال به بعض الحنفية كما نقله ابن الساعاتي في "البديع"، وكذا صاحب "اللباب" وأبو زيد وغيرهم، وحكاه أبو الحسين بن القطان من الشافعية عن بعض أصحابنا.
وبالجملة فالراجح المنع؛ لأن إخراج المجهول مِن المعلوم يُصَيِّر المعلوم مجهولًا، وهذا كما لو قال: (بِعْتُك هذه الصبرة إلا صاعًا منها)، لا يصح.
فالإضراب عن التخصيص بالمبهَم والعمل بالعموم -ناءٍ عن قواعد الشرع، ويلزم أن مَن طلق إحدى امرأتيه يَطَأهُما جميعًا، ومَن اشتبه عليه الطهور من إناءين، يستعملهما. ولكنه رأي ضعيف، وهو أنه يهجم.
نعم، لو قيل: يُحتج به إلى أنْ يبقى فرد، كان له وجه، كمن اشتبه مَحْرمه بنساء غير محصورات، ولو حلف لا يأكل هذه التمرة فاختلطت بتمر كثير فأكله إلا تمرة، لم يحنث.
بخلاف اختلاط المحرم بالمحصور فإنَّ الكل حرام، حتى لو وطأَ رجلان امرأة وطئًا يلحق به النسب فأتت بولد وأرضعت طفلًا بلبنه [ولم] (^١) يثبت نَسبه وأراد أن يتزوج ببنت أحدهما، لم تَحِل على الأصح.
وقيل: يحِل أن يتزوج بنت مَن شاء منهما؛ لأن الأصل في كل واحدة الِحل.
_________________
(١) في (ص): فلم.
[ ٤ / ١٥٠٢ ]
وقيل: تحِل كل واحدة على الانفراد، ولا تُجمع.
وقيل: يجوز الجمع. قال الماوردي: وهو الظاهر من كلام الشافعي.
وأما إذا كان التخصيص بمُعيَّن فحُجة؛ لأن الصحابة لم تَزَل تستدل بالعمومات مع دخول التخصيص فيها.
قيل: ولأنه لو لم يُحتج به في الباقي لكان متوقفًا على دلالته على الأفراد المُخْرَجَة. فإنْ كانت تلك لا تتوقف على هذا فتَحَكُّم، أو توقفت فَدَوْر.
ولكن هذا مردود بأن هذا مِن الدور المَعِي وليس بِمُحَال، إنما المُحَال الدَّوْر السبقي.
وهذا القول بالتفصيل المذكور هو قول معظم الفقهاء، واختاره الإمام الرازي والآمدي وابن الحاجب. وقال ابن القطان من أصحابنا: إنه الأصح. وقال ابن الصباغ: إنه قول أصحابنا.
وبه قال إلْكِيَا، قال: لكنه دُون ما لم يتطرق التخصيص إليه يُكْسبه ضربًا من التجوز. ولمثْلِه رجح نهيه ﵇ عن أكل كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير على عموم قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآية -بأن التخصيص تَطَرَّق إليها، فإنَّ الخمر والقاذورات المحرَّمة خارجة منها.
وقال أبو زيد الدبوسي أنه الذي صح عنده من مذهب السلف، قال: (لكنه غير موجِب للعِلم قطعًا، بخلاف ما قَبْل التخصيص) (^١).
المذهب الثاني: أنه حُجة مطلقًا في المخصوص بمعيَّن وبمبهم. وسبق القائل به وتقريره.
_________________
(١) عبارته في تقويم الأدلة (ص ١٠٥): (غير موجب للعلم قطعا كما قال الشافعي قبل الخصوص).
[ ٤ / ١٥٠٣ ]
الثالث: أنه ليس بحجة مطلقًا. ونُقل عن عيسى بن أبان وأبي ثور، وحكاه القفالُ الشاشي عن أهل العراق، والغزاليُّ عن القدرية، ونقله إمام الحرمين وابن القشيري عن كثير من الشافعية والمالكية والحنفية.
وعن الجبائي وابنه قالوا: لأنَّ اللفظ موضوع للاستغراق، وإنما يخرج عنه بقرينة، ومقدار تأثير القرينة في اللفظ مجهول؛ فيصير مُجْمَلًا.
قال بعض مَن قال به: ويجاب عما قيل مِن عمل الصحابة إما بأن ذلك لقرائن شاهدوها، أو لغير ذلك.
وهو مردود بأن الأصل عدم القرائن.
وربما قَرر بعضهم الدليل بأن التخصيص قد دل على أن العموم غير معمول به، بل يتوقف على دليل.
ولا يخفَى فسادُه؛ فإنَّ الدليل إنما دل على عدم العمل به في المُخْرَج، لا مطلقًا.
الرابع: أنه حُجة إنْ خُص بمتصل كالشرط والاستثناء والصفة، وإنْ خُص بمنفصل فهو مجُمَل في الباقي. حكاه الأستاذ أبو منصور عن الكرخي والبلخي، وكذا نقله في "المعتمد" وأبو بكر الرازي في "أصوله" عن الكرخي.
الخامس: وبه قال أبو عبد الله البصري: إنْ كان لفظ العموم مُنبئًا عما بقي قبل التخصيص كـ ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، فهو حجة، فإنه يُنبئ عن الحربي كما يُنبئ عن المستأمن. وإنْ لم يكن مُنبئًا، فليس بحجة، كـ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨]، فإنه لا ينبئ عن النِّصاب والحِرْز. فإذا انتفى العمل به عند عدم النصاب والحرز، لم يُعمل به عند وجودهما.
السادس قول عبد الجبار: حُجة إنْ كان لا يتوقف على البيان، كَـ "المشركين"، فإنه بيِّن
[ ٤ / ١٥٠٤ ]
في الذمي قَبْل إخراجه، بخلاف نحو: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأنعام: ٧٣] فإنه مفتقر إلى البيان قبل إخراج الخاص من عموم اللفظ؛ ولذلك بَيَّنه - ﷺ - وقال: "صَلُّوا كما رأيتموني أصلي" (^١).
السابع: أنه حُجة في أقَل الجمع، اثنين أو ثلاثة على الخلاف السابق، لا فيما زاد. حكاه القاضي والغزالي وابن القشيري، وقال: إنَّه تَحكُّمٌ. وقال الهندي: (لعله قول مَن لا يُجوِّز التخصيص إليه) (^٢).
الثامن: وحكاه الغزالي في "المنخول" عن أبي هاشم: أنه يُتمسَّك به في واحد، ولا يُتمسك به في جمع.
التاسع: الوقف، فلا يُقضَى بأنه خاص أو عام إلا بدليل. حكاه ابن القطان وجعله مُغايرًا لقول ابن أبان بعد أن نقل عنه القول بأن الباقي على الخصوص. لكن على كل حالٍ لا يخرج عن الثمانية السابقة.
نعم، مَن يقول: (إنه مُجْمَل) اختلفوا كما قال الشيخ أبو حامد: هل هو مجمل من حيث اللفظ والمعنى فإنه لا يُعقل المراد من ظاهره إلا بقرينة؟ أو مجمل من حيث المعنى فقط؟ وجهان لأصحابنا، الأكثرون على الثاني؛ لافتقار العام المخصوص لقرينة تُبَين ما هو مراد به، وافتقار العام المراد به خاص إلى قرينة تُبيِّن ما ليس مرادًا به.
فتزيد المذاهب.
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) نهاية الوصول (٤/ ١٤٨٨).
[ ٤ / ١٥٠٥ ]
تنبيهات
الأول: محل هذا الخلاف -كما ذكرنا- في العام المخصوص، أما المراد به خاص فلا يصح الاحتجاج بظاهره كما قاله الشيخ أبو حامد في "كتاب البيع" من "تعليقته"، وفيه ما يدل على أنَّ ابن أبي هريرة قاله أيضًا.
قلتُ: وهو مُشْكل؛ لأن المراد إنْ كان الاحتجاج به في الخاص الذي أُريدَ به فلا يُتصور فيه خلاف، أو فيما عدَاه فليس مرادا قطعًا، فكيف يُستدَل بالعام عليه؟ !
الثاني: قد ذكرنا أن الخلاف في هذه المسألة مُفرَّع على التي قبلها.
نعم، مَن جوَّز التعلق به مع كونه مجازًا -كالقاضي- يبقى الخلاف على قوله لفظيًّا كما قاله أبو حامد وغيره؛ لأنه هل يُحتج به ويُسمَّى مجازًا؟ أو لا يُسمى مجازًا؟
وقال صاحب "الميزان" (^١) -من الحنفية- أنَّ المسألة مُفرَّعة على أن دلالة العام على أفراده قطعية؟ أو ظنية؟ فمَن قال: قطعية، جعل الذي خُص كالذي لم يُخص.
قيل: وفيه نظر.
وقيل: مُفرَّعة على أن اللفظ العام هل يتناول الجنس؟ أوْ لا وتندرج الآحاد تحته؛ ضرورةَ اشتماله عليها؟ أو يتناول الآحاد واحدًا واحدًا حتى يستغرق الجنس؟
فالمعتزلة قالوا بالأول، فعند الإطلاق يظهر عمومه، فإذا خُص، تبيَّن أنه لم يُرد العموم. وعند إرادة عدم العموم ليس بعض أَوْلى مِن بعض، فيكون مجمَلًا.
الثالث: قولي: (وَلَوْ مُنْفَصِلًا مِنْهُ عُنِي أَوْ لَمْ يَكُنْ عُمُومُهُ قَدْ أَنْبَأَ عَنْهُ) تَعريضٌ ببعض ما
_________________
(١) ميزان الأصول في نتائج العقول (ص ٢٩٠ - ٢٩٢).
[ ٤ / ١٥٠٦ ]
سبق في المسألة الأخيرة مِن الأقوال، وقد أوضحناها.
وقولي: (وَأَمَّا إنْ يَكُنْ قَدْ بُدِئَ) إلى آخِره فهو إشارة إلى ما فُرِّق به بين العام المخصوص والمراد به الخصوص.
وقولي: (أُطْلِقَ لِلَّذِي هُوَ الْجُزْئِيُّ) أي: مقصورًا عليه، وإلا فقد سبق أن مِثْل ذلك حقيقة. وهذا أصوب مِن التعبير بأنه كُلٌّ أُطلق على البعض؛ لأنَّ العموم في أفراده مِن قبيل الكلي مع جزئياته كما سبق تقريره غير مَرَّة، والله أعلم.
ص:
٦٢٢ - وَبِالْعُمُومِ قَبْلَ أَنْ يُبْحَثَ عَنْ تَخْصِيصِهِ تَمَسُّكٌ لِمَنْ فَطَنْ
٦٢٣ - أَيْ في حَيَاةِ الْمُصْطَفَى مُحَمَّدِ صَلَّى عَلَيْهِ اللهُ مِنْ مُمَجَّدِ
٦٢٤ - كَذَاكَ بَعْدَهُ، وَحَيْثُ شُرِطَا فَالظَّنُّ كافٍ فِيهِ فِيمَا ضُبِطَا
الشرح:
من مباحث التخصيص أيضًا أن العام هل يجوز التمسك به قبل البحث عن مخصِّص له؟ أو لا يجوز؛ لأنَّ العمومات التي لم يَطْرقها تخصيص نادرة فلا بُدَّ مِن البحث عن المخصِّص قَبْلَ العمل؟ فيه خلاف.
قال الأستاذ أبو إسحاق: محلُّه بعد النبي - ﷺ -، أما في حياته فلا خلاف في وجوب المبادرة إلى الأخذ به وإجرائه على عمومه؛ لأن أصول الشريعة لم تكن متقررة؛ لجواز أن يحدث بعد ورود العام مخصِّصٌ وبَعد النص نسخٌ، فلا يفيد البحث عن ذلك شيئًا.
وحاصل الخلاف فيما بعده - ﷺ - مذهبان:
أحدهما وبه قال الصيرفي ومَالَ إليه إمام الحرمين وغيره: وجوب العمل قبل البحث،
[ ٤ / ١٥٠٧ ]
حتى قال الإمام: إن قول التوقف على البحث غير معدود مِن مباحث العُقلاء و[مُضْطرب العلماء] (^١)، وإنما هو قول صدر عن غباوة واستمرار في عناد.
ولأجل رجحان الأول عند المحققين واختاره حذاق المتأخرين جريتُ عليه في النَّظم بقولي: (كَذَاكَ بَعْدَهُ)؛ لأنَّ الأصل عدم المخصِّص.
وأيضًا فاحتماله مرجوح، وظاهر العموم راجح، والعمل بالراجح واجب، كما أن احتمال النسخ لا يؤثر في المبادرة بالعمل بالنص؛ ولذلك هَمَّ عثمان - ﵁ - برجم التي ولدت لستة أشهر، وهَمَّ عمر - ﵁ - برجم مجنونة؛ عملًا بظاهر العموم حتى أتاهما عَلِي - ﵁ - بنص خاص يُخصِّص العموم.
الثاني: المنع. وبه قال ابن سريج، وحكاه الشيخان أبو حامد وأبو إسحاق الشيرازي وغيرهما عن عامة أصحابنا سوى الصيرفي، ونقله أبو حامد عن الإصْطَخْري وابن خيران والقفال الكبير.
ثم اختلف القائلون به في أنه هل يكفي في البحث الانتهاء إلى ظن عدم المخصص؟ أو لا بُدَّ من اعتقاد جازم يسكن إليه القلب؟ أو لا بُدَّ من القطع؟ ثلاثة أقوال، أصحها الأول؛ جريًا على الاكتفاء بالظن في مِثله، وبالثالث قال القاضي، قال: (ويحصل ذلك بتكرير النظر والبحث).
_________________
(١) (في (ص، ق): مضطرف.
[ ٤ / ١٥٠٨ ]
تنبيهات
الأول: حكاية الخلاف هكذا هو إيراد الإمام الرازي وأتباعه، وسبقهم إلى ذلك الأستاذ أبو إسحاق الأسفراييني والشيخ أبو إسحاق الشيرازي وغيرهما.
لكن اقتصر القاضي أبو الطيب وإمام الحرمين وابن السمعاني في النقل عن الصيرفي على وجوب اعتقاد العموم في الحال قبل البحث.
وصرح غيرهم عنه بأنه قال: يجب الاعتقاد والعمل. ولك أن تقول: إنْ دخل وقت العمل، لزم مِن وجوبِ الاعتقاد وجوبُ العمل؛ فلذلك اكتفَى مَن اقتصر على وجوب الاعتقاد بذلك.
وأما الغزالي ثم الآمدي وابن الحاجب فحكوا الخلاف على وجه آخر، وهو أنه يمتنع العمل قبل البحث قطعًا، وإنما الخلاف في كونه يكفي الظن (وهو قول الأكثر) أو لا بُدَّ من القطع (وهو قول القاضي)، قال: (ويحصل ذلك بتكرير النظر والبحث من اشتهار كلام الأئمة).
قالوا: وليس خلاف الصيرفي إلا في اعتقاد عمومه قبل دخول وقت العمل به، وإذا ظهر مخصِّص، تَعَيَّن الاعتقاد.
ومنهم مَن جمع بين الطريقين بأنهما مسألتان: وجوب العمل (وهو محل القطع)، واعتقاد العموم (وهو محل الخلاف).
وفيه نظر؛ فإن ذلك إنْ كان قبل دخول وقت العمل فقد جعلوا محل خلاف الصيرفي فيه، وإن كان بعد دخول وقت العمل فقد سبق أنه لا معنى لاعتقاده إلا وجوب العمل به.
[ ٤ / ١٥٠٩ ]
الثاني: استند مَن قال بوجوب [العمل] (^١) (وهو الصيرفي) إلى نَصِّ الشافعي في "الرسالة"، إذْ قال ما نصه: (والكلام إذا كان عامًّا ظاهرًا، كان على عمومه وظهوره حتى تأتي دلالة تدل على خلاف ذلك).
حكى ذلك عنه الشيخ أبو حامد، وحُكي عن القفال أن الصيرفي سُئل عن قوله تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك: ١٥] مَن سَمع هذا، يأكل جميع ما يجده؟ قال: يبلع الدنيا بلعًا.
قال أبو حامد: (وابن سريج ورفقته تعلقوا بقول الشافعي ما نصه: وعلى أهل العلم بالكتاب والسنة أن يطلبوا دليلًا يفرقون به بين الحتم وغيره في الأمر والنهي) (^٢). انتهى
الثالث: مثار الخلاف في المسألة التعارض بين الأصل والظاهر، وله مثار آخر وهو أن التخصيص هل هو مانع؟ أو عدمه شرط؟
فالصيرفي يجعله مانعًا، فالأصل عدمه.
وابن سريج يجعله شرطًا، فلا بُدَّ مِن تحقُّقه. ونظيره الشاهد عند الحاكم لا يُعرف حاله، فيُبحث عنه حتى يُعمل بشهادته إذا عُدِّل.
ونظيره أيضًا صيغة العموم المحتملة للعهد، هل يُعمل بها؛ لأن العهد مانع والأصل عدمه؟ أو عدم العهد شرط، فلا بُدَّ مِن تحقُّقه؟
الرابع: قال ابن الحاجب: (إنَّ هذا الخلاف يجري في كل دليل مع معارِضِه).
وهي طريقة لبعضهم ممن ذكرها الشيخ أبو حامد، إذ قال: (وهذا الخلاف بين أصحابنا في لفظ الأمر والنهى إذا وردَا مُطلقَين).
_________________
(١) في (ت): وقت العمل.
(٢) الأم (٥/ ١٤٣).
[ ٤ / ١٥١٠ ]
نعم، منهم مَن نقل الإجماع على أنه لا يجب -عند سماع الحقيقة- طلبُ المجاز وإنْ وجب عند سماع العام طَلَبُ المخصِّص؛ لأنَّ تَطرُّق التخصيص إلى العام أكثر.
قال الشيخ تقي الدين السبكي: (ولأن في العام دلالتين: إحداهما على أصل المعنى وهي نَص، والثانية على استغراق الأفراد وهي ظاهرة. واحتمال المجاز حاصل في الأول. وأما الحقيقة فاللفظ فيها يدل على مُعيَّن مفرد، والدلالة الإفرادية عِلمية قطعية؛ فلذلك لم يُطلب المجاز، واحتمال التخصيص إنما هو في الثانية) (^١).
قال: (ومَن شَبَّه العام بالحقيقة فقد أتى بساقط مِن القول).
الخامس: إذا اقتضى العام عملًا مؤقتًا وضاق الوقت عن طلب الخصوص، فهل يُعمل بالعموم؟ أو يُتوقَّف؟ حكى ابن الصباغ فيه خلافًا.
ونظيره هل للمجتهد التقليد عند ضيق الوقت؟ فيه وجهان.
وكذا القادر على الاجتهاد في القِبلة، وكذا لو استيقظ قبل الوقت وكان بحيث لو اشتغل بالوضوء لخرج الوقت، هل يتيمم؟ أو يتوضأ وإنْ خرج الوقت؟ وجهان.
قولي: (وَحَيْثُ شُرِطَا) أَجود من قوله في "جمع الجوامع": (وكذا بعد الوفاة، خلافًا لابن سريج. ثم يكفي في البحث الظن، خلافًا للقاضي) (^٢).
لأنه يُوهِم أنه تفريع على القول بعدم البحث، وليس كذلك، بل هو على وجوبه. وأيضًا ففيه تخليط طريقة بطريقة، وقد أوضحنا الطريقين. والله أعلم.
_________________
(١) الإبهاج (٢/ ١٤٢).
(٢) جمع الجوامع (٢/ ٤٠) مع شرح المحلي وحاشية العطار.
[ ٤ / ١٥١١ ]
المُخَصِّص:
٦٢٥ - مُخَصِّصُ الْعُمُومِ إمَّا مُتَّصِلْ لَا [يَسْتَقِلُّ] (^١) مُفْرَدًا، أَوْ مُنْفَصِلْ
الشرح:
لَمَّا فرغتُ مِن بيان التخصيص، شرعت في المخصِّص (بالكسر)، وهو حقيقةً فاعِلُ التخصيص الذي هو الإخراج كما سبق، ثم أُطلق على إرادته الإخراج؛ لأنه إنما يُخصِّص بالإرادة، فأُطلِق على نَفْس الإرادة "تخصيصًا"، حتى قال الإمام الرازي وأتباعه: (إن حقيقة التخصيص هو الإرادة) (^٢).
لكن الأصوب ما ذكرناه. ثم أُطلق "المخَصِّص" على الدليل الدال على الإرادة.
ومنهم من يحكي هذين قولين كما فعل القاضي عبد الوهاب وابن برهان:
أحدهما: أنَّ "المخصِّصَ": إرادةُ المتكلم إخراج بعض ما يتناوله الخطاب.
والثاني: الدليل الدال على إرادة ذلك.
وبالجملة فالمقصود من الترجمة الثاني، وهو الدليل، فإنه الشائع في الأصول حتى صار حقيقة عرفية. وربما أطلق "المخصِّص" على المُظْهِر لإرادة مُرِيد التخصيص مِن مجتهدٍ أو غيره.
إذا عُرف ذلك، فالمخصِّص قسمان:
متصل: وهو ما لا يستقل، بل مرتبط بكلام آخَر.
_________________
(١) في (ت): مستقل.
(٢) المحصول (٣/ ٨).
[ ٤ / ١٥١٢ ]
ومنفصل: وهو ما يستقل.
فأما المتصل فالمشهور انقسامه إلى أربعة: الاستثناء، والصفة، والشرط، والغاية.
وزاد ابن الحاجب: بدل البعض. وسيأتي تضعيفه.
وذُكِرَت مخصِّصات أخرى في عَدِّها نظر يأتي بيانه. والله أعلم.
ص:
٦٢٦ - فَأَوَّلٌ مُنْقَسِمٌ لِخَمْسَةِ أَحَدُهَا: اسْتِثناؤُهُمْ بِوصْلَةِ
٦٢٧ - وَذَاكَ إخْرَاجٌ بِنَحْوِ "إلَّا" مِنْ وَاجِبِ الدُّخُولِ فِيمَا دَلَّا
الشرح:
أي: الأول وهو المخصِّص المتصل خمسة أقسام كما سبق:
أحدها: الاستثناء، وهو مأخوذ مِن الثني، وهو العطف.
تقول: ثنيتُ الحبل أثنيته، أي: عطفت بعضه على بعض.
وقيل: مِن ثنيتُه عن الشيء، إذا صرفته عنه.
وهو ضربان: استثناء متصل، واستثناء منقطع.
والمراد هنا المتصل، وهو معنى قولي: (بِوصْلَةِ).
أما المنقطع فسيأتي أنَّ الراجح أنه لا يُعَد من المخصصات.
وفي تعريف كل منهما عبارات كثيرة ذكر منها ابن الحاجب طائفة، ولكنَّا نقتصر على المختار في تعريف المتصل، ثم نذكر المنقطع استطرادًا.
فَـ "المتصل" هو إخراج بنحو: "إلا" مما وُضع من الأدوات للإخراج لشيء مما هو
[ ٤ / ١٥١٣ ]
واجب الدخول في آخَر دال عليه.
فَـ "إخراج" جنس يدخل فيه التخصيص بالمنفصل والمتصل بأقسامهما.
وقولنا: (بِنَحْوِ "إلَّا") إلى آخِره - مخُرِج لما سوى الاستثناء المتصل مما دخل تحت "إخراج".
والإشارة بِـ "نحو: إلا" إلى أدوات الاستثناء الثمانية المشهورة التي منها ما هو حرف اتفاقًا كَـ "إلا" أو على الأصح: كَـ "حاشَا" فإنها حرف عند سيبويه دائمًا، ويقال فيها أيضًا: "حاشَ" و"حَشَا".
ومنها ما هو فعل (كَـ "لا يكون") أو على الراجح (كَـ "ليس").
ومنها ما يتردد بين الفعلية والحرفية، فإنْ نَصب ما بعده، كان فعلًا، أو خفضه، كان حرفًا، وهو "خَلَا" باتفاق، و"عَدَا" عند غير سيبويه.
ومنها ما هو اسم، وهو "غَيْر" و"سِوَى"، سواء قلنا: إنه ظرف دائمًا استثني به. أو قُلنا: يتصرف تَصرف الأسماء. ويقال فيه: "سُوى" بضم السين، و"سواء" بفتحها والمد، أو بكسرها والمد. ذكرها الفاسي في شرح الشاطبية.
نعم، قيد البيضاوي وابن الحاجب في بعض تعاريفه "إلا" بغير الصفة وإن لم يقيد في تعريفه المختار.
والقصد بهذا القيد إخراج نحو: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، فليست "إلا" فيه استثناء، بل وصف، وإلا لفسد المعنى؛ لأنه إذا كان الفساد مرتبًا على وجود آلهة ليس فيهم الله، اقتضَى نَفْي الفساد في وجود آلهة فيهم الله. وذلك باطل قطعًا.
نعم، زعم المبرد أنها استثناء، وما بعدها بدل؛ لأنَّ الشرط بِـ "لو" امتناع، وهو معنى النفي.
[ ٤ / ١٥١٤ ]
ورُدَّ بأنه لا يقال: (لو جاءني ديار أو من أحد) كما يقال: (ما جاءني ديار أو من أحد).
وإنما لم أُقيد به اعتناءً بلفظ إخراج، فإنَّ "إلا" الوصفية لا إخراج فيها بالوضع وإنْ كانت مُخرجة من حيث الوصفية؛ ولذلك لم يذكرها الإمام الرازي وأتباعه غير مَن ذكرنا. بل مِن الوصف ما لا إخراج به أصلًا كما لو كان للمدح أو الذم أو الترحم أو التوكيد.
وأيضًا فلا يُقصر هذا القيد على "إلا"، بل يجري فيما يكون وصفًا مما هو نحو "إلا" كَـ "غير" و"سوى"، فينبغي تأخير القيد عن قوله: (ونحوها)؛ لِيَعُم "إلا" وغيرها.
وأيضًا فينبغي أن يحترز عن "إلا" الواقعة عاطفة كما ذكره الأخفش والفراء وأبو عبيد، كقوله تعالى: ﴿لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ [النمل: ١٠ - ١١]، الآية، ومنه على رأْيٍ:
وكُلُّ أَخٍ مُفارِقُهُ أخوه لَعَمْرُ أبيكَ إلَاّ الفَرقدانِ
أي: والفرقدان.
والزائدة -كما قاله الأصمعي وابن جني- نحو: (حَرَاجِيجُ لَا تَنْفَكُّ إلَاّ مُنَاخَةً). إذ المعنى: لا تنفك مناخة.
وقولنا: (مما هو واجب الدخول) احتراز مِن نحو: (جاء رجال إلا زيدًا)؛ لاحتمال أن لا يريد المتكلم دخوله حتى يُخرجه.
أما إذا أفاد الاستثناء من النكرة كاستثناء جزء من مركب، فيجوز، نحو: اشتريت عبدًا إلا رُبعه، أو: دارًا إلا سَقْفها.
ومنه الاستثناء مِن العدد، نحو: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤].
وكما أن الاستثناء مِن النكرة إذا لم يُفِد لا يكون متصلًا كذلك لا يكون منقطعًا؛ لأن
[ ٤ / ١٥١٥ ]
شرطه أن لا يدخل في المستثنى منه قطعًا، وهذا يحتمل أن يراد دخوله.
ولهذا لما عَرَّف ابن الحاجب المنقطع، قال: (ما دل على مخالفة بِـ "إلا" غَيْر الصفة وأخواتها مِن غير إخراج) (^١).
وهذا معنى قولي في النَّظم: (مِنْ وَاجِبِ الدُّخُولِ) أي: إخراج [شيء] (^٢) مِن واجب الدخول، أي: لا إخراج واجب الدخول جميعه؛ لئلا يبقى الاستثناء مستغرقًا، وهو باطل كما سيأتي.
وقولي: (فِيمَا دَلَّا) أي: دلَّ، فالألف فيه للإطلاق.
وشمل ما دَلَّ على المستثنى:
- ما تَقدم، وهو الأصل.
- وما تَأخَّر، نحو: (ما قام إلا زيدًا القوم).
- وما كان مرادًا ذِكره ولم يُذكر، وذلك في الاستثناء المفرغ. وفي تقدير التلفظ به خِلاف للنحاة، نحو: (ما قام إلا زيد). والأرجح لا يُقدر شيء، بل إرادته في المعنى كافية.
_________________
(١) مختصر منتهى السؤل والأمل في علمي الأصول والجدل (٢/ ٧٩٤).
(٢) كذا في (ص، ق)، لكن في سائر النُّسخ: لشيء.
[ ٤ / ١٥١٦ ]
تنبيهات
أحدها: إنما قيدت الاستثناء المعدود مِن المخصِّصات بِـ "المتصل"؛ لأن المنقطع يسمى "استثناء" لكن مجازًا عند الأكثرين، واختاره ابن الحاجب وغيره.
وقيل: يُسمى حقيقةً؛ فيكون اللفظ مشتركًا.
وقيل: موضوع للقدر المشترك بين المتصل والمنقطع؛ فيكون متواطئًا.
وعلى هذه الأقوال الثلاثة يُسمى "استثناء".
قال ابن الحاجب في "مختصره الكبير": إن ذلك باتفاق.
ولكن فيه نظر؛ فقد حكى الشيخ أبو إسحاق قولًا أنه لا يُسمى "استثناءً" لا حقيقةً ولا مجازًا.
ثم قال ابن الحاجب: (إنه على القول بالمجاز أو بالاشتراك لا يُجْمعان في تعريف واحد) (^١).
ثم عرف المنقطع بما سبق، لكنه قال في تعريفه: (مِن غير إخراج)؛ ليخرج به المتصل. وهو يقتضي أنه إذا سقطت هذه اللفظة، كان بقية التعريف شاملًا لهما.
ثم ذكر تعريفه على قول التواطؤ بِـ: (ما دَلَّ على مخالفة بِـ "إلا" غير الصفة وأخواتها).
وأما ابن مالك فجمعهما في تعريفه في "التسهيل"، فقال في المستثنى: (هو المخرج تحقيقًا أو تقديرًا مِن مذكور أو متروك بِـ "إلا" أو ما بمعناها، بشرط الفائدة) (^٢).
_________________
(١) منتهى الوصول والأمل في علمي الأصول والجدل (ص ٧٩)، مطبعة السعادة - ١٣٢٦ هـ.
(٢) شرح التسهيل لابن مالك (٢/ ٢٦٤).
[ ٤ / ١٥١٧ ]
فأدخل المنقطع بقوله: (أو تقديرًا)، نحو: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧]. فالظن لم يدخل في العلم تحقيقًا لكنه في تقدير الداخل، إذ هو مستحضر بذكره. أي: ما لهم به من علم ولا غيره من الشعور إلا اتباع الظن.
ونحوه: ما في الدار أحد إلا حمارًا. فإن المعنى: ما فيها عاقل ولا شيء من متعلقاته إلا الحمار.
نعم، قد قسم النحاة الاستثناء المنقطع إلي:
- ما ليس للعامل عليه تسلط، فيجب نصبه باتفاق، نحو: (ما زاد المال إلا ما نقص)، و: (ما نفع زيد إلا ما ضر).
- وما للعامل عليه تسلط، فالحجازيون يوجبون نصبه، وتميم تُرجِّحه وتجيز البدل.
فمِن النَصب قراءة السبعة قوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ بالنصب.
ومن الاتباع قول الشاعر:
وبَلْدَةٍ ليس بها أَنِيسُ إلا اليَعافِيرُ وإلَاّ العِيسُ
أي: ورب بلدة ما فيها إلا اليعافير (وهي الظباء البيض) والعيس (أي: إبلنا التي نحن سائرون عليها).
وقيل: المراد بالعيس بقر الوحش، شبَّهها بالإبل، فاستثني من الأنيس ما ليس منه.
وعبَّر في "التسهيل" عن هذا القسم بما يصح إغناؤه عن المستثنى منه وما لا يصح. وهو معنى ما سبق.
ومن أمثلة ما لا يصح إغناؤه قوله تعالى: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ [هود: ٤٣]؛ إذ لو قُدر "لا عاصم إلا المرحوم" لم يصح. وقيل في الآية أيضًا غير ذلك.
[ ٤ / ١٥١٨ ]
فهذا القسم الذي لا يصح فيه تسلط العامل أو يقال: (إنه لا يغني) كيف يقال: إنه مخرج تقديرا؟
ومحل بسطه النحو.
الثاني:
ما ذكرته مِن كون المخَصص مِن الاستثناء هو المتصل؛ لأن المنقطع لا إخراج به - هو ظاهر كلام الأكثر.
وزعم بعضهم أنه تخصيص، قال ابن عطية في "تفسيره": (يخصص تخصيصًا ما، لا كالمتصل) (^١).
فإنْ زعم هؤلاء أنه بالتأويل يصير فيه إخراج ولو من مفهوم المذكور أو من لازِمه، فما جعلوه تخصيصًا إلا بِرَدِّه للمتصل، بل يكون هذا شُبهة لمن أنكر الاستثناء المنقطع في كلام العرب وبعضهم في القرآن؛ لأن المذكور منه يمكن رده للمتصل. فالنزاع راجع للفظ.
ولهذا نقل الأستاذ أبو إسحاق الاتفاق على صحة الاستثناء من غير الجنس، فإذا قال: (له علَيَّ عشرة إلا ثوبًا)، رجع الاستثناء إلى قيمة الثوب. فإن كانت أكثر منه أو مساوية، بطل الاستثناء؛ لكونه مستغرقًا في الأصح.
قال الشافعي - ﵁ -: لو قال: "له علَيَّ ألف إلا عبدًا"، قُبِل منه (^٢).
أي: إذا اعتُبِرَت قيمتُه فكانت أقَل.
وممن منع المنقطع إلْكِيَا وابن برهان، ونقله عن الحنفية الأستاذ أبو منصور وابن
_________________
(١) عبارته في المحرر الوجيز (٣/ ٤٨٢): (وهذا الاستثناء المنقطع يخصص تخصيصًا ما، وليس كالمتصل).
(٢) انظر: الأم (٦/ ٢٢٣).
[ ٤ / ١٥١٩ ]
القشيري، وحكاه الأستاذ أيضًا عن ابن داود، والباجي عن ابن خويز منداد.
وقيل: يقطع بصحته في الإقرار، وفي غيره وجهان. قاله الماوردي.
الثالث:
أُورِد على تعريف الاستثناء المتصل أمور:
ذكر "إلا" ونحوه في التعريف؛ لكونه أداة استثناء، فتَصوُّر ذلك فيه متوقِّف على تَصوُّر الاستثناء، فإذا عَرَّفناه به، كان دَوْرًا.
وجوابه: إنما وقع التعريف بها مِن حيث كونها مخرجة، لا من حيث خصوص الاستثناء، فإنَّ الإخراج أَعَم.
ويجاب بهذا أيضًا عن السؤال في قوله: (ونحوها) أنه إنْ كان من حيث الاستثناء، لَزم الدَّوْر، أو مِن حيث الإخراج في الجملة، دخل التخصيص بالمنفصل وغير الاستثناء من المتصل.
فيقال: المخرج بالوضع إنما هو أدوات الاستثناء، فهو المراد.
ومنها: أهملتم التقييد بكون الاستثناء والمستثنى منه مِن متكلم واحد؛ ليخرج ما لو قال الله تعالى: "اقتلوا المشركين"، فقال النبي - ﷺ -: "إلا أهل الذمة"، فإن ذلك استثناء منفصل، لا متصل.
ولهذا قُيد به في "جمع الجوامع" وضُعِّف مقابِله؛ ولهذا قال الرافعي: لو قال: (لي عليك مائة) فقال: (إلا درهمًا) لم يكن مقرًّا بما عدا المستثنى على الأصح.
وأما استناد مَن جوَّزه مِن متكلِّمَيْن إلى أن المثال السابق في قول الله تعالى وقول الرسول - ﷺ - لا بِدع فيه؛ لأن الكلامَيْن كالواحد؛ لأنه مُبلِّغ عن الله، فذاك لخصوص المثال، لا في كل استثناء مِن متكلِّمَين.
[ ٤ / ١٥٢٠ ]
ولذلك احْتِيج في: (قول العباس - ﵁ - بعد قول النبي - ﷺ -: "ولا يُخْتَلَى خلاها": إلا الإذخر. فقال: "إلا الإذخر") (^١) إلى تأويله بأن العباس أراد أن يُذكره - ﷺ - بالاستثناء؛ خشية أن يسكت عنه اتكالًا على فَهم السامع ذلك بقرينة وفهمًا منه أنه يريد استثناءه؛ ولأجل ذلك أعاد النبي - ﷺ - الاستثناء فقال: "إلا الإذخر". ولم يكتف باستثناء العباس.
فكل ذلك يرشد إلى اعتبار كونه من متكلم واحد.
وجوابه: أن اشتراط الاتصال كافٍ في ذلك، فإنه ليس المراد به مجرد اتصال زمانه بزمان المستثنى منه، بل تعقيب المتكلِّم كلامه بكلامه؛ للارتباط في نطقه.
ولذلك شُرِطت فيه نيته قبل أن يفرغ مِن المستثنى منه، أو مِن أوله على رأْيٍ مرجوح كما بُيِّن في الفقه على اضطراب فيه وقع للرافعي.
فإنْ فُرض أن المتكلم بالمستثنى منه اتكل على المتكلم بالاستثناء، فالأول لم يستثن، والثاني لم ينطق بمفيد؛ لأن الاستثناء لا يستقل بنفسه.
وقد سبق في مباحث اللغة أن الكلام هل يشترط فيه أن يكون من واحد؟ أوْ لا؟ وأن ابن مالك رد على مَن اشترطه، وأن التحقيق فيه أن الإسناد إنْ صدر مِن كل مِن القائل: (زيد) والقائل: (قائم)، فكل منهما متكلم بكلام ذكر بعضه وحذف الآخَر لِقرينة تَكلُّم الآخر، والحذفُ للقرينة اللفظية في المبتدأ والخبر وفي الفعل ومرفوعه جائزٌ. وإنْ لم يكن لأحدهما قصد ولا إسناد فلا كلام لا مِن هذا ولا مِن هذا.
الرابع:
اختُلف في تقدير دلالة الاستثناء على مذاهب منشأها إشكال في معقولية الاستثناء.
_________________
(١) صحيح البخاري (١١٢)، صحيح مسلم (١٣٥٥).
[ ٤ / ١٥٢١ ]
فإنك إذا قلت: (قام القوم إلا زيدًا)، فإنْ لم يكن زيد دخل فيهم، فكيف أُخْرج هذا وقد اتفق أهل العربية على أنه إخراج؟ وإنْ كان دخل، فتناقَض أول الكلام وآخِره.
وكذا نحو: (له علَيَّ عشرة إلا درهمًا)، بل أَبْلغ؛ لأن العدد نَص في مدلوله، والعام فيه الخلاف السابق.
وذلك يؤدي إلى نفي الاستثناء من كلام العرب؛ لأنه كذب على هذا التقدير في أحد الطرفين، ولكن قد وقع في القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
أحد المذاهب وبه قال القاضي أبو بكر: أن نحو: "عشرة إلا ثلاثة" مدلوله سبعة، لكن له لفظان، أحدهما: مركَّب، وهو: "عشرة إلا ثلاثة"، والآخَر: "سبعة". وقصد بذلك أن يُفرق بين التخصيص بدليل متصل فيكون الباقي فيه حقيقة، أو بالمنفصل فيكون تناول اللفظ للباقي مجازًا. ووافقه إمام الحرمين على أن ذلك بمنزلة اسمين بالوضع: أحدهما مركب، والآخر مفرد.
والثاني (ونقله ابن الحاجب عن الأكثرين): أن المراد بِـ "عشرة": سبعة، و"إلا" قرينة بيَّنت أن الكل استُعمل وأُريد به الجزء مجازًا. وعلى هذا فالاستثناء مُبيِّن لغرض المتكلم بالمستثنى منه.
فإذا قال: (علَيَّ عشرة)، كان ظاهرًا في الجميع، ويحتمل إرادة بعضها مجازًا، فإذا قال: (إلا ثلاثة)، فقد بَيَّن أن مراده بِـ "العشرة" سبعة فقط كما في سائر التخصيصات.
واستنكر إمام الحرمين هذا القول، وقال: (إنه مُحَال، لا يعتقده لبيب) (^١).
والثالث (واختاره ابن الحاجب): أن المراد بالعشرة: عشرة باعتبار أفراده، ولكن لا يُحكم بما أُسنِد إليها إلا بعد إخراج الثلاثة منها، ففي اللفظ أسند الحكم إلى عشرة، وفي
_________________
(١) البرهان (١/ ٢٧٠).
[ ٤ / ١٥٢٢ ]
المعنى إلى سبعة.
وعلى هذا فليس الاستثناء مُبيِّنًا للمراد بالأول، بل به يحصل الإخراج، وليس هناك إلا الإثبات، ولا نفي أصلًا، فلا تناقض.
ثم ذكر استدلاله على ذلك وإبطال غيره، وأطال، ثم قال:
- (فتبيَّن أن الاستثناء - على قول القاضي- ليس بتخصيص) (^١).
أي: لأن "التخصيص" قَصْرُ العام على بعض أفراده، وهنا لم يُرد بالعام بعض أفراده، بل بالمجموع المركب.
- (وأنه على قول الأكثر تخصيص) (^٢).
أي: لِمَا فيه من قَصْر اللفظ على بعض مسمياته.
- (وأنه على الثالث المختار - عنده- محتمل) (^٣).
أي: لِأَنْ يكون تخصيصًا؛ نظرًا إلى كون الحكم في الظاهر للعام والمراد الخصوص، وأنْ لا يكون مخصصًا؛ نظرًا إلى أنه أُريدَ بالمستثنى منه تمام مسماه.
وذكر القاضي عضد الدين في تحقيق هذه المذاهب كلامًا أطال فيه، وتعقب عليه في بعضه السبكي في "شرح المختصر"، فليراجَع منه. والله أعلم.
_________________
(١) مختصر المنتهى (٢/ ٧٩٩).
(٢) مختصر المنتهى (٢/ ٧٩٩).
(٣) مختصر المنتهى (٢/ ٧٩٩).
[ ٤ / ١٥٢٣ ]
ص:
٦٢٨ - وَشَرْطُهُ اتِّصَالُهُ بِالْعَادَةِ وَعَدَمُ اسْتِغْرَاقِهِ لِلْجُمْلَةِ
٦٢٩ - وَلَوْ يَكُونُ مُخْرَجٌ أَكْثَرَ مِنْ بَاقٍ أَوِ اسْتِوَاهُمَا [مِمَّا] (^١) زُكِنْ
الشرح:
ذكرتُ لصحة الاستثناء شرطين، وذكرتُ في أمر ثالث أنه لا يُشترط وإنْ شَرَطه بعضهم.
فأما الشرط الأول:
فأنْ يتصل الاستثناء بالمستثنى منه اتصالًا عاديًّا حتى يُغتفر الفصل بالتنفس أو السعال أو نحو ذلك، وكذا إذا طال الكلام متعلقًا بالمستثنى منه، فإنه لا يضر كما قاله الإمام.
والخلاف في اشتراط ذلك نُقِل عن ابن عباس وغيره.
فَعَنِ ابن عباس: جواز تأخيره إلى شهر.
وقيل: إلى سنة.
وقيل: أبدًا، كما يجوز التأخير في تخصيص العام وبيان المجمل.
وعن سعيد بن جبير: إلى أربعة أشهر.
وعن عطاء والحسن: ما لم يَقُم من المجلس. حكاه عنهما الشيخ أبو إسحاق.
وعن مجاهد: إلى سنتين.
_________________
(١) في (ق، ن ٢، ن ٥): فيما.
[ ٤ / ١٥٢٤ ]
وقيل: ما لم يأخذ في كلام آخَر.
وقيل: يشترط أن ينوي في الكلام أنه سيستثنى.
قال القاضي: إن صح النقل عن ابن عباس في جواز تأخيره فلعَل مراده أن يستثنى متصلًا بالكلام ثم يظهر ما نواه بعد ذلك، فإنه يُدين.
وقال بعضهم: يجوز في كلام الله تعالى. وحمل بعضهم خلاف ابن عباس على ذلك، أي: يجوز تراخيه في القرآن دُون غيره.
وضُعِّف هذا القول بأن كلام الله إنْ أُريد به القديم فلا يوصف لا بإخراج ولا بإدخال، وإنْ أُريدَ اللفظ المنزل ولو إلى اللوح المحفوظ كما قال المقْترح، فذلك إنما هو على أساليب كلام العرب، ما امتنع فيه يمتنع فيه، وما جاز فيه جاز فيه؛ لأن القرآن إنما نزل بلُغة العرب، فلا يكون مخالفًا لِلُغتهم.
وبالجملة فهذه الأقوال كلها ضعيفة، وما نُقل منها عن هذه الأئمة فيجب تأويله.
أما ضعفها فلأن أهل الأدب (أيْ: أهل العربية) متفقون على اشتراط الاتصال؛ ولهذا أَوَّلوا ما يُنقل عن ابن عباس وغيره من أهل الحجة في لسان العرب وبأنه - ﷺ - قال: "مَن حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها، فليكفر عن يمينه، وليأت الذي هو خير" (^١). ولم يقُل: (أو ليستثنِ).
وكذلك لَمَّا أرشد الله تعالى أيوب ﵇ بقوله: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ
_________________
(١) سنن النسائي (٣٧٨١)، سنن ابن ماجه (٢١٠٨)، وغيرهما. قال الألباني: حسن صحيح. (صحيح النسائي ٣٧٩٠). وفي صحيح مسلم (رقم: ١٦٥٠) بلفظ: (من حَلَفَ على يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا منها، فَلْيُكَفِّرْ عن يَمِينِهِ، وَلْيَفْعَلْ).
[ ٤ / ١٥٢٥ ]
بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ جعل طريق بِره ذلك، ولو كان الاستثناء المتراخي يُحصِّل البِر، لَمَا جعل الله الوسيلة في البر ذلك.
وفي "تاريخ بغداد" لابن النجار في أثناء "حرف الشين المعجمة" أن الشيخ أبا إسحاق الشيرازي أراد الخروج مرة من بغداد فاجتاز في بعض الطرق، وإذا برجُل على رأسه سلة فيها بَقل وهو يقول لآخَر: مذهب ابن عباس في تراخي الاستثناء غير صحيح، ولو صح لَمَا قال الله تعالى لأيوب ﵇: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾، بل كان يقول له: استثنِ، ولا حاجة إلى التوسل للبر بذلك. فقال أبو إسحاق: بلدة يَرُد فيها رجُل يحمل البَقل على ابن عباس لا تستحق أن يُخرج منها.
قال ابن الحاجب: (ولو صح تراخي الاستثناء لبطل جميع الإقرارات والطلاق والعتق، وأيضًا فيؤدي إلى أنه لا يُعلم صِدق ولا كذب) (^١).
لأنَّ مَن قال: (قَدم الحاج)، يحتمل أنه يريد أن يستثني بعد ذلك بعضهم. والأدلة في المسألة كثيرة.
وأما النَقْل عن ابن عباس فيُحمل على محامل سبق بعضها، ومنها ما قاله القرافي: (إنه إنما قال ذلك في التعليق على مشيئة الله ﷿ بأنْ يقول: "إن شاء الله"، لا الاستثناء بِـ "إلا" أو إحدى أخواتها).
قال: (ونقَل العلماء أن مدْركه في ذلك: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤]، المعنى: إذا نسيت أن تقول: "إن شاء الله"، فقُلْه إذا تذكرت أنك لم تَقُل). انتهى
لكن في "مستدرك الحاكم" بسنده عنه أنه قال: "إذا حلف الرجل على يمين، فَلَه أن
_________________
(١) مختصر المنتهى (٢/ ٨٠٤).
[ ٤ / ١٥٢٦ ]
يستثني إلى سَنة" (^١) وأنَّ المعنى في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ أنك إذا ذكرت، فاستثنِ. وقال: صحيح على شرط الشيخين.
فأطلق لفظ الاستثناء. إلا أن يقال: إنه محمول على "إن شاء الله"، فسياق الآية يرشد إليه.
ونحو ذلك في إطلاق لفظ الاستثناء ما رواه الحافظ أبو موسى في كتاب "التبيين لاستثناء اليمين" من حديث يحيى بن سعيد - قرشي كان بفارس- عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس: "أن النبي - ﷺ - حلف على يمين، فمضى له أربعون ليلة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾، فاستثنى رسول الله - ﷺ - بعد أربعين ليلة". لكن قال الحافظ أبو موسى: إن هذا لا يثبت؛ لأن يحيى بن سعيد غير محتج به.
ورواية أن ابن عباس يرى التراخي إلى سَنة رواه الطبراني في "معجمه الأوسط" (^٢)، قال الحافظ أبو موسى فيه أيضًا: (إنه لا يثبت). ثم قال: (إن صح هذا عن ابن عباس فيحتمل أنه رجع عنه).
وساق إلى ابن عباس بسنده أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ أن المعنى: "إذا نسيت الاستثناء فاستثنِ إذا ذكرت، هي لرسول الله - ﷺ - خاصة، وليس لأحد
_________________
(١) المستدرك على الصحيحين (رقم: ٨٧٣٣) من طريق الأعمش، عن مجاهد عن ابن عباس. قال الحافظ ابن حجر في (إتحاف المهرة، ٨/ ٤١): (هُوَ مَعْلُولٌ، فَقَدْ رَوَاهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، وَقَالَ فِيهِ: قِيلَ لِلأَعْمَشِ: سَمِعْتَهُ مِنْ مُجَاهِد؟ قَالَ: لا، حَدَّثَنِي بِهِ اللَّيْثُ عَنْ مُجَاهِد).
(٢) المعجم الأوسط (١١٩)، السنن الكبرى للبيهقي (١٩٧١٦) بلفظ: (عن ابن عباس أنه كان يرى الاستثناء ولو بعد سَنة).
[ ٤ / ١٥٢٧ ]
منا أن يستثني إلا بصلة اليمين" (^١). وأخرج ذلك الطبراني في "معجمه" وقال: (تفرد به الوليد).
فيحصَّل من ذلك أن إطلاق النقل عن ابن عباس في هذه المسألة ليس بجيد؛ لأمرين:
أحدهما: أن ذلك في "إن شاء الله"، لا في مطلق الاستثناء؛ لأنه قاله في الآية. والمعنى: لا تقولن لشيء إنك فاعل جزمًا إلا أن تعلم مشيئة الله له، بل إذا قلت: "إن شاء الله"، لم تكن جازمًا، فلا تكون حينئذٍ آتيًا بالمنهي عنه. والخطاب له ولغيره من الأُمة.
وكذا قال ابن جرير: إنَّ ذلك إنْ صح عن ابن عباس فهو محمول على أن السُّنَّة أن يقول الحالف: "إن شاء الله" ولو بعد سَنة. أو كما قال؛ ليكون آتيًا بسُنَّة الاستثناء ولو كان بعد الحنث، لا أنه بذلك رافع للحنث ومُسقِط لكفارة.
وثانيهما: أنه جعل ذلك من خصائص النبي - ﷺ -، فلا ينسب إليه أن يقول ذلك عمومًا في كل استثناء منه - ﷺ - أو من غيره.
تنبيهات
الأول: وقع بحث في الفقه في الفصل بالكلام اليسير بين الاستثناء والمستثنى منه، كما بين الإيجاب والقبول في العقود، والمرجَّح منه الأقيس أنه لا يضر وإنْ وقع في كلام الرافعي والنووي من أصحابنا فيه اضطراب مُوضَّح في كتب الفقه.
الثاني: سبق أن الاستثناء مع كونه متصلًا لا بُدَّ أن يُنوى قبل تمام اللفظ بالمستثنى به. بل قيل: مِن أوله. ولكن ينبغي لمن جعل قوله: (عشرة إلا ثلاثة) مثلًا اسمًا مركبًا موضوعًا
_________________
(١) المعجم الأوسط (٧/ ٦٨، رقم: ٦٨٧٢).
[ ٤ / ١٥٢٨ ]
للسبعة أنْ لا يشترط نية الاستثناء البتة.
وحينئذٍ فيقال: كيف يوافق إمام الحرمين القاضي على أنه اسم مركَّب للسبعة ويصرح في الفقهيات باشتراط النية في الاستثناء؟ إلا أنْ يُدَّعى أن هذا إنما هو في كيفية الدلالة مع وجود اعتبار ما يعتبر من نية واتصال وغير ذلك عند مَن يرى به. فهو أمر اعتباري بعد تكامل الشروط.
الثالث: من اللطائف ما [يُحكى] (^١) أن الرشيد استدعى أبا يوسف القاضي، وقال له: كيف مذهب ابن عباس في الاستثناء؟ فقال له: يلحق عنده بالخطاب، ويُغَير حُكمه ولو بعد زمان. فقال: عزمت عليك أن تُفتي به، ولا تخالفه.
وكان أبو يوسف لطيفًا فيما يورده متأنيًا فيما يقوله، فقال: (رأْي ابن عباس يفسد عليك بيعتك؛ لأن مَن حلف لك وبايعك، يرجع إلى منزله فيستثني). فانتبه الرشيد، وقال: إياك أن تُعَرف الناس مذهبه في ذلك، فاكتمه.
الرابع: قد يُستشكَل ما لو قال له: (عليَّ أَلْف درهم إلا شيئًا). فإنه يستفسر ويقبل منه [المتراخي] (^٢) بعد مُدة.
وجوابه أن الاستثناء لَمَّا كان إسقاطًا لبعض السابق اعتُبر فيه الاتصال ولا يضر منافاته؛ لأن الكلام بآخِره، فإذا تراخى، كان ابتداء إسقاط بَعد انبرام الأول، فلا يُسمع. بخلاف التفسير، فإنَّ الكلام قد انتظم بأصل الاستثناء، والمُجْمَل لا يُعْرف تفسيره إلا منه، فيُقبل منه التفسير ولو بَعد مُدة.
قال الروياني: ولهذا قال أصحابنا: لو فسر المجمل بتفسير غير مقبول وأراد أن يستأنف
_________________
(١) كذا في (ص)، لكن في (ق، س): حكي.
(٢) كذا في (ص، ق)، لكن في (س): التراخي.
[ ٤ / ١٥٢٩ ]
غيره، مُكِّنَ منه، ولو وصل بالأصل استثناء يرفع الجميع ثم أراد أن يستثني مرة أخرى، لم يمكَّن مِن ذلك.
الشرط الثاني لصحة الاستثناء:
أن لا يكون مستغرقًا، نحو: (له علَيَّ خمسة إلا خمسة)، فيلزمه الخمسة كما لو لم يستثنِ. وادَّعى جماعة -منهم الآمدي وابن الحاجب- الإجماعَ عليه. لكن الخلاف محكي في بعض المذاهب وإنْ كان شاذًّا.
ففي "المدخل" لابن طلحة في: (أنت طالق ثلاثًا إلا ثلاثًا) قولان عن مالك. كذا رأيته فيه، ونقله القرافي عنه.
ونقل اللخمى عن بعضهم في: (أنت طالق واحدة إلا واحدة) أن الطلاق لا يقع؛ لأن الندم منتفٍ بإمكان الرجعة، بخلاف: (ثلاثًا إلا ثلاثًا).
وفي "الهداية" للحنفية أن بطلان المستغرق إنما هو في نحو: (نسائي طوالق إلا نسائي)، أو: (أو صيت بثلث مالي إلا ثلث مالي). لا في نحو: (نسائي طوالق إلا هؤلاء) مشيرًا إليهن، أو: (ثلث مالي إلا ألف درهم) وهو ثلثه.
قالوا: لأنَّ الاستثناء تصرُّف، فيبنى على صحة اللفظ، لا على صحة الحكم؛ ولهذا لو قال: (أنت طالق عشر طلقات إلا ثمانيًا) يقع طلقتان، ويصح الاستثناء وإن كان العَشر لا صحة لها مِن حيث الحكم.
وأما عند الشافعية فمحل بطلان المستغرق ما لم يعْقب المستغرق استثناء بعضه، كَـ: (عشرة إلا عشرة إلا ثلاثة) فإنَّ فيه وجوهًا:
أحدها: يلزمه عشرة، فإن الاستثناء الأول لم يصح، والثاني مُرتب عليه.
وثانيها: يلزمه ثلاثة، واستثناء الكل من الكل إنما لا يصح إذا اقتصر عليه. أما إذا عقبه
[ ٤ / ١٥٣٠ ]
باستثناء صحيح، فيصح؛ لأن الكلام بآخِره. وهذا هو المرجَّح.
وثالثها: يَلزمُه سبعة، والاستثناء الأول لا يصح، فيسقط مِن اثنين.
وفي "التجريد" للمحاملي: لو قال: "له علَيَّ ألْف إلا ثوبًا" وفسر الثوب بما قيمته ألف، ففيه وجهان.
وحكى الرافعي عن الحناطي فيمن قال: (أنت طالق ثلاثًا إلا واحدة إلا واحدة) أنه يقع الطلاق الثلاث؛ فإنه أبْطل المستثنى وهو الواحدة بالاستثناء منه المستغرق.
ونقل عن "فتاوى القفال" فيمن قال: (كل امرأة لي طالق إلا عمرة) ولا امرأة له سواها، أنها تطلق؛ لأنه مستغرق. ولو قال: (النساء طوالق إلا عمرة) ولا امرأة له سواها، لم تطلق.
والفرق أنه هنا لم يُضفهن إلى نفسه.
ولك أن تقول: ينبغي أن لا تطلق في الأُولى أيضًا علَى أن "إلا" صفة، لا استثناء، كما في: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢].
ويؤيده قول الشافعي: لو قال الزوج وقد عوتب في نكاح جديدة: "كل امرأة لي طالق" وعزلها بِنيته، أنه يُقبل؛ لأنه لو لم يصح لو صرح به لم تُفِده نيته له.
وينبغي أن تطلق في الثانية على قولنا: (إن الاستثناء من المملوك)، فإنه لا يملك [إلا طلاق عمرة] (^١). فكأنه استثناها من نفسها، وهو مستغرِق؛ فيبطُل.
ونقل الشيخ أبو حيان عن الفراء أن المستغرق إنْ كان أكثر مِن المستثنى منه، جاز. نحو: (له علَيَّ ألْف إلا ألفين).
_________________
(١) كذا في (ص)، لكن في (س): الطلاق غيره.
[ ٤ / ١٥٣١ ]
قال: إلا أنه يكون منقطعًا وليس من المستغرق، نحو: "أنت طالق خمسًا إلا ثلاثًا"، باعتبار أن المملوك له ثلاث؛ لأن الأصح أن الاستثناء مِن المذكور، لا من المملوك. حتى لو قال: "أنت طالق عشرًا إلا ثمانيًا"، طلقت ثنتين.
ولذلك ينشأ [فرع] (^١) من خلاف آخَر في جمع المفرق وتفريق المجتمع، نحو: "أنت طالق ثلاثًا إلا طلقة وطلقة وطلقة"، تطلق ثنتين؛ بناءً على أنه لا يُجمَع المفَرَّق؛ فيبطل الأخير، ويصح ما سواه.
وقيل: يقع الثلاث.
وغير ذلك مما هو مذكور في الفقه.
نعم، لو قال: (أنت طالق ثلاثًا إلا ثلاثًا)، يقال فيه: لِمَ لا فرقت الصفقة في الاستثناء فأبطل فيما وقع به الاستغراق وهو واحدة، وصَحَّ الباقي؟ فكأنه قال: (ثلاثًا إلا ثنتين)، فتطلق واحدة.
وجوابه أنه إذا لم يفرق المجموع ينظر في الكل، إنْ كان باطلًا فباطل. ونظيره لو جمع أختين في عقد نكاح، بطل فيهما، بخلاف ما لو عقدهما مرتبًا.
وقريب منه لو زاد في شرط الخيار على الثلاث، بَطُل. بخلاف ما لو ألحق في المجلس زائدًا بعد ما شرط فيه الثلاث فما دُونها.
وأما الأمر الثالث:
وهو كون المستثنى إما أقَل مِن الباقي أو أكثر أو مساويًا، فليس كونه أقَل شرطًا في الاستثناء على المرجَّح.
_________________
(١) في (ص، ق): نزاع.
[ ٤ / ١٥٣٢ ]
وتفصيل القول في ذلك أن استثناء الأقل حتى يبقى الأكثر - جائز.
قيل: بالإجماع.
ورُدَّ بأن المازري إنما حكى الإجماع فيما إذا كان المستثنى ليس بواحد صحيح من أفراد المستثنى منه، نحو: (له علَيَّ عشرة إلا حبة)، أو: (إلا سدسًا)، بخلاف: (إلا واحدًا)، أو: (إلا ثلاثًا)؛ فإنه وإن كان المشهور جوازه إلا أن بعضهم استهجنه وقال: الأحسن أن يقول: (له تسعة) أو: (سبعة)، ولا يقول: (عشرة إلا واحدًا) ولا: (إلا ثلاثًا).
ونقل في "شرح التلقين" أنهم شذوا فقالوا: لا يجوز استثناء الأقَل إلا لضرورة إليه، كَـ "مائة إلا ربع درهم". قالوا: وأما نحو: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] فإنما سوغه أن الخمسين كالكسر؛ لأنها نصف مائة، فكأنه قال: عشر مئين إلا نصف مائة (^١).
وهذا وإن كان مخالفًا للمشهور مع تكلُّف فيه وتعسُّف فهو قادح في حكاية الإجماع، إلا أن يقال: لِشذوذه لم يُلتفَت إليه.
وأما استثناء الأكثر ويبقى الأقل واستثناء المساوي ويبقى نظيره ففيه مذاهب لأهل العربية والأصول:
الأول: الجواز فيهما، فيجوز: (له عليَّ عشرة إلا تسعة)، و: (له عليَّ عشرة إلا خمسة). وهو قول أكثر الأصوليين.
وقال الشيخ أبو حامد: إنه قول أكثر الكوفيين من النحاة. ونقله أبو حيان في "الارتشاف" عن أبي عبيدة.
_________________
(١) شرح التلقين (ج ٣، المجلد الثاني، ص ٤٥).
[ ٤ / ١٥٣٣ ]
الثاني: المنع فيهما. ونقله الشيخ أبو حامد عن البصريين من النحاة.
وكذا حكاه عنهم أبو حيان في "الارتشاف"، وهو أحد قولَي القاضي أبي بكر، ونقله القاضي أبو الطيب والشيخ أبو إسحاق والمازري والآمدي عن الحنابلة.
نعم، الذي في "مختصر التقريب" للقاضي مقتضاه أنه لا يخالف إلا في الأكثر فقط، فإنه قال: (كنا على تجويز استثناء الأكثر دهرًا، والذي صح عندنا آنفًا منع ذلك) (^١).
ولم يتعرض لاشتراط الأقلية، لكن في تقريره الأدلة ما يُشعِر بمنع المساوي أيضًا.
فإنْ صح النقلان عنه فيكون له قولان في المسألة، ونقل المازري والباجي عن القاضي قولًا ثالثًا بجواز استثناء الأكثر، فإنْ كان ما أشار إلى أنه رجع عنه، فلا ينبغي أن يُنسَب له.
الثالث: المنع في الأكثر فقط دُون المساوي. وهو أحد أقوال القاضي كما سبق. ونقله ابن السمعاني وغيره عن الأشعري، ونقله الإمام الرازي وأتباعه عن الحنابلة، ونقله ابن الحاجب عن بعضهم. وبه يحصل التوفيق بين النقلين عن الحنابلة.
نعم، سيأتي عنهم نقل آخَر غير هذين.
الرابع: أن استثناء الأكثر مستقبَح عند العرب، لا ممتنع في لغتهم كما هو المذهب الذي قبله. ونقله المازري عن الشافعي قولًا، وعن القاضي فيما كان يقوله أولًا، وعن ابن الماجشون والقاضي عبد الوهاب. ونقل المازري عن الشافعي قول المنع قولًا له آخر، ونقله أيضًا عن أحمد. قيل: ولا يُعرف ذلك للشافعي قولًا.
الخامس: يمتنع استثناء الأكثر إنْ كان المستثنى والمستثنى منه في أعداد صريحة، نحو: (عشرة إلا تسعة). فإنْ لم يكن كذلك نحو: (خذ ما في الكيس إلا الزيوف) وكانت الزيوف
_________________
(١) التقريب والإرشاد - الصغير (٣/ ١٤١)، التلخيص (٢/ ٧٥).
[ ٤ / ١٥٣٤ ]
أكثر من الباقي، فهو جائز. [وقيل: هو الموجود في كُتب الحنابلة] (^١).
السادس: يمتنع استثناء الأكثر جملة، ولا يمتنع تفصيلًا. فيمتنع: (جاء إخوتك العشرة إلا تسعة). ويجوز: (إلا زيدًا وعمرًا وبكرًا) وهكذا لتمام التسعة.
السابع: التفصيل بين أن يكون السامع عالِمًا بأن المخرج أكثر فيمتنع، أوْ لا فيجوز.
الثامن: يجوز استثناء الأكثر، لكنه لم تَرِد به اللغة، بل ذُكِر قياسًا على التخصيص.
ورُدَّ بأن القياس في اللغة ممتنع عند الكثير كما سبق.
التاسع (ويُعزى للحنابلة): يجوز في المنقطع، لا المتصل. فيجوز: (له عندي ألف درهم إلا الثوب الفلاني) إذا كان ذلك الثوب يساوي ستمائة. ولكن هذا راجع إلى المذهب الخامس عند التأمل؛ لأنه في تقدير: (إلا قيمة الثوب).
تنبيهات
الأول: أنكر بعض أهل اللغة ورود مثل ذلك في اللغة، وأن ما استدل به المجوِّزون من: (قوله تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٤٠] مع قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] فاستثنى كل واحد منهما مِن الآخر، وأنه أيهما كان الأكثر، حصل به الاستدلال) يجاب عنه بجوابين:
أحدهما: أن الاستثناء للمخلصين إنما هو من بني آدم، ولا شك أنهم أقَل مِن الباقي. واستثنى "الغاوين" من جميع العباد وهُم الأقَل أيضًا؛ فإنَّ الملائكة من عباد الله؛ لقوله تعالى: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦]، وهُم غير غاوين.
_________________
(١) هذه العبارة في (ص، ق، ش) جاءت بعد قوله الآتي في المذهب السادس: (ولا يمتنع تفصيلا).
[ ٤ / ١٥٣٥ ]
وفي الحديث الصحيح: "أَطَّتِ السَّمَاءُ، وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ؛ مَا فِيهَا قدر أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَفيه مَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا للهِ" (^١). وقال الله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١].
وكذا قوله تعالى فيما رواه مسلم وغيره من حديث أبي ذر: "يا عبادي، كلكم جائع إلا مَن أطعمتُه" (^٢) الحديث، مع أن المطْعَمين أكثر.
يجاب عنه بأن الملائكة مِن جملة العباد، ولا يوصفون بجوع وإطعام.
ثانيهما: أن الاستثناء في: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ منقطع، بمعنى: "لكن"؛ بدليل الآية الأخرى: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم: ٢٢].
وقال القاضي في "التقريب": (إن ما استدل به المجوِّزون مِن قول الشاعر:
رُدوا التي نقصَت تسعين من مائة ثم ابعثوا حَكمًا بالحق قوالا
رُدَّ بأن هذا ليس فيه استثناء، وإنما فيه نقصان الأكثر، وليس محل النزاع).
قال: (وكذا قوله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ﴾ [المزمل: ٢ - ٣] الآية - أنَّ ذلك ابتداء كلام، كأنه قال: "بل قُم نصفه أو زد عليه أو انقُص منه، فإنه أعظم لثوابك") (^٣).
_________________
(١) مسند أحمد (٢١٥٥٥)، سنن الترمذي (رقم: ٢٣١٢)، سنن ابن ماجه (٤١٩٠)، وغيرها. قال الألباني في (صحيح سنن الترمذي: ٢٣١٢): (حسن دُون قوله: لوددت ). وقال في (السلسلة الضعيفة: ١٧٨٠): (ضعيف ، لكن جُل الحديث قد صح من طُرق أخرى).
(٢) صحيح مسلم (٢٥٧٧).
(٣) التقريب والإرشاد (٣/ ١٤٤).
[ ٤ / ١٥٣٦ ]
أي: لا أنَّ المراد استثناء النصف وزيادة بقوله تعالى: ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ٤].
وللمعْربين في تقرير الآية أقوال مشهورة ليس ذلك موضع بسطها، فبان بذلك ونحوه أن مَنْزَع الأكثرين في جواز ذلك غير خالٍ مِن نَظَر، إلا أنْ يتقوى بأدلة أخرى. ومحل ذلك ما يُذكر فيه الأدلة مُطَوَّلة.
الثاني:
قال المازري: الخلاف في المسألة لفظي؛ لأن المانع مِن استثناء الأكثر قال بعضهم معتذرًا عنه: إنه لم يخالف في الحكم، إنما خالف في كون العرب استعملت ذلك، ولكن لا يُسقِط حُكمه في الإقرار وغيره بذلك. وبه صرح إلْكِيَا الهراسي.
وكذا قال ابن الخشاب: إن ذلك وإن لم يُسمع في العربية لكنه جائز في المعقول، ومَن ادَّعى فيه سماعًا فقد أخطأ.
قلت: قد ذكرنا ذلك قولًا من جملة الأقوال، وذكرنا في التنبيه الأول تضعيف من ضعف مَنْزع الجواز بما سبق.
الثالث:
قد سبق في تقرير الدلالة في المستثنى منه والاستثناء أقوال.
وحُجة مَن يمنع مِن استثناء الأكثر والمساوِي مِن حيث إن القليل يُنْسَى فيستدرك - إنما تأتي على أحد الأقوال، وهو: الإخراج من الحكم، لا قول أنه إخراج من اللفظ وأنَّ الحكم بعد الإخراج، ولا أنه صار لفظًا مركبًا دالًّا على الباقي مِن المستثنى منه.
قولي: (وَلَوْ يَكُونُ مُخْرَجٌ أَكْثَرَ مِنْ) إلى آخِره، المسوغ لكون اسم "كان" هنا نكرة وقوعُه في حيز الشرط، وهو مِن المسوِّغات.
وقولي بعده: (أَوِ اسْتِوَاهُمَا مِمَّا زُكِنْ) أي: عُلِم، معطوف على اسم "كان". أي: ولو
[ ٤ / ١٥٣٧ ]
يكون استواء المستثنى والباقي بعد الاستثناء موجودًا في التركيب معلومًا.
وفي تعبيري عن المسألة بذلك وضوح أكثر من عبارة مَن قال: (يستثنى الأكثر مِن الأقل ويستثنى المساوي)؛ لأنه ربما يوهِم أن المستثنى أكثر من المستثنى منه قبل دخول الاستثناء أو مساوٍ له، وذلك إنما هو المستغرق. فعبَّرت بقولي: (أَكْثَرَ مِنْ بَاقٍ) إلى آخِره؛ لرفع هذا التوهم. والله أعلم.
ص:
٦٣٠ - وَهْوَ مِنَ الْإثْبَاتِ نَفْيٌ، وَكَذَا في عَكْسِهِ، فَإنْ تَعَدَّدْ، فَبِذَا
٦٣١ - يُحْكَمُ في الْكُلِّ عَلَى مَا نُظِمَا مَا لَمْ يَكُنْ عَطْفٌ أَوِ [اسْتَغْرَقَ] (^١) مَا
٦٣٢ - يَلِي، [فَكُلٌّ] (^٢) رَاجِعٌ لِلْأَوَّلِ وَوَارِدٌ مِنْ بَعْدِ سَبْقِ جُمَلِ
الشرح:
لمَّا كان الاستثناء من جملة المخصِّصات المتصلة وكان التخصيص هو الإخراج من اللفظ العام، احتمل ذلك أمرين:
أحدهما: أن يكون إخراجًا من الحكم على العام مع الحكم بضده، وأن يكون لا مع الحكم بضده، فيكون واسطة بين الحكم بشيء والحكم بضده وهو أنْ لا حُكم عليه أصلًا. فعبَّروا عن هذه المسألة بأن: (الاستثناء من النفي إثبات، ومن الإثبات نفي).
ثانيهما: أنه إخراج من النفي بلا إثبات فيه، وإخراج من الإثبات بلا حُكم [يُنفَى] (^٣) فيه
_________________
(١) كذا في (ص، س، ش، ن ١، ن ٢، ت). لكن في (ض، ق، ن ٣، ن ٤، ن ٥): استغراق.
(٢) كذا في (ص، ق، ن). لكن في (س، ش، ت): وكل. وفي (ض): والكل.
(٣) كذا في (ص، ق)، لكن في (س): بنفي.
[ ٤ / ١٥٣٨ ]
مِن حيث إنه أُخْرِج من الإثبات، بل من حيث إنَّ الأصل فيه نَفْي ذلك الحكم. فالحكم [مَنْفِي] (^١) عنه باعتبار الأصل، لا بدلالة الاستثناء.
والأول هو قول الجمهور، فإذا قال: (له علَيَّ عشرة إلا درهمًا)، كان إقرارًا بتسعة. وإذا قال: (ليس له عليَّ شيء إلا درهمًا)، كان مقرًّا بدرهم.
والثاني قول الحنفية، فيوجبون في: (له عليَّ عشرة إلا درهمًا) تسعة، مِن حيث إنَّ الدرهم المخرج منفي بالأصالة، لا من حيث إن الاستثناء من الإثبات نفي. ولا يوجبون في: (ليس له عليَّ شيء إلا درهمًا) شيئًا؛ إذِ المراد: (إلا درهمًا، فإني لا أَحْكُم عليه بشيء)، ولا إقرار إلا مع حُكم بإثبات.
فإنْ قيل: فقد رجح أصحاب الشافعي في فروع خلاف ذلك، كقولهم في: (ليس له عليَّ عشرة إلا خمسة): إنه لا يلزمه شيء عند الأكثر. وفي وجه: يلزمه خمسة؛ على قاعدتهم. فكيف خالف الأكثر القاعدة؟
ولو قال: (لا ألبس إلا الكتان) ولم يلبس شيئًا، كان كذلك.
وكذا: (لا أجامعك في السَّنة إلا مَرة)، فمضت السنة ولم يطأ، ففي وجه: يحنث؛ للقاعدة. والأصح (كما قال النووي): لا. فكيف رجَّحوا خلاف القاعدة؟
فجوابه أن استثناء العَدد مِن العَدد تعبير بذلك عن الباقي بعد الاستثناء. والنفي إنما انصَبَّ عليه، فكأنه قال: (لا يلزمني خمسة). لا سيما إذا قلنا: (إن الحكم بعد الإخراج) كما سبق في تقرير دلالة ذلك.
وأما: (لا ألبس إلا الكتان) فمعناه الحلف على لبس غير الكتان، وإذا لم يلبس شيئًا، صدق أنه لم يلبس غير الكتان.
_________________
(١) كذا في (ص، ق)، لكن في (س): ينتفي.
[ ٤ / ١٥٣٩ ]
وكذا: (لا أُجامِع في السَّنة إلا مَرة) معناه: لا أجامع زائدًا على المرة. وإذا مضت ولم يجامع، صدق ما حلف عليه، فليس ذلك منافيًا لقاعدتهم.
فإنْ قيل: تقرير المسألة على هذا الوجه يقتضي أن الحنفية يخالفون في الأمرين، لكن الإمام الرازي وطائفة إنما يحكون الخلاف عن الحنفية في أن الاستثناء من النفي إثبات أوْ لا، وأن الاتفاق على أن "الاستثناء مِن الإثبات نَفْي".
قيل: قد حكى الخلاف في الأمرين معًا القرافي، فقال: (إن الخلاف موجود عندهم) (^١).
وكذا حكى عن بعضهم ذلك الصفي الهندي وغيره. ولا تَعارُض بين النقلين؛ فإنَّ:
- مَن حكى تعميم الخلاف، أراد ما قررناه من ثبوت الواسطة بين الحكمين وهو عدم الحكمين؛ بِناءً على أنَّ تَقابُلَ حُكم المستثنى والمستثنى منه تَقابُلُ نقيضين عندهم (حُكم، وعَدَم حُكم) وتقابُل ضدين عند الجمهور.
- ومَن حكى الاتفاق في صورة الاستثناء من الإثبات على أنه نَفْي، أراد الاتفاق على أصل النفي فيه، لا على أن النفي مستند للاستثناء كما قررناه. فلا يظهر حينئذٍ للخلاف معهم في الإثبات فائدة.
قلتُ: قد يقال: تظهر فائدته في تعارض مع ما قام عليه دليل شرعي، فإنه يُقدم ما قام الدليل عليه؛ لأن الاستناد للأصل لا يقاومه.
وتظهر أيضًا في أنه هل يقاس عليه؟ أو لا؟ فإن النفي إذا كان بالأصالة، لا يقاس عليه؛ لأن شرط الحكم في الأصل أن يكون بدليل.
وتظهر أيضًا في أنَّ رَفْعه بدليل هل يكون نسخًا؟ فإنْ كان باعتبار أنه نَفْي أصلي فلا
_________________
(١) نفائس الأصول (٢/ ٦٠٢).
[ ٤ / ١٥٤٠ ]
يكون رفْعه نسخًا؛ لِمَا سيأتي في أبواب هذه الأمور تقرير ذلك وإيضاحه.
تنبيهات
أحدها: ما قاله الحنفية موافق لقول نحاة الكوفة. وأبو حنيفة - ﵁ - لما كان كوفيًّا كان مذهبه ذلك.
وما قاله الجمهور موافق لقول سيبويه والبصريين. والإمام الرازي وإنْ وافقهم في "المحصول" لكنه وافق الأوَّلِين في "المعالم" وفي "تفسيره" في سورة النساء.
الثاني: الاستثناء المتصل هو الذي تأتي فيه هذه المسألة والاختلاف فيها؛ لأن فيه إخراج.
أما المنقطع فالظاهر أن ما بعد "إلا" فيه محكوم عليه بضد الحكم السابق. فإنَّ مساقه هو الحكم بذلك. فنحو: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧] المراد أن لهم اتباع ظن، لا عِلم وإنْ لم يكن الظن داخلًا في العلم، هذا إذا جُعل منقطعًا. وَقِسْ على ذلك.
لكن هل يجري ذلك في التام والمفرغ؟ أو لا يجري في المفرغ؟
قيل: الظاهر هو عدم إجراء الخلاف فيه، وأن الاستثناء فيه إثبات قطعًا؛ لأن قولك: (ما قام إلا زيد) ليس معك شيء ثبت له القيام فيكون فاعلًا إلا زيد، فيكون متعينًا للإثبات بالضرورة، بخلاف قولك: (ما قام أحد إلا [زيد]) (^١).
نعم، حكى القرافي في "العقد المنظوم" عن الحنفية أنهم أجروا ذلك في التام والمفرغ، قال: (ويلزمهم أن يعربوا "زيد" في: "ما قام إلا زيد" بدلًا، لا فاعلًا، ويكون الفاعل
_________________
(١) في (ت): زيدا.
[ ٤ / ١٥٤١ ]
مضمرًا، أي: "ما قام أحد إلا زيد". لكن حَذف الفاعل ممتنع عند النحاة) (^١).
قلت: لا بُدَّ في الاستثناء المفرغ مِن معنى محذوف يُستثنَى منه وإنْ لم يُقَدَّر لفظُه على المرجَّح، فالقول بجريان الخلاف فيه غير بعيد.
الثالث:
من أدلة الجمهور أنَّ "لا إله إلا الله" لو لم يكن المستثنى فيه مُثبتًا لم يكن كافيًا في الدخول في الإيمان، ولكنه كاف باتفاق. وقد قال - ﷺ -: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله" (^٢). فجعل ذلك غاية المقاتلة.
وقد أجابوا بأن الإثبات معلوم، وإنما الكفار يزعمون شِركة، فنُفيت الشركة بذلك. أو أنه وإنْ كان لا يفيد الإثبات بالوضع اللغوي لكن يفيده بالوضع الشرعي، فإنَّ المقصود نَفْي الشريك، وهو مُستلزِم للثبوت. فإذا قلتَ: (لا شريك لفلان في كرمه)، اقتضى أن يكون كريمًا.
وأيضًا فالقرائن تقتضي الإثبات؛ لأنَّ كل مُتلفِّظ بها ظاهرٌ قَصْده إثباته واحدًا، لا التعطيل.
ورُدَّ ذلك بأن الحكم قد عُلِّق بها بمجردها؛ فاقتضى ذلك أنها تدل بلفظها دُون "شيء زائد" الأصلُ عَدَمُه.
قال ابن دقيق العيد في "شرح الإلمام": وكل هذا عندي تشغيب ومراوغات جدلية، والشرع خاطب الناس بهذه الكلمة وأمرهم بها؛ لإثبات مقصود التوحيد، وحصل الفهم
_________________
(١) العقد المنظوم (٢/ ٢٢٦).
(٢) سبق تخريجه.
[ ٤ / ١٥٤٢ ]
لذلك منهم من غير احتياج لأمر زائد. ولو كان وضع اللفظ لا يقتضي ذلك لَكَان أهم المهمات أنْ يُعلمنا الشارع ما يقتضيه بالوضع مِن غير احتياج لأمر آخَر، فإنَّ ذلك المقصود الأعظم في الإسلام.
ومن أدلتهم أيضًا قوله تعالى: ﴿فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ [النبأ: ٣٠]. وهو ظاهر.
وأما أدلة الحنفية:
فمِن أعظمها أنه لو كان كذلك، لَلَزِمَ مِن قوله - ﷺ -: "لا صلاة إلا بطهور" (^١) أن مَن تَطهر، يكون مصليًّا، أو تصح صلاته وإنْ فقد بقية الشروط.
وجوابه أن [الاستثناء] (^٢) مطلق يَصْدُق بِصُورة ما لو توضأ وصلَّى؛ فيحصل الإثبات، لا أنه عام حتى يكون كل متطهر مصليًّا.
وأيضًا: فهو استثناء [شرط] (^٣)، أي: لا صلاة إلا بشرط الطهارة. ومعلوم أن وجود الشرط لا يَلزم منه وجود المشروط.
وأيضًا: فالمقصود المبالغة في هذا الشرط دُون سائر الشروط؛ لأنه آكِد. فكأنه لا شرط غيره، لا أن المقصود نفي جميع الصفات.
وأيضًا: فقد يقال: الاستثناء فيه منقطع، وليس الكلام فيه. لكن ابن الحاجب قال: (إنه
_________________
(١) سنن ابن ماجه (رقم: ٢٧١) وغيره بلفظ: (لا يَقبل الله صلاة إلا بطهور). وفي: صحيح ابن خزيمة (٩)، صحيح ابن حبان (رقم: ٣٣٦٦) وغيرهما بلفظ: (لا تُقْبَلُ صَلاةٌ إِلا بِطَهُورٍ). قال الألباني: صحيح. (التعليقات الحسان: ٣٣٥٥).
(٢) كذا في (ت، ض، س). لكن في (ص، ق، ش): المستثنى.
(٣) في (ص): بشرط.
[ ٤ / ١٥٤٣ ]
بعيد؛ لأنه استثناء مفرغ، وكل مفرغ متصل) (^١).
على أن هذا الحديث بهذا اللفظ لا يُعرف، إنما المعروف: "لا يقبل الله صلاة بغير طهور" (^٢). أخرجه مسلم.
نعم، في ابن ماجه: "لا تقبل صلاة إلا بطهور" (^٣). ولو مثلوا بحديث: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" (^٤) الثابت في "الصحيحين" لكان أجود.
قال السبكي في "شرح البيضاوي": (وقع لي في بعض المجالس الاستدلال للحنفية بقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فإنه لو اقتضى الإثبات لَلَزِمَ أن يُكلف كل نفس بجميع وُسعها؛ لأنَّ "وُسْع" مفرد مضاف؛ فكان عامًّا، فيصير التقدير: "لا يكلف الله نفسًا بشيء إلا بكل ما تسعه، فإنها مكلَّفة به". وليس كذلك).
قال: (واستحسن ذلك والدي) (^٥).
قلت: لا يلزم مِن تَعذُّر العموم في الشيء أن [ينفى] (^٦) مدلوله، فنقول: انتفى العموم؛ للإجماع، فبقي أصل الإثبات.
الرابع:
"الاستثناءُ مِن التحريمِ نَفْيٌ للتحريم" أَعَم أنْ يكون إباحة أو غيرها، ولكن المتحقق
_________________
(١) مختصر منتهى السؤل والأمل (٢/ ٨١٩).
(٢) صحيح مسلم (رقم: ٢٢٤).
(٣) سنن ابن ماجه (رقم: ٢٧١). قال الألباني: صحيح. (صحيح ابن ماجه: ٢٧١).
(٤) سبق تخريجه.
(٥) الإبهاج (٢/ ١٥٢).
(٦) في (ص) كأنها: يبقى.
[ ٤ / ١٥٤٤ ]
الإباحة، وما زاد يحتاج لدليل؛ فلذلك استشكل الاستدلال بقوله - ﷺ -: "لا تحد المرأة إلا على زوج" (^١) الحديث - على الوجوب حتى احتاج لأمر آخَر يدل على الوجوب، كما بُيِّن في محله، وأوضحنا ذلك في "شرح العمدة".
ولم يتعرض الأصوليون لهذه المسألة صريحًا، لكنها تخرج من عموم قاعدة "الاستثناء مِن النفي إثبات" على ما قررناه.
قولي: (فَإنْ تَعَدَّدْ، فَبِذَا يُحْكَمُ في الْكُلِّ) المراد به أن هذه القاعدة [إذا تمهدت] (^٢) في الأمرين (وهُما الاستثناء من النفي ومن الإثبات)، ترتَّب عليها تَعدُّد الاستثناء، نحو: (له علي عشرة إلا تسعة إلا ثمانية إلا سبعة) وهكذا.
لكن للمسألة أحوال:
الأولى: ما ذكرناه من المثال ونحوه مما ليس فيه عطف استثناء على استثناء، ولا كون أحدهما مستغرقًا لما قبله. ويمكن أن كُلًّا مُخْرَج مما قَبْله، فهذا كل استثناء يُرْجَع فيه لِمَا قَبْله.
فإنْ كان الذي قبله مثبتًا، كان منفيًّا، أو منفيًّا، كان مثبتًا.
فالعشرة إثبات، والتسعة نفي؛ فيبقى واحد. والثمانية إثبات، تصير مع الواحد تسعة، والسبعة نفي؛ يبقى المقَرُّ به اثنان.
ولاستخراج الحكم من ذلك طُرُق للنحاة وغيرهم:
إحداها: ما أشرنا إليه مِن طريقة الإخراج وجبر الباقي بالاستثناء الثاني، وهكذا إلى
_________________
(١) مسند أحمد (٢٠٨١٣)، سنن أبي داود (رقم: ٢٣٠٢) وغيرهما بلفظ: (لَا تحِدُّ الْمَرْأَةُ فَوْقَ ثَلَاثٍ إلا على زَوْجٍ). قال الألباني: صحيح. (صحيح أبي داود: ٢٣٠٢).
(٢) كذا في (ص، ق)، لكن في (ت، س، ض): إذ المذهب. وفي (ش): إذ المهذب.
[ ٤ / ١٥٤٥ ]
آخِره. فإذا قال: (عشرة إلا تسعة إلا ثمانية إلا سبعة إلا ستة إلا خمسة إلا أربعة إلا ثلاثة إلا اثنين إلا واحدًا)، فلمَّا خرج تسعة بالاستثناء الأول جُبر ما بقي (وهو واحد) بالاستثناء الثاني (وهو ثمانية)، فصار تسعة، ثم خرج بالاستثناء الثالث سبعة، بقي اثنان، فجبر بالرابع (وهو ستة)، فصار ثمانية، ثم خرج بالخامس خمسة، فبقي ثلاثة، فجبر بالسادس (وهو أربعة)، فصار سبعة، ثم خرج بالسابع ثلاثة، فبقي أربعة، فجبر بالثامن (وهو اثنان)، فصار الباقي ستة، فأخرج منه بالاستثناء التاسع واحدًا، فصار المُقَرُّ بِه خمسة.
الثانية: أن تحط الأخير مما يليه، وهكذا إلى الأول، فتحط واحدًا من اثنين؛ تبقى واحد، تحطه من ثلاثة، يبقى اثنان. تحطهما من أربعة، يبقى اثنان، تحطهما من خمسة، تبقى ثلاثة، تحطها من ستة تبقى ثلاثة، تحطها من سبعة، تبقى أربعة، تحطها من ثمانية، تبقى أربعة، تحطها من تسعة، تبقى خمسة، تحطها من عشرة، يبقى المُقَرُّ بِه خمسة.
الثالثة: أن تجعل كل وتر من الاستثناءات خارجًا، وكل شفع مع الأصل داخلًا في الحكم، فما اجتمع فهو الحاصل، فتُسقط ما اجتمع من الخارج مما اجتمع من الداخل فهو الجواب.
فالعشرة والثمانية والستة والأربعة والاثنان: ثلاثون، هي المُخْرَج منها.
والتسعة والسبعة والخمسة والثلاثة والواحد: خمسة وعشرون، هي المخرَجة، تبقى خمسة.
الرابعة: أن المستثنى منه أولًا إنْ كان شفعًا كالعشرة في مثالنا، فخذ لكل استثناء من الأوتار واحدًا واجمعه وأسقطه منه، فالباقي الجواب.
فعدد الاستثناءات الأوتار خمسة، تُسقِطها من العشرة؛ تبقى خمسة.
وإنْ كان المستثنى منه أولًا وترًا كَـ "لَهُ عليَّ أحد عشر إلا عشرة، إلا تسعة" إلى آخِره،
[ ٤ / ١٥٤٦ ]
فَخُذ عدد الاستثناءات الأشفاع (وهو خمسة) فأسقطها، فالباقي ستة.
لكن هذه الطريقة لا تأتي إلا في استثناءات متوالية بحيث لا يكون بين كل واحد من المستثنى منه والمستثنى شيء [كما] (^١) في مثالنا، فتأمله.
وطُرُق أخرى لا نُطَوِّل بها.
وكل ذلك على الصحيح من الأقوال في المسألة. وبه قال البصريون والكسائي؛ لأن الحمل على الأقرب متعيِّن عند التردد.
وقيل: جميع الاستثناءات تجمع وتخرج من أصل المستثنى منه أولًا إن لم يستغرق، وإلا فتُبطل ما وقع به الاستغراق، وتُخرج الباقي من الأصل.
وبه أجاب أبو يوسف حين سأله الكسائي فيمن قال: (له عليَّ مائة إلا عشرة إلا اثنين)، فقال: يلزمه ثمانية وثمانون.
وقيل: الأمران محتملان حتى يعمل في نحو الإقرار باليقين ويُلغى المحتمل.
وفي قول رابع للفراء: إن الاستثناء الثاني منقطع، لكنه يصير المستثنى به ثابتًا، فتضمه في الثبوت للمستثنى منه أولًا، فيلزمه في مسألة أبي يوسف اثنان وتسعون كما يقوله البصريون ومَن وافقهم، لكن لا مِن حيث إنه استثناء مما قبله، بل لأن المراد: لكن له عندي اثنان مع التسعين الباقية بعد الاستثناء الأول.
وبالجملة: فالراجح القول الأول، حتى نقل فيه الأستاذان أبو إسحاق وأبو منصور إجماع أصحابنا عليه.
وفيه نظر؛ فقد قال الحناطي -فيما حكاه الرافعي عنه- فيما لو قال: (أنت طالق ثلاثًا
_________________
(١) في (ت): لا كما.
[ ٤ / ١٥٤٧ ]
إلا ثنتين إلا واحدة): يحتمل أن يعود الثاني إلى المستثنى منه أولًا. أي: فتطلق واحدة؛ لأن الثاني إذا عاد للأول، صَيَّر الاستثناء مستغرقًا، فيبطله وحده؛ لأنه الذي به الاستغراق. ولكن المرجَّح خِلافه حتى تطلق ثنتين، لأن كل استثناء مما يليه. حتى قال في "الروضة": إنه الصواب.
فقول بعضهم: (إن قول الحناطي قوي؛ لأنَّ مقابِلَهُ ليس له مأخذ غير القُرْب، والقُرْب لا يقتضي تَعَيُّنًا، إنما يقتضي رجحانًا. كما قال البصريون في تنازع العاملين: إنَّ إعمال الثاني أَوْلى؛ لِقُربه. مع اتفاقهم مع الكوفيين على جواز الوجهين) بعيد؛ لأن الفصل في كثير من الأماكن يقتضي المنع، فَعَوْده لِمَا يَلِيه مع [القُرب] (^١) سالِمٌ مِن الانفصال، فَتَعَيَّن القول به.
أما إذا كانت الاستثناءات متعاطفة نحو: (عشرة إلا أربعة وإلا ثلاثة وإلا اثنين)، فيرجع الكل للمستثنى منه أولًا؛ حملًا للكلام على الصحة ما أَمكن، فإنَّ عَوْد كلٍّ لِمَا يليه قد تَعذَّر بانفصاله بأداة العطف.
هذا إذا لم يلزم مِن عود الكل الاستغراق.
فإنْ كان يلزم منه استغراق، نحو: (له عليَّ عشرة إلا ستة وإلا خمسة)، ألغي ما يقع به الاستغراق، فيلزم أربعة. وكذا: (عشرة إلا خمسة وإلا ستة) يَلزم خمسة. و: (عشرة إلا خمسة وإلا خمسة) يَلزم: خمسة.
قال القاضي أبو الطيب: إذا كان المجموع مساويًا للأصل أو أزيد ببعضها أو بمجموعها فإنْ حصلت المساواة بالاستثناء الأول فلا شك في فساده. أو بالأول والثاني وكان الثاني مساويًا للأول فقد تَعذَّر رجوعه مع الأول إلى المستثنى، وتعذر رجوعه إلى الثاني؛ للعطف وللمساواة، فيفسد لا محالة.
_________________
(١) في (س، ت، ض): الفرق.
[ ٤ / ١٥٤٨ ]
وهل يفسد معه الأول أيضًا حتى لا يسقط من المستثنى منه شيء؟ أَم يختص الثاني بالفساد؛ لأنه نشأ منه؟ فيه احتمالان.
قال الهندي: (والظاهر الثاني).
قال: (فإنْ كان الثاني أنقص مِن الأول، تَعارضَا) (^١). انتهى
نعم، يَطْرق المعطوفات إذا استغرقت الأصل خِلافٌ مِن أن المفرَّق في المستثنى منه أو في المستثنى هل له حُكم الجمع؟ والجمع فيهما هل له حُكم المفرَّق؟
والصحيح فيهما المنع كما أوضحوه في الفقه في باب الإقرار وغيره.
وأما إذا لم تكن الاستثناءات متعاطفة ولكن بعضها لا يمكن أن يرجع لما يليه؛ لكونه مستغرقًا، نحو: (أنت طالق ثلاثًا إلا ثنتين إلا ثنتين)، أو: (إلا واحدة إلا ثنتين)، فتعاد كلها للأصل أيضًا. فإنْ أدَّى المجموع لاستغراق الأصل، أبْطل ما به الاستغراق كما سبق تقريره في المتعاطفة.
نعم، إذا استغرق استثناءٌ استثناءً بمساواة، احتمل التوكيد كما قاله الرافعي. وقواه بعضهم بأن التوكيد وإنْ كان خِلاف الأصل فالاستثناء أيضًا خلاف الأصل، فلا ينبغي تكثيره.
وقد يجاب بِقِلَّة التوكيد بالنسبة إلى كثرة الاستثناء؛ فقوي جانبه.
واعلم أنَّا إذا فرَّعنا على قول الفراء السابق أن الثاني منقطع فيضم للأصل، ينبغي أن يقال في: (له عليَّ عشرة إلا اثنين إلا اثنين): يلزمه عشرة. وفي: (عشرة إلا اثنين إلا ثلاثة): يلزمه أحد عشر.
_________________
(١) نهاية الوصول (٤/ ١٥٤٩).
[ ٤ / ١٥٤٩ ]
وكأن مستنده في مذهبه أنه لا يستثنى من استثناء. وسيأتي الخلاف فيه، ولا يمكن أن يُعاد للأول؛ للفصل والبُعد، لكن قد قامت الحجة للجمهور في الأمرين كما سبق.
تنبيهات
أحدها: القول في إعراب الاستثناءات متقدمة ومتأخرة مع تفريغ وعدمه من وظيفة النحاة. والأصولي والفقيه إنما يبحثان في المعاني.
نعم، لم يتعرض ابن الحاجب في "مختصره" (^١) لمسألة التعدد صريحًا، لكن في نَصْب أدلة القائلين بِعَوْد الاستثناء المتعقِّب للجُمَل إلى الأخيرة ذكر منها ما لو قال: (له عليَّ عشرة إلا أربعة إلا اثنين) فإنما يعود [الأخير إلى] (^٢) الذي قبله، لا إلى الكل. ثم أجاب بما يقتضي تسليم القاعدة، وذكر بعد ذلك أيضًا في الأدلة ما يرشد إليها.
الثاني: هذه المسألة مفرَّعة على مسألة جواز الاستثناء من الاستثناء، وهو الصحيح. وبه قال سيبويه، وترجم عليها "باب تثنية المستثنى".
وحكى ابن العربي في "المحصول" عن بعضهم منعه (^٣). وحكى مجلي في "الذخائر" في "باب الإقرار" أن بعض الفقهاء حكى المنع عن بعض أهل العربية؛ لأن العامل في الاستثناء الفعل الأول بتقوية حرف الاستثناء، والعامل الواحد لا يعمل في معمولين.
وكذا قال الروياني: إن مِن أهل اللغة مَن ينكر ذلك؛ لهذه العلة.
_________________
(١) مختصر المنتهى (٢/ ٢٨٢) مع شرحه.
(٢) كذا في (ص، ق، ش). لكن في (ض، س): الآخر إلى. وفي (ت): إلى الآخر.
(٣) المحصول (ص ٨٣).
[ ٤ / ١٥٥٠ ]
وأجاب المانعون عما استدل به الجمهور مِن قوله تعالى: ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلَّا آلَ لُوطٍ﴾ [الحجر: ٥٨، ٥٩] الآية - بأن الاستثناء الثاني وهو: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ [الحجر: ٦٠] إنما هو من قوله: ﴿أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٥٩].
قال الروياني: (والمجوزون يقولون: العامل "إلا"). انتهى
وكون العامل "إلا" هو مُرَجَّح ابن مالك في "التسهيل" وفاقًا لسيبويه والمبرد والجرجاني.
خلافًا لمن قال: (ما قبلها مُعَدًّى بها أو مستقلًّا) كما هو مذهب ابن خروف، أو: (بِـ: أستثني مضمرًا) كما هو قول الزجاج، أو: (بِـ "أنَّ" مُقَدَّرة بعدها) كما عزاه السيرافي للكسائي، أو: (بِـ "إنْ" مخففة مُركبًا منها ومِن "لَا": إلَّا) (^١) كما قاله الفراء.
ومنهم مَن أجاب في الآية -كما أشار إليه صاحب "الذخائر" في كتاب الطلاق- بأنَّ الاستثناء الأول منقطع؛ لأنَّ آل لوط ليسوا مِن المجرمين.
قال: ولم يَحْك الزجاجي سواه.
الثالث:
قولنا في أصل المسألة: (إنَّ محلها إذا أمكن أنَّ كل استثناء مُخْرَجٌ مما قَبْله) يخرج به إذا تَعدَّد وكان المستثنى الثاني عَيْن المستثنى الأول، نحو: (قام القوم إلا الفتى إلا العلاء)، فإنهما واحد خارج من الأصل.
وقولي: (عين المستثنى)؛ ليخرج: (إلا ثلاثة إلا ثلاثة)، فإن ذاك مِثله، لا عَيْنه، وقد سبق الكلام عليه. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) يعني: "إلَّا" مُرَكَّبة مِن "إنْ" و"لا".
[ ٤ / ١٥٥١ ]
وقولي في النَّظم: (وَوَارِدٌ مِنْ بَعْدِ سَبْقِ جُمَلِ) تمامه قولي بعده:
ص:
٦٣٣ - أَوْ مُفْرَدَاتٍ عُطِفَتْ بِالْوَاوِ وَلَمْ يَطُلْ فَصْلٌ مَعَ التَّسَاوِي
٦٣٤ - في نَفْيِ مَانِعٍ فَرَاجِعٌ إلَى جَمِيعِهَا، وَإنْ رَأَيْتَ جُمَلَا
الشرح:
والإشارة بذلك من قولي: (وَوَارِدٌ) إلى قولي: (جَمِيعِهَا) إلى مسألة الاستثناء المتعقب لمتعدد من جمل أو مفردات هل يعود للكل؟ أو للأخير؟
وهي عكس المسألة التي قبلها، فإنَّ تلك في تعدُّد الاستثناء، وهذه في تعدُّد ما يمكن عَوْد الاستثناء إليه، وربما كانا متعددين. ويُعلم حُكمه مِن حُكم كُلٍّ من الأمرين.
والحاصل: أن الاستثناء إذا تعقب مذكورات متعاطفة بالواو، فإنْ لم يمكن عَوْدُه إلى كُلٍّ منها لدليل اقتضى عَوْدَه للأول فقط أو للأخير فقط أو كان عائدًا إلى كل منها بالدليل، فلا خلاف في العود إلى ما قام له الدليل.
وإنْ أَمكن بأنْ تَجرد عن قرينة شيء مِن ذلك، فهو محل الخلاف الآتي بيانه.
فمثال ما دل على عوده للأول دليل فيعود إليه قطعًا: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ [البقرة: ٢٤٩] الآية، فاستثناء ﴿مَنِ اغْتَرَفَ﴾ إنما يعود إلى ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ﴾، لا إلى ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب: ٥٢] الآية، فاستثناء ﴿مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ [الأحزاب: ٥٢] يعود إلى لفظ "النساء"، لا إلى الأزواج؛ لأن زوجته لا تكون مِلك يمينه.
[ ٤ / ١٥٥٢ ]
وحديث: "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة إلا زكاة الفطر في الرقيق" (^١).
ونحو ذلك ما قال أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ﴾ [النساء: ٨٣] إلى قوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾: إنه استثناء مِن الجملة الأولى.
ومثال العائد للأخير جزمًا -للدليل- لا إلى غيره: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ [النساء: ٩٢] الآية، فإنَّ ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ إنما يعود للدية، لا للكفارة.
ونحوه: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣] لا يعود للسُّكْر؛ لأن السكران ممنوع من دخول المسجد؛ إذْ لا يُؤْمَن مِن تلويثة. قاله ابن أبي هريرة في "تعليقِه".
أو للأخير جزمًا وإنْ كان في غيره محتملًا، فيجري فيه الخلاف، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤] الآية، فـ ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٥] عائد للإخبار بأنهم فاسقون قطعًا حتى يزول عنهم -بالتوبة- اسمُ "الفسق". بل قال بعض أصحابنا: ويلزم منه لازِم الفسق، وهو عدم قبول الشهادة، خلافًا لقول أبي حنيفة: إنه [تزول] (^٢) سِمةُ الفسق ولا تُقبل شهادته؛ عملًا بما سيأتي من قاعدته وهو العَوْد للأخير، لا إلى غيره.
ولا يعود في هذه الآية للجَلد المأمور به قطعًا؛ لأن حد القذف حَقُّ آدمي؛ فلا يَسقط بالتوبة.
وهل يعود إلى قبول الشهادة، فتُقبل إذا تاب؟ أوْ لا فلا تقبل؟
فيه الخلاف الآتي.
ومثال العائد للكل قطعًا بالدليل: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ﴾ [المائدة: ٣٣] الآية، فـ ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ عائد للجميع بالإجماع كما قاله ابن السمعاني.
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) في أكثر النُّسخ: يزول.
[ ٤ / ١٥٥٣ ]
وكذا قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] الآية، فـ ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ عائد للكل.
وكذا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] الآية، فَـ ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ عائد للجميع. قال السهيلي: بلا خلاف.
أما ما تَجرد عن القرائن وأَمكَن عَودُه للأخير ولغيره ففيه مذاهب، أصولها ثلاثة: العَوْد للجميع، أو للأخير فقط، أو الوقف. وما سوى ذلك من الأقوال فإنما هو في إثبات قرينة صارفة أو نفيها كما سيتضح ذلك في محله.
فالمذهب الأول: وهو العود إلى الجميع. به قال الشافعي كما حكاه الماوردي والروياني، ونقله البيهقي في "سُننه" في "باب شهادة القاذف" عن نَصه، فقال: (قال الشافعي: والاستثناء في سياق الكلام على أول الكلام وآخِره في جميع ما يذهب إليه أهل العلم، لا يُفرق بين ذلك أحد) (^١). انتهى
وكذا نقله غيره عن نَص "الأُم"، إذْ قال في "باب الخلاف في إجازة شهادة القاذف" في المناظرة بينه وبين مَن يمنع شهادة القاذف إذا تاب مع انتفاء اسم الفسق عنه استنادًا إلى عَوْد الاستثناء للأخير فقط:
(فقلتُ لقائل هذا: أرأيت رجلًا لو قال: "والله لا أكلمك أبدًا، ولا أدخل لك بيتًا، ولا آكل لك طعامًا، ولا أخرج معك سفرًا أبدًا، وإنك لغير حميد عندي، ولا أكسوك ثوبًا إن شاء الله" أيكون الاستثناء واقعًا على ما بَعد قوله: "أبدًا"؟ أو على ما بعد: "غير حميد عندي"؟ أَم على الكلام كله؟
قال: بل على الكلام كله.
_________________
(١) السنن الكبرى للبيهقي (١٠/ ١٥٢).
[ ٤ / ١٥٥٤ ]
قلتُ: فكيف لم توقع الاستثناء في الآية على الكلام كله وأوقعت في هذا الذي هو أكثر في اليمين على الكلام كله؟) (^١). انتهى
قلتُ: قد يقال: إنَّ الشافعي إنما ألزم بذلك الخصم، والمناظِر قد يُلزم الخصم بما لا يعتقده، وأيضًا فإنما ألزمه في تعقيب الكلام بـ "إن شاء الله"، وسيأتي أنه ليس الخلاف بيننا وبين الحنفية إلا في الاستثناء بِـ "إلا" ونحوها مِن أدواته.
وأما "إن شاء الله" فقد سبق أن تسميته استثناءً مَجازٌ، إلا أن يريد الشافعي قياس الاستثناء على "إن شاء الله" الذي هو متفق على عَوْده للكل.
وأما ما حكاه البيهقي فيحتمل أنَّ المراد بالاستثناء فيه "إنْ شاء الله"، وهو وفاق.
ولأجل ذلك قال القاضي أبو الطيب: (وما وجدت مِن كلام الشافعي ما يدل عليه إلا أنه قال في "كتاب الشاهد واليمين": إذا تاب القاذف، قبلت شهادته، وذلك بيِّنٌ في كتاب الله ﷿. وهذا يدل على أنه رَدَّ الاستثناء إلى الفسق ورَدِّ الشهادة. وقد استدل أبو إسحاق وغيره من أصحابنا على قبول شهادته بعموم الاستثناء). انتهى
قلتُ: ويحتمل أن الشافعي إنما قال ذلك لأنه إذا انتفى الفسق، وجب قبول شهادته؛ للتلازم.
وقد أشار إلى ذلك الشافعي في بعض مناظرات الخصم، فقال في "الأم" -في الباب الذي سبق ذِكره بَعد أن قال له محمد بن الحسن: (إن أبا بكرة قال لرجل استشهده: لا تستشهدني، فإن المسلمين فَسَّقُوني)، أي: وإنْ كنتُ قد تُبْتُ- ما نصه:
(وفيما قال دلالة على أن المسلمين لا يُلزمونه اسم "الفسق" إلا وشهادته غير جائزة، ولا
_________________
(١) الأم (٧/ ٩٠).
[ ٤ / ١٥٥٥ ]
يُجَوِّزون شهادته إلا وقد أسقطوا عنه اسم "الفسق") (^١) إلى آخِر ما قال - ﵁ -.
وعلى كل حال فهذا مذهب الشافعي. وإنْ وقع في بعض نصوصه ونصوص أصحابه ما قد يخالف ذلك فِلأَمر آخَر سيأتي في ذِكر المذاهب الآتية بيانُه.
وممن قال بذلك أيضًا مالك كما نقله عنه ابن القصار، وقال: إنه الظاهر من [مذاهب] (^٢) أصحابه.
ويُحكى عن عبد الجبار، ونقله ابن القشيري عن القاضي أبي بكر.
وهو المرجَّح أيضًا عند الحنابلة، ونقلوه عن نَص أحمد حيث قال في حديث "لا يؤَمنَّ الرجل في سلطانه ولا يُجلس على تكرمته إلا بإذنه" (^٣): أرجو أن يكون الاستثناء على كله. نعم، يُقيد محل الخلاف في عَوْدِه للكل أو للأخير بقيود، منها ما يقتضي أن يعود للكل قطعًا، ومنها ما يقتضي أن يعود للبعض قطعًا. وكل منهما إما على المرجَّح أو على رأي مرجوح، فتُذكر هاهنا؛ لأن كثيرًا منها مخصِّص للقول الذي بدأنا به وهو أرجَح المذاهب وهو العَوْد إلى الكل وإنْ كان تأخيرها عن المذاهب جميعها أَنْسَب مِن تلك الجهة.
منها:
أن يكون المتعدد السابق جُملًا كما عبَّر به الأكثرون، وبه عبر ابن الحاجب والبيضاوي وغيرهما، ولكن كلام أصحابنا في الفروع واستدلالات الأصوليين في المسألة [صريحة] (^٤)
_________________
(١) الأم (٧/ ٩٠).
(٢) في (س، ت، ض): مذهب.
(٣) صحيح مسلم (رقم: ٦٧٣) بلفظ: (ولا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ في سُلْطَانِهِ، ولا يَقْعُد في بَيْتِهِ على تَكْرِمَتِهِ إلا بِإِذْنِهِ).
(٤) كذا في (ص، ق)، لكن في (س، ت): صريح.
[ ٤ / ١٥٥٦ ]
بأنه لا فرق، ودليل على أن مَن عبر به إنما هو باعتبار الغالب؛ فإن العَوْد إلى جميع المفردات أَوْلى مِن الجُمَل، بل في كلام ابن الحاجب وغيره ما يؤخَذ منه الاتفاق في المفردات.
وقد مثَّل الرافعي وغيره المسألة في الوقف بِـ (وقفتُ على أولادي وأحفادي وإخوتي المحتاجين إلا أن يفسق بعضهم) وهي مفردات، إلا أن يقال: العامل في كُلٍّ فِعل آخر، [فتصير] (^١) جُملًا. لكنه ضعيف في العربية.
ومثَّله الإمام في "البرهان" بصريح الجُمل، فقال: (كَـ: وقفتُ على بني فلان داري، وحبستُ على أقاربي ضيعتي، وسبلت على خَدَمي بيتي، إلا أن يفسق واحد منهم) (^٢).
ولهذا عبرّتُ في صدر المسالة بأنه إذا تعقب مذكورات كما صرحت بالأمرين في النَّظم.
نعم، يبقى النظر فيما يسمى جملة، والمشهور أنها الاسمية من مبتدأ وخبر، والفِعلية من فعل وفاعل.
وقال ابن تيمية: المراد بها هنا اللفظ الذي فيه شمول ويصح إخراج بعضه.
ولهذا مثَّلوا بالأعداد، وكذا آية: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣]، فهي مفردات مُؤَوَّلة مِن "أنْ" والفعل، عقبها قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾.
وحاصله يرجع إلى أن مَن عَبَّر بالجمل فإنما أراد الأَعَم بالتقرير الذي ذكره، وهو حَسَن.
ومنها:
أن يكون المذكورات قبل الاستثناء متعاطفة كما صرح به القاضي في "التقريب" والقاضي أبو الطيب والشيخ أبو إسحاق وابن السمعاني وابن القشيري، والسهيلي أبو عبد
_________________
(١) كذا في (ص، ق). وفي سائر النسخ: فيعتبر.
(٢) البرهان (١/ ٢٦٦).
[ ٤ / ١٥٥٧ ]
الله وأبو نصر [القشيري] (^١) والآمدي وابن الساعاتي والهندي والقرطبي.
واغتر القرافي بمن أطلق -كالإمام الرازي وأتباعه- فحكى الخلاف وإنْ لم يكن عطف. وليس كذلك، بل إطلاق مَن أَطلق محمول على أنه سكت عنه؛ لوضوحه.
وممن أَطلق: الماوردي وإمام الحرمين وابن الصباغ والغزالي والمازري وابن قدامة الحنبلي وغيرهم. وعُذرهم ما ذكرناه، فإنَّ أمثلتهم وكلامهم في المسألة يرشد إلى تقييدها بالعطف، وكذا تصويراتهم في الفروع الفقهية.
فمنه قول أصحابنا: لو قال: (يا طالق، أنت طالق [ثلاثًا] (^٢) إن شاء الله)، انصرف إلى الأخير، ويقع بـ "يا طالق" طَلْقة.
نعم، قد يخالف ذلك قولهم فيمن قال: (أنت طالق، أنت طالق، إن شاء الله) قاصدًا للتأكيد: يعود للجميع. ولم يَحْكِ الرافعي فيه خلافًا، ولكن المقصود في التأكيد الأول، والثاني عَيْنه، فلا تَعَدُّد. ولو قال: (أنت طالق واحدة ثلاثًا إن شاء الله) لا يقع شيء أيضًا.
وجوابه أنه كأنه أكد [الأُولى] (^٣) بزيادة [اثنين] (^٤)، ثم عقَّب بالاستثناء، فعاد للمجموع؛ لعدم تَغايُر الأول مع الثاني.
وفي "كتاب الأيمان": لو قال: (إن شاء الله أنت طالق وعبدي حر)، لا تطلق ولا يُعتَق.
قال الرافعي: (وليكن هذا فيما إذا نوى صرف الاستثناء إليهما. فإنْ أَطْلَق، فيجيء فيه
_________________
(١) في (ص، ق، ش): التستري.
(٢) في (ت، ض، س): إلا.
(٣) في (ص، ق): الأول.
(٤) في (ص): اثنتين.
[ ٤ / ١٥٥٨ ]
خلاف عَوْد الاستثناء للكل أو للأخيرة) (^١).
وزاد النووي أن الصحيح التعميم.
فاستفدنا مِن ذلك أن الخلاف جارٍ مع عدم العطف، وأن الاستثناء المتقدم على الجمل يجري فيه الخلاف، وسيأتي خِلافه.
قلتُ: سيأتي أن هذه المسألة إنما هي في الاستثناء الحقيقي، لا في تعليق المشيئة. وتَقدُّم الشرط سيأتي أنه يعود للكل. والظاهر أن ذلك سواء مع العطف وعدمه، فليس مما نحن فيه.
واعلم أن البيانيين ذكروا أن ترك العطف قد يكون لكمال الارتباط، نحو: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢].
وحينئذٍ ففي مِثل ذلك قال الشيخ تقي الدين السبكي: (لا يبعد مجيء الخلاف فيه).
قال ولده في "شرح المختصر": (يحتمل أنهما لما صارا كالجملة الواحدة، فيعود للجميع قطعًا) (^٢).
ومنها:
كون العطف بالواو أو نحوها مما يقتضي المشاركة، خلافًا لمن أطلق كما نقله الرافعي عن أصحابنا، وخلافًا لما نقله الرافعي أيضًا عن إمام الحرمين من تقييده بِـ "الواو" في تدريسه، إذْ قال: (ورأى الإمام تقييده بقيدين، أحدهما: أن يكون العطف بالواو الجامعة، فإنْ كان بـ "ثُم"، اختص بالأخيرة. والثاني: أن لا يتخلل بين الجملتين كلام طويل، كما لو قال: "وقفتُ على أولادي، فمَن مات منهم وأعقب، كان نصيبه لأولاده، للذكر مثل حظ الانثيين، وإلا
_________________
(١) العزيز شرح الوجيز (١٢/ ٢٣٢).
(٢) رفع الحاجب (٣/ ٢٧٢).
[ ٤ / ١٥٥٩ ]
فنصيبه لمن في درجته، فإذا انقرضوا، صُرف إلى إخوتي فلان وفلان الفقراء، إلا أن يفسقوا"). انتهى
وجرى على ذلك الآمدي وابن الحاجب وابن الساعاتي.
لكن الصواب أن ما كان مِثل "الواو" في اقتضاء المشاركة كَـ "الواو".
وعبارة ابن القشيري: أما إذا اشتمل الكلام على جُمل متقطعة تُنبئ كل واحدة عما لا تُنبئ عنه أخواتها ولكنها جُمعت بحرف مِن حروف العطف جامع في مقتضَى الوضع ثم تُعُقِّب باستثناء، فهذا محل الخلاف.
ونحوه عبارة الشيخ أبي إسحاق، وإلى ذلك المعنى أشار الإمام فيما سبق نقل الرافعي عنه بقوله: (الواو الجامعة).
فإنْ كان قول الرافعي عقبه: (فإنْ كان بِـ "ثُم"، اختص بالأخيرة) مِن كلام الرافعي أَخَذَه مِن مفهوم تقييده بالواو لا مِن كلام الإمام، فلا يناسب تعبيره بِـ "الجامعة"؛ لأنه قد أفادنا أن كل عاطف جامع كَـ "الواو". ولهذا صرح في النهاية بعدم التقييد بالواو، فقال: إنَّ الظاهر أنَّ "ثم" و"حتى" و"الفاء" مثل الواو في ذلك.
وإنْ كان مِن بقية كلام الإمام، فيخالف ما في "النهاية"، ويقال: ما الفرق بين الواو الجامعة وغيرها مما هو جامع؟
وإذا لم يصح تقييد الإمام بالواو، صح ما قاله الأصفهاني في "شرح المحصول" أنه لم ير التقييد لأحد بالواو قبل الآمدي، فلا يتعجب مِن ذلك كما تعجب منه بعض المتأخرين.
وممن صرح بعدم التقييد بالواو القاضي في "التقريب"، فقال: إذا عطفت بأي حرف كان مِن "فاء" و"واو" وغيرهما.
أي: مما هو في معناهما.
[ ٤ / ١٥٦٠ ]
واعلم أني قيدتُ في النَّظم: (بِالْوَاوِ) جريًا على ما قاله إمام الحرمين وَمن تبعه؛ لظهور حُكم [المسألة] (^١) فيها، أو لأن ما في معناها كالفرع عنها، فاقتصرتُ عليها، لا لقصد التقييد بها.
أما ما لم يكن في معنى الواو في الجمع (كَـ "لكن" و"بل" و"أو" و"لا" و"إما") فلا يتأتى فيها ذلك فيما ذكره بعضهم.
وقال القرافي: (لا يتأتى ذلك في "أو"، و"أَم"، و"إما"؛ لأنها لأحد الشيئين لا بِعَيْنه. وأما "بل" و"لا" و"لكن" فيحتمل أنها كالواو، فإنَّ في كل مِن المعطوف بها حُكمًا وإنِ اختلف بالنفي والإثبات، ويحتمل المنع؛ لاختلاف الحكم وهي لأحد الشيئين بعينه، بخلاف "أو" و"أَم" و"إمَّا") (^٢).
وسبق أن عبارة القاضي فيها إطلاق أي حرف كان من حروف العطف، ولكن ينبغي أن يُحمل على ما في معنى الواو.
نعم، يشكل على هذا التفصيل أن الماوردي وغيره مَثَّلوا المسألة بآية المحاربة مع أن العطف فيها بِـ "أو".
وحكى الرافعي الخلاف في "بل" قبيل الطلاق بالحساب، فقال: (لو قال: "أنت طالق واحدةً بل ثلاثًا إنْ دخلتِ الدار" فوجهان، أصحهما -وبه قال ابن الحداد- تقع واحدة بقوله: "أنت طالق" وثنتان بدخول الدار، ردَّا للشرط إلى ما يليه خاصة. والثاني: يرجع الشرط إليهما جميعًا إلا أن يقول: أردتُّ تخصيص الشرط بقولي: "بل ثلاثًا") (^٣).
_________________
(١) في (ص، ق، ش): العلة.
(٢) شرح تنقيح الفصول (ص ٢٥٣).
(٣) العزيز شرح الوجيز (٩/ ١٦).
[ ٤ / ١٥٦١ ]
ومنها:
أن لا يتخلل بين الجملتين كلام طويل. فإنْ تخلل، اختص بالأخيرة كما سبق نقله عن حكاية الرافعي عن إمام الحرمين. والمعنى فيه أن طُول الفصل يُشعر بقَطْع الأُولى عن الثانية.
ومنها:
ما ذكره أبو نصر القشيري أنْ لا يكون كل مِن المتعدد [بمعنى] (^١) الآخَر، بل يُنبئ عما لا يُنبئ عنه الآخر، كَـ: (اضرب العصاة والجناة والطغاة والبغاة إلا مَن تاب)، فيعود للكل قطعًا. وهذا من قيود نفي الخلاف الآتي.
ومنها:
تَناسُب الجمل، فقد ذكره البيانيون في صحة عطفها حتى لا يعطف إنشاء على خبر، وخبر على إنشاء، ووافقهم ابن مالك، وحينئذٍ فلا يحسُن التمثيل بآية القذف.
لكن أكثر النحويين على الجواز؛ ولهذا مثّل الأئمة بالآية.
ونحو ذلك: مَن يمنع عطف الفعلية على الاسمية وعَكْسَه، لا يمثل بالآية أيضًا؛ لأن ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] اسمية.
ومنها:
اشتراط بعضهم في محل الخلاف أنْ لا يكون العامل في الكل واحدًا، فإنْ كان العامل واحدًا، عاد للكل قطعًا، نحو: (اهجر بني فلان وبني فلان إلا مَن صلح)، بخلاف آية القذف، فإن العامل فيها متعدد.
واشتراط بعضهم اتحاد العامل، فإنِ اختلف، اختص بالأخيرة.
_________________
(١) في (ص، ق، ش): معنى.
[ ٤ / ١٥٦٢ ]
ولا يخفى ضَعْفُ الأمرين؛ لِمَا ذكر الأئمة مِن الأمثلة في محل الخلاف.
وكذا اشتراط تأخُّر الاستثناء. ولكن الصواب لا فرق.
وأما المتوسط بين جملتين إحداهما معطوفة على الأخرى فَقَلَّ مَن تَعرَّض له، وقد ذكره الأستاذان أبو إسحاق وأبو منصور، نحو: (أَعْطِ بني زيد إلا من عصاك، وأَعْطِ بني عمرو). وحكيَا عن الأصحاب فيها وجهين: الرجوع إليهما، وإلى ما قَبله دُون ما بَعده. ثم ذكرَا كلامًا في الأمر والخبر وأَطالَا فيه.
وقياس قول أبي حنيفة باختصاصه بالجملة التي تليه أنَّ الاستثناء إذا تَقدم، اختص بالجملة الأُولى.
وربما خرج من هذه القيود مذاهب غير ما سنذكره من المذاهب الأصلية.
فالمذهب الثاني في المسألة:
أنه عند التجرد عن قرينة للكل أو للبعض إنما يعود للأخير فقط، وهو قول أبي حنيفة وأكثر أصحابه، واختاره الإمام الرازي في "المعالم"، وقال الأصفهاني في "القواعد": إنه الأشبه. ونقله صاحب "المعتمد" عن الظاهرية، ويحكَى أيضًا عن أبي عبد الله البصري من المعتزلة وعن أبي الحسن الكرخي، وإليه ذهب الفارسي، وحكاه إلْكِيَا وابن برهان عنه، واختاره المَهَابَاذيُّ في "شرح اللمع".
وقد يُظَنُّ أن ذلك مذهب الشافعي؛ لأن النصوص -كما قال الشيخ أبو إسحاق- فيما لو قال: (أنت طالق طلقة وطلقة إلا طلقة) وقوع طلقتين. وفي وجهٍ: طلقة. فيظن أن هذا [بناءه] (^١) على عَوْدِه للجميع، وأن النص بناء على عَوْده للأخير.
_________________
(١) كذا في (ص)، لكن في (س، ق): بناء.
[ ٤ / ١٥٦٣ ]
ونحوه ما قاله ابن الصباغ في: (أنت طالق ثلاثًا وثلاثًا إلا أربعًا) أنه يقع ثلاث؛ إذ لو أُعيد للجميع لَوقعت طلقتان.
ولكن ليس الأمر كذلك، إنما ذلك لقاعدة أن المفرَّق لا يُجْمَع على الأصح.
ونحو ذلك أيضا ما قاله القاضي أبو الطيب: (لو قال: "له عليَّ درهم ودرهم إلا درهمًا" يَلزمه درهمان على المنصوص).
نعم، لذلك مدْرَك آخَر، وهو أن عَوْد الاستثناء للجميع هل معناه إلى كل واحد؟ أو إلى المجموع ويوزع عليها؟
فيه خلاف حكاه الماوردي وفرَّع عليه لو قال: (له عليَّ ألف درهم ومائة دينار إلا خمسين) وأراد بالخمسين جنسًا غيرهما، فيُقبَل منه. فإنْ أراد عَوْده إلى أحدهما، عُمِل به، أو إليهما معًا بمعنى نقص خمسين مِن كل منهما، عُمِل به، أو يُنصف الخمسين عليهما، عُمل به. وإنْ مات قبل البيان، قال: فعند أبي حنيفة يعود إلى ما يليه، وعند أصحابنا يعود إليهما. ثم اختلفوا على وجهين:
أحدهما: على معنى إخراج خمسين مِن كل منهما.
والثاني: يعود إليهما نصفين، مِن كلٍّ خمس وعشرين (^١).
ولم يصحح الماوردي شيئًا، وذكرهما الروياني في "البحر" وصحح الأول.
ويظهر أثر هذا الخلاف -الذي ذكره الماوردي- فيما لو قال: (أكرِم بني تميم وبني بكر إلا ثلاثة)، هل معناه: إلا ثلاثة مِن كل قبيلة؟ أو إلا ثلاثة من المجموع؟
وبالجملة فقد استُدل لهذا المذهب بأن الاستثناء لَمَّا لم يكن [مستقلًّا] (^٢) واحتاج إلى ما
_________________
(١) الحاوي الكبير (٧/ ٢٣).
(٢) في (ت، س، ض): متصلا.
[ ٤ / ١٥٦٤ ]
يعود عليه وأمكن الاكتفاء بما يليه، لم [يُعْدَل] (^١) إلى سابق على ذلك.
وجوابه أن الجمل أو المفردات المتعاطفة تُصَيِّر الكل كالجملة الواحدة، فلا يقتصر به على البعض؛ بدليل الشرط، فإنه يعود للكل قطعًا.
نعم، إن كان أبو حنيفة لا يفرق بينهما، فلا يُستدل بالقياس على الشرط. وستأتي المسألة.
فإنْ قيل: الفرق تَقدُّم الشرط وتأخُّر الاستثناء.
قيل: قد يتقدم الاستثناء وقد يتأخر الشرط، سواء قلنا: المتقدم الجواب، أو: [دليل] (^٢) الجواب.
قال القرطبي: وقد خالف أبو حنيفة أصله، فإنه يلزمه أن لا تُقبل التوبة قبل الحد ولا بعده كما قال بذلك شريح، لكنه قال بقبولها قَبله لا بَعده، فخالف أصله.
الثالث من المذاهب:
الوقف حتى تقوم قرينة تَصرفه للكل أو للأخير أو للأول أو للأوسط كما في الأمثلة السابقة.
قال سليم: وهو مذهب الأشعرية. وحكاه ابن برهان عن القاضي، واختاره الغزالي والإمام الرازي في "المنتخب"، وفي الكلام على التخصيص من "المحصول" التصريح به.
وحكاه إلْكِيَا عن اختيار إمام الحرمين، قال: فقيل له: فقد قال الشافعي: إذا قال الواقف: "وقفتُ داري على فلان وحبست أرضي على بني فلان" وذكر نوعًا آخر ثم قال: "إلا الفساق"، فينصرف الاستثناء إلى الكل.
_________________
(١) في (ت، س): يعد.
(٢) كذا في (ص، ق). لكن في سائر النسخ: ذلك.
[ ٤ / ١٥٦٥ ]
فأجاب بأن ذلك للتعارض بين الجميع وما يليه، لا لأنه يعود للكل.
قال إلْكِيا: (وهذا المأخذ غير مَرْضي؛ فإنَّ التوقف في المستثنى يوجب التوقف في المستثنى منه).
نعم، نقل ابن القشيري والمازري أن التوقف إنما هو إذا كانت الجمل متناسبة ولا قرينة. فإنْ كانت مختلفة الجهات [متباينة] (^١) المأخذ، فالظاهر الاختصاص بالجملة الأخيرة، للانقطاع [بينها] (^٢) في المعنى والغرض وإنْ أمكن العود للكل.
واختار إلْكِيَا ذلك، وقال: إنه حسن جدًّا، وإن به يتهذب مذهب الشافعي ويُغني عما عداه.
تنبيه:
حكوا قول الوقف عن المرتضى، إلا أنه يقول به لكونه عنده مشتركًا بين عَوْده للكل والأخير فقط، بخلاف تَوقُّف القاضي، فإنه لعدم العلم بمدلوله لغةً.
بل بعضهم يغاير بين قولَي الاشتراك والوقف كما فعل في "جمع الجوامع".
والصواب أنه قول واحد وإنِ اختلف مدْرَك التوقف؛ ولهذا لم يعد ما ذكره بعد مِن تخصيص محل الوقف قولًا آخر، وذلك أن الأثبت في النقل عن المرتضى ما حكاه صاحب "المصادر" أنه يقطع بِعَوْده إلى الجملة الأخيرة فقط، ويتوقف في الرجوع إلى غيرها، وهو أَعلم بمذهبه؛ لأنه شيعي مثله.
الرابع ما سبق اختيار إلْكِيَا له، ونحوه ما حكى ابن برهان في "الأوسط" عن عبد
_________________
(١) في (ت، س): متناسبة.
(٢) في (ص، ض): بينهما.
[ ٤ / ١٥٦٦ ]
الجبار أنَّ الجُمَل إنْ سِيقت لمقصود واحد، عاد للكل، أو لأغراض مختلفة، اختص بالأخيرة.
الخامس: إنْ ظهر أنَّ الواو الواقعة بين الجملتين فأكثر للابتداء، نحو: (أكرم بني تميم والنحاة البصريين إلا البغاددة)، اختص بالأخيرة. وإنْ تَردد بين العطف والابتداء، فالوقف.
السادس: إنْ كانت الجملة الثانية إعراضًا وإضرابًا عن الأُولى، اختص بالأخيرة، وإلا انصرف للجميع. حكاه ابن برهان عن أبي الحسين البصري، لكن الذي في "المعتمد" حكايته عن عبد الجبار وأقرَّه.
نعم، قال ابن برهان: إن ما قاله أبو الحسين هو المعتمد، وإنه مذهب الشافعي، وإنه لم ينقل عن الشافعي في ذلك نَص بخصوصه، بل أُخذ من مسألة المحدود بالقذف.
ونحن نُبيِّن أنَّ الشافعي إنما صار إلى ذلك؛ لأن ذِكر الجمل هناك لم يكن إضرابًا عن المتقدم، إنما مساق الآيات لغرض واحد وهو الجرأة على تلك الجريمة.
واختار هذا أيضًا ابن السمعاني في "القواطع".
الساب: ما حكاه في "المحصول" عن أبي الحسين: إنْ كان بينهما تَعلُّق، عاد للجميع، وإلا اختص بالأخيرة. وقال: (إنه التحقيق).
وحُكيت أقوال أخرى غير ذلك، والمدار في ذلك كله ما ذكرنا من أنَّ في الكلام قرينة صارفة أوْ لا. فكل مَن تخيل قرينة، أَدَار عليها الحكم.
فائدة:
كان القاضي جلال الدين القزويني يقول: إنَّ عَوْد الاستثناء للجميع يَلزم منه تَوارُد عوامل على معمول واحد.
[ ٤ / ١٥٦٧ ]
وجوابه أن مَن يجعل العامل "إلا" كابن مالك، لا يَلزمه ذلك. ومَن لا يقول بذلك، قد يقول: حذف مِن المتقدم؛ لدلالة المتأخر. على أنَّ ابن مالك وغيره جوَّزوا ذلك في نحو: (جاء زيد وأتى عمرو العاقلان).
وقيل: يجب القطع. والله أعلم.
قولي: (وَإنْ رَأَيْتَ جُمَلَا) تتمته قولي بعده:
ص:
٦٣٥ - أَوْ جُمْلَتَيْنِ بِاقْتِرَانِ أَمْرِ فَالِاسْتِوَا في الْحُكْمِ لَيْسَ يَجْرِي
الشرح:
وهو إشارة إلى المسألة المشهورة بأن دلالة الاقتران حُجة؟ أو لا؟
ولها مناسبة بالمسألة السابقة؛ لأن الاستثناء إذا أُعيد للجميع، وجب الاقتران في الاستثناء.
وحاصل هذه المسألة: أن القِران بين أمرين في اللفظ في حُكم هل يقتضي التسوية بينهما في غيره من الأحكام؟ أو لا؟
الجمهور على المنع، فيعطف واجب على مندوب، كقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١].
وقال المزني وأبو يوسف من الحنفية: يقتضي التسوية؛ لأن العطف يقتضي المشاركة، نحو: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]؛ فلذلك لا تجب الزكاة في مال الصبي؛ لأنه لو أريد دخوله في الزكاة لكان فيه عطف واجب على مندوب؛ لأن الصلاة عليه مندوبة اتفاقًا.
[ ٤ / ١٥٦٨ ]
وضُعِّف بأن الأصل في اشتراك المعطوف والمعطوف عليه إنما هو فيما ذكر، لا فيما سواه من الأمور الخارجية. وقد أجمعوا على أن اللفظين العامَّين إذا عُطف أحدهما على الآخر وخُصَّ أحدهما، لا يُقضَى بتخصيص الآخر.
على أنَّ إطلاق الخلاف عن أبي يوسف ومَن تبعه من الحنفية ليس بجيد؛ فإن الذي في كُتبهم التقييد بتعاطف الجُمَل الناقصة، نحو: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢]، ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، لأن الجملتين حينئذٍ يصيران كالواحدة، والإشهاد في المفارقة غير واجب، فكذا في الرجعة.
بخلاف الجمل التامة، نحو: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، لَمَّا كانتا مستقلتين، لم يَقْتَضِ ثبوتُ حُكم في إحداهما ثبوتَه في الأخرى.
وأما تفسير القِران بما ذكرناه فربما يخالفه تفسير الجدليين إياه بأنْ يجمع بين الشيئين في الأمر أو في النهي ثم يتبين حُكم أحدهما، فيُستدل بالقِران على ثبوت ذلك الحكم للآخر، كقوله - ﷺ -: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسل فيه من الجنابة" (^١). أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة، فَقَرَنَ البول فيه بالاغتسال منه، والبول فيه مفسدة، فكذلك الاغتسال.
وهو غير مَرْضِي عند المحققين؛ لاحتمال أن يكون النهي عن الاغتسال فيه لمعنى غَيْر المعنى الذي منع مِن البول فيه لأجله، ولعل المعنى في النهي عن الاغتسال فيه أنه لا يرفع جنابته كما هو مذهب الخضري.
_________________
(١) سنن أبي داود (رقم: ٧٠)، مسند أحمد (٩٥٩٤)، وغيرهما. قال الألباني: حسن صحيح. (صحيح أبي داود: ٧٠).
[ ٤ / ١٥٦٩ ]
تنبيه:
كثيرًا ما تُذْكَر هذه المسألة في باب الأدلة المختلَف فيها، ومناسبتها ظاهرة، إلا أنَّا [اتبعْنا] (^١) "جمع الجوامع" في إيرادها هنا، لِمَا سبق من المناسبة.
ومما يظهر فيه فائدة الخلاف فيها ما لو قال: (أحجُّوا عني حجة الإسلام، وأعتقوا كذا، وتصدقوا بكذا) ولم يُقَيد ذلك بكونه مِن الثلث، فهل تتقيد حجة الإسلام بالثلث كما لو قيد بذلك وتكون فائدته في مضايقة أهل الثلث؛ مِن أَجْل اقترانه بما يعتبر من الثلث قطعًا؟ أوْ لا؛ لعدم الاحتجاج بدلالة الاقتران؟
والمرجَّح الثاني؛ لأن دلالة الاقتران غير حُجة على المرجح كما سبق.
قولي: (بِاقْتِرَانِ أَمْرِ) في محل نصب على المفعول الثاني لـ "رأي"، أي: مقترنين في أمر من الأمور.
وقولي: (فَالِاسْتِوَا في الْحُكْمِ)، أي: في الحكم الخارج عن ذلك لا يجري فيهما أو فيها. والله أعلم.
ص:
٦٣٦ - وَالثَّانِ مِنْ مُتَّصِلٍ: شَرْطٌ، وَذَا تَعْلِيقُ أَمْرٍ بِأَدَاةٍ تُحْتَذَى
٦٣٧ - نَحْوُ: وَقَفْتُ ذَا عَلَى أَوْلَادِي إنْ دَخَلُوا في الْعِلْمِ بِاجْتِهَادِ
الشرح:
الثاني من المخصصات المتصلة: الشرط. والمراد به هنا اللغوي.
_________________
(١) كذا في (ص)، لكن في (ق، س): تبعنا.
[ ٤ / ١٥٧٠ ]
وهو: تعليق أمر على أمر بِـ "إنْ" أو إحدى أخواتها التي سبق ذِكرها في صِيَغ العموم وبيان معانيها في شرطيتها، نحو: إنْ دخلت الدار فأنت طالق، أو: فأنت حر.
ومثال تخصيص العموم به ما أشرت إليه في النَّظم أنْ يقول: (وقفتُ هذا على أولادي إنْ كانوا علماء). فإنَّ مَن ليس بعالم خارجٌ بمفهوم هذا الشرط.
وسيأتي أن التخصيص بالمفهوم جائز، أَعَم من أنْ يكون منفصلًا عن العام أو متصلًا به. فالكلام هنا في المتصل في الشرط، وهناك في الأَعَم.
واعلَم أن الشرط له ثلاثة إطلاقات سبق بيانها في الكلام على خطاب الوضع، وسبق أن المراد هنا مِن تلك الإطلاقات إنما هو اللغوي الذي هو التعليق، وأنَّ تفسير مَن يفسره هنا بأنه "الذي يَلزم مِن عدمه العدمُ، ولا يَلزم مِن وجوده وجودٌ ولا عدمٌ [لذاته] (^١) " كما في أكثر كُتب الأصول -ليس بجيد؛ لأن هذا إنما هو تفسير لإطلاق آخَر مِن الإطلاقات الثلاثة وهو "الشرط" الذي هو قَسِيم للسبب والمانع وغيرهما من خطاب الوضع إذا كانت في الشرع، فإنَّ الثلاثة قد تكون عقلية وعادية، وسبق تمثيلها.
على أنه بذلك الإطلاق لا يُفسَّر بهذا أيضًا؛ لأن هذا حُكمه بَعد تَصَوُّره، وإنما حقيقته ما يتوقف عليه تعريف المعرف كما بيَّنتُه هناك، وأن مَن عبَّر بقوله: (ما يتوقف عليه تأثير المؤثِّر) فاسد؛ لأن العِلَل والأسباب مُعرِّفات لا مؤثِّرات (على قول أهل السُّنة). ولو سُلِّم التأثير فيفسد بما أفسد به ابن الحاجب وغيره، وهو أن الحياة شرط في العِلم، فإذا فُرض ذلك في القديم، فيلزم أن يكون هناك تأثير، وهو محُال.
فالصواب حينئذٍ التعبير بِـ "التعريف" لا بِـ "التأثير" كما عبَّرنا به، إلا أنْ لا يُراد بِـ "التأثير" حقيقته بل ما له دَخْل في الوجود وعدمه في الجملة. وإذا كان المراد ذلك، فلا يضر
_________________
(١) ليس في (ص، ق).
[ ٤ / ١٥٧١ ]
التعبير به فيما سيأتي من المباحث.
أما "الشرط" اللغوي فيرجع إلى السبب؛ لأنه يَلزم مِن وجوده الوجودُ ومن عَدَمِه العدمُ كما قرره القرافي في كتاب "الفروق"، ولكنه بطريق وضع المتكلم ذلك بنطقه.
قال القرافي: وإطلاق "الشرط" على هذا وعلى الذي سبق يمكن أن يكون بالاشتراك ويمكن أن يكون بالحقيقة في أحدهما والمجاز في الآخَر، وأنْ يكون بالتواطؤ (^١).
قلتُ: دعوى التواطؤ بإبداء مَعْنى مشترك بين الإطلاقين إنْ صح فهو أَصوب؛ لأنه خير مِن الاشتراك والمجاز، ولأنه يكون جوابًا لتعريف الأئمة "الشرط" -الذي هو مِن المخصِّصات- بما يتوقف عليه تعريف المعرِّف أو تأثير المؤثِّر أو بما يَلزم مِن عدمه العدمُ، ولا يَلزم مِن وجوده وجودٌ ولا عدمٌ.
وتصحيح قول القرافي وغيره أن الشروط اللغوية أسباب، وتقرير ذلك أنَّ القائل: (إنْ دخلت الدار فأنتِ طالق) فيه ثلاثة أمور:
تَلفُّظ بهذا الشرط، ووقوع المعلَّق عليه وهو دخول الدار، ووقوع المعلَّق وهو الطلاق.
فمَن نظر إلى التلفُّظ ورأَى أنه هو الشرط، صَحَّ أنه يَلزم مِن عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته؛ إذ لا يَلزم مِن التعليقِ الطلاقُ ولا عدمُه. بل إنْ وُجِد المعلَّق عليه، طلقت، وإلا فلا. وَيلزم مِن عدمِ التعليق عدمُ الطلاق مِن هذه الحيثية.
ويقال فيه أيضًا: إنه يتوقف عليه تأثير المؤثِّر مِن حيث إنَّ إرادة الزوج الطلاق هو المؤثِّر في طلاقها إذا أَوْجَد لفظًا يقتضيه.
ومَن نظر إلى المعلَّق عليه وهو دخول الدار [وسَمَّاه] (^٢) "شرطًا" لِكونه يتوقف عليه تأثير
_________________
(١) الفروق (١/ ١٠٧ - ١٠٨).
(٢) كذا في (ص، ق)، لكن في (س، ض، ت): فإنما يسميه.
[ ٤ / ١٥٧٢ ]
المؤثِّر وهو تعليق الزوج الطلاق، يقول: إنه صار سببًا [بوضع] (^١) المتكلِّم، [فَلَزِمَ] (^٢) مِن وجوده الطلاقُ ومن عدمِه عدمُ الطلاق مِن هذه الحيثية.
وربما يدعي في الشرط نفسه أنه سبب شرعي، إما لأنه المؤثِّر عند وجود المعلَّق عليه هاما لأنه سبب لكون الدخول صار سببًا، وسَببُ السببِ سَببٌ وإن كان بواسطة كما قرره القرافي في الكتاب المذكور أيضًا.
واعْلَم أنه وقع في باب "القياس" مِن "البرهان" لإمام الحرمين أنَّ للشرط دلالتين:
إحداهما: مصرح بها، وهي إثبات المشروط عند ثبوت الشرط.
والأخرى: ضمنية، وهي الانتفاء.
والذي ذكره غيره من الأصوليين أن الشرط لا دلالة له في الإثبات بحال، وإنما يدل في [جانب] (^٣) الانتفاء خاصة.
وعلى ما قاله يَلزم اتحاد الشرط مع العلة، ورَدَّ عليه الأبياري في "شرحه" وأطال في ذلك، وكذا أبو العباس ابن المنير قال: وما حمله على ذلك إلا رؤيته العِلل تُستعمل بصيغة الشرط كثيرًا؛ فاعتقد أن الشرط اللغوي عِلة.
ثم أوَّلَ كلامه بان دخول الدار -مثلًا- ليس عِلة للطلاق شرعًا ابتداءً، لكنه يجوز أن يكون عِلة بوضع المطلِّق وغرضه؛ لأنه قد فَوَّض الشرعُ إليه إيقاعَ الطلاق بلا سبب، فيَلزم أنْ يفوِّض إليه إيقاعَه بوضع سبب له؛ ولهذا لا يقع التعليق غالبًا مِن مُطلِّق إلا لِغرض في مَنعْ المعلَّق عليه.
_________________
(١) في (ص، ق): لوضع.
(٢) كذا في (ص)، لكن في سائر النسخ: يلزم.
(٣) في (ت): حال.
[ ٤ / ١٥٧٣ ]
قلتُ: ويشهد لهذا التأويل تمسُّك الإمام بقول القائل: (إنْ جئتني، أكرمتك)، فإنه يلزم مِن المجيء استحقاقُ الإكرام، فبَانَ مراده بما سبق في تقرير إطلاقات الشرط وأنه لا يريد أنَّ وجود المعلَّق عليه اقتضَى وجود المعلَّق؛ لذاته، بل للتعليق السابق والجَعْل.
وإذا تَقرر أن إطلاق "الشرط" على ذلك كله مِن قبيل [المتواطئ] (^١)، صَحَّ تقسيم بعض المتأخرين "الشرط" إلى عقلي وعادي وشرعي ولغوي كما صنع القرافي، وذكر في "قواعده" مما يتميز به اللغوي أنه يمكن التعويض عنه وإبداله وإبطاله، بخلاف الثلاثة الأخرى.
قال: لأن القائل: "إنْ دخلت فأنت طالق" إذا نجز الثلاث، كان ذلك عوضًا عن سبب التعليق بسبب آخَر وهو التنجيز. وإذا قال: "إنْ رددتَ عبدي فَلَكَ هذا الدينار" ثم وهبه له، فقد أبدله بالهبة. وإذا علق الطلاق ثم قال: "نجزت ما علقته"، فقد أبطل التعليق بالتنجيز عند مَن يراه.
ويتميز اللغوي أيضًا بأنه ومشروطه دائمًا معدومات، وما عداه كل مِن الشرط والمشروط يكون وجودًا وعدمًا.
وأيضًا الشرط اللغوي قد يكون غير معلوم، فلا يقع مشروطه، كالتعليق على مشيئة الله -﷿- لطلاق أو عتق أو نحوهما.
_________________
(١) كذا في (ص، ق، ض)، لكن في (ت): التواطؤ.
[ ٤ / ١٥٧٤ ]
تنبيهات
أحدها: حُكي عن المرتضى مخالفة في كون الشرط مخصِّصًا مخرِجًا لبعض الأفراد كما في الاستثناء، ووافقه صاحب "المصادر" -مِن المعتزلة- على ذلك؛ تَعلُّقًا بأنَّ الشرط إنما يُخرِج بعض الحالات، لا بعض الأفراد. فإنَّ القائل: (أكرم القوم إنْ دخلوا) إنما يفيد تقييد الإكرام بحالة دخولهم، ولولا الشرط لاستحقوا كلهم في كل حال.
وردَّه الجمهور بأنَّ مَن دخل، استحق دُون مَن لم يدخل، فهو تخصيص؛ لإخراجه بعض الأفراد؛ لأن القيد لكل فرد [فرد] (^١)، لا للمجموع من حيث هو، وإلا لزم في نحو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] أنْ لا تستحق مَن أرضعت ولدها إلا أن تُرضع جميع نساء العالم أولادهن، فعند ذلك تستحق الكل الأجر.
الثاني: الشرط المراد هنا ما كان بِـ "إنْ " وما في معناها كما سبق، بخلاف "لو" فإنه شرط في الماضي يقتضي امتناع جوابها؛ لامتناع شرطها كما سبق.
والشرط بِـ "إنْ" وما في معناها متوقَّع في المستقبل إما قطعًا (كَـ: إذا طلعت الشمس فأنت طالق) وإما مع الاحتمال (كـ: إنْ قام زَيد).
فإنْ ورَدَ ما يتوهم أنه لماضٍ، أُوِّل، نحو قوله تعالى حكاية عن عيسى ﵊: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [المائدة: ١١٦]، فإنه إنْ كان قال ذلك في الدنيا فالاستقبال ظاهر، أو يقوله في الآخِرة -وهو الظاهر- فمُؤَوَّل على حذف فِعل مستقبل، نحو: إنْ ثبت أو تبيَّن أني قلتُه فأنت أَعْلم.
_________________
(١) ليس في (ص).
[ ٤ / ١٥٧٥ ]
ونحوه قول الشاعر: (أتغضب إنْ أذنا قتيبة حزنا)، أي: إنْ تبيَّن ذلك.
الثالث: ذكر في "المحصول" وتبعه البيضاوي وغيره في مسائل "الشرط" هنا ما حذفتُه تبعًا لـ "جمع الجوامع"؛ لقِلة جدواه في كون الشرط تخصيصًا.
فمِنه أنَّ الشرط إما أن يقع في الوجود دفعةً أو تدريجًا، وكل منهما إما أن يكون التعليق على وجوده أو عدمه.
فما عُلِّق على وجود ما يقع دفعةً لِعدم تركُّبه أو لكون أجزائه لا توجد إلا معًا نحو: (إنْ طلقتك، فأنت طالق)، فالمشروط يقع في أول زمن وقوع الشرط.
وما عُلِّق على عدمه نحو: (إنْ لم أطلقك)، فالمشروط يقع أول أزمنة عدمه.
وما كان على التدريج نحو: (إنْ قرأت الفاتحة فأنت حر)، فالمشروط يقع عند تكامل أجزائه إنْ عُلِّق بوجوده، وعند انتفاء آخِر جُزء إنْ عُلِّق بعدمه، نحو: (إنْ لم تقرئي الفاتحة فأنت طالق).
قلتُ: المسائل الأربع تدور على أن المشروط في الشرط اللغوي -الذي قد بيَّنا أنه سبب- يقع مع الشرط، لا بَعده، وهو الأرجح مِن قولَي الشافعي كما هو موضح في الفقه.
إلا أنَّ ما يقع دفعةً ليس له إلا زمن واحد، فكيف يقال: أول أزمنة وجوده؟ ولو قُدِّر تَعدُّد زمنه لَمَا كان يقع حتى يصدق، ولا يصدق إلا في آخِر أزمنته، لا في أولها.
وما عُلِّق بعدم هذا إنْ قُيِّد بزمان والتعليق بِـ "إنْ" كَـ: (إنْ لم أطلقك اليوم، فأنت طالق) و: (إنْ لم أَبع في هذا اليوم، فأنت حر) فإنَّ المشروط إنما يقع في آخِر أزمنة العدم، لا في أولها.
وإنْ لم يقيد بزمان كـ: (إنْ لم أطلقك، فأنت طالق)، فلا تطلق إلا قبل الموت، وهو آخِر أزمنة العدم الممكن فيها الطلاق، أو قبيل الجنون الحاصل للزوج متصلًا بالموت كما قُرر ذلك كله في الفقه.
[ ٤ / ١٥٧٦ ]
نعم، إنْ كان التعليق بِـ "إذَا" ونحوها فيقع في أول أزمنة العدم إذا مَضَى قَدْر زمن الفعل المعلَّق على عدمه ولم يفعل.
وكذا إذا كان التعليق [بفعل] (^١) الكف، نحو: (إنْ كففتُ عن طلاقك) أو: (أمسكتُ) أو: (تركتُ).
فالإطلاق ليس بجيد.
ومما ذكروه أيضًا من المسائل أن كُلًّا من المعلَّق والمعلَّق عليه إما واحد أو عدد، والعدد إما [معلَّق] (^٢) بمجموعة أو بواحد منه، فهي تسعة أقسام مِن ضرب ثلاثة في ثلاثة، وأمثلتها ظاهرة؛ فلا نُطَوِّل بها.
ومما يذكر هنا أيضا أنَّ دخول الشرط على الشرط هل هو تعليق بالشرطين إذا اجتمعا سواء تَقدم أولهما على ثانيهما أوْ لا؟ أو أنَّ الشرط الثاني شرطٌ في الشرط الأول؟ كَـ: (إنْ دَخلت إنْ كَلَّمْت) يشترط وجود الكلام قبل الدخول.
الأرجح في مذهب الشافعي هذا، وأفرد الشيخ تقي الدين السبكي المسألة بالتصنيف.
ومثال المسألة قوله تعالى: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: ٣٤] المعنى: إنْ كان الله يريد أنْ يغويكم، فلا ينفعكم نُصحي إنْ أردتُ أنْ أنصح لكم.
الرابع: قولي: (بِأَدَاةٍ) أي: آلة موضوعة لذلك، (تُحْتَذَى) بالذال المعجمة، أي: يُقتدَى بها ويُجْرَى على مثالها. والله أعلم.
_________________
(١) في (ص، ق): لفعل.
(٢) في (ص): متعلق.
[ ٤ / ١٥٧٧ ]
ص:
٦٣٨ - وَهْوَ كَالِاسْتِثْنَاءِ في [اتِّصَالِ] (^١) وَمَا مَضَى، وَالْعَوْدُ بِالتَّوَالِي
٦٣٩ - لِلْكُل أَوْلَى، وَكَذَاكَ الْأَكْثَرُ يَخْرُجُ فِيهِ حَسْبَمَا قَدْ حَرَّرُوا
الشرح:
اشتمل البيتان على ثلاث مسائل سبق نظيرها في الاستثناء، فيأتي فيها مِثله بوفاق أو خلاف.
إحداها: هل يُشترط في الشرط الاتصال كما في الاستثناء؟
الثانية: عَوْد الشرط المتعقِّب لِجُمَل أو مفردات لكُلها، لا للأخِير فقط.
وإليها أشرت بقولي: (وَمَا مَضَى). أي: وهو كالاستثناء أيضًا في الذي مضى من مفردات أو جُمل، أي: في عَوْده لكلها، بل عوده في الشرط للكل أَوْلى مِن الاستثناء، لِمَا سنبينه.
الثالثة: يجوز إخراج أكثر المفردات بالشرط كما يجوز -على المرجَّح- بالاستثناء.
فأما المسألة الأولى:
وهي أنه يُشترط الاتصال في الشرط فبلا خِلاف وإنْ جرى في الاستثناء.
نعم، سبق أن التعليق بـ "إنْ شاء الله " يسمى "استثناءً" وأنه من محل الخلاف في اتصال الاستثناء، وأنَّ عند بعضهم أنه هو محل الخلاف لا مُطلق الاستثناء، فليكن ذلك خارجًا من محل الاتفاق في الشرط.
_________________
(١) في (ت، س): (الاتصال). ولا يصح معه الوزن.
[ ٤ / ١٥٧٨ ]
وأما الثانية:
فقال الإمام في "المحصول": (اتفق الإمامان الشافعي وأبو حنيفة على رجوع الشرط إلى الكل، وذهب بعض الأدباء إلى أنه يختص بالجملة التي تليه، حتى إنه إنْ كان متأخرًا، اختص بالجملة الأخيرة، أو متقدمًا اختص بالأُولى. والمختار التوقف كما في الاستثناء) (^١). انتهى
فتَحَصَّلنا منه على ثلاثة آراء في المسألة، ولا يبعد أن يجيء [هنا أيضًا] (^٢) توقُّف القاضي المذكور في الاستثناء.
نعم، هو أَولى بالعود إلى الكل من الاستثناء كما أشرت إليه في النَّظم؛ بدليل موافقة أبي حنيفة عليه، نحو: اكرِم تميمًا وأَعْطِ مُضَر إنْ نزلوا بك.
وفرق أبو حنيفة بأن الشرط له صَدْر الكلام، فهو مُقدَّم تقديرًا، وذلك لأنَّ الشرط إذا تأخر، فما سبق إما نفس الجواب أو دليل الجواب كما هو المرجَّح عند ابن مالك وغيره.
قال في "التسهيل": الأداة الشرط صَدْر الكلام، فإنْ تَقدم عليها شبيه بالجواب معنًى فهو دليل الجواب، وليس إياه، خلافًا للكوفيين والمبرد وأبي زيد) (^٣). انتهى
ولأجل ذلك قال في "شرح التسهيل" في "باب الاستثناء": (واتفق العلماء على تعلق الشرط بالجميع إذا تَقدَّم، فكذا المتأخر في نحو: "لا تصحب زيدًا ولا تَزُرْه ولا تكلمه إنْ ظلمني"، واختلفوا في الاستثناء) (^٤). انتهى
_________________
(١) المحصول (٣/ ٦٢).
(٢) كذا في (ش)، لكن في (ص، ق): أيضًا. وفي (س، ت، ض): هنا.
(٣) تسهيل الفوائد (ص ٢٣٨).
(٤) شرح التسهيل (٢/ ٢٩٥).
[ ٤ / ١٥٧٩ ]
واعلم أن الخلاف في المسألة قديم قبل صاحب "المحصول"، فقد حكى الصيرفي في كتاب "الدلائل" قولين عن أهل اللغة:
أحدهما: أنه يرجع إلى ما يليه حتى يقوم دليل على إرادة الكل.
والثاني: أنه يعود للكل؛ لأنه وقع في آخِر الكلام؛ فلَم يكن آخر المعطوفات مختصًّا به دون غيره.
وحكى الغزالي عن الأشعرية عدم عوده للجميع، وحكى ابن العارض المعتزلي عن علمائهم عَوْدَه للجميع ولو قيل في الاستثناء: يعود للأخير. ثم نقل عن بعض الأدباء ما سبق حكاية الإمام في "المحصول".
وأما قوله في "المحصول": (إنَّ الشافعي وأبا حنفية متوافقان) فمردود بحكاية الماوردي وابن كج عن أبي حنيفة أنه كالاستثناء في اختصاصه بالأخير.
ثم قال الماوردي: (إن ذلك غلط؛ لقوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] إلى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾، فإنه عائد للجميع، لا الرقبة فقط) (^١).
وأما النقل عن بعض الأدباء أنه "إنْ تَقدم، اختص بما يليه" فبناء على عدم العَوْد للكل. وكذا قال الهندي: إنه منقول عن كل مَن خصصه بجملة واحدة.
لكن قد صرح الصيرفي بأنه يعود للكل، سواء تَقدم أو تأخر، وكذا إلْكِيَا الطبري.
وقال أبو الحسن السهيلي -من أصحابنا- في كتاب "أدب الجدل": إنه مذهب الشافعي. ثم حكى عن بعضهم أن المتقدم يعود للجميع، والمتأخِّر للأخير فقط.
وهو تفصيل غريب يكون قولًا خامسًا في المسألة.
_________________
(١) انظر: الحاوي الكبير (١٦/ ٧١).
[ ٤ / ١٥٨٠ ]
وأما المسألة الثالثة:
وهي أنه هل يخرج بالشرط الأكثر ويبقى الأقل؟
قال في "المحصول": (واتفقوا على أنه يحسُن التقييد بِشرط أنْ يكون الخارج [منه] (^١) أكثر من الباقي وإنِ اختلفوا فيه في الاستثناء) (^٢). انتهى
فلو قال: (أكرِم بني زيد إنْ كانوا علماء) وكان الجهال أكثر، جاز. بل ولو كان الكل جُهالًا، [يخرج] (^٣) الكل بالشرط.
لكن قال الصفي الهندي: (إنَّ إبقاء شيء وإنْ قَلَّ [يجب] (^٤) تنزله على ما عُلِم أنه كذلك. وأما ما يُجهل الحال فيه فإنه يجوز أن يُقيد ولو بشرط لا يُبقِي مِن مدلولاته شيئًا، كقولك: "أكرِم مَن يدخل الدار إنْ أكرمك" وإنِ اتفق أنَّ أحدًا منهم لم يكرمه) (^٥).
تنبيه:
حكاية الخلاف في الباقي بعد الاستثناء وحكاية الوفاق في الباقي بعد الشرط ما محله مع ما سبق في الباقي بعد التخصيص و[ترجيح] (^٦) أنه لا بُدَّ مِن جمع يَقْرُب مِن مدلول العام؟
والجواب: أنَّ ذاك في مطلق التخصيص ولو بمنفصل، وهنا في استثناء وشرط ولو لم يكونا تخصيصًا لعامٍّ سبقهما، فبيْن الموضعين عموم وخصوص مِن وَجْه، ولكل منهما مدْرَك
_________________
(١) في (ص، ق): فيه.
(٢) المحصول (٣/ ٦٢).
(٣) في (ص، ق): لا يخرج.
(٤) في (س، ت، ض): ثم.
(٥) نهاية الوصول (٤/ ١٥٨٩ - ١٥٩٠).
(٦) كذا في (ص، ق)، لكن في (س): يرجح.
[ ٤ / ١٥٨١ ]
يخصه يَظهر مِن أدلة ذلك. والله أعلم.
ص:
٦٤٥ - وَالثَّالِثُ: التَّقْيِيدُ بِالْوَصْفِ إذَا مَفْهُومُهُ كمَا مَضَى لَنْ يُنْبَذَا
الشرح:
الثالث من المخصصات المتصلة: "الوصف"، والمراد به ما أَشعر بمعنى يتصف به أفراد العام، سواء أكان نعتًا أو عطف بيان أو حالًا، وسواء اكان ذلك مفردًا أو جملة أو [شبهها] (^١) وهو الظرف والجار والمجرور.
نحو: (وقفتُ على أولادي الفقراء) أو: (أبوي بكر) إذا كان فيهم مَن يُسَمى أبا بكر ومَن لا يسمى، أو: (أولادي سالكي الطرق الحميدة).
ونحو: (على أولادي يقرؤون القرآن) أو: (وَهُم علماء) أو: (على بناتي عند عزوبتهن) أو: (عند فقرهن).
سواء كان دالًّا على معنى في العموم باشتقاق مِن اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة و"أفعل" التفضيل أو بجمود مؤولًا بمشتق نحو: أولادي المكيين، أو: ذوي العلم، أو نحو ذلك.
وسواء أكان ذلك الوصف نفسه قائمًا بهم أو غير قائم بهم لكن بسبب قائم بهم، كَـ: (وقفتُ على أولادي القرشية أُمهم)، أو غير ذلك.
وقد يفرض ذلك في تمييز ومفعول معه، فيتقيد العموم به.
_________________
(١) كذا في (ص)، لكن في سائر النسخ: شبههما.
[ ٤ / ١٥٨٢ ]
وسنذكر من ذلك أمثلة فيما تعقب منه جُملًا: هل يعود [للأخير] (^١)؟ أو للكل؟ وما يمثَّل به له من الفروع الفقهية.
وقولي: (إذَا مَفْهُومُهُ كَمَا مَضَى لَنْ يُنْبَذَا) أي: الشرط في الوصف المخصص أن يكون له مفهوم معمول به لن يُطرَح، ويخرج بذلك صور:
منها: أن يكون الوصف خرج مَخْرَج الغالب، فَطُرح مفهومه كما سبق بيانه في باب المفاهيم.
ومنها: أن يساق الوصف لمدح أو ذم أو ترحُّم أو توكيد أو تفصيل كما هو موضح في العربية، فليس شيء من ذلك مخصصًا للعموم.
وإنما ينحصر المخصص في [المَسُوق لتخصيص] (^٢) أو لإيضاح، لأنه إنْ كان:
- لِمعرفة، فللإيضاح، نحو: (أولادي العلماء) و: ([الصلاة] (^٣) الوسطى)، ويُسمى عند البيانيين "الصفة المفارقة".
- أو لِنكرة، فللتخصيص، كَـ: (أوصيت لكل رجُل فاضل في البلد بكذا).
نعم، في كل من الأمرين بحث.
أما الأول: فقال الزملكاني (تلميذ ابن الحاجب) في كتابه "البرهان": إن صفة المعَرف بلام الجنس إنما هي [للتخصيص] (^٤)؛ لأن الحقيقة الكُلية لو أريدت باسْم الجنس مِن حيث هي هي، كان الوصف لها نسخًا، فتَعَيَّن أن يكون مَعْنِيًّا بها خاص. وهذا معنى
_________________
(١) كذا في (ض)، لكن في سائر النسخ: للآخر.
(٢) كذا في (ص، ق)، لكن في (ش): المفرق ليخصص. وفي (ت، س، ض): التخصيص.
(٣) في (ت، س، ض): الصف.
(٤) في (ص، ق): بالتخصيص.
[ ٤ / ١٥٨٣ ]
"التخصيص"، بخلاف "الإيضاح" فإنه لا يخرج به شيء.
وقد يقال: لا ينافي هذا كلامهم؛ لأنَّ اسمَ الجنس المعرَّف باللام نَكرةٌ في المعنى؛ فلذلك يوصف بالجملة إنْ رُوعِي المعنى، ويأتي [منها] (^١) الحال إنْ رُوعِي التعريف في اللفظ.
وأما الثاني: فظاهر تَصرُّف أصحابنا أن صفة النكرة للتوضيح، خلافًا لقول أبي حنيفة: إنها للتخصيص. ولذلك كانت العاريَّة -عندنا- مضمونة؛ لقوله - ﷺ - في [قصة] (^٢) صفوان بن أمية: "عاريَّة مضمونة" (^٣) وعنده أمانة إلا إذا شرط ذلك، وعليه يُحمل الحديث.
ومنشأ الخلاف: هل الصفة هنا للإيضاح؟ أو للتخصيص؟
ونحوه: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٥]، إنْ قُلنا: للتوضيح، فلا ملك للعبد، أو: للتخصيص، فيملك.
فإنْ قيل: كيف اتفقوا على أن الصفة مِن جملة المخصصات، واختلفوا في أن مفهوم الصفة حُجة؟ أو لا؟
قيل: ورود الصفة مخُرج مِن الحكم على العام، ويبقى النَّظر في المُخْرَج: هل يُحْكَم عليه بضد الحكم؟ أو هو مسكوت لا يُعْلَم حُكمه؟ جاء الخلاف في المفهوم. والله أعلم.
_________________
(١) كذا في (س، ض)، لكن في (ق، ص): منهما.
(٢) كذا في (ص، ق)، لكن في (س): قضية.
(٣) مسند أحمد (١٥٣٣٧)، سنن أبي داود (رقم: ٣٥٦٢) وغيرهما. قال الألباني: صحيح. (صحيح أبي داود: ٣٥٦٢).
[ ٤ / ١٥٨٤ ]
ص:
٦٤١ - وَهْوَ كَالِاسْتِثْنَاءِ أَيضًا عَائِدُ لِلْكُلِّ مِنْ قَبْلُ وَبَعْدُ عَاضِدُ
٦٤٢ - أَمَّا إذَا تَوَسَّطَتْ تِلْكَ الصِّفَهْ فَهْيَ لِمَا [تَلِيهِ] (^١)، لَا مَا خَلَفَهْ
الشرح: سبق في الاستثناء ثلاثة أمورٍ:
أحدها: وجوب الاتصال، والصفة في ذلك مِثله وإنْ لم أتعرض له في النَّظم؛ لشهرته لا سيما في الصفة التي هي النعت؛ لأن التوابع لا تُفصل من متبوعاتها بِمُبَايِن مَحْض، بخلاف ما لا يتمحض مباينته فإنه يُغتفَر الفصل به، كالمبتدأ [في] (^٢) نحو: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠]، وكالخبر [في] (^٣) نحو: (زيد قائم العاقل)، وكمعمول الصفة نحو: ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ [ق: ٤٤]، بخلاف نحو: (مررت برجل على فرس عاقل أبلق)، فإنَّ ذلك متمحض [المباينة] (^٤).
قال المازري: لا خلاف في وجوب اتصال التوابع، وإنما الخلاف في الاستثناء. لكن جَوَّز بعضهم -حثًا- أن تكون الصفة المخصِّصة للعموم كالاستثناء في جريان خلاف الاتصال فيها.
الثاني: إخراج الأكثر والمساوِي على الراجح، فهل يأتي مِثله في المحض ويجري الخلاف فيها؟
_________________
(١) كذا في (ت، س، ن ٥) وهو أَوْفَق للمعنى. لكن في (ص، ض، ن ١، ن ٢، ن ٣، ن ٤): يليه.
(٢) من (ص).
(٣) من (ص).
(٤) في (ص، ق): المناسبة.
[ ٤ / ١٥٨٥ ]
ظاهرُ إطلاق البيضاوي وغيره أن الصفة كالاستثناء -جريانُه (^١)، وهو محتمل، لكن لم أره تصريحًا، فلذلك لم أتعرض أيضًا في النَّظم له.
الثالث: إذا تعقب جُملًا أو مفردات، هل يعود للكل؟ أو للأخير؟ على الخلاف السابق، فهل يأتي مِثله في الصفة؟
الذي يقتضيه كلام أصحابنا في الفقه أنه يعود للكل.
وفي "المحصول" للإمام: (إذا تعقبت الصفة شيئين فإما أن يتعلق أحدهما بالآخَر كَـ: "أكرم العرب والعجم المؤمنين"، فتكون عائدة إليهما، أو لا يكون كذلك كَـ: "أكرِم العلماء وجالِس الفقهاء الزهاد"، فهُنا الصفة عائدة للأخيرة).
قال: (وللبحث فيه مجال كما في الاستثناء) (^٢).
فلم يصرح الإمام بأن أبا حنيفة يخُصها بالأخير كما في الاستثناء، لكنه في أثناء الاستدلال في الاستثناء المتعقب للجُمل نقل عن أبي حنيفة أن الحال أو الظرف أو الجار والمجرور إذا تعقب متعددًا، يختص بالأخير على قول أبي حنيفة، ولهذا يستدرك -على مَن استدل على أبي حنيفة بالعَوْد في ذلك على الكل فينبغي أن يكون الاستثناء كذلك- بأنَّ هذا أيضًا مما يخالف فيه أبو حنيفة، فلا يُستدل به عليه. وإذا كان هذا قول أبي حنيفة في الحال والظرف والمجرور مع أنها كما سبق صفات، فيؤخذ منه أنه يقول به في مُطلق الصفة.
وجرى الصفي الهندي على أن الصفة المتعقبة لمتعدد يجري فيها الخلاف في الاستثناء.
قولي: (مِنْ قَبْلُ وَبَعْدُ عَاضِدُ) إشارة إلى أن الصفة تعود للكل، سواء تأخرت عن المتعدد أو تقدمت، كما لو قال: (وقفتُ هذا على محتاجي أولادي وأولادهم)، فتعتبر الحاجة في
_________________
(١) يعني: ظاهر إطلاق البيضاوي جريانُه. يعني: جريان الخلاف.
(٢) المحصول (٣/ ٦٩).
[ ٤ / ١٥٨٦ ]
أولاد الأولاد كما في الأولاد.
قال الرافعي: وأطلق الأصحاب ذلك.
ورأى الإمام تقييده بالقيدين السابقين في الاستثناء، أي: كون العطف بالواو، وأن لا يفصل بينهماكما سبق بيانه.
وقولي: (أَمَّا إذَا تَوَسَّطَتْ) إلى آخِره فالمراد به أن الصفة إذا لم تتقدم على المتعدد ولا تأخرت بل توسطت، فإنما تعود للذي قبلها، لا لما بعدها، نحو: (وقفتُ على أولادي المحتاجين وأولادهم).
ويدل لاختصاصها بما وليته ما نقله الرافعي في "الأيمان" عن ابن كج أنه: (لو قال: "عبدي حر إن شاء الله وامرأتي طالق" ونوى صرف الاستثناء إليهما) (^١) إلى آخِره، فإن مفهومه أنه لو لم يَنْوِ، لَمَا عاد لِمَا بَعْده. وإذا كان هذا في الشرط الذي له صَدْر الكلام وقد قال بِعَوْده للجميع بعضُ مَن لا يقول بِعَود الاستثناء والصفة للجميع، فلأنْ يجري مِثل ذلك في الصفة بطريق الأَوْلى.
نعم، حكى فيه ابن داود في "شرح مختصر المزني" خلافًا، وبَنَى عليه إيجاب المتعة للمطلقة بعد الدخول، فقال في قوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦]: يحتمل أن يعود على مَن سبق وهُن غير الممسوسة والمفروض لها، أي: ومتعوا النساء الموصوفات بذلك، فلا تجب المتعة لغيرهن. ويحتمل أن يعود على مُطلق النساء، أي: ومتعوا النساء، فتجب المتعة للكل. وتقرير كون ذلك مِن الصفة المتوسطة أن نفي الجناح مُقيَّد بالنساء التي لم يُمسسن ولم يُفرض لهن.
وقوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ لمطلق النساء من غير الصفة في الذي قبله، فالصفة متوسطة.
_________________
(١) العزيز شرح الوجيز (١٢/ ٢٣٣).
[ ٤ / ١٥٨٧ ]
فإنْ عمم العود، كان التقدير: ومتعوا النساء التي لم يُمسسن ولم يفرض لهن. وإلا فيبقى على إطلاقه.
تنبيهان
الأول: قد تتردد الكلمة بين كونها استثناء أو صفة، فيجري في كل [محمل] (^١) على حُكمه، وذلك نحو: "غير" فإنها تكون استثناء، نحو: (قام القوم غير زيد)، وصِفة، نحو: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧].
قال الرماني: إذا كانت صفة، لم توجِب شيئًا للاسم الذي بعدها ولم تَنْفِ عنه. فنحو: "جاءني رجُل غير زيد" لم تَنْفِ عن زيد المجيء كما لم تثبته له، بخلاف الاستثناء، فإنه إنْ كان مِن موجِب، نَفَتْ عنه الحكم، أو مِن نفي، أوجبته له. وبينهما فرق آخر، وهو أن الصفة تكون للواحد والجمع، والاستثناء لا يكون إلا مِن جمع أو مما في معناه.
ويجري مَجْرَى "غَيْر" في ذلك "سِوَى" و"مثل" ونحوهما.
ومما يقع صفة واستثناء "إلا" وإن كان الأصل فيها الاستثناء، ومن الوصف قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، لو جُعلت استثناء لَفَسد المعنى. والبحث فيها مشهور في العربية.
الثاني: مما يناسب ما ذكر مِن المتعقب لمتعدد هل يعود للكل؟ أو للأخير؟ ما سبق الإشارة إليه من الحال والظرفين (الزماني والمكاني) والجار والمجرور، وأنَّ إطلاق البيضاوي وغيره يدل على عدم مخالفة أبي حنيفة فيه، وأنَّ في "المحصول" للإمام التصريح بالخلاف
_________________
(١) في (ص): محل. وفي (ش، ق): مجمل.
[ ٤ / ١٥٨٨ ]
عنه، فلو توسط الظرف أو الجار والمجرور، ففي "مختصر ابن الحاجب" في مسألة: "لا يقتل مسلم بكافر" أن نحو قولنا: "ضربت زيدًا يوم الجمعة وعمرًا" ما يقتضي أن الحنفية يقيدونه بالثاني أيضًا (^١). لكن قال أبو البركات ابن تيمية: ينبغي أن يعود للكل؛ لتعلقه بجمله الكلام.
ومن ذلك: "التمييز"، ظاهر إطلاق البيضاوي أيضًا أنه يعود للكل اتفاقًا.
وفيه نظر؛ فينبغي أن يأتي فيه ما ذكر في الحال، ويشهد لذلك حكاية خلاف عندنا فيما لو قال: (له علي كذا وكذا درهمًا)، يَلزمه درهمان على المذهب، وفي قولٍ: درهم وشيء بِناء على العَود للأخير فقط.
ولو قال: (له فيَ خمسة وعشرون درهمًا)، هل يكون "درهمًا" تمييزًا للجملتين؟ أو لما يليه فقط؟ وجهان في "حلية" الشاشي، ونسب الثاني لابن خيران وللإصْطخري، والأول للجمهور. وبنى عليهما ما لو قال: (بعتُك بخمسة وعشرين درهمًا)، يصح على الأول دُون الثاني.
وقد يتردد في "التمييز" إذا وَلي متعددًا، هل يكون للمجموع؟ أو لكل واحد؟
فيخرج عليه لو كان ذلك في مفعول، نحو: (إنْ حضتما حيضة فأنتما طالقان). فإنْ أُعيد لكل، وقع الطلاق بتمام حيضة كلٍّ، وإلا فهو مُحال، فيكون من التعليق بمستحيل. ونحوه: إنْ ولدتما ولدًا.
ومن ذلك أيضًا الضمير المحتمل لِمَا قبله مِن متعدد ولكل مِن المتعدد، كَـ: (وقفتُ كذا على أولادي وأولاد أولادي، وأوصيتُ لهم بكذا)، فيعود للجميع.
أما نحو: (وقفتُ على بناتي وعلى أولادهن، وأوصيتُ لهم) فينبغي العود للأخير، وإنِ
_________________
(١) مختصر المنتهى مع شرحه (٢/ ١٩٦).
[ ٤ / ١٥٨٩ ]
احتمل العود للكل من باب التغليب إلا أنه مجَاز على خلاف الأصل.
قولي: (لَا مَا خَلَفَهْ) أي: لا [للذي] (^١) بعد المتوسط. فإن المتأخر يخلف المتقدم. والله أعلم.
ص:
٦٤٣ - الرَّابِعُ: الْغَايَةُ: مَا بِحَرْفِهَا خُولِفَ مَا بَعْدُ لِمَا قَبْلُ انْتِهَا
٦٤٤ - نَحْوُ: وَقَفْتُ ذَا عَلَى بَنَاتِي حَتَّى [يَصِرْنَ] (^٢) في الْمُزَوَّجَاتِ
الشرح:
الرابع من أقسام المخصص المتصل: "الغاية"، والمراد بها أَنْ يأتي بعد العام حرف من أحرف الغاية كـ "إلى" و"حتى" و"اللام"، فإن ذلك مُشعِر بمخالفة ما بعد ذلك الحرف لِمَا قَبْله، نحو: (وقفتُ هذا على بناتي حتى يتزوجن) فيقتضي أن مَن تزوجت منهن لا تستحق شيئًا.
والكلام في ذلك في أمور:
أحدها:
غاية الشيء طَرَفه ومنتهاه، وفي معناه قول بعضهم: نهايته ومنقطعه.
ثم يطلق تارةً على الحرف الدال على ذلك، كـ "حتى" و"إلى"، وتارةً على ما دخل عليه ذلك الحرف، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥]، ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة:
_________________
(١) في (ت): الذي.
(٢) في (ق): تصرن.
[ ٤ / ١٥٩٠ ]
٢٢٢]، ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
فإذا قيل: الغاية هل تدخل في المُغيَّا؟ أوْ لا؟
إنْ أريد [بالمعنى] (^١) الأول وهو طرف الشيء ومنتهاه، فداخلة قطعًا.
وإنْ أريد ما بعد الذي دخل عليه الحرف، فلا خلاف في عدم دخوله وإنْ أوهمه عبارة الإمام الرازي، كما استدركه عليه القرافي.
وإنْ أريد نفس ما دخل عليه حرف الغاية، فهو محل الخلاف المعبَّر عنه بِـ: ما بَعد الغاية هل يدخل فيما قبلها؟ فإن الغاية هنا نفس الحرف، وما دخل عليه هو ما بعد الغاية.
وفي هذه المسألة أقوال:
أحدها: أنه ليس داخلًا في حُكم ما قبلها، بل محكوم عليه بنقيض حُكمه؛ لأنه لو كان ثابتًا فيه، لم يكن الحكم منتهيًا ولا منقطعًا. فلا تكون الغاية غاية، وهو مُحال.
هذا مذهب الشافعي والجمهور كما قاله الإمام في "البرهان".
قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فليس شيء من الليل داخلًا قطعًا.
الثاني: أنه داخل مطلقًا.
والثالث: أنه داخل إنْ كان من الجنس، نحو: (بعتك الرمان إلى هذه الشجرة) والواقع أنها رمانة، وإلا فلا.
قال الروياني في "البحر": إن أبا إسحاق المروزي حكاه عن المبرد.
والرابع: يدخل إنْ لم يكن معه "مِنْ"، بخلاف نحو: (بعتك مِن هذا إلى هذا).
_________________
(١) في (ت، س): بالمغيّى.
[ ٤ / ١٥٩١ ]
والخامس: لا يدخل إنِ اقترن بـ "مِن". وإنْ لم يقترن بها فجاز أن يكون تحديدًا وأنْ يكون بمعنى"مع".
قال الإمام في "البرهان": إنه مذهب سيبويه.
وأنكره ابن خروف عليه، وقال: إن سيبويه لم يَقُل شيئًا من ذلك.
ثم ذكر عن سيبويه خِلاف ما فهم الإمام عنه.
والسادس: قال الإمام: (وهو الأَوْلى): إنْ تميز عما قبله بالحس مثل: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، كان حُكم ما بعدها خلاف ما قبلها. وإنْ لم يتميز حسًّا، استمر ذلك الحكم على ما بعدها، مثل: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، فإنَّ المرفق غير منفصل عن اليد بمفصل محسوس.
والسابع (وبه قال بعض الحنفية): إنْ كان المُغيَّا عينًا أو وقتًا فلا يدخل، وإنْ كان غيرهما، دخل، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]؛ لأن الغاية هنا فِعل، والفعل لا يدخل بنفسه ما لم يفعل. وما لم توجد الغاية لا ينتهي المغيَّا، فلا بُدَّ من وجود الفعل الذي هو غاية للنهي؛ لانتهاء النهي، فيبقى الفعل داخلًا في النهي.
الأمر الثاني:
قال الشيخ تقي الدين السبكي: (إن قول الأصوليين: "إن الغاية من جملة المخصصات" إنما هو فيما إذا تَقدمها عموم يشملها لو لم يؤت بها، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩]، فلولا الغاية لقاتلْنا الكفار أعطوا أو لم يعطوا. فأما نحو: "رفع القلم عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق" (^١) لو سكت عن الغاية، لم
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ٤ / ١٥٩٢ ]
يكن الصبي شاملًا للبالغ، ولا النائم للمستيقظ، ولا المجنون للمفيق، فذِكر الغاية في ذلك إما تأكيد لتقرير أن أزمنة الصِّبَا وأزمنة الجنون وأزمنة النوم لا يستثنى منها شيء، ونحوه: ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥] طلوعه أو زمن طلوعه ليس مِن الليل حتى يشمله ﴿سَلَامٌ هِيَ﴾ [القدر: ٥] بل حقق به ذلك.
وإما للإشعار بأنَّ ما بعد الغاية حُكمه مخالِف لما قبله، ولولا الغاية لكان مسكوتًا عن ذِكر الحكم محتملًا. وهذا على رأي مَن يقول بالمفهوم (^١).
قال الشيخ: (وهذا وإنْ قيل به في نحو: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩] فهو أقوى من القول به هنا؛ لأن هناك لو لم يَقُل به، لم تكن للغاية فائدة، وهنا فائدتها المذكورة أولًا فيما سبق. نعم، قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ يحتمل أنه مثل: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾؛ نظرًا إلى أن الصوم الشرعي مختص بالنهار، وأيضًا فالعموم في الصيام إنما هو في أفراد الصوم، لا لأوقاته) (^٢).
قلتُ: وما ذكره الشيخ إنما هو في تحقيق فائدة الغاية فيما وردت فيه مما يشملها وما لا يشملها ولو لم يكن المذكور قبل الغاية عامًّا عمومًا استغراقيًّا؛ ولهذا جعل منه ﴿سَلَامٌ هِيَ﴾ وليس في "هي" عموم استغراقي. فإنْ كان عموم استغراقي، كان التخصيص موجودًا فيه مِن حيث ما قصد مِن العموم ومن حيث العموم الاستغراقي الذي هو محل الكلام في المسألة. [فإنْ] (^٣) لم يكن فيه عموم استغراقي، انصرف البحث إلى عمومٍ ما وعدمه. فمراد الشيخ الأعم منهما، فتأمله.
_________________
(١) الإبهاج (٢/ ١٦١ - ١٦٢).
(٢) الإبهاج (٢/ ١٦١ - ١٦٢).
(٣) كذا في (ص، ق)، لكن في (س): وإن.
[ ٤ / ١٥٩٣ ]
الأمر الثالث:
قال الشيخ تقي الدين أيضًا: (إطلاق كون "الغاية" من المخصصات لا بُدَّ فيه مِن إخراج ما سبق في حديث: "رفع القلم"، و﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥] و﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] ونحوه مما لا يكون شاملًا لِمَا بعد الغاية. وإخراج نحو: "قطعت أصابعه من الخنصر إلى الإبهام"، فإنَّ الغاية فيه داخلة قطعًا، فهو تأكيد وتحقيق للعموم) (^١).
كما سبق من الفائدة الأولى في مثل ذلك.
نعم، لو كان اللفظ غير صريح نحو: (ضربت القوم حتى زيدًا)، كان تأكيدًا [بالظهور] (^٢)، لا بالقطع، لاحتمال أنه أراد أن الضرب انتهى إليه ولم يشمله.
الرابع:
الأصل في مقصود الغاية أن المُغَيَّا بالتدريج إلى أن يصل لها، نحو: سِرت من البصرة إلى الكوفة. وحينئذٍ فقوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] مع أنه بَعد صِدق غسل اليد لا تدريج ينتهي إلى المرافق إنما ينتظم فيه ذلك لو قيل: اغسلوا إلى المرافق.
قال بعض الحنفية: فيتعين أن يكون في الآية المغيَّا غير الغسل، والتقدير: واتركوا من إباطكم إلى المرافق، لأنَّ غسل اليد إنما يحصل بعد الوصول إلى الإبط، فليس ثابتًا قبل المرفق، فإنَّ الترك متدرج من حين ابتداء الغسل إلى الوصول فيه إلى المرافق. وفي هذا الموضع قد تعارَض الإضمار (وهو تقدير "اتركوا") والمجاز (وهو إطلاق اليد على بعضها)،
_________________
(١) الإبهاج (٢/ ١٦٣).
(٢) في (ص، ق): للظهور.
[ ٤ / ١٥٩٤ ]
والإضمار خير.
وهذا البحث يجري أيضًا في نحو: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، فإنه يقتضي تكرر أيام الصوم وتدرجه إلى الليل، فتشكل الغاية. وإنما تظهر لو قال: صوموا إلى الليل.
وقال القرافي: (إن الشيخ عز الدين بن عبد السلام أجاب عنه بأن المراد: أتموا كل جزء من أجزاء الصوم بسننه وفضائله وكرروا ذلك إلى الليل. فالكمال في الصوم قد يحصل في جزء دُون جزء من جهة اجتناب الكذب والغيبة والنميمة ونحو ذلك مما يأباه الصوم، وكذلك آدابه الخاصة، كترك السواك والتفكر في أمور النساء وغير ذلك) (^١).
الخامس:
من تفاريع كون الغاية مخصصة: لو قال: (له علَيَّ مِن درهم إلى عشرة) وصححناه كما هو الصحيح، لزمه تسعة على الأصح؛ بِناءً على أن الغاية لا تدخل، وأن ابتداءها يدخل. وهو أحد قولين فيه حكاهما الغزالي.
بل ظاهر كلام الأصفهاني أن الخلاف الذي في انتهاء الغاية يأتي في الابتداء، أي: ما يمكن منه.
وقيل: إنما يلزمه ثمانية؛ بناءً على أن الابتداء والغاية لا يدخلان.
وقيل: يلزمه عشرة؛ بناءً على أنهما يدخلان، وهو ما صححه البغوي، ورجحه الرافعي في "المحرر" في الضمان دون غيره من الإقرار ونحوه، وقوَّاه الشيخ تقي الدين السبكي أيضًا.
ولو قال: (بِعتُك مِن هذا الجدار إلى هذا الجدار)، لم يدخل الجداران في البيع.
وفي الفرق بينه وبين ما سبق نظر.
_________________
(١) نفائس الأصول (٣/ ٦).
[ ٤ / ١٥٩٥ ]
ولو قال: (له مِن هذه النخلة إلى هذه النخلة)، قال الشيخ أبو حامد: تدخل الأُولى في الإقرار دُون الأخيرة.
وقال الرافعي: (ينبغي أن لا تدخل الأُولى أيضًا كما في: بِعتُك من هذا الجدار إلى هذا الجدار) (^١). انتهى
نعم، في الفرق بين مسألة الجدار وغيرها نظر كما سبق.
ولو شرط في البيع الخيار إلى الليل، انقطع بغروب الشمس. وقال أبو حنيفة: بالفجر.
ولو قال: (بعتُك بكذا إلى شهر كذا)، لم يدخل ذلك الشهر في الأجل.
وفي "البحر": لو وكَّلَه ببيع عَيْن بعشرة مؤخلة إلى يوم الخميس، لم يدخل يوم الخميس.
وفي "البسيط" حكاية وجهين فيما لو حلف لَيقضين حقه إلى رأس الشهر وقُلنا: (لا يدخل رأس الشهر بل يقضيه قبله) فقال: أردتُ بـ "إلى" معنى "عند"، هل يُقبل؟ والأرجح القبول.
السادس:
قولي: (مَا بِحَرْفِهَا خُولفَ) يشمل "حتى" و"إلى"، وهو ما يقتصر عليه كثير، ويشمل ما له دلالة على الغاية مِن غيرهما في بعض حالاته: كـ "اللام" في نحو قوله تعالى: ﴿سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ [الأعراف: ٥٧]، أي: إلى. ومثله: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥] كما سبقت الأشارة إليه في الكلام على الحروف، وكـ "أو" في نحو قوله: (لأستسهلن الصعب أو أدرك المُنَى) أي: إلى، وكـ "مِن" في بعض التراكيب بتأويل في نحو: (رأيت الهلال من داري من خلل السحاب) أي: من داري إلى خلل.
_________________
(١) العزيز شرح الوجيز (٥/ ٣١٤).
[ ٤ / ١٥٩٦ ]
وذكر ابن مالك أن سيبويه أشار إلى هذا المعنى، وأنكره جَمعٌ وقالوا: هو يرجع لابتداء الغاية.
نعم، الغاية هي أظهر معاني "إلى" و"حتى".
وربما كانت "إلى" بمعنى "مع"، نحو: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢]، و"حتى" للابتداء، نحو: (حتى ماء دجلة أشكل). فإنها وإنْ أشعرت بغاية لكن لا للعامل فيما قبلها كما في نحو: (أكلت السمكة حتى رأسها).
بل قيل: إن الخلاف في دخول ما بعد الغاية لا ينبغي أن يجري في "حتى"؛ لاشتراط أهل العربية أن يكون معطوفها جزءًا من المعطوف عليه بها.
ولكن ذاك في العاطفة، والخلاف إنما هو في "حتى" مِن حيث هي.
نعم، نشأ من احتمال "إلى" أنْ تكون بمعنى "مع " أن المرافق في غسلها في الوضوء إنما هو لذلك، أو أنه لما لم يكن [متميزًا بمحسوس] (^١) كما سبق عن اختيار الإمام الرازي، كان غسل المرافق احتياطًا كما أجاب به البيضاوي.
أو أنه لما احتمل، بينته السُّنة في حديث: "وأدار الماء على مرفقيه" (^٢).
السابع:
حكى التبريزي في "مختصر المحصول" خلافًا في أن الغاية إذا كان لها جزءان فأكثر، هل الخلاف في الأول؟ أو الأخير؟
_________________
(١) كذا في (ص)، لكن في (س، ض): يتميز المحسوس. وفي (ق): متميز المحسوس.
(٢) سنن الدارقطني (١/ ٨٣)، سنن البيهقي الكبرى (رقم: ٢٥٩). وفي إسناده عبد الله بن عقيل، قال الدارقطني في سُننه: (ابن عقيل ليس بقوي). وهو في (السلسلة الصحيحة: ٢٠٦٧) وقال الألباني: (الحديث قواه الصنعاني في "سبل السلام" بحديثي ثعلبة ووائل).
[ ٤ / ١٥٩٧ ]
قال القرافي: (ولم أره إلا فيه، وغيره إنما يحكى الخلاف مطلقًا من غير تَعرُّض للأجزاء) (^١). انتهى.
ولكن ليس ما قاله التبريزي بعيدًا، بل يظهر من فوائده أن قوله - ﷺ -: "لا يَقبل الله صلاة أحدكم إذا أَحْدَث حتى يتوضأ" (^٢) هل معناه كمال الوضوء فلا يرتفع الحدث عن عضو حتى يتم؟ أو يرتفع عن كل عضو قبل أن يشرع فيما بعده؛ إذ المعنى: لا يقبل الله صلاة مَن أحدث ما كان مُحْدثًا وحَدَثه لا يزال حتى يتوضأ.
قلتُ: وفيه نظر؛ لأنَّ نفي القبول أو نفي الصحة (إذا قُلنا: لازِمَة له) إنما هو متعلق بتمامه إجماعًا.
وإنما منشأ الخلاف في ارتفاع حدث البعض النظرُ إلى توقُّف كلٍّ على المجموع، لا كل واحد على تطهيره فقط.
ونحوه حديث "مسح الخفين": "إذا تَطَهَّر فَلَبسَ خُفَّيْه" (^٣)، هل المعنى الكامل؟ أو تطهير كل رِجل؟
الثامن:
قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] الآية، وقع خلاف للعلماء في أن المغيَّا هو المعلق عليه الشرط لا سيما على قراءة: ﴿حَتَّى يَطَّهُرْنَ﴾ بالتشديد؟ أو غيره؟ وعلى الأول: يكون الإذن في القربان استُفيد من الغاية بـ "حتى"؛ أو مِن الشرط بـ "إذا"؟ أو
_________________
(١) نفائس الأصول (٣/ ٧).
(٢) سبق تخريجه.
(٣) صحيح ابن خزيمة (١٩٢)، صحيح ابن حبان (١٣٢٤)، السنن الكبرى للبيهقي (١٢٥٠) وغيرها. قال الألباني: حسن. (التعليقات الحسان: ١٣٢١).
[ ٤ / ١٥٩٨ ]
بهما، والثاني تأكيد؟
وعلى الأول: يكون الأول يقتضي الجواز بعد انقطاع الحيض قبل الغسل.
والثاني يقتضي خِلافَه. ولكن مفهوم الشرط مُقدَّم؛ لأمور أخرى مذكورة في الخلاف.
التاسع:
الغاية يُشترط فيها الاتصال كما في الاستثناء والشرط. وكذا إذا ولي متعددًا، يعود للكل، نحو: (وقفتُ على أولادي وأولاد أولادي إلى أن يستغنوا).
وكذا في إخراج الأكثر.
وأما قول ابن الحاجب و"جمع الجوامع": (إنها كالاستثناء في العَوْد) (^١) فليس المقصود القَصْر على العَوْد فقط، بل تَعَرَّضَا له؛ لكونه أَهَم. والله أعلم.
ص:
٦٤٥ - خَامِسُهَا: بَدَلُ بَعْضٍ تَابِعُ وَالْأَكثَرُونَ فِيهِ لَمْ يُتَابِعُوا
الشرح:
الخامس من المخصصات المتصلة: بدل البعض من الكل، مثل: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ﴾ [آل عمران: ٩٧]، ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ﴾ [المزمل: ٢، ٣]، ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٧١].
كذا عَدَّه ابن الحاجب من المخصص المتصل.
وأنكره الصفي الهندي في "الرسالة السيفية"، قال: لأن المُبْدَل منه كالمطرح، فلم
_________________
(١) مختصر المنتهى مع شرح الأصفهاني (٢/ ٢٩٩)، جمع الجوامع (٢/ ٥٨) مع حاشية العطار.
[ ٤ / ١٥٩٩ ]
يتحقق فيه معنى الإخراج، والتخصيص لا بُدَّ فيه من الإخراج؛ فلذلك قدروا في آية الحج: ولله الحج على المستطيع.
وكذا أنكره الاصفهاني في "شرح المحصول"؛ ومن ثَم لم يذكره الأكثرون كما أشرتُ إليه في النَّظم، وصوَّبَهم الشيخ تقي الدين السبكي؛ لِما سبق مِن كون المبدل منه في نية الطرح.
وأيضًا: فلو لم يكن البدل مُستغنًى به عن المبدل منه لَمَا سموه بدلًا؛ لأن بدل الشيء لا يجتمع معه، فإذا اجتمعا، وجب تقدير اطراحه.
وأيضًا: فالبدل مُعبَّر به عن بعض المبدل منه، فهو من العام المراد به الخصوص، لا العام المخصوص.
قلتُ: لكن فيما قالوه نظر من وجهين:
أحدهما: أن الشيخ أبا حيان نقل التخصيص بالبدل عن الشافعي، إذ قال في قصيدته التي رويناها عن شيخنا شيخ الإسلام البلقيني قراءة عليه عن أبي حيان متضمنة لمدح الشافعي (﵀): إنه هو الذي استنبط الفن الأصولي، وإنه الذي يقول بتخصيص العموم بالبدلين. ومراده: بدل البعض، وبدل الاشتمال. فاستفدنا منه أن بدل الاشتمال في معنى بدل البعض في التخصيص عند مَن يقول به.
ومعناه ظاهر؛ لأنَّ قولك: (أعجبني زيد علمه) يكون الأول مُعبرًا به عن مجموع ذاته وعِلمه وسائر أوصافه، فإذا قلت: (عِلمه) تخصَّصَ الحكم بعلمه فقط.
وإنما لم أذكره في النَّظم لرجوعه بالتأويل المذكور لبدل البعض فيما قصد من التخصيص.
نعم، فهم كثير مِن "البدلين" أنهما بدل البعض وبدل المطابقة، وذلك فيما إذا كان المبدل منه نكرة عامة والبدل معرفة أو نكرة خاصة، فإن ذلك لا يخرجه عن كونه بدل مطابقة.
[ ٤ / ١٦٠٠ ]
وحينئذٍ فتكون الأقسام الثلاثة مخصصة، لكن الأشهر منها بدل البعض.
ثانيهما: أن ما قالوه من اطراح المبدل منه إنما هو تفريع على أن المبدل منه مطرح، وهو أحد الأقوال في المسألة، والأكثر على خلافه.
قال السيرافي: زعم النحويون أنه في حُكم تنحية الأول وهو المبْدَل منه، ولا يريدون إلغاءه، وإنما مرادهم أنَّ البدل قائم بنفسه وليس تبيينًا للأول كتبيين النعت الذي هو تمام المنعوت ومعه كالشيء الواحد.
تنبيه:
لا بُدَّ في البدل أيضًا مِن الاتصال كسائر التوابع على ما سبق في الصفة، وهو مقرر في كتب النحو. ويجوز أن يخرج به الأكثر ويبقى الأقل، كَـ: أكلتُ الرغيف ثلثه أو نصفه أو ثلثيه.
وأمَّا تَعَقُّبه لمتعدد حيث يحتمل أن يكون بدلًا مِن الكل ومن الأخير كَـ: (وقفتُ على أولادي وأولاد أولادي أَرْشَدهم) فيظهر أنْ يأتي فيه ما سبق. والله أعلم.
ص:
٦٤٦ - ثَانِي مُخَصِّصٍ هُوَ الْمُنْفَصِلُ الْحِسُّ وَالْعَقْلُ وَسَمْعٌ يُنْقَلُ
٦٤٧ - كَـ "أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْ"، وَ"اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ"، ايْ: سِوَاهُ
الشرح:
لما انتهى الكلام في المخصِّص المتصل، شرعتُ في المنفصل، أي: المستقل الذي لا يحتاج لذِكر العام معه كما سبق، وهو ثلاثة أنواع -في المشهور- ووراءها ما هو راجع إلى أحدها أو مختلَف فيه، نذكره عند الفراغ منها.
[ ٤ / ١٦٠١ ]
فالأول: الحِس، أي: المشاهدة، وإلا فالدليل السمعي مِن المحسوس بالسمع أيضًا. فالمراد أنْ يَرد حُكم في عام ونحن نشاهد بعض أفراده خارجًا مِن ذلك الحكم.
ومَثَّلوه:
- بقوله تعالى إخبارًا عن بلقيس: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]، ومن المعلوم بالشاهدة أنها لم تُؤْتَ مُلْك سليمان ﵇. زِيدَ على ذلك: ولم تؤتَ أيضًا شيئًا مِن الملائكة والعرش.
ولكن فيه نظر من حيث إنَّ ذلك غير مشاهَد حتى يكون علمنا به بالحس.
- وبقوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥]، ونحن نشاهد موجودات لم تدمرها، كالسماوات والجبال وغيرها.
- ونحو ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات: ٤٢]، ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: ٥٧]، فإنَّ مِن المُشاهَد ما لم تجعله كالرميم، وأنَّ ما في [أقصى] (^١) المشرق والمغرب لم يُجْبَ إليه.
نعم، هنا ثلاث كلمات:
الأُولى: أنَّ هذه الأمثلة لا تتعين أن تكون مِن العام المخصوص بالحِس، فقد يُدَّعَى أنها مِن العام الذي أُريد به خاص. وقد سبق الفرق بينهما وثمرة اختلافهما.
الثانية: أنَّ ما كان خارجًا بالحِس قد يُدَّعى أنه لم يدخل حتى يخرج كما سيأتي نظيره في التخصيص بالعقل، فليكن هذا على الخلاف هناك.
الثالثة: يَؤُول التخصيص بالحس إلى أنَّ العقل يحكم بخروج بعض الأفراد بواسطة
_________________
(١) في (ص، ق): الأقصى.
[ ٤ / ١٦٠٢ ]
الحس، فلم يخرج عن كونه خارجًا بالعقل؛ فَلْيَكُونَا قِسمًا واحدًا وإنِ اختلف طريق الحصول.
وقد أشار إلى ذلك العبدري في "شرح المستصفى" في المقدمة حتى ادَّعَى أن أصل العلوم كلها الحِس.
لكن ما قاله مردود، فإنَّ مِن الفِرَق مَن ينكر الحسِّيَّات ويعترف بالبديهيات، كأفلاطون وأرسطاطاليس وبطليموس وجالينوس، لا على معنى سقوطه بالكُلية، بل على معنى أنه يُخطئ ويصيب؛ لأنه عُرضة للآفات وفاسد التخيلات.
والرد عليهم في ذلك مشهور في محله، فكيف يُدَّعَى الاتحاد بين الحس والعقل؟
نعم، قد يؤخذ مِن ذلك خِلاف في أن الحس يُخصِّص أوْ لا وإنْ لم يتعرضوا لخلاف فيه.
الثاني من المخصِّص المنفصل:
العَقل، ضروريًّا كان أو نظريًّا.
فالأول: كتخصيص قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦]، فإنَّ العَقل قاضٍ بالضرورة أنه لم يخلق نَفْسَه الكريمة ولا صفاته القديمة.
والثاني: كتخصيص قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، فإنَّ العقل -بِنَظَرِه - اقتضى عدم دخول الطفل والمجنون في التكليف بالحج؛ لعدم فَهْمهما، بل هما من جملة الغافل الذي هو غير مخاطَب بخطاب التكليف كما سبق في الكلام على الحُكْم أول الكتاب.
قال الشيخ أبو حامد: (لا خلاف بين أهل العلم في ذلك).
نعم، منع كثيرٌ أنَّ ما خرج مِن الأفراد بالعقل مِن باب "التخصيص"، وإنما العقل اقتضى عدم دخوله في لفظ العام، وفَرْق بين عدم دخوله وبين خروجه بعد أنْ دخل.
[ ٤ / ١٦٠٣ ]
وما ذكروه هو ظاهر نَص الشافعي في "الرسالة"، فإنه قال في "باب ما نزل من الكتاب عامًّا يُراد به العام": (إنَّ مِن العام الذي لم يدخله خصوص قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦]، ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [هود: ٦] (^١).
قال: (فهذا عام لا خاص فيه، فكل شيء من سماء وأرض وذي روح وشجر وغير ذلك فالله خالقه، وكل دابةٍ فَعَلَى الله رِزقُها ويعلم مستقرها ومستودعها) (^٢). انتهى
فجعله الشافعي - ﵁ - مما لم يدخله تخصيص، وما ذلك إلا لأن ما اقتضى العقل عدم دخوله -لم يدخل، فكيف يقال: دَخلَ ثم خَرجَ؟ !
نعم، اختُلِف في أنَّ هذا الخلاف هل هو معنوي؟ أو لفظي لا فائدة فيه؟
وبالثاني قال القاضي وإمام الحرمين وابن القشيري والغزالي وإلْكِيَا وغيرهم، ووافقهم القرافي وكذا الشيخ تاج الدين السبكي بعد ما نقل عن إمام الحرمين أنَ هذه المسألة قليلة الفائدة نزرة الجدوى والعائدة؛ فإنَّ تَلَقَي الخصوص مِن مأخذ العقل غير مُنكَر، وكَوْن اللفظ موضوعًا للعموم على أصل اللسان لا خِلاف فيه مع مَن يعترف ببطلان مذهب الواقفية وإنِ امتنع مِن تسمية ذلك "تخصيصًا"، فليس في إطلاقه مخالفة شرع أو عقل.
والخلاف في المسألة لفظي عند التحقيق، ويشهد له قول الأستاذ أبي منصور: أجمعوا على صحة دلالة العقل على خروج شيء عن حُكم العموم، واختلفوا في تسميته "تخصيصًا".
ومَن قال بالأول قال: لأنَّ العام المخصوص بدليل العقل -على قول مَن يُجَوِّز تخصيصه به- يجرى فيه الخلاف السابق في أنه حقيقة فيه أو مجاز، ومَن لا يجوِّز تخصيصه به
_________________
(١) الرسالة (ص ٥٣).
(٢) الرسالة (ص ٥٤).
[ ٤ / ١٦٠٤ ]
يقول: هو حقيقة بلا خلاف. كما قاله الصفي الهندي.
قال بعضهم: أو يكون عندهم من العام الذي أريد به الخصوص، فيَطرُقه الخلاف في أنه هل يكون حقيقةً؟ أو مجازًا؟
وجعل أبو الخطاب -من الحنابلة- مأخذ الخلاف في كون العقل مخصصًا أوْ لا: التحسين والتقبيح العقليين.
فإنْ صح ذلك، كان أيضًا هذا من فائدة الخلاف.
لكن استدركه عليه الأصفهاني والنقشواني بما فيه نظر لا يليق التطويل فيه بهذا المختصر.
تنبيهات
الأول: إنما قدمت في الذِّكر الحِس على العقل وإنْ كان البيضاوي وغيره قدَّموا العقل؛ لأن الإمام في أول "البرهان" قال: (إنَّ اختيار الشيخ أبي الحسن الأشعري أنَّ المدرَك بالحواس مقدَّم على ما يدرَك بالعقل. وإنَّ القلانسي -مِن أصحابنا- خالف في ذلك فَقَدَّم المعقولات) (^١). انتهى
فيؤخَذ مِن ذلك خلاف فيما إذا تَعارض في لفظ عام أنْ يكون مخصوصًا بالعقل أو بالحس، أيُّهما يكون هو المخصِّص؟
الثاني ما مَثَّلوا به المسألة من قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مبني على أمرين:
أحدهمما: أن المتكلم داخل في عموم كلامه، وهو رأْي يحتمل أن الشافعي لا يختاره؛
_________________
(١) البرهان (١/ ١٠٩).
[ ٤ / ١٦٠٥ ]
فلذلك قال بأنه عام لا تخصيص فيه. ولذلك لو قال رجل: (نساء العالم طوالق)، لم تطلق امرأته على أحد الوجهين.
ولذلك رد الصيرفي اعتراض ابن داود وابن أكثم وابن أبي داود على الشافعي ادِّعاء بقاء ذلك على عمومه بأنَّ هؤلاء جهلوا الصواب وذهلوا عن اللغة؛ لأن رجُلًا لو كان مِن أهل بغداد فقال: (أطعمتُ أهل بغداد جميعًا)، لا يقال له: خرجتَ بتخصيص. بل يقال: لَمْ تدخل؛ لأنك المطْعِم وهُم المطعَمون سواك.
ثانيهما: أن لفظ "شيء" يطلَق على الله ﷿، وهو أحد المذهبين.
ومأخذ المنع إما عدم الإذن؛ فالأسماء توقيفية، وإما أنَّ "شيئًا" مصدر أُطلِق على المفعول، فهو بمعنى "مشيء"، و"المشيء" مُحْدَث، فلا يُطلق على القديم "شيء".
وأما قوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٩] فليس بصريح؛ لجواز أن لا يوقف على الجلالة، بل يكون مبتدأ، وما بَعده الخبر.
فإنْ قيل: فقد قال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وعِلمه تعالى قديم، فلو كان "شيء" بمعنى "مشيء"، لكان يلزم حدوث عِلمه تعالى.
قيل: يجوز أنْ يكون أطلق العِلم بمعنى المعلوم؛ فلَم يقع إطلاق "الشيء" على نفس العلِم الذي هو قديم.
وقد بَطُل بذلك قول ابن داود: إنه يَلزم على الشافعي أن يكون عِلم الله تعالى مخلوقًا.
وقد سَفَّه الأئمة اعتراضه ووَهّوه بأمور كثيرة. وفيما ذكرناه كفاية.
وكذلك اعترض ابن داود على الشافعي في جَعْلِه: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] مِن العام الذي لم يخصص بأنَّ مِن الدواب مَن أفناه الله قبل أنْ يرزقه.
وردَّه الصيرفي بأن ذلك خطأ؛ لأنه لا بُدَّ له مِن رزق يقوم به حياته ولو بِنَفَس يأتيه به.
[ ٤ / ١٦٠٦ ]
وقد جعل الله غذاء طائفة مِن الطير التنفس إلى مُدة يصلح فيه للأكل والشرب.
وأما قوله تعالى: ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: ٣٨] فمعناه: يزيد في رزقه؛ بدليل ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ [النحل: ٧١].
وقد قال النبي - ﷺ - في حديث المطلب بن حنطب فيما رواه الشافعي وغيره: "إنَّ الروح الأمين نَفَثَ في رَوْعي أنه لن تموت نَفْسٌ حتى تَسْتَوْفِيَ رِزقها، فاتقوا الله، وأَجْمِلوا في الطلب" (^١).
نعم، هل يطلق على المعدوم "شيء"؛ إنْ كان مستحيلًا، فلا بلا خلاف عند المتكلمين.
و[غَلطَ] (^٢) الزمخشري على المعتزلة في ذلك، إنفي خِلافُهم في المعدوم الذي ليس بمستحيل.
نعم، عند النحاة أن المعدوم يُطلق عليه "شيء"، مستحيلًا كان أوْ لا.
إذا تَقرر أن المستحيل لا يُسمى "شيئًا" على رأي التكلمين، تَبيَّن أن نحو: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤] مِن العام المخصوص بالعقل، أو مِن الذي أريد به الخصوص -على الخلاف السابق.
الثالث: إنما جاز التخصيص بالعقل على رأْيٍ ولم يَجُز النسخُ به؛ لأن النسخ رَفْع، والعقل لا يستقل بالرفع. ولا ينافي ذلك القول بأنَّ النَّسخ بيان؛ فإنَّ المراد بيان انتهاء المدة مع أنَّ الحكم قد ارتفع قطعًا كما سيأتي بيانه في محله.
نعم، ادَّعَى الإمام جواز النَّسخ بالعقل محتجًّا بأن مَن سقطت رِجْلاه، نُسِخ عنه غسلهما. وسيأتي تضعيف ذلك وأنَّ الإمام خالفه في موضع آخَر.
_________________
(١) مسند الشافعي (ص ٢٣٣). قال الألباني: صحيح. (صحيح الجامع الصغير وزيادته: ٢٠٨٥).
(٢) في (ش): غلظ.
[ ٤ / ١٦٠٧ ]
الرابع: قولي في النَّظم: (كَـ "أُوبيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْ") هو بتسكين الياء بلا همز تخفيفًا؛ لإقامة الوزن، أو لتقدير الوقوف عليه مع مراعاة الوزن.
وقولي: (أيْ: سِوَاهُ) هو بحذف همزة "أي"؛ لضرورة النَّظم أيضًا. والله تعالى أعلم.
ص:
٦٤٨ - وَالسَّمْعُ مَا أَذْكُرُ مفَصَّلَا [فَلِلْكِتَابِ] (^١) بِكِتَابٍ أُنزِلَا
٦٤٩ - خُصَّ [اعْتِدَاءٌ بِـ "قُرُوءٍ" تُتْلَى] (^٢) بِوَضْعِ حَمْلٍ في "أُولَاتُ" نَقْلَا
الشرح:
الثالث من المخصصات المنفصلة: التخصيص بالسمع.
وله أقسام يأتي ذكرها على التفصيل:
الأول: تخصيص الكتاب بالكتاب، وهو مِن تخصيص قَطعي المتن بقطعيِّه.
ومثاله قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، خُصَّ عمومه للحوائل والحوامل بقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤].
وخُصَّ أيضًا عمومه في المدخول بها وغيرها بقوله تعالى في غير المدخول بها: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩].
_________________
(١) في (ص): فلكتاب.
(٢) في (ت، س): (اعتدادها بقرْء يُتلى)، ومعه يصح الوزن أيضًا. لكن في (ق، ن ٣): (اعتداد بقرْء تتلى)، ولا يصح معه الوزن.
[ ٤ / ١٦٠٨ ]
ونحوه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٤] الآية، خُصَّ بقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾.
وكذا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] خُصَّ بقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة: ٥].
تنبيهات
الأول: المخالف في هذه المسألة بعض الظاهرية، تمسكوا بأنَّ التخصيص بيان للمراد باللفظ؛ فلا يكون إلا بالسّنة؛ لقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. وما ذُكر مِن الأمثلة يجوز أن يكون التخصيص فيه بالسُّنة.
كما في حديث أبي السنابل بن بعكك مع سبيعة الأسلمية حين قال لها: ما أنت بناكح حتى يمر عليك أربعة أشهر وعشرًا. فجاءت النبي - ﷺ -، فأفتاها بأنها حَلَّت بوضع حملها (^١).
وأجيب بأنه لا يخرج عن كونه مُبيِّنًا إذا بَيَّن ما أُنزل بآية أخرى مُنزَّلة كما بيَّن بما أُنزل عليه مِن السُّنة، فإنَّ الكل مُنزَّل.
وأيضًا فالاستدلال على مُدَّعاهم بقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ مُعارَض بقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، فإنه يقتضي أن القرآن أيضًا مُبيِّن لجميع الأشياء ومن جُملتها الكتاب، فالنبي - ﷺ - مُبيِّن تارة بالكتاب وتارة بالسُّنة.
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ٤ / ١٦٠٩ ]
الثاني:
لا يخفَى أنَّ هذه المسألة فرع عن كون الخاص مع العام يخصصه سواء تَقدم أو تأخَّر أو جُهل أو قارَن كما سيأتي، فهو تخصيص، لا نَسخ، خِلافًا للحنفية كما سيأتي بيانه أيضًا وإنْ كان ابن الحاجب مزجهما معًا في "مختصره" حتى اضطرب الشراح في تقرير كلامه. والله أعلم.
ص:
٦٥٥ - [كَذَا بِسُنَّةٍ] (^١) وَذَا كَثِيرُ كَآيَةِ الْمِيرَاثِ لَا يَصِيرُ
٦٥١ - ذُو مَانِعٍ فِيهَا، كفِي "لَا نُورَثُ" وَ"لَيْسَ لِلْقَاتِلِ شَيْءٌ يَرِثُ"
الشرح:
القسم الثاني مِن المخصصات السمعية: تخصيص الكتاب بالسُّنة، وهو كثير جدًّا.
فمنه ما مَثلتُ به في النَّظم وهو آيات المواريث التي أولها: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] إلى آخِرها، والتي أولها: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] إلى آخِرها.
فقولي (آيَةِ الْمِيرَاثِ) مفرد مضاف؛ فيَعُم، فالكل مخصوص بما جاء في السُّنة مِن موانع الإرث، فذُو المانع مُخْرَج من عموم الآيات، كحديث: "لا نُورث، ما تركنا صَدَقة" (^٢). وهو في الصحيحين من حديث عمر وعائشة.
_________________
(١) في (ت، س): كذاك سنة. ومعه يصح الوزن أيضًا.
(٢) سبق تخريجه.
[ ٤ / ١٦١٠ ]
ورواه النسائي في "سُننه الكبرى" من حديث أبي بكر بلفظ: "إنَّا معاشر الأنبياء لا نُورث" (^١).
فقول الذهبي: (إنه ليس في شيء من الكتب الستة) صحيح؛ لأن المعدود منها "النسائي الصغير" المسمى بِـ "المجتبى"، وليس الحديث فيه.
وكحديث: "ليس للقاتل من الميراث شيء" (^٢). وقد رواه النسائي والترمذي وابن ماجه والدارقطني والبيهقي عن أبي هريرة بلفظ: "القاتل لا يرث" (^٣)، وأبو داود والنسائي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بلفظ: "لا يرث القاتل شيئًا" (^٤). وفي رواية "ليس لقاتل ميراث" (^٥). وطُرق الحديث وإنْ كان فيها ضَعف -مِن جهة أنَّ راويه إسحاق بن عبد الله ابن أبي فروة متروك عند بعض أهل العلم ومن جهة غيره أيضًا- فهي تُقوي بعضها بعضًا.
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) سنن النسائي الكبرى (رقم: ٦٣٦٧)، سنن الدارقطني (٤/ ٩٦)، سنن البيهقي الكبرى (رقم: ١٢٠٢١). قال الحافظ ابن الملقن في كتابه (تذكرة المحتاج إلى أحاديث المنهاج، ص ٢٧): (هَذَا الحَدِيث من رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش عَن غير الشاميين، وَهُوَ ضَعِيف فِيهَا عِنْد البُخَارِيّ وَغَيره). وقال الألباني: صحيح لغيره. (إرواء الغليل: ١٦٧١).
(٣) سنن الترمذي (رقم: ٢١٠٩)، سنن ابن ماجه (رقم: ٢٧٣٥)، سنن الدارقطني (٤/ ٩٦)، سنن البيهقي الكبرى (رقم: ١٢٠٢٣). قال الألباني: صحيح. (صحيح الترمذي: ٢١٠٩).
(٤) سنن أبي داود (رقم: ٤٥٦٤)، سنن البيهقي الكبرى (١٢٠٢٠). قال الألباني: حسن. (صحيح أبي داود: ٤٥٦٤).
(٥) مصنف عبد الرزاق (١٧٧٨٣)، سنن ابن ماجه (رقم: ٢٦٤٦)، سنن الدارقطني (٤/ ٩٥) وغيرها. قال الألباني: صحيح. (صحيح ابن ماجه: ٢١٥٨).
[ ٤ / ١٦١١ ]
ومن تخصيص آية المواريث حديث: "لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر" (^١).
ومن أمثلة تخصيص الكتاب بالسُّنة الفعلية قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢] الآية، خُصِّص برجم النبي - ﷺ - ماعزًا لَمَّا كان محصنًا (^٢).
نعم، قد يقال: إنَّ التخصيص إنما كان بالقرآن الذي نُسخت تلاوته وبقي حُكمه، وهو: "والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البَتَّة"، إذِ المراد بهما المحصن والمحصنة.
قولي في البيت الثاني: (ذُو مَانِعٍ) هو اسم "يصير" في آخِر البيت قبلها، و"فيها" خبره، والضمير فيه عائد لآية المواريث.
واعْلَم أن السُّنة ضربان: متواترة، وآحاد.
الضرب الأول: سبق في الكلام في الإسناد أنه إما مفقود أو قليل جدًّا. فذِكر التخصيص به إنما هو على تقدير الوجود، أو أن ذلك في زمن كان كثيرًا، وهو الصدر الأول.
قال ابن الحاجب: (إن تخصيص الكتاب بالسنة المتواترة جائز باتفاق) (^٣).
وتبع في ذلك قول الآمدي: لا أعلم فيه خلافًا.
وكذا حكى الاتفاق الهندي، لكن حكى بعضهم في الفعلية خلافًا.
وعبارة الشيخ أبي حامد الأسفراييني: لا خلاف في ذلك إلا ما يُحكى عن داود في إحدى الروايتين.
وقال ابن كج: (لا شك في الجواز؛ لأن الخبر المتواتر يوجِب العلم كما أن ظاهر الكتاب
_________________
(١) صحيح البخاري (رقم: ٦٣٨٣)، صحيح مسلم (رقم: ١٦١٤).
(٢) سبق تخريجه.
(٣) مختصر المنتهى مع شرح الأصفهاني (٢/ ٣١٦).
[ ٤ / ١٦١٢ ]
يوجبه) (^١). انتهى
نعم، ألحق الأستاذ أبو منصور بالمتواترةِ الخبرَ المقطوع بصحته، ومَثَّله بتخصيص آية المواريث بحديث: "لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم".
ونحوه قول ابن السمعاني: (إنَّ محل الخلاف في الآحاد إذا لم يجمِعوا على العمل به، أما إذا أجمعوا عليه نحو حديث: "لا ميراث لقاتل" (^٢) و"لا وصية لوارث" (^٣) ونهيه عن الجمع بين المرأة وعمتها (^٤)، فيجوز التخصيص به بلا خلاف؛ لأن هذه الأخبار بمنزلة المتواتر؛ لانعقاد الإجماع على حُكمها وإنْ لم ينعقد على روايتها) (^٥). انتهى
قلتُ: وفي ذلك كله نظر؛ لأنه إن أريد القطع بصحة المتن فهذه مسألة ما في "الصحيحين" مُسندًا: هل هو مقطوع بصحته كما اختاره ابن الصلاح؟ أوْ لا وهو الذي صَوَّبه النووي وقال به الأكثر؛ وقد سبق بيان ذلك في الكلام على المتواتر والآحاد.
وعلى الثاني: فكيف يساوي القرآنَ والمانعُ مِن التخصيص بالسُّنة للقرآن إنما مستنده عدم المساواة؟
وإنْ أريد القطع في الدلالة فلا شيء مقطوع بدلالته مِن النقليات مِن حيث هو.
_________________
(١) هذا النص جاء في (ص) فقط هكذا: وقال ابن كج: لا شك في الجواز؛ لأن الخبر المتواتر يوجِب العلم -أي ثبوته أمَّا دلالته على حُكم فلا- كما أن ظاهر الكتاب يوجبه. انتهى
(٢) سبق تخريجه بنحوه.
(٣) سنن أبي داود (رقم: ٢٨٧٠)، سنن الترمذي (رقم: ٢١٢٠) وغيرهما. قال الألباني: صحيح. (إرواء الغليل: ١٦٣٥، صحيح الترمذي: ٢١٢٠).
(٤) صحيح البخاري (رقم: ٤٨٢٠)، صحيح مسلم (رقم: ١٤٠٨).
(٥) قواطع الأدلة (١/ ١٨٥).
[ ٤ / ١٦١٣ ]
وإنْ أريد انعقاد الإجماع على الحكم، فالتخصيص حينئذٍ إنما هو بالإجماع، لا بالسُّنة، وسيأتي بيان التخصيص به.
ومما يُتعجب منه هنا تمثيل البيضاوي تخصيص القرآن بالسنة المتواترة بتخصيص آية المواريث بحديث: "القاتل لا يرث" مع أنه ضعيف الطرق -كما سبق- فضلًا عن أن يكون متواترًا!
وأما جواب القرافي عن مثل ذلك بأن "زمان التخصيص وزمان النَّسخ إنما كان في عصر الصحابة، وقد يكون ذلك متواترًا حينئذٍ، ولا يَضُره أنْ صار في هذا الزمان آحادًا، بل ربما يُنسى الحديث بالكُلية" ففيه نظر؛ لأنَّ احتمال ذلك لا يلزم منه أن يكون هو الواقع. وأيضًا فلا يبقي فرق بين التواتر والآحاد في الأحكام؛ لأنَّ الآحاد كانت تَواتُرًا، فيُنسخ المتواتر الآن بالآحاد الآن ويُدَّعَى أن النَّسخ كان في ذلك الزمان وإنْ صار الناسخ في هذا الزمان آحادًا.
الضرب الثاني: التخصيص للقرآن بالسُّنة الآحاد:
وفيه مذاهب:
أحدها: وهو الصحيح وقول الجمهور ونقله الآمدي وابن الحاجب عن الأئمة الأربعة: الجواز.
قال ابن السمعاني: (لإجماع الصحابة على تخصيص: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] بحديث: "لا نُورَث" وبحديث: "لا يرث المسلم الكافر". وقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] بخبر عبد الرحمن بن عوف في المجوس: "سنوا بهم سُنة أهل الكتاب" (^١). وأما قول عمر:
_________________
(١) مصنف عبد الرزاق (١٠٠٢٥)، مسند البزار (١٠٥٦)، سنن البيهقي الكبرى (رقم: ١٣٧٦٤)، =
[ ٤ / ١٦١٤ ]
"لا نَدَع كتاب ربنا ولا سُنة نبينا لقول امرأة" (^١) إلى آخره -إنَّ ذلك إنما هو في نَسخِه به، لا في التخصيص) (^٢). انتهى
والإشارة بهذا إلى ما رواه مسلم عن الشعبي أنه حدث بحديث فاطمة بنت قيس: "أن رسول الله - ﷺ - لم يجعل لها سكنى ولا نفقة" (^٣)، فأخذ الأسود بن يزيد كفًّا من حصباء، فحصبه به، وقال: ويلك تُحدِّث بمثل هذا؟ قال عمر: "لا نترك كتاب ربنا وسُنة نبينا لقول امرأة لا ندري أحفظت؟ أم نسيت؟ " (^٤). وزاد الترمذي في روايته: "وكان عمر يجعل لها السكنى والنفقة" (^٥).
ووقع في "مختصر ابن الحاجب" أن عمر قال: ("لا ندري أصدقت؟ أم كذبت؟ ") (^٦). وأنكروه عليه؛ فإن المحفوظ كما سبق: "أحفِظَتْ؟ أم نسيت؟ ".
وليس بمنكر؛ فقد رواه الحارثي في "مسنده" من طريق إلى أبي حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود. لكن قال صاحب "التنقيح": (إن هذا الإسناد مُظلِم إلى أبي حنيفة).
المذهب الثاني: المنع مطلقًا. حكاه أبو الخطاب عن بعض الحنابلة، ونقله الغزالي في
_________________
(١) = وغيرها. قال الألباني: ضعيف. (إرواء الغليل: ١٢٤٨).
(٢) صحيح ابن حبان (رقم: ٤٢٥٠)، سنن البيهقي الكبرى (١٥٥٠٨) وغيرهما. وفي سنن الترمذي (رقم: ١١٨٠) وغيره بلفظ: (لَا نَدَعُ كِتَابَ الله وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا - ﷺ - لِقَوْلِ امْرَأَةٍ)، وفي صحيح مسلم (رقم: ١٤٨٠) وغيره بلفظ: (لَا نَتْرُكُ كِتَابَ الله وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا - ﷺ - لِقَوْلِ امْرَأَةٍ)
(٣) قواطع الأدلة (١/ ٣٧٢).
(٤) صحيح مسلم (رقم: ١٤٨٠).
(٥) صحيح مسلم (رقم: ١٤٨٠).
(٦) سنن الترمذي (رقم: ١١٨٠). قال الألباني: صحيح. (صحيح الترمذي: ١١٨٠).
(٧) مختصر المنتهى (٢/ ٣١٩) مع بيان المختصر.
[ ٤ / ١٦١٥ ]
"المنخول" عن المعتزلة، ونقله ابن برهان عن طائفة من المتكلمين والفقهاء، ونُقل عن طائفة مِن أهل العراق وأنهم لأجله منعوا الحكم بالقرعة وبالشاهد واليمين.
الثالث: عن عيسى بن أبان: إنْ خُص بقاطع، جاز تخصيصه بعد ذلك بالَاحاد؛ لأنه بعد التخصيص يكون مجازًا في الباقي. أما قَبْله فحقيقة في الأفراد.
وقد استشكل نَقْل هذا عنه مع نَقل عدم حُجية العام بعد التخصيص عنه.
وأجيب بأنَّ قوله: (غير حجة) إنما هو من حيث احتمال أن يُراد الحكم بالباقي وأنْ لا يراد، فصار مُجْمَلًا، فإذا أُخرج مِن الباقي بعد الحكم شيء بخبر الواحد، كان محكومًا عليه بضد حكم العام، خارجًا مِن محل الاحتمال والإجمال.
قال ابن السبكي في "جمع الجوامع": (وعندي عكسه" (^١).
أي: إنْ خُص بقاطع، لم يجز تخصيصه بالآحاد، وإلا جاز ذلك؛ لأنَّ الغالب في العمومات أنها مخصَّصة، حتى قيل: ما مِن عام إلا وخُصَّ. فإذا كان لا بُدَّ مِن مُخصِّص، فالتخصيص بخبر الواحد يلحق بما هو الأغلب في العمومات، بخلاف العام إذا خُصَّ بقاطع، فقد وافق الأغلب، فلا ضرورة إلى تخصيصه بعد ذلك بخبر الآحاد.
وأقام شارحُه ذلك قولًا وأنه انفرد به، وهو لم يُورده إلا بحثًا واحتمالًا، وإلا فكان يختار في سائر المخصصات -على آراء ضعيفة- أنها يجوز التخصيص بها إذا لم يتقدم تخصيص بما يسوغ التخصيص به؛ إلحاقًا لذلك العام بالأغلب في العمومات.
ولم يَقُل ذلك، فاعْلَمه.
الرابع: إنْ خُصَّ قبل ذلك بمنفصل، جاز أن يُخص بالآحاد، وإلا فلا. قاله الكرخي؛
_________________
(١) جمع الجوامع (٢/ ٦٤) مع حاشية العطار.
[ ٤ / ١٦١٦ ]
لأنه بالتخصيص بالمنفصل يصير مجَازًا عنده كما سبق.
وبالجملة فهذا المذهب ومذهب ابن أبان السابق مَبنيان على القول بأنَّ دلالة العام على كل فرد من أفراده قطعية، وسبق بيان ضَعف ذلك.
الخامس: أن التخصيص بذلك يجوز أنْ يقع ولكن ما وقع. حكاه القاضي في "التقريب"، وحكى قولًا آخَر: إنَّ الدليل قام على المنع من التخصيص بالآحاد. وهذا في الحقيقة هو القول الثاني، وهو المنع مطلقًا.
السادس: الوقف، إما على معنى "لا ندري" وإما على معنى تَعارُض أمرين: دلالة العموم على إثباته، والخصوص على نفيه. وذلك لأنَّ متن الكتاب قطعي وفحواه مظنون، وخبر الواحد بالعكس؛ فتعارضَا، ولا مُرجِّح؛ فالوقف. والله تعالى أعلم.
ص:
٦٥٢ - وَ[قَلَّ] (^١) عَكْسٌ، نَحْوُ: "مَا أُبِينَا مَيْتٌ" بِـ "أَصْوَافٍ" وَمَا تَلَوْنَا
الشرح:
القسم الثالث من التخصيص بالسمعي: تخصيص عموم السنة بخصوص القرآن، وهو قليل، حتى إنَّ كثيرًا -كالبيضاوي- لم يذكروه أصلًا، وابن الحاجب وإنْ ذكره لكنه لم يُمثِّل له.
وقد ذكرته، وأشرتُ إلى تمثيله بقوله - ﷺ -: "ما أُبِين مِن حي فهو ميت" (^٢). رواه ابن
_________________
(١) في (ص): قيل.
(٢) سنن ابن ماجه (رقم: ٣٢١٧) بلفظ: (فما قُطِعَ من حَيٍّ فَهُوَ مَيِّتٌ). قال الألباني: ضعيف جدًّا. (ضعيف ابن ماجه: ٣٢٧٧). =
[ ٤ / ١٦١٧ ]
ماجه، خُصَّ بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠].
وهذا معنى قولي: (بِـ "أَصْوَافٍ" وَمَا تَلَوْنَا). أي: خُصَّ بأصواف وما نتلوه بَعْده مِن الأوبار والأشعار.
ومن أمثلته أيضًا قوله - ﷺ - فيما رواه مسلم عن عبادة بن الصامت: "خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مائة ونَفْي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم" (^١)، فإنَ ذلك يشمل الحر والعبد، مُخَصَّص بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥].
ومنها: أنه - ﷺ - لما رجع إلى المدينة بعد الحديبية، جاءه نساء المؤمنات، منهن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، فجاء أهلها يسألونها رسول الله - ﷺ - بحكم ما شرطوه عليه في صلح الحديبية: "أنَّ مَن أتى مِن أصحابك لم نَرُده عليك، ومَن أتاك مِن أصحابنا رددته علينا". فنهاه الله﷿- عن ذلك بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] الآية (^٢)، فخصص النساء مِن شرط النبي - ﷺ - العام.
هذا على أحد الأقوال.
وقيل: بل نُسخ الشرط.
_________________
(١) = وفي سنن ابن ماجه (٣٢١٦) بلفظ: (مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ، فَمَا قُطِعَ مِنْهَا فَهُوَ مَيْتَةٌ). قال الألباني: صحيح. (صحيح ابن ماجه: ٣٢٧٦).
(٢) صحيح مسلم (رقم: ١٦٩٠).
(٣) صحيح البخاري (رقم: ٢٥٦٤).
[ ٤ / ١٦١٨ ]
وقيل: لم يقع الشرط إلا على الرجال خاصة، وأراد المشركون تعميمه؛ فنزلت الآية.
ومنها حديث: "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أَحْدَث حتى يتوضأ" (^١)، خُصَّ منه المتيمم بآية التيمم. وقد يمنع هذا مَن يرى أن التيمم يرفع الحدث.
ومنها حديث: "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله" (^٢)، خُصَّ بقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩].
ومنها حديث: "إن الله تَجاوز لأُمتي ما حدَّثت به أنفُسها" (^٣)، خُصَّ بقوله تعالى في سبق اللسان باليمين: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥].
تنبيهان
أحدهما: أشار ابن الحاجب إلى خلاف في المسألة، وأن المخالِف استدل بقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. وقد سبق الجواب في مِثله بأن ذلك لا يقتضي أن يخرج عن كونه [تبيينًا] (^٤)، فإنَّ تبيينه تارة بالقرآن وتارة بالسُّنة.
الثاني: إطلاق التخصيص بالسُّنة شامل للآحاد وللمتواتر إنْ أثبتناه في السُّنة.
فأما الآحاد فهو ما سبق من الأمثلة.
وأما المتواتر فهو قول الجمهور، وعن بعض فقهاء أصحابنا المنع، وعن أحمد روايتان،
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) كذا في (ص، ق)، لكن في (س): مبينا.
[ ٤ / ١٦١٩ ]
وقال ابن برهان: إن المنع قول بعض المتكلمين. وبه قال مكحول ويحيى بن أبي كثير، إذْ قالا: السُّنة تَقْضِي على الكتاب -أيْ تُبَيِّنه- والكتاب لا يقضِي على السُّنة.
نعم، سيأتي في "باب النَّسخ" من كلام الشافعي أنَّ السُّنة لا ينسخها القرآن إلا إذا كان معه سُنة تُبَيِّن، فيحتمل أن يجيء مِثله هنا.
وكذا في نَسخ الكتاب بالسنة المتواترة.
وقد سبق جواب القرافي في "إطلاقهم السُّنة المتواترة، ومِثْلها لا يوجد، فكيف يمثل به؛ " بأنَّ ذلك باعتبار الزمن الذي كانت فيه متواترة وإنْ طرأ عليها الانتقال [للآحاد] (^١).
وسبق رده، والله تعالى أعلم.
ص:
٦٥٣ - وَسُنَّةٌ بِهَا كَمَا في خَبَرِ "فِيمَا سَقَتْ" يُخَصُّ ذَا بِالْأَثَرِ
٦٥٤ - أَيْ: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةٍ" إلَى آخِرِهِ، فَالْقَول أَوْ مَا [فَعَلَا] (^٢)
٦٥٥ - أَوْ قَرَّرَ النَّبِيُّ سُنَّةً بِهَا يُخَصُّ حَيْثُ أُطْلِقَتْ فَعَمَّهَا
٦٥٦ - فَعَادَةً قَرَّرَهَا مُخَصِّصَهْ كَمَا بِإجْمَاعٍ تُقَرُّ، فَاخْصُصَه
الشرح: القسم الرابع: تخصيص السُّنة بالسُّنة:
وكُل مِن السُّنة العامة والمخَصِّصة إما متواترة أو آحاد، فمسائلها أربع، ثلاثة منها فَرْعُ وجود المتواتر، وقد سبق بيانه، وعلى تقدير وجوده يأتي في كل قِسم مِن الخلاف ما سنذكره.
_________________
(١) في (ص، ق): بالآحاد.
(٢) في (ت، س): نقلا.
[ ٤ / ١٦٢٠ ]
الأُولى: تخصيص السنة المتواترة بمثلها:
ويجري فيها الخلاف السابق في تخصيص القرآن بالقرآن.
وحكى الشيخ أبو حامد عن داود أنهما يتعارضان.
ومنشأ الخلاف أيضًا في ذلك مما سبق في أنَّ السُّنة إنما تكون مُبيِّنة؛ لقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾، لا محتاجة للبيان، سواء تواترت أوْ لا.
ولذلك قال القاضي عبد الوهاب: منع بعضهم من تخصيص السُّنة بالسنة بما سبق.
المانية: تخصيص المتواترة بالآحاد:
ويطرقها الخلاف مِن حكاية القاضي عبد الوهاب آنفًا.
وجوابه: أن المبيَّن (بالفتح) لا يمتنع أن يكون مُبيِّنًا (بالكسر) مِن وجه آخَر، إذْ لا تنافي بينهما.
ومنهم مَن يحكي فيه الخلاف السابق في تخصيص القرآن بالسُّنة، وقد صرح بذلك القاضي في "التقريب" وإمام الحرمين في "البرهان" وغيرهما، فإنكار ذلك على البيضاوي ليس بجيد.
فائدة: تخصيص عموم القرآن والسُّنة المتواترة هل يجوز بالقراءة الشاذة؟ يتجه تخريجه على ما سبق من الخلاف في أنها يُحتج بها [أَم] (^١) لا.
نعم، في كتاب أبي بكر الرازي أنه يجوز إذا اشتهرت واستفاضت، قال: (ولهذا أخذنا بقراءة ابن مسعود: "متتابعات"، ومنعنا به الإطلاق في الآية) (^٢).
_________________
(١) كذا في (ص، ق)، لكن في (س): أو.
(٢) الفصول في الأصول لأبي بكر الجصاص (١/ ١٩٨).
[ ٤ / ١٦٢١ ]
التالثة: تخصيص الآحاد بالمتواترة:
ويطرقه الخلاف مِن كون السُّنة مُبَيِّنة، لا محتاجة للبيان. وسبق بجوابه.
الرابعة: تخصيص الآحاد بالآحاد:
وهو ما ذكرته في النَّظم؛ لأنه الذي توجد أمثلته، وهي كثيرة، وهي على أربعة أضرب؛ لأن العام دائمًا قول، والمخصِّص إما قول أو فعل، والفعل إما وجودي وإما كَفِّي وهو تقريره - ﷺ -، وذلك إما لفعل عَلِمَ به وإما لعادة اطَّلَع عليها فَقَرَّرَها.
فالأول: مِن أمثلته ما أشرتُ إليه في النَّظم من حديث: "فيما سقت السماء العشر" (^١). أخرجه أبو داود والنسائي عن ابن عمر، بقوله - ﷺ -: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" (^٢). متفَق عليه من حديث أبي سعيد الخدري.
وقولي: (بِالْأَثَرِ) المراد به الحديث؛ فلذلك عقبتُه بقولي: (أَيْ: لَيْسَ فِيمَا) إلى آخِره، وإنْ كان الأثر غالبًا إنما يُطلق في الموقوف على صحابي أو غيره مِن غير رفع إلى النبي - ﷺ - كما سبق بيانه في محله.
الضرب الثاني: الفعل، فإذا قُلنا: يجب على الأُمة التأسي به، فالأكثرون من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم على جواز التخصيص به.
قال الشيخ أبو حامد: هذا إذا قُلنا: إنه على الوجوب أو الندب، فإنْ قُلنا بالتوقف، فلا يخصص به.
وقال جمعٌ (منهم الكرخي): لا يخصص به مطلقًا. واختاره ابن برهان، وحكاه الشيخ في "اللمع" عن بعض أصحابنا.
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) سبق تخريجه.
[ ٤ / ١٦٢٢ ]
وقيل: إنْ فَعَله مرة، فلا يخصص به؛ لاحتمال أنه مِن خصائصه - ﷺ -. نقله صاحب "الكبريت الأحمر" عن الكرخي وغيره من الحنفية، قال: فإنْ تَكرر، خُصَّ به إجماعًا.
وقيل: إنْ كان فِعلًا ظاهرًا، خُصَّ به، وإنْ كان مستترًا فلا.
وقيل: إنِ اشتهر كون الفعل مِن خصائصه، لم يُخَص به، وإلا خُصَّ. جزم به سليم في " التقريب".
وقال إلْكِيَا: إنه الأصح. قال: ولهذا حمل الشافعي تزويج ميمونة وهو مُحْرِم على أنه كان مِن خصائصه.
وقيل بالوقف، ونُقل عن عبد الجبار.
وقيل: إنْ كان منافيًا للظاهر، [خُصِّص] (^١) به، أو موافقًا له فلا. أيْ: ولو في غير ما نحن فيه مِن تخصيص السُّنة بالسُّنة، حتى يجري في تخصيص القرآن بالسُّنة، نحو: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] وقطع - ﷺ - سارق رداء صفوان وغيره، فلا تخصص الآية. قاله ابن القطان.
قلتُ: لا معنى لهذا التفصيل؛ لأن التخصيص إنما هو بفعل ينافي العموم، لا أنْ يكون فردًا من أفراده.
وقيل: إنما يكون تخصيصًا إذا عُرِف مِن قوله أنه قصد به بيان الأحكام، نحو: "صلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي" (^٢)، "خذوا عني مناسككم" (^٣)؛ لأنه إذا لم يكن كذلك، فقدْ يكون من
_________________
(١) في (ص، ق، ش): خص.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) سبق تخريجه.
[ ٤ / ١٦٢٣ ]
خصائصه، كنهيه - ﷺ - عن الوصال ثم واصل، ثم قال: "إني لست كأحدكم" (^١). فَبَيَّن أنه يفعل مُريدًا به بيان حُكمهم وإلا فينبههم على اختصاصه بذلك.
نعم، محل كونه تخصيصًا ما إذا كان العموم شاملًا له وللأُمة بتحريم شيء مَثلًا ثم يفعل الفعل المنهي عنه وهو مما لا يجب اتِّباعه فيه إما لكونه مِن خصائصه أو غير ذلك.
أما إذا أوجبنا التأسي به فيه، فيرتفع الحكم عن الكل، وذلك نَسخ، لا تخصيص.
وأما إذا كان العموم للأُمَّة دُونه، فَفِعله ليس بتخصيص، لعدم دخوله في العموم.
وقد مُثِّل ذلك بالنهي عن استقبال القبلة واستدبارها، ثم جلس في بيت حفصة مستقبل بيت المقدس (^٢). فعَلَى القول بأن النهي شامل للصحراء والبنيان فيحرم فيهما وبِه قال جمعٌ: يكون النبي - ﷺ - خُصَّ بذلك، وخرج من عموم النهي.
فإنْ قُلنا: إنه - ﷺ - ليس مختصًّا بذلك، فالتخصيص للبنيان مِن العموم سواء هو والأُمَّة في ذلك.
ومثاله في جانب التَّرْك:
قوله - ﷺ -: "الثيب بالثيب جلد مائة والرجم". ثم إنه رجم ماعزًا والغامدية مِن غير جَلد. لكن ليس هذا من باب التخصيص؛ لأنه رَفْع لأحد أمرين منصوصين، فيكون نَسخًا، لا تخصيصًا.
_________________
(١) مسند الإمام أحمد (رقم: ٤٧٥٢)، سنن الترمذي (رقم: ٧٧٨)، وغيرهما. قال الألباني: صحيح. (صحيح الترمذي: ٧٧٨). وفي صحيح البخاري (رقم: ١٨٦٠) بلفظ: (لسْتُ كَأَحَدٍ مِنكمْ). وفي صحيح مسلم (١١٠٢) بلفظ: (إني لست كهيئتكم).
(٢) صحيح البخاري (رقم: ١٤٧، ١٤٨).
[ ٤ / ١٦٢٤ ]
ومُثِّل أيضا بنهي النبي - ﷺ - عن الصلاة بعد العصر، ثم صلَّى ركعتين بعد العصر، ولكن لها سبب؛ فحصل التخصيص.
الضرب الثالث:
التخصيص بتقرير النبي - ﷺ - واحدًا مِن المكلفان على خِلاف مُقْتَضَى العام، فهل يكون مخُصِّصًا إذا وُجِدت شرائط التقرير فيه؟
فإنْ كان قَبْل دخول وقت العمل به ولم تَثبت مساواة الذي قرره لغيره، كان تخصيصًا.
وإنْ ثبتت المساواة لجميع ما دل عليه الكلام أو كان بعد دخول وقت العمل، كان نَسخًا.
ومَثَّل الأستاذ أبو منصور ما يكون تخصيصًا بقوله - ﷺ -: "فيما سقت السماء العشر" وتَرْك - ﷺ - أَخْذ الزكاة من الخضراوات.
قال ابن القطان: (وكذا تقريره على ترك الوضوء لِمَن نام قاعدًا).
نعم، التخصيص بالتقرير هل هو تخصيص بنفس تقريره؟ أو بما تضمنه مِن سَبْق قول به فيكون مُستدلًّا بتقريره على. أنه قد خُص بقول سابق؛ إذ لا يجوز لهم أن يفعلوا ما فيه مخالفة للعام إلا بإذن صريح، فتقريره دليل ذلك؛ وجهان حكاهما ابن القطان وإلْكِيَا.
قال ابن فورك والطبري: إن الظاهر الأول.
وكذا مُقْتَضَى كلام ابن القطان ترجيحه، وحينئذٍ فتكون صلاة النبي - ﷺ - قاعدًا دليلًا على أن قوله - ﷺ -: "إذا صلي الإمام قاعدًا فصلوا قعودًا" (^١) على أنهم لم يكونوا ليفعلوا ذلك وينتقلوا عن الحالة الأُولى إلا بشيء مُتقدِّم. وليس ذلك نقلًا عن الحال، إنما هو بناء على ما
_________________
(١) صحيح مسلم (٤١١)، وبنحوه في صحيح البخاري (١٠٦٣).
[ ٤ / ١٦٢٥ ]
كانوا عليه، ويتوصل بالحال إلى العِلم به.
قولي: (سُنَّةً بِهَا يُخَصُّ حَيْثُ أُطْلِقَتْ فَعَمَّهَا) أي: عَمَّ الأمور الثلاثة (القول والفعل والتقرير) سُنَّةٌ يُخص بها عموم السُّنة. فحيث أطلقت "السُّنة" كانت شاملة للثلاثة؛ فإنَّ لفظ "السُنَّة" يعمها وَيصْدُق عليها.
وقولي: (فَعَادَةً قرَّرَهَا مُخَصِّصَهْ) إلى آخِره -إشارة إلى بيان حُكم الضرب الرابع وهو ما إذا اطَّلع النبي - ﷺ - على عادة اطردت في زمانه وأقَرها ولم يُنكرها ولكن تلك العادة مخالفة لبعض ما دخل في عموم سُنَّة أخرى، فإنَّ ذلك يكون تخصيصًا.
وأشرتُ بعطف ذلك بِـ "الفاء" إلى أنه مُرتَّب على ما قَبله؛ لرجوعه إلى التخصيص بالتقرير.
واعْلَم أنَّ في هذا الضرب اضطرابًا شديدًا يظهر ذلك بما نذكره مِن الأحوال في تصويره المحتملة فيه:
فأحدها: أنْ يكون النبي - ﷺ - أوجبَ أشياء أو حَرَّمها بلفظ عام، ثم تجري عادة بعد ذلك بترك بعض ما أوجب أو بفعل بعض ما حرم.
فقال الإمام الرازي وأتباعه: إنها تخصيص إذا عَلِم بها النبي - ﷺ - ولم يُنكرها ولا منعها.
قال في "المحصول": (فأما إذا عُلِم جريانها مِن بَعْده - ﷺ -، فإنها لا تُخصِّص إلا أنْ يُجمَع على فِعلها؛ فيكون تخصيصًا بالإجماع الفعلي) (^١).
أي: والتخصيص بالإجماع -كيف كان- جائز كما سيأتي.
وعلى هذا جريتُ في النَّظم بقولي: (فَعَادَةً قَرَّرَهَا مُخَصِّصَهْ).
_________________
(١) المحصول (٣/ ١٣٢).
[ ٤ / ١٦٢٦ ]
الثانية: أن تتقدم عادة في فِعل شيء على ورود عام شامل له ولغيره، فلا يكون العام منصرفًا إلى المعتاد فقط مخصَّصًا به، بل هو على عمومه فيه وفي غيره، إلا أن ذلك الذي جرت به العادة مراد قطعًا، وإنما الكلام في غيره.
وهذه التي قال الآمدي وابن الحاجب فيها: إن الجمهور على أن العادة تتناول بعض خاص ليس بمخصص، خلافًا للحنفية. مثل ما لو قال الشارع: (حرمتُ الربا في الطعام) وعادتهم تناول البُر، فيجري اللفظ على عمومه في كلِّ طعام.
وعليه يُحمل إطلاق الشيخ أبي إسحاق الشيرازي وابن السمعاني وغيرهما أنَّ العادة لا تُخصِّص.
قال الهندي بعد أن ذكر هاتين الحالتين: (إنَّ الحقَّ في هذه أنها لا تُخصص) (^١).
وحينئذٍ فمَن ادَّعى أن مسألة "المحصول" ومسألة الآمدي وارِدتان على محل واحد حتى حاول الجمع بين كلاميهما (إمَّا بأنَّ مَن قال: "تُخصِّص" أراد أنه إذا قررها - ﷺ -، ففي الحقيقة تقريره هو المخصِّم، ومَن قال: "ليس بمخصِّص" أراد إذا لم يطَّلع عليها ويقررها، أو بغير ذلك) ليس بِمُسلَّم، والصواب: أنهما مسألتان.
وممن صرح بأنهما لا تعلُّق لإحداهما بالأخرى: القرافي في "شرح التنقيح".
وممن صرح في الحالة الثانية بأن العادة لا تُخصص مِن أصحابنا: أبو حامد وسليم والصيرفي، وابن القشيري، قال: خلافًا لأبي حنيفة. لكن قال الشيخ أبو حامد: يجب الأخذ بالخبر واطِّراح العادة بلا خلاف.
وقال إمام الحرمين في "النهاية" في باب الزكاة في أنه يجب في خمس من الإبل شاة وأنه مُخيَّر بين غنم البلد وغيرها: (إنه - ﷺ - قال: "في خمس شاة"، واسم الشاة يقع عليهما جميعًا،
_________________
(١) نهاية الوصول (٥/ ١٧٦٠).
[ ٤ / ١٦٢٧ ]
ولفظ الشارع لا يُخصَّص بالعُرف عند المحققين من أهل الأصول) (^١). انتهى
وقد استُفيد منه أن مرادهم بالعادة السابقة ليس اعتياد فِعل فقط، بل اعتبار الوجود ولو في ذوات، كما في وجود نوع غنم البلد.
الحالة الثالثة: أن تكون العادة جارية بإطلاق لفظ على بعض أفراد العام الدال عليها لغةً، نحو أن يكون عُرْفهم إطلاق "الطعام" على البُر مثلًا أو على المقتات، ثم يأتي النهي عن بيع الطعام بالطعام، فهذا تخصيص.
وهو في الحقيقة مِن تقديم الحقيقة العُرفية على اللغوية، وممن صرح بذلك الشيخ أبو حامد، فقال بعد ما حكيناه عنه مِن أن العادة بفعل شيء لا تخصِّص العام الآتي بَعْده: (فإنْ قيل: أليس قد خصصتم عموم لفظ اليمين بالعادة؟ فقُلتم: إذا حلف لا يأكل بيضًا أو لا يأكل الرءوس، فلا يحنث إلا بما يعتاد أكله من الرءوس والبيض. فهلَّا قلتُم في ألفاظ الشارع مثل ذلك؟
قيل: نحن لا نُخصِّص اليمين بعُرف العادة، وإنما نخصصه بِعُرف الشرع، مِثل: لا يُصلي ولا يصوم، فيحنث بالشرعي. أو بِعُرف قائم في الاسم، مِثل الحلف على أن لا يأكل البيض أو الرءوس، فيُعقَل مِن إطلاق هذا الاسم الرءوس التي تُقصد للأكل، فتخصيص اليمين بِعُرف قائم في الاسم. فأمَّا بعُرف العادة فلا يخصَّص، فإنه لو حلف لا يأكل خبزًا ببلدٍ لا يؤكَل فيه إلا خبز الأرز، حنث بأكل خبز غير الأرز وإنْ كان لا يعتاد أَكْله). انتهى
وممن نَص على أن العادة القولية تُخصِّص: الغزالي وإلْكِيَا وصاحب "المعتمد" والآمدي ومَن تبعه، وكذا القاضي عبد الوهاب والقرطبي.
وفي "شرح العنوان" لابن دقيق العيد: إنَّ الصواب التفصيل بين العادة الراجعة للفعل
_________________
(١) نهاية المطلب (٣/ ٨٢).
[ ٤ / ١٦٢٨ ]
والراجعة للقول، فيُخصَّص بالثانية العمومُ؛ لِسَبْق الذهن عند الإطلاق إليه دُون الأول.
أي: إذا تَقدمت أو تأخرت ولكن لم يُقررها - ﷺ -؛ حتى يجتمع كلامه مع ما سبق.
قلتُ: وكلام القرافي في "شرح التنقيح" كالصريح في هذه الحالة، خلافًا لمن زعم أنه في الحالة التي قبلها.
وهذه الحالة الثالثة لم أتعرَّض لها في النَّظم؛ لأنها حينئذٍ مِن حمل اللفظ على حقيقته العُرفية.
وأما الحالة الثانية: فتخرج مِن كونه - ﷺ - قَرر العادة إذا أتى بلفظ عام موافِق للعادة السابقة في البعض، فيُستفاد منه جريان الحكم فيه وفي غيره، فلا يقال: إنه قَرَّر العادة.
بخلاف ما إذا جاءت بَعْد مخالِفة للعام وعَلِم بها وسكت، فإنه يقال: قررها.
تنبيهات
الأول: من فروع المسألة: لو قال: (بعتُك هذه الشجرة)، فهو في قوة بيعها مُصرِّحًا بجميع أغصانها، لكن لا يدخل فيها الغصن اليابس؛ لأن العادة فيه القطع.
وقال صاحب "التهذيب": يحتمل أن يدخل كالصوف على ظهر الغنم إذا بِيعت الغنم وقد استحق جز صوفها في العادة.
وما قاله هو قياس ما سبق من عدم التخصيص بالعادة السابقة، إلا أن يقال: إنما لم يدخل الغصن اليابس لأنه كالخارج من مدلول لفظ الشجرة؛ لأنَّ اليابس كالمنفصل، فهو كالسُّلم ونحوه في بيع الدار حيث لا يكون مُثَبَّتًا.
ومن ذلك ما أشار إليه القرطبي إذ قال: اختلف أصحابنا في تخصيص العموم بالعادة الغالبة، كقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: ٦]، فهو كناية عن الخارج
[ ٤ / ١٦٢٩ ]
مِن المَخْرَجَين وهو عام، غير أنَّ أكثر أصحابنا خصصوه بالأحداث المعتادة، فلو خرج ما لا يُعتاد كالحصاة والدود، لم يكن ناقضًا، لأن الذهن لا يتبادر إلا إلى المعتاد.
قال: وعلى هذا الأصل انبنى الخلاف في مسائل الأيمان، فإذا حلف بلفظٍ له عُرف فِعْلي ووَضْع لغوي، فهل يُحمَل على العُرف الفعلي؛ أو على الوضع اللغوي؟ قولان.
الثاني: قال القرافي: (شذَّ الآمدي بحكاية الخلاف في العادة الفِعلية).
قال: (ووقع للمازري خلاف في ذلك عن المالكية، ولَعَلَّه ممن التبس عليه الفعلية والقولية).
قال: (وأظن أني سمعتُ الشيخ عز الدين بن عبد السلام يحكي الإجماع أن الفعلية لا تُخصِّص. وقال العالمي من الحنفية: العادة الفعلية لا تكون مُخصِّصة إلا أن تُجمِع الأمة على استحسانها. ثم قال: ولقائل أن يقول: هذا تخصيص بالإجماع، لا بالعادة) (^١). انتهى
وقد سبق بيان الأحوال التي فيها الخلاف والقطْع.
الثالث: نسب بعضهم القول بتخصيص العادة الفعلية إلى الشافعي؛ لأنه حمل الأمر في قوله - ﷺ - في الرقيق: "أطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون" (^٢) على الاستحباب دُون الوجوب.
قال: لأن العرب كانت مطاعمهم وملابسهم متقاربة، وكان عيشهم ضيقًا. وأما مَن لم يكن كذلك، فإنه يطعم ويكسو رقيقه -إذا لم يَرد ذلك- بالمعروف؛ لحديث: "له نفقته وكسوته بالمعروف" (^٣).
_________________
(١) نفائس الأصول في شرح المحصول (٣/ ٥٨).
(٢) صحيح مسلم (رقم: ٣٠٠٧).
(٣) قال الإمام الشافعي في (الأم، ٥/ ١٠١): (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ =
[ ٤ / ١٦٣٠ ]
لكن هذا الذي قاله ليس بجيد، لأن الشافعي (- ﵁ -) إنما قال ذلك لحديث: "نفقته وكسوته بالمعروف"، لا لأجل أن العُرف خصَّصه، بل هو من تخصيص حديث بحديث. والله أعلم.
ص:
٦٥٧ - كَذَاكَ بِالْإجْمَاعِ خُصَّ الْمُنْزَلُ مُضَمَّنًا [لِسَنَدٍ] (^١) يُفَصَّلُ
٦٥٨ - وَمَثَّلُوا بِالْقَذْفِ إذْ يُنَصَّف في الْعَبْدِ إجْمَاعًا، وَفِيهِ يُوقَفُ
الشرح:
القِسم الخامس من التخصيص بالمنفصل: تخصيص عموم الكتاب والسُّنة بالإجماع.
وذلك معنى قولي: (خُصَّ الْمُنزلُ)، فإنه شامل للقرآن والسنة كما سبق من بيان أن السنة مُنزَّلة، لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤].
وقال الشافعي أنه سمع مَن يرضَى من أهل التفسير يقول في نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا
_________________
(١) = عَبْدِ الله، عَنْ عَجْلَانَ أَبِي مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: "لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَا يُكَلَّفُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا يطِيقُ"). ثم قال الإمام الشافعي: (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَهُ مَا قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "نَفَقَتُهُ وَكِسْوَتُهُ بِالْمَعْرُوفِ"). انتهى ومن طريقِه في: السنن الكبرى للبيهقي (١٥٥٥١). قلتُ: لم أجد الحديث بهذا اللفظ، فَلَعَل الإمام الشافعي قصد ذِكر معنى الحديث.
(٢) كذا في (ص، ق، ن)، وهو الصواب. لكن في سائر النُّسَخ: السنة).
[ ٤ / ١٦٣١ ]
أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [البقرة: ٢٣١]: إنَّ الحكمةَ السُنَّةُ.
فأما تخصيص القرآن بالإجماع فمثَّلوه بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤] الآية، خُص بالإجماع على أنَّ العبد القاذف يُجلَد على النصف مِن الحُر. لكن التخصيص في الحقيقة إنما هو بما تضَمَّنه الإجماع من الدليل في الأصل على الحكم؛ إذِ الإجماع لا بُدَّ له من مُستنَد وإنْ لم نَعرفه.
نعم، في التمثيل بذلك نظر، وإليه أشرت في النَّظم بقولي: (وَفِيهِ يُوقَفُ). أي: يتوقف فيه من جهة احتمال أن يكون التخصيص بالقياس.
فإن قيل: لِمَ لا تقولون بأنَّ الإجماع يكون ناسخًا على معنى أنه يتضمن ناسخًا؟
فجوابه: أنَّ [سند] (^١) الإجماع قد يكون مما لا يُنسخ به، فليس في كل إجماع تَضمُّن لِما يسوغ النسخ به.
وأما التخصيص فلَمَّا كان مِن البيان، كان كل دليل يخصَّص به ولو كان العام الذي يخصَّص قطعيًّا في المتن، فافترقَا.
وأما مَن قال: (النَّسخ بالإجماع ما وقع حتى يقول: إنه يتضمن ناسخًا، بخلاف التخصيص) فلا يخلو مِن نظر.
وبالجملة فمعنى تخصيص العام بالإجماع: أن يُجمِعوا على أنه مخصوص بدليل آخَر، فيَلزم مَن بَعْدَهم متابعتهم وإنْ جهلوا المخصِّص.
وليس معناه أن الإجماع نفسه مخُصِّص؛ لأن الإجماع في زمنه - ﷺ - محُال، وبَعْده -على خِلاف الكتاب أو السُّنة- خطأ لا ينعقد.
_________________
(١) كذا في (ص، ق)، لكن في. (س): مستند.
[ ٤ / ١٦٣٢ ]
قال الآمدي: (لا أعرف في التخصيص بالإجماع -بالمعنى المذكور- خلافًا) (^١).
وجرى عليه ابن الحاجب وغيره.
وممن حكى الإجماع في ذلك أيضا الأستاذ أبو منصور البغدادي من أصحابنا.
نعم، قال ابن القشيري: إن الخلاف يطرقه مما سبق في التخصيص بالعقل: هل المراد أن العقل دَلَّ على أنه لم يدخل؟ أو على أنه خرج مِن اللفظ بعد دخوله؟ فيقال في الإجماع مثل ذلك.
لكن قد سبق أن الخلاف لفظي.
وجعل الصيرفي من أمثلة التخصيص بالإجماع قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] خُصَّ بالإجماع على عدم وجوب الجمعة على العبد والمرأة.
ومَثَّله ابن حزم بأنَّ قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩] مخصوص بإجماعهم على أنه لو بذل فِلسًا أو فِلسين، لم يحقن بذلك دماؤهم.
وفيه نظر؛ لأنَّ الألف واللام في الجزية إن كانت للعموم، فالتخصيص بحديث معاذ: "خذ من كل حالم دينارًا" (^٢)؛ إذ مفهومه أنه لا يؤخذ أقَل. وإن كانت للعهد، فالمراد ما تَقرر في شرعه مِن دينارٍ لكل واحد.
أما مِثال تخصيص السُنَّة العامة بالإجماع فلم أرهُم تعرَّضوا له، كأنه استغناء بمثال تخصيص القرآن به. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) الإحكام للآمدي (٢/ ٣٥٢).
(٢) سنن أبي داود (رقم: ١٥٧٦)، سنن الترمذي (٦٢٣)، سنن النسائي (رقم: ٢٤٥٠)، وغيرها. قال الألباني: صحيح. (صحيح أبي داود: ١٥٧٦).
[ ٤ / ١٦٣٣ ]
ص:
٦٥٩ - وَخُصَّ بِالْفَحْوَى مِنَ الْخِطَابِ وَبِدَلِيلِهِ، وَلِلْأَصْحَابِ
٦٦٠ - تَمْثِيلُهُ بِالْخَبَرِ [الْمَأْثُورِ] (^١) في الْقُلَّتَيْنِ، خُصَّ بِالتَّغْيِيرِ
الشرح:
مِن المخصصات المنفصلة: تخصيص اللفظ العام بفحوى الخطاب، أي: "مفهوم الموافقة" إذا كان الحكم فيه أَوْلى مِن المذكور كما سبق في موضعه، وربما أطلق هنا "مفهوم الموافقة"؛ ليشمل "لحن الخطاب"، إذْ لا فرق.
فمثاله بالفحوى قوله - ﷺ -: "لَيُّ الواجِد يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ" (^٢). رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم والبيهقي من رواية عمرو بن الشريد عن أبيه. وقال الحاكم: صحيح الإسناد.
و"اللَّيُّ": المَطْل. والمراد بِ "حِل عِرْضه" أن يقول غريمه: ظلمني، وبـ "عقوبته": الحبس ونحوه.
خُصَّ بمفهوم قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، فمفهومه أنه لا يؤذيهما بحبس ولا غيره؛ فلذلك نقل الإمامُ عن المعْظَم، والرافعي عن تصحيح البغوي أنَّ الوالد لا يُحبَس في دَيْن وَلَدِه، وصححه النووي أيضًا، وفيه وجه صححه الغزالي وصاحب
_________________
(١) في (ن ٣، ن ٤): المشهور.
(٢) سنن أبي داود (رقم: ٣٦٢٨)، سنن النسائي (رقم: ٤٦٩٠)، سنن ابن ماجه (رقم: ٢٤٢٧)، صحيح ابن حبان (رقم: ٥٠٨٩)، المستدرك على الصحيحين (رقم: ٧٠٦٥)، سنن البيهقي الكبرى (رقم: ١١٠٦١). قال الألباني: حسن. (إرواء الغليل: ١٤٣٤).
[ ٤ / ١٦٣٤ ]
"الحاوي الصغير".
ومما يمثَّل بذلك له أيضًا تخصيص عموم السُّنة بخصوص القرآن، وإنْ ذكرنا فيما سبق له أمثلة لكنها بمنطوق، وهذا بمفهوم، فَاعْلَمه.
وقولي: (وَبِدَلِيلِهِ) أي: ومن المخصصات أيضًا التخصيص بدليل الخطاب، فالضمير عائد للخطاب، والمراد به "مفهوم المخالفة".
ومثاله -كما ذكره بعض أصحابنا وإليه أشرتُ بقولي: (لِلْأَصْحَابِ) أي: [مِن جهتهم] (^١)، لا أن الكل مثَّلوا به- قوله - ﷺ -: "إذا بلغ الماء قلتين، لم يحمل الخبث" (^٢). رواه الأربعة، وصححه ابن حبان والحاكم والبيهقي وغيرهم.
خَصَّ بمفهومه -وهو ما لم تبلغ قلتين- عمومَ قوله - ﷺ -: "الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه أو طعمه أو لونه". رواه ابن ماجه والبيهقي من حديث أبي أمامة على ضَعف فيه، فإنه أَعَم مِن القلتين ودُونهما؛ فتصير القُلتان في الحديث الأول تنجُّسهما مخصوص بالتغيير، أي: تغييرهما بالنجاسة، ويبقى ما دُونهما ينجس بمجرد الملاقاة في غير المواضع المستثناة بدليل آخَر.
وهو معنى قولي: (في الْقُلَّتَيْنِ)، أي: في قَدْر القُلتين المذكور ذلك في الحديث السابق خُصَّ تنجيسه بالتغيير، بخلاف ما دُونهما فإنه ينجس بمجرد الوقوع، تَغيَّر أوْ لا.
إلا أن في قولي: (وَلِلْأَصْحَابِ تَمْثِيلُهُ) [إيماء] (^٣) إلى عدم اختياري للتمثيل بذلك؛ لأن كلًّا مِن الحديثين عام مِن وجه وخاص من وجه.
_________________
(١) في (ت، س، ض): وجههم.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) كذا في (س، ت)، لكن في سائر النُّسخ: الماء.
[ ٤ / ١٦٣٥ ]
فالأول: عام مِن جهة حمل الخبث وهو التنجيس فيما تَغير وما لم يتغير، وخاص مِن جهة ما دُون القلتين.
والثاني: عام مِن حيث القُلتين ودُونهما، وخاص مِن حيث التقييد بالتغيير.
وليس تخصيص عموم أحدهما بخصوص الآخِر بِأَوْلى مِن عكسه، فيوقف حتى يرجح أحدهما على الآخَر بدليل كما سيأتي.
وقد مَثَّله ابن السمعاني بما سيأتي من آيتَي المتعة.
ومثَّله ابن الحاجب بما لو قيل: (في الأنعام زكاة). فإنَّ عمومه حينئذٍ يُخَص بمفهوم حديث: "في سائمة الغنم الزكاة". إلا أن الأول ليس حديثًا، خِلافًا لما تَوهمه الشيرازي في "شرحه".
فإنْ قيل: العام لفظ، فكيف يُعمل بالمفهوم في تخصيصه ومن شَرْطه أن لا يعارضه ما هو أقوى منه؟
قيل: هو مِن حيث كونه خاصًّا أقوى مِن العام وإنْ كان العام مِن حيث كَوْنه نُطقًا أقوى؛ فتعارضا؛ فيُعمل بهما؛ جمعًا بين الدليلين.
تنبيهات
الأول: إنما يُخَص بدليل الخطاب على رأي مَن يجعله دليلًا؛ حتى يكون جمعًا بين الدليلين. وإنما يكون التخصيص بالفحوى حيث لم يُجعل مِن باب القياس، وإلَّا فهو تخصيص بالقياس، وسيأتي.
وحيث لم يُجعل من الإطلاق العُرفي أو نحوه فيكون تخصيصًا بلفظ، لا بمفهوم.
الثاني: قال الآمدي: (لا نَعرف خلافًا بين القائلين بالعموم وبالمفهوم أنه يجوز
[ ٤ / ١٦٣٦ ]
تخصيص العموم بالمفهوم، سواء [كان] (^١) مِن قبيل مفهوم الموافقة أو المخالفة) (^٢).
وما ادَّعاه مِن الاتفاق مردود؛ فقد توقَّف الإمام في ذلك ولم يختر شيئًا.
وقال سراج الدين الأرموي: (في جواز ذلك نظر) (^٣).
وجزم الإمام في "المنتخب" بأنه لا يجوز، ونقله أبو الخطاب الحنبلي عن بعضهم.
وقال ابن دقيق العيد في الكلام على الحديث الثاني من "شرح الإلمام" أنه رأَى المنع في ذلك لبعض المتأخرين.
قلت: أما الفحوى إذا لم نَقُل: (إنه قياس أو غيره)، فلا يبعد أنه باتفاق.
قال الصفي الهندي: (لا يستراب في جواز التخصيص بمفهوم الموافقة) (^٤).
أي: ويكون محل الخلاف في مفهوم المخالفة. بل صرح الإمام في "باب النسخ" بأن الفحوى قد يكون ناسخًا باتفاق، وكذا حكى الاتفاق فيه أيضًا الآمدي.
ولهذا لَمَّا نَصَب ابن الحاجب الأدلة في المخالفة هنا، تَبين أنه المراد بالمفهوم في أول المسألة وأنه لم يتعرض للموافقة؛ إذْ لا غرض فيما يكون باتفاق.
وأما المخالفة فيعضد ما سبق مِن الإشارة إلى الخلاف قولُ ابن السمعاني: (يجوز
تخصيص العموم بدليل الخطاب على الظاهر مِن مذهب الشافعي) (^٥).
فقوله: (الظاهر) يُشعِر بالخلاف.
_________________
(١) من (ت).
(٢) الإحكام (٢/ ٣٥٣).
(٣) التحصيل من المحصول (١/ ٣٩٦).
(٤) نهاية الوصول (٤/ ١٦٧٨).
(٥) قواطع الأدلة (١/ ١٨٤).
[ ٤ / ١٦٣٧ ]
ثم قال: (ومثاله في الكتاب قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٤١]، فإنه عام في كلِّ مُطلَّقة).
ثم قال: (﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [البقرة: ٢٣٦] الآية، فكان دليله- أيْ "دليل الخطاب" وهو المفهوم -أنْ لا متعة للمدخول بها، فخَصَّ بها -في أظهر قوليه- عموم المطلقات، وامتنع مِن التخصيص بها في القول الآخر) (^١). انتهى
وقضيته تخريج قولين للشافعي في تخصيص العموم بالفهوم، وهو فائدة جليلة.
نعم، المرجَّح المنقول عن الجديد أن المدخول بها لها المتعة على خِلاف ما اقتضاه كلام ابن السمعاني، وعلى خِلاف ما تقتضيه قاعدة الأصول التي ذكرناها، فإنها إنما توافق القديم وهو المنع في المدخول بها.
لكن أبو الحسين بن القطان جعل ذلك من باب ذِكر بعض أفراد العموم، فإن قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ﴾ [البقرة: ٢٤١] شامل لمن دخل بها ومَن لم يدخل بها، ولمن لها فرض ولمن لا فرض لها. وقوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦] أي: التي لم يمسها والتي لم يفرض لها، وهو بعض أفراد المطلقات، فلا منافاة.
قال: (هذا على قول للشافعي، وعلى القول الآخَر يخصُّ بآية: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ عموم آية: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ﴾؛ لأن مفهومها أنَّ مَنْ مُسَّت أو فُرض لها، لا متعة لها) (^٢).
قال: (وقد قيل: إن آية ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦] غير مَسُوقة لتعريف حُكم المتعة، بل للفرق بين الموسر والمعسر، فإنما يخصَّص العموم بما وَرَد مِن الخاص لأجل التخصيص، لا لمعنى آخَر). انتهى بمعناه.
_________________
(١) قواطع الأدلة (١/ ١٨٥).
(٢) قواطع الأدلة (١/ ١٨٥).
[ ٤ / ١٦٣٨ ]
ثم قال بعد ذلك: (ومن المخصص أن يأتي بدليل الخطاب، وهو ما كان له وصفان، فتعليق الحكم بأحد وَصْفَيْه يدل على أن ما عدَاه بخلافه. فهذا يُخَصُّ به العموم قولًا واحدًا). انتهى
والجمع بينه وبين ما ذكره أولًا أنَّ ذلك في موضع يتردد بين أن يكون تخصيصًا أو ذِى بعض أفراد العموم. أما إذا لم يحتمل إلا التخصيص، فيُقضَى به قطعًا.
وذكر الصيرفي في "الدلائل" نحو هذا، فقال: (العام إنْ لم يمكن استعماله في جميع أفراده، تَوَقَّف على البيان، كقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، فإذا ذكر بعض الأفراد، عُلِمَ أنه المراد بالزكاة المذكورة، كقوله: "ليس فيما دون خمسة أواقٍ صدقة" (^١). وإنِ احتمل أن يكون المذكور إنما هو بعض الجنس، فالحكم للعموم، كقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ﴾ فهذا عام، ثم قال تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ الآية، فلمَّا احتمل الأول أن يكون خاصًّا بمن لم تمُس وأن يكون ذكر بعض الجنس الذي أريد بالمتعة ولم يَنْفِ - مع الجمع بينهما - أحدُهما صاحبَه، اقتضَى الحكم بذاك لكل مطلقة). انتهى
فإنْ قيل: يَلزم على أنه مِن باب ذِكر فَرد مِن العموم أنْ لا يكون في الآية دليل على أنَّ مَن فُرض لها لا متعة لها، بل لها المتعة كما قدرته فيمن مُست أن لها المتعة.
قلتُ: هو قول [للشافعي] (^٢) أثبتَه ابن سُريج وغيره من الخراسانيين: أنَّ لها المتعة؛ عملًا بعموم المطلقات.
وعلى المرجَّح المشهور أنها لا متعة لها يكون العام قد خُصّص بمعنى مُستنبط من النص، وهو أنها لَمَّا طُلِّقَت قبل الدخول، حصل لها ابتذال، فلما أخذت في مقابِله شطر
_________________
(١) صحيح البخاري (رقم: ١٣٤٠)، صحيح مسلم (رقم: ٩٧٩).
(٢) كذا في (ص، ق)، لكن في (س): الشافعي.
[ ٤ / ١٦٣٩ ]
المفروض، سواء سُمِّي لها مهر صحيح أو وجب لها مهر المثل بأنْ كان المسمَّى فاسدًا أو سكت عن ذكر المهر.
ثم قال الصيرفي: (وقد يحتمل أيضًا -على جواب الشافعي في المجمل والمفسر- أن يكون قوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ مرتبًا على قوله ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ ما لم تَقُم دلالة على الجمع، وقد قامت الدلالة بقوله تعالى: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٢٨]، وقد عُلِم أنهن مدخول بهن، فثبتت المتعة للممسوسة وغيرها بهذا الدليل). انتهى
الثالث:
في كَوْن "مفهوم المخالفة" بمنزلة اللفظ أو القياس وجهان حكاهما سُليم، أصحهما الأول، وينبني عليهما ما إذا عارضه لفظ آية أو خبر، هل يُقَدَّم عليه؛ أو هُما بمنزلة لفظين؟
الرابع:
محل الخلاف في التخصيص بدليل الخطاب إذا عارضه غير النطق الذي هو أصله. فإن عارضه النطق الذي هو أصله، فإما أنْ يُسقِطه ويُبطله، وإما أنْ يُخصِّصه فقط.
فإنْ كان الأول، فيسقط المفهوم، كحديث: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل" (^١) مفهومه يقتضي جوازه بالإذن، لكن لو عُمل به لأدَّى إلى مخالفته للمنطوق الذي هو بغير الإذن، وحُكمه البطلان. وقد ثبت بالإجماع أنهما مستويان، فإنْ جاز بغير الإذن، جاز بالإذن، وإنْ مُنع بغير الإذن، مُنع بالإذن، فيكون بهذا المعنى مُسْقطًا لأصله.
وإنْ كان الثاني، فيسقطه أيضًا على المرجَّح، نحو: "إن الله حرم الكلب وحرم ثمنه (^٢).
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) سنن الدارقطني (٣/ ٧)، المعجم الكبير للطبراني (١٢/ ١٠٢) وغيرهما عن النبي - ﷺ - أنه قال: "ثَمَنُ =
[ ٤ / ١٦٤٠ ]
فإنَّ تحريم الكلب تحريمٌ لجهات انتفاعه مِن بيع وإجارة وغيرهما. وقوله: (وحرم ثمنه) مفهومه أن غير الثمن ليس بمحرم، فلا يُخصُّ به عموم الأول، خلافًا لابن القطان.
وليس هذا كما في استنباط معنى من النص يَعُود بالإبطال أو بالتخصيص؛ لأن ذلك قياس، وسيأتي إيضاحه في "باب القياس". والله تعالى أعلم.
ص:
٦٦١ - [كَذَاكَ] (^١) بِالْقِيَاسِ إنْ جَلِيَّا يَكُونُ أَوْ تَعُدُّهُ خَفِيَّا
٦٦٢ - كَالنِّصْفِ في حَدِّ الزِّنَا لِلْعَبْدِ كَأَمَؤ مَنْصُوصَةٍ في الْحَدِّ
٦٦٣ - قَدْ خَصَّصَا زَانِيَةً وَالزَّانِي نَضًّا، وَبِالْقِيَاسِ في ذَا الثَّانِي
الشرح:
مِن المخصِّصات المنفصلة "القياس"، فيُخصُّ به العمومات مِن الكتاب والسنة؛ لأنه دليل شرعي، ففي التخصيص به جمعٌ بين الدليلين.
وأفسد الغزالي هذا الاستدلال بأنَّ القدْر الذي وقع فيه التقابل ليس فيه جمع بين الدليلين، بل هو رفْع للقدْر المعارِض للقياس، وتجريد العمل بالقياس.
قال القاضي تاج الدين السبكي في "شرح المنهاج": (وهذا حسن، وهو مأخوذ من
_________________
(١) = الْخَمْرِ حَرَامٌ، وَمَهْرُ الْبَغِيِّ حَرَامٌ، وَثَمَنُ الْكَلْبِ حَرَامٌ ". وفي صحيح البخاري (٥٤٢٨) وصحيح مسلم (١٥٦٧) واللفظ للبخاري: "نهى النبي - ﷺ - عن ثَمن الكلب ومهر البغي ".
(٢) في (ص، ق): وذاك.
[ ٤ / ١٦٤١ ]
جواب القاضي في "مختصر التقريب" عن هذه الشبهة) (^١).
قلتُ: ليس المراد بإعمال الدليلين إعمالهما مِن كل وجه، بل في الجملة وإلَّا لجرى ذلك في كل تخصيص، فإنَّ القدْر المعارِض مِن العام للخاص طُرِح وعُمِل بالخاص.
وأما القدر الذي لا يعارِض الخاص فهو وإنْ كان معمولًا به لكنه ليس الكلام فيه، فظهر أن المراد بإعمال الدليلين إعمال العام في غير ما عارض المخصِّص وإعمال المخصص في المعارِض لبعض أفراد العام.
وقولي: (إنْ جَلِيَّا يَكُونُ) أي: سواء كان القياس جليًّا أو خفيًّا. فـ "جليًّا" خبر "يكون"، قُدِّم عليه، و"خفيًّا" مفعول ثانٍ لـ "تعد"، فإنه يتعدى لمفعولين، كقول الشاعر: (فلا تعدد المولى شريكك في الغنى).
وفي هذا التنبيه على أنَّ لنا قولًا بالتفرقة بين القياس الجلي والخفي، وسيأتي إيضاحه.
والحاصل أنَّ الراجح مِن المذاهب في المسألة التخصيص بالقياس مطلقًا، وإليه ذهب الأئمة الأربعة والأشعري وأبو هاشم وأبو الحسين، وعليه جرى الإمام والآمدي وأتباعهما، إلا أن ابن الحاجب زاد تفصيلًا آخَر يأتي بيانه.
وذكر الشيخ أبو إسحاق الشيرازي أنَّ الشافعي نَصَّ على جواز التخصيص بالقياس في مواضع.
وقال ابن داود في "شرح المختصر": إنَّ كلام الشافعي يُصرِّح بالجواز.
والمذهب الثاني: المنع مطلقًا. قاله أبو علي الجبائي، ونقله القاضي عن طائفة من المتكلمين، منهم ابن مجاهد مِن أصحابنا.
_________________
(١) الإبهاج (٢/ ١٧٧).
[ ٤ / ١٦٤٢ ]
والثالث: إنْ خُص العام بغير القياس، جاز بالقياس، وإلا فلا. قاله ابن أبان، ونقله ابن برهان في "وجيزه" عن أصحاب أبي حنيفة.
والرابع: إنْ خُص بمنفصل، جاز بالقياس، وإلا فلا. قاله الكرخي.
والخامس: إنْ كان القياس جليًّا، خُصِّص به، وإلا فلا. وبه قال [ابن سريج وجمعٌ من أصحابنا فيما هو المشهور عنهم وإنْ كان الشيخ أبو حامد نقل عنهم الجواز مطلقًا، ونقل هذه] (^١) التفرقة عن ابن مروان من أصحابنا، ثم اختلفوا في تفسيرهما:
فقيل: الجلي قياس العلة، والخفي قياس الشَّبه. وسيأتي بيانهما في "باب القياس".
وقيل: الجلي ما تتبادر عِلته إلى الفهم عند سماع الحُكم، كتعظيم الأبوين عند سماع قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾.
وقيل: الجلي ما ينقض قضاء القاضي بخلافه، والخفي خِلافُه. ونقله الشيخ أبو حامد عن الإصْطَخْري. وقيل غير ذلك، وسيأتي بيانه في موضعه.
نعم، قال القفال: هذا التفصيل لا معنى له، لأن الخفي إنْ وجب العمل به فهو دليل شرعي كالجلي، فيُخص به.
والسادس: إنْ تَفاوَت العام والقياس في إفادة غَلبة الظن، رجح الأقوى، أو تساويا، وُقِف. وهو قول الغزالي، واعترف الإمام في أثناء المسألة بأنه حق، وكذا قال الأصفهاني: إنه حق واضح. وكذا الهندي في أثناء المسألة، واستحسنه القرافي أيضًا.
وقال ابن دقيق العيد: إنه مذهب جيد.
_________________
(١) كذا في (ش)، لكن في (ص، ق): (ابن سريج فيما هو المشهور عنه وإنْ كان الشيخ أبو حامد نقل عنه الجواز مطلقًا، ونقل هذه). وفي (ت، س، ض): (ابن سريج وجمعٌ من أصحابنا فيما هو المشهور عنهم وإنْ كان الشيخ أبو حامد نقل عنه).
[ ٤ / ١٦٤٣ ]
لكن جَعْل هذا مذهبًا من المذاهب في المسألة لا يستقيم، فإنه أمر كُلي لا تَعلُّق له بخصوص المسألة، ولا أحد ينازع فيما قرره مِن أَرْجَح الظنَّين ولا في الوقف عند الاستواء، فتأمله.
والسابع: الوقف. قاله القاضي وإمام الحرمين.
والثامن قاله الآمدي: إنْ كانت العلة منصوصة أو مجمَعًا عليها، جاز التخصيص، وإلا فلا.
والتاسع: إنْ كان الأصل المقيس عليه مخُرَّجًا مِن عام، جاز التخصيص، وإلا فلا.
والعاشر: ما قال ابن الحاجب: (إنه المختار): إنْ ثبتت العلة بنص أو إجماع أو كان الأصل مخصصًا، خُص العام به، وإلا فالمعتبَر القرائن في آحاد الوقائع. فإنْ ظهر ترجيح خاص لأصل القياس، فالقياس مُرجَّح وإلا فعموم الخبر.
ولكنه آيِلٌ إلى اتِّباع أرْجَح الظنين، فإنْ تَسَاويا فالوقف. وهذا هو رأي الغزالي السابق، فتأمله.
والحادي عشر: يمتنع تخصيص عموم الكتاب به. ويُعزى للحنفية؛ لأن التخصيص عندهم نَسخ، ولا يُنسخ القرآن بقياس ولو كان جليًّا. ولذلك قالوا في الملتجئ للحرم ممن دمه مباح: يعصمه الالتجاء؛ عملًا بعموم: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧].
والشافعي خصص هذا العموم بقياس الملتجئ على غيره ممن وُجِدَ فيه موجِب الاستيفاء لغير الدم مِن الحقوق، لاسيما وقد ظهر إلغاء معنى اللياذ فيما إذا كان القتل في الحرم أو قطع الطريق فيه، فإنهم لا يخالفون في ذلك.
وقولي: (كَالنِّصْفِ) إلى آخِره -هو مثال التخصيص بالقياس كما مَثَّل به ابن السمعاني. فقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ يَعُم الأحرار والأرقاء، فخُصَّ مِن ذلك الأَمَةُ بالنص،
[ ٤ / ١٦٤٤ ]
والعبدُ بالقياسِ عليها.
أمَّا الأَمَة فبقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥].
وأمَّا العبد فلأنه رقيق فَعَل ما يوجب الحد، فكان على النصف مِن الحر؛ قياسًا على الأَمَة؛ بجامع ما بينهما مِن نقص الرق المقتضِي للتنصيف. فصار بعض الآية مخصَّصًا بالنص وبعضها بالقياس الذي هو مقصود التمثيل.
وهو معنى قولي: (كَالنِّصْفِ في حَدِّ الزِّنَا لِلْعَبْدِ). أي: كالحكم في حد العبد في الزنا، فإنه على النصف من الحر.
وقولي: (كَأَمَةٍ) أي: كما أنَّ الأَمة على النصف من الحرة، إلا أن الأَمة بالنص. فقد وقع التخصيص بالأَمة والعبد للعموم في "الزانية" و"الزاني" الواقعين في الآية، لكن الأول بالنص، والثاني بالقياس.
ومن التخصيص بالقياس أيضًا قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٦] إلى قوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [البقرة: ٥٨]، ففيه عموم جواز الأكل مِن ذلك مطلقًا، لكن خُص من ذلك ما كان في جزاء الصيد، فإنه يحرم الأكل منه بالإجماع.
ويقاس على ذلك الأكل مِن هدي المتعة والقران، فيصير أيضًا بعض الآية مخصَّصًا بالإجماع والبعض بالقياس على المجمَع عليه.
[ ٤ / ١٦٤٥ ]
تنبيهان
أحدهما: ذكر الشيخ أبو حامد أن مَن منع تخصيص العموم بالقياس قد يتعلق بقول الشافعي في "باب أحكام القرآن" من "الأُم": (إنما القياس الجائز أن يشبه ما لم يأت فيه حديث بما فيه حديث لازم، فأمَّا أنْ يَعْمد إلى حديث عام فيحمل على القياس، فأين القياس في هذا؟) (^١) [إلى آخِر ما قاله] (^٢).
قال: فقد ذكر الشافعي أن القياس لا يُعمل به في الحديث العام، وإنما يُعمل به في أن يبتدئ به الحكم في موضع لا يكون فيه حديث ويُقاس على موضع فيه حديث؛ فدَلَّ أنَّ مذهبه منع التخصيص بالقياس.
ثم رد ذلك الشيخ أبو حامد بأن الشافعي في "الأُم" ذكر قول الله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢].
واحتمل أمره تعالى بالإشهاد أن يكون على سبيل الوجوب كقوله - ﷺ -: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل" (^٣)، واحتمل أن يكون على الندب كقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
قال الشافعي: فلما جمع الله تعالى بين الطلاق وبين الرجعة وأمر بالإشهاد فيهما ثم كان
_________________
(١) الأم (٥/ ١٦٩).
(٢) كذا في (ص، ق، ش). لكن في (ت، ض): الاخبار.
(٣) صحيح ابن حبان (رقم: ٤٠٧٥)، سنن الدارقطني (٣/ ٢٢١)، سنن البيهقي الكبرى (رقم: ٢٠٣١٣)، وغيرها. قال الألباني في (التعليقات الحسان: ٤٠٧٥): حسن صحيح. وقال في (إرواء الغليل: ١٨٦٠): صحيح؛ لشواهده.
[ ٤ / ١٦٤٦ ]
الإشهاد على الطلاق غير واجب، كان الإشهاد على الرجعة كذلك (^١).
قال الشيخ أبو حامد: (فقد قاس الشافعي الإشهاد على الرجعة على الإشهاد على الطلاق وخَص به ظاهر الأمر بالإشهاد؛ إذْ ظاهر الأمر الوجوب). انتهى
وكأنَّ الشيخ أبا حامد أخذ مِن عدول الشافعي عن ظاهر الأمر للوجوب في شيء قياسًا على آخَر أنه يعدل بالقياس عن ظاهر العموم إلى الخصوص.
ثم أجاب الشيخ أبو حامد عن النص السابق بأن الشافعي إنما قصد فيه أنه لا يجوز ترك الظاهر بالقياس، وذلك أنه ذكر هذا في مسألة النكاح بلا ولي، فروى حديث: "أيما امرأة نكحت" ثم حكى عن أصحاب أبي حنيفة أنهم قالوا: العلة في طلب الولي أنه يطلب الحظ للمنكوحة ويضعها في كفء، فإذا تولت هي ذلك، لم يحتج إلى الولي.
فقال الشافعي: (هذا القياس غير جائز؛ لأنه يعمد إلى ظاهر الحديث ونَصه فيسقطه؛ لأن ما ذكروه يُفضي إلى سقوط اعتبار الولي، وذلك يُسقِط نَص الخبر. فاستعمال القياس هنا لا يجوز، وإنما يجوز حيث يخص العموم). انتهى بمعناه.
وحاصله أنه يعود إلى أن الاستنباط من النص بما يعود عليه بالتخصيص سائغ، بخلاف ما إذا عاد عليه بالإبطال، لا أنَّ مُراد الشافعي تخصيص العموم بالقياس، فإنَّ ذلك لا يُبطل العموم.
وقد سبق عن الشيخ أبي إسحاق أن الشافعي خصص بالقياس في مواضع.
الثاني:
المراد بالقياس الذي يُخص به: أن يكون قياسًا على منصوص بِنص خاص كما قاله
_________________
(١) انظر: الأم (٧/ ٨٤).
[ ٤ / ١٦٤٧ ]
الغزالي.
نعم، محل الخلاف في القياس المستنبَط مِن الكتاب أو السنة المتواترة، وفي معناه الإجماع كما سبق تمثيله، فيُخص به عموم الكتاب أو السنة متواترة كانت أو آحادًا.
وأما القياس المستنبَط من خبر الواحد بالنسبة إلى عموم الكتاب أو المتواترة فمُرتَّب على جواز تخصيصهما بخبر الواحد. فمَن لا يجوِّز تخصيصهما بخبر الواحد، لا يجوِّز بالقياس المستنبَط منه مِن باب أَوْلى.
ومَن يجوزه، قال الهندي: (فيحتمل أن لا يُجيز ذلك؛ لزيادة الضعف، ويحتمل أن يجيزه كما في القياس المستنبَط مِن الكتاب أو المتواترة؛ إذ قد يكون قياسه أكثر قوة مِن ذلك العموم بأنْ يكون قد تَطرَّق إليه تخصيصات كثيرة، ويحتمل أن يتوقف فيه؛ لِتَعادُلهما إذْ قد يظهر له ذلك) (^١).
وفي شرح "البرهان" للأبياري وغيره: (إن القياس القطعي يجوز التخصيص به بلا خلاف، أي: وذلك فيما إذا كان حُكم الأصل الذي يَستند إليه الفرع مقطوعًا به، وعِلته منصوصة أو مجمَعًا عليها، وهي موجودة في الفرع قطعًا، ولا فارق قطعًا، فهذا النوع مِن القياس لا يُتصور فيه الخلاف) (^٢). والله أعلم.
ص:
٦٦٤ - وَلَا يُخَصُّ بِمَقَالِ الرَّاوِي وَلَوْ مِنَ الصَّحْبِ؛ فَذَا مُسَاوِي
الشرح: هذه مسائل مما قيل بأنه مخُصِّص والمرجَّح خِلافُه.
_________________
(١) نهاية الوصول (٤/ ١٦٨٨).
(٢) التحقيق والبيان في شرح البرهان (٢/ ٢١٤).
[ ٤ / ١٦٤٨ ]
فمنها: ما إذا قال الراوي للعام -في بعض أفراده- بخلاف ما رواه من عموم الحكم، أو فَعَل على خِلاف بعض الأفراد، هل يكون ذلك مخُصِّصًا؟ أَم لا؟
فيه مذاهب:
أحدها: قول الجمهور وهو الراجح: المنع. وعزاه في " المحصول" للشافعي، قال: إنْ حمل الراوي الخبر على أحد محمَليه، صِرتُ إليه، وإلا فلا أصير إليه.
وهذا سواء أكان الراوي صحابيًّا أو لا.
وإليه أشرت بقولي: (وَلَوْ مِنَ الصَّحْبِ؛ فَذَا مُسَاوِي). أي: فإنَّ الصحابي وغيره سواء في أنَّ قول كل منهما غير حُجَّة، والعموم حجة، فلا يترك ما هو حجة لِمَا هو غير حجة.
وسيأتي الخلاف في قول الصحابي أنه حُجة وبيان أقوال الشافعي فيه في فصل "الأدلة المختلف فيها".
الثاني: أنه يخصَّص به، سواء أكان الراوي صحابيًّا أوْ لا. ونقل ذلك ابن الحاجب وغيره عن الحنفية والحنابلة؛ لأنهم قائلون في قول الصحابي بأنه حُجة، وأما غير الصحابي فلأنه أَعْرَف بِمَخْرَج ما رواه مِن غيره، وأيضًا فمخالفته تستلزم دليلًا وإلا كان فاسقًا، فيجب الجمع بين العام، والدليل الذي خالَف مِن أجله.
وجواب ذلك أنه قد يكون بحسب ظنه، وليس هو دليلًا عند غيره مِن المجتهدين، ولا قوله حُجة على غيره.
الثالث: قول عبد الجبار: إنْ وُجِد ما يقتضي التخصيص غير قول الراوي، فذاك هو المخصِّص. وإنْ لم يوجد إلا تخصيص الراوي، تَعيَّن أن يكون هو المخصِّص.
قلتُ: وهذا عَيْن القول بأنه مخصِّص مطلقًا؛ لأنه إذا وُجِد مخصِّص شرعي فلا نزاع في التخصيص، وإنْ لم يوجد إلا هو فهو محل النزاع.
[ ٤ / ١٦٤٩ ]
الربا قول إمام الحرمين: إنْ عُلم مِن حال الراوي أنه خالف ذلك نسيانًا فلا ينبغي أن يكون فيه خلاف، أو احتمل أنه فَعل ذلك احتياطًا كأنْ يكون قد روي ما يقتضي أنْ لا حرج في فِعْلٍ قد يظن أنه حرام، فرأيناه مُتحرِّجًا عنه غير مُلابِس له، فالتعويل حينئذٍ على الحديث، ويُحمَل فِعْلُه على الورع والتعليق بالأفضل. وإنْ لم يحتمل شيء مِن ذلك فلا يُعمل بتخصيصه.
قال بعض المتأخرين: ينبغي أن يكون هذا الأخير محل الخلاف، والأوَّلان محل وفاق، فيعود إلى تحرير محل النزاع.
الخامس: قول إلْكِيَا وابن فورك: إن المختار أنَّا إنْ عَلِمنا مِن حال الراوي أنه إنما حمل ما روى على ما خصص به بما عَلِمه مِن قَصْد النبي - ﷺ - بذلك العام، فيجب اتِّباع الراوي فيه، لئلا يكون مخالفة لِمَا أراد - ﷺ -. وإنْ حمله على وجه الاستدلال والتخصيص على حسب ما أدَّى إليه اجتهاده، فلا يجب اتباعه.
وسكتَا عن ما لم يُعلم فيه لا هذا ولا هذا، وكأنَّ ذلك لأنه محل النزاع، وإليه يشير كلام القاضي عبد الوهاب في "الإفادة"، ويعود هذا أيضًا إلى تحرير محل الخلاف.
أما مِثال المسألة فكحديث أبي هريرة في "مسلم" أن رسول الله - ﷺ - قال: "طهور إناء أحدكم إذا وَلغَ فيه الكلب أن يغسل سَبع مرات أُولاهن بالتراب" (^١).
وكذا رواه البخاري لكن بلفظ: "إذا شرب" (^٢). ولهما روايات أخرى.
ثم جاء عن أبي هريرة - ﵁ - فيما رواه الدارقطني بسنده إلي عبد الملك، عن عطاء، عنه أنه
_________________
(١) صحيح مسلم (رقم: ٢٧٩).
(٢) صحيح البخاري (رقم: ١٧٠).
[ ٤ / ١٦٥٠ ]
قال: "إذا ولغ الكلب في الإناء، فأهرقه، ثم اغْسله ثلاث مرات" (^١).
وأخذ بذلك أبو حنيفة، فقال: إنما يجب الغسل من الكلب ثلاثًا؛ عملًا بقول راوِيه.
لكن قال الدارقطني: لم يروه غير عبد الملك عن عطاء عنه.
والصحيح ما رواه غيره عنه سبع مرات، وعلى تقدير صحته عنه ففي التمثيل به نَظَر (وإنْ مَثَّل به على هذا الوجه القاضي في "التقريب" وغيره)؛ وذلك لأنَّ سبعًا ليس فيه عموم؛ لأن أسماء العَدد نصوص، وإذا لم يكن عموم، فأين التخصيص؟
قال القاضي تاج الدين السبكي: (وكان الشيخ علاء الدين الباجي يقرر التمثيل على أن الكلب عام -بالألف واللام- في كلب الزرع وغيره، وأبو هريرة - ﵁ - يقول: إنَّ كلب الزرع لا يغسل منه إلا ثلاث، ويغسل من غيره سبع. وهو حسن، لكن ما أدري مِن أين له أن أبا هريرة كان يقول بذلك؟ فإنَّ المعروف اختلاف الرواية عن أبي هريرة في السبع والثلاث، لا في كون الثلاث في كلب الزرع.
نعم، إنْ صَحَّ عنه إخراج كلب الزرع، كان في ذلك جمع بين روايَتَي سبع وثلاث، فيكون الثلاث في كلب الزرع والسَّبع فيما سواه) (^٢). انتهى
وقد مَثَّل ابن برهان في "وجيزه" والصفي الهندي للمسألة بمثال آخَر: وهو أن ابن عباس روى عن النبي - ﷺ -: "مَن بَدَّل دِينه فاقتلوه" (^٣)، وكان يذهب إلى أن المرتدة لا تُقتل.
_________________
(١) سنن الدارقطني (١/ ٦٦). قال الإمام ابن دقيق العيد: (روى الدارقطني بإسناد صحيح ..). فذكره في كتابه (الإمام في أحاديث الأحكام، مخطوط، ورقة: ٢٧). محفوظ بالمكتبة الأزهرية (رقم: [٢٨٧] ٢١٢٨). وانظر كلام الألباني عليه في (سلسلة الأحاديث الضعيفة: ١٠٣٧).
(٢) الإبهاج (٢/ ١٩٣).
(٣) سبق تخريجه.
[ ٤ / ١٦٥١ ]
وفي التمثيل به أيضًا نظر؛ لاحتمال أن يكون مِن القائلين بأن "مَنْ" الشرطية لا تتناول الإناث. وقد سبقت المسألة.
ومن أمثلة المسألة أيضًا حديث: "لا يحتكر إلا خاطئ" (^١). رواه مسلم من حديث سعيد بن المسيب، عن معمر بن عبد الله، عن النبي - ﷺ -. وكان سعيد يحتكر الزيت، فقيل له، فقال: (إنَّ مَعمرًا راوي الحديث كان يحتكر).
وقد خصص الشافعي تحريم الاحتكار بالأقوات، كأنه ذهب إلى أن مذهب الصحابي أو الراوي يُخَصّص به، فيُخرَّج له بذلك قول آخر في المسألة.
وقد يُقال: لا يَلزم أنَّ ذلك لأجل حَمل الراوي، بل لأنه استنبط مِن النص معنى خَصَّصه، وذلك المعنى هو شدة الإضرار في قوام الأنفُس غالبًا، وغايته أنه عضد ذلك بفعل الراوي.
واعْلم أنَّ بعضهم يمثِّل بهذا المثال لتخصيص الراوي غير الصحابي وهو احتكار سعيد.
وفيه نظر؛ فيحتمل أنه إنما تبع احتكار الصحابي وهو معمر، وإنما يكون ذلك أنْ لو كان سعيد وَحْده احتكر.
_________________
(١) صحيح مسلم (رقم: ١٦٠٥) بلفظ: (مَن احتكر فهو خاطئ).
[ ٤ / ١٦٥٢ ]
تنبيهات
الأول: في موضوع المسألة اضطراب، فمرة يقال: مذهب الصحابي هل يُخَصَّص به؟ أو لا؟ سواء كان هو الراوي أو غيره. ومرة يقال: مخالفة الراوي في بعض ما رواه هل هو تخصيص؟ أو لا؟ أي: ولو كان صحابيًّا.
والأول هو ظاهر كلام ابن الحاجب، حيث قال: (الجمهور: إنَّ مذهب الصحابي ليس بمخصِّص ولو كان الراوي) (^١) إلى آخِره.
وكذا قال القرافي: (إنَّ غير الصحابي ليس مخصِّصًا قطعًا) (^٢).
وكأنه بَنَى ذلك على أن قول غير الصحابي إذا لم يَقُل أحد: إنه حُجة، فكيف يخصَّص به؟
ولكن قد سبق أنَّ مَن عَمَّم في الراوي إنما يقول: مخالفته تدل على اطِّلاعه على مخُصِّص، وإلا لفسق بالمخالفة.
فَجَعْل الخلاف في الراوي على الإطلاق هو الظاهر الذي جريتُ عليه في النَّظم.
نعم، الخلاف فيما إذا كان الراوي صحابيًّا أقوى مما إذا كان غير صحابي.
وربما قَيَّد بعضهم في الراوي بأن يكون مجتهدًا. ولا يُحْتَاج إليه؛ لأن المذهب أو الرأي إنما يُقال في المجتهد، فتعبيرهم بذلك يدل على التقييد بالاجتهاد.
_________________
(١) مختصر المنتهى مع شرح الأصفهاني (٢/ ٣٣٠).
(٢) انظر: شرح تنقيح الفصول (ص ٢١٩).
[ ٤ / ١٦٥٣ ]
الثاني:
إذا كان مورد النزاع في الصحابي:
فهل هو تفريع على أن قوله حُجة؟ فإذا قُلنا: (غير حجة) فلا يخصَّص به قطعًا؟
أو إنه تفريع على أنه غير حُجة؟ أمَّا إذا قُلنا: (حُجة) فيخصَّص به قطعًا؟
فيه اضطراب أيضًا.
ففي "التقريب" للقاضي الأول، قال: (وقد يُنسب للشافعي ذلك في قوله الذي يجوِّز فيه تقليد الصحابي).
قال: (ونُقل عنه أنه لا يخصص به إلا إذا انتشر في أهل العصر ولم ينكروه، وجعل ذلك نازلًا منزلة الإجماع).
وكذا فرَّعه كثير على حُجية قول الصحابي.
لكن في استدلالات ابن الحاجب في المسألة -وبه قال جمعٌ- أن ذلك إذا قُلنا: (إنَّ قوله غير حُجة)؛ لأن القول بحجيته إنما هو حيث لم يخالِف قولُه قولَ النبي - ﷺ -، فقد كانت الصحابة يتركون أقوالهم إذا سمعوا العموم. قال ابن عمر - ﵄ -: "كنا نخابر أربعين سَنة حتى روى لنا رافع بن خديج أن النبي - ﷺ - نهي عن المخابرة؛ فتركناها" (^١).
فإذا كان غير حُجة، تَساوَى حينئذٍ مع غير الصحابي، وحينئذٍ فذِكْر الصحابي كالمثال، وإلا لكان الحِجاج بأنه غير حُجة مصادرة على المطلوب.
_________________
(١) سنن النسائي (٣٩١٧)، سنن ابن ماجه (٢٤٥٠)، وغيرهما بلفظ: (كنا نخابر ولا نرى بذلك بأسًا حتى زعم رافع بن خديج أن رسول الله - ﷺ - نهى عن المخابرة). قال الألباني: صحيح. (إرواء الغليل: ١٤٧٨).
[ ٤ / ١٦٥٤ ]
الثالث:
يمثل تخصيص الصحابي عموم الرواية التي رواها صحابي غيرُه بحديث أبي هريرة: "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صَدقة" (^١). أخرجه الشيخان، خصصه حديث عَلِي أنه قال: "غفرت لكم غير صَدقة الخيل والرقيق" (^٢).
ويروى عن ابن عباس أنه قال: "نفي الزكاة في الخيل مخصوص بما يُغزَى عليه في سبيل الله، فأما غيرها ففيه الزكاة". وهذا -على تقدير صحته عنهما- لا يكون مخصِّصًا. والله أعلم.
ص:
٦٦٥ - كَذَلِكَ الْعَطْفُ لِذِي عُمُومِ عَلَى الَّذِي لَهُ خُصُوصٌ يُومِي
الشرح:
أي: ومن الذي ليس بتخصيص أيضًا عطف العام على خاص، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ [الطلاق: ٤] الآية مخصوصة بالمطلقات، عُطِف عليها قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] وهو أَعَم مِن المطلقات والمتوفَّى عنها، فلا يكون هذا العطف مقتضيًا لتخصيص العام المعطوف، بل يبقى على عمومه.
وهذه المسألة ذكرها في "جمع الجوامع"، وقال شيخنا المرحوم بدر الدين شارحه: (إنها
_________________
(١) صحيح البخاري (رقم: ١٣٩٥)، صحيح مسلم (رقم: ٩٨٢)، واللفظ لمسلم.
(٢) سنن الترمذي (رقم: ٦٢٥) بلفظ: (قد عَفَوْتُ عن صَدَقَةِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ)، وفي سنن أبي داود (رقم: ١٥٧٤) بلفظ: (قد عَفَوْتُ عن الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ)، وغيرهما. قال الألباني: صحيح. (صحيح الترمذي: ٦٢٠).
[ ٤ / ١٦٥٥ ]
قَلَ مَن ذكرها).
قال: (وقد وجدتها في كتاب أبي بكر القفال الشاشي في الأصول، ومثَّلها بما سبق، وإنها يمكن أن يتخرج فيها الخلاف المذكور في عكسها، وهو عطف خاص على عام، فإنه لا يوجب تخصيص المعطوف عليه، نحو: "لا يُقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده" (^١)؛ لأنَّ المأخذ اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في الأحكام) (^٢).
والإشارة بذلك إلى ما سبق في "باب العموم" في قولي: (كَذَاكَ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا عَمَّا). أي: فإنه باقٍ على خصوصه، ولا يُكسبه العطف على العام تعميمًا، فلا يُكسب العطفُ "عامًّا عُطِف على خاص" تخصيصًا.
فذكرنا كُلًّا مِن المسألتين في موضع يليق بها.
ومما يمثل به مسألتنا أيضًا ما نقله الشيخ بدر الدين أيضًا في غير "شرح جمع الجوامع" عن تمثيل القفال آية: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، ثم قال بعده: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ﴾ [المائدة: ٣٩]، فهو أَعَم مِن الظلم بالسرقة وبغيرها، فلا يكون خاصًّا بالظلم بالسرقة.
قال: وذكر ذلك السهيلي النحوي أيضًا، ومثَّله بقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]، ثم قال تعالى عقبه: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، وهو شامل للأولاد وللإخوة والأخوات، فلا يكون هذا الحكم مقصورًا على ما سبق من الخاص وهو الأولاد.
قلتُ: لكن هذا لا عطف فيه، فليس مِن هذا الباب.
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) تشنيف المسامع (٢/ ٧٨٨).
[ ٤ / ١٦٥٦ ]
وقولي: (لَهُ خُصُوصٌ يُومِي) أي: يشير إلى أنَّ الذي عُطِف عليه يكون مُساويًا له في خصوصه. ولكن لا اعتبار بهذا الإيماء؛ لِمَا عَلِمْتَه. والله أعلم.
ص:
٦٦٦ - كَذَا ضَمِيرٌ عَائِدٌ لِلْبَعْضِ كَآيَةِ الرَّدِّ لِبَعْلٍ [يُفْضِي] (^١)
الشرح:
أي: وليس من المخصِّصات أيضًا عَوْد ضمير على بعض أفراد عام مُتقدِّم؛ ليتطابق المفسِّر والمفسَّر، بل يبقى العام على عمومه.
وذلك كقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] بعد العموم في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فإنه يشمل الرجعيات والبوائن، وآية أحقية البعول بالرد إنما هو خاص بالرجعيات. هذا قول الأكثرين مِن أصحابنا وغيرهم، وبه جزم البيضاوي، وهو الذي اختاره الغزالي والآمدي وابن الحاجب والهندي.
وذهب أكثر الحنفية إلى أنه مِن المخصِّصات؛ ولذلك قالوا في قوله ﵇: "لا تبيعوا البر بالبر إلا كيلًا بكيل" (^٢) أي: إلا كيلًا منه بكيلى منه، فالضمير محذوف، وهو عائد على البُر الذي يمكن كيله، لا جميع البُر. فيجوز بيع حفنة بُر [بحفنة] (^٣) منه؛ لأن ذلك لا
_________________
(١) في (ت، ش): يقضي.
(٢) شرح معاني الآثار (٤/ ٦٦، رقم: ٥٣٢٢)، سنن البيهقي الكبرى (رقم: ١٠٣٢١) بلفظ: (والبر بالبر كيلًا بكيل). قال الحافظ ابن الملقن: صحيح. (البدر المنير، ٦/ ٤٧٠). وقال الألباني: صحيح. (إرواء الغليل: ١٣٤٩).
(٣) كذا في (ص، ق)، لكن في سائر النسخ: بحفنتين.
[ ٤ / ١٦٥٧ ]
يكال، فيكون العام -وهو البُر- مخصَّصًا بما يُكال.
وفي المسألة مذهب ثالث بالوقف. قاله جمعٌ، منهم إمام الحرمين وأبو الحسين والإمام الرازي في "المحصول"، وتبعه مختصروه كَـ "الحاصل"، على أن ابن الحاجب نقل عن إمام الحرمين وأبي الحسين القول بأنه تخصيص، عكس ما سبق على ما نقله الآمدي عنهما.
ودليل مَن قال بأنه ليس تخصيصًا أنَّ جَعْلَ العامِّ خاصًّا لأجل مطابقة الضمير تَصَرُّفٌ في لفظ ظاهر، وجعل الضمير مفسَّرًا ببعض السابق تصرُّف في ضمير، وهو أضعف، فالتصرف فيه أَوْلى مِن التصرف في الأقوى.
ومَن قال بالتخصيص راعى المطابقة.
ومَن يُوقف، نَظَر إلى أن التصرف بكل مِن الأمرين يقابل الآخَر بلا ترجيح؛ فيتوقف.
ولكن جوابه ما سبق من الترجيح.
تنبيهان
الأول: قد يُعبر في هذه المسألة بأَعَم مِن عَوْد ضمير على بعض العام، بِأن يقال: تعقيب العام بما يكون مختصًّا ببعضه هل يقتضي تخصيصه سواء أكان ذلك ضميرًا كما سبق؟ أو استثناء؟ كقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] بعد قوله: ﴿إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [البقرة: ٢٣٦] الذي هو أعم من الرشيدات وغيرهن، والعفو مختص بالرشيدة، لا الصغيرة والمجنونة والسفيهة.
قيل: إلا أن هذا المثال إنما يكون مما نحن فيه إذا لم يذكر حُكم غير الرشيدة حتى يكون خاصًّا بعد عام، لكنه مذكور في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧].
[ ٤ / ١٦٥٨ ]
والجواب: أنَّ هذا إذا قُلنا: الذي بيده عقدة النكاح الولي. وهو القول القديم للشافعي، أما إذا قلنا بالجديد: (إنه الزوج)، فلا سؤال.
أو أمرًا يقتضى تقييدًا ببعض أفراد العام السابق، كقوله تعالى بعد: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] الآية إلى قوله: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]، أي: الرغبة في مراجعتهن، ولا شك أن ذلك إنما هو في غير البوائن.
الثاني:
وقع للشافعي في هذه المسألة ما يقتضي أنه تخصيص وما يقتضي خِلافَه؛ فيكون له قولان.
فمِن الأول قوله في "الأم" في قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]: إنَّ الضمير إنما يعود لِما فيه حصاد، لا للنخل والزيتون؛ فلذلك لم يوجب الزكاة في غير الزروع (^١). أي: إلا بدليل آخر.
ومنه قوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١] عام في الحُر والعبد، لكنه لّمَا قال: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [التوبة: ٤١]، خصص الأول؛ لأنَّ العَبدَ لا مال له.
ومنه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] عام في العبد والحُر، لكنه قال بعد ذلك: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٢٩]، والعبد لا يُعطي شيئًا؛ فيُخصَّص الأول بالأحرار.
ومنه: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٣] الآية -محمول على الأحرار؛ لقوله
_________________
(١) انظر: الأم (٢/ ٤٦).
[ ٤ / ١٦٥٩ ]
بعده: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣].
ومن الثاني أنه قال: إنَّ ظهار الذمي صحيح؛ لعموم ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ﴾ [المجادلة: ٢] مع أن بعده: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [المجادلة: ٢]، وإنما يكون ذلك للمؤمنين.
وكذا إيلاء الذمي عنده صحيح؛ لعموم ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦] مع أنَّ بعده ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
لكن يؤخَذ مِن أكثرية مواضع القول بالتخصيص أنَّ الأرجح عنده أنه تخصيص؛ ولهذا نقل ذلك عن الشافعي جماعة.
قلتُ: لا يتعين في كون ذلك مُخصصًا أن يكون هو مستنده في تلك الأحكام، بل لها أدلة أخرى موضحة في الفقه؛ ولهذا في مسألة عطف الخاص على العام في نحو: "لا يقتل المسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده" القَطْع عنده أنه على عمومه كما سبق وبأنَّ تلك المسألة ومسألتنا واحد. والله أعلم.
ص:
٦٦٧ - وَذِكْرُ بَعْضِ مَا يَعُمُّ لَا يَخُصْ مِثْلُ: "دِبَاغُهَا طَهُورُهَا" [يَنُصْ] (^١)
الشرح:
أي: ومما قيل بأنه مِن المخصِّصات وليس بمخصِّص: ذِكر بعض أفراد العموم محكومًا فيه بمثل ما حُكِم به في العام.
مثاله قوله - ﷺ - فيما رواه مسلم عن ابن عباس: "إذا دبغ الإهاب، فقد طهر" (^٢).
_________________
(١) في (ش): بنص.
(٢) صحيح مسلم (رقم: ٣٦٦).
[ ٤ / ١٦٦٠ ]
وأما رواية: "أيما إهاب دبغ فقد طهر" (^١) فرواه النسائي والترمذي وابن ماجه. فمَن نسبها إلى "مسلم" فقد وهم.
ثم مَرَّ - ﷺ - فيما رواه مسلم عن ابن عباس عن ميمونة -بشاة لمولاة ميمونة ماتت، فقال: "ألا أخذوا إهابها فدبغوه، فانتفعوا به؟ ". فقالوا: يا رسول الله، إنها ميتة. فقال رسول - ﷺ -: "إنما حرم أكلها" (^٢).
وفي "الصحيحين" مِن حديث ابن عباس أن النبي - ﷺ - مر بشاة ميتة فقال: "هلَّا استمتعتم بإهابها؟ ". فقالوا: يا رسول الله، إنها مَيتَة. فقال: "إنما حَرَّم من الميتة أكلها" (^٣).
ووَهَّمَ القاضي تاج الدين السبكي في "تخريج أحاديث البيضاوي" المُصَنِّف في أمرين:
- نِسبته الشاة لميمونة، وإنما هي لمولاة ميمونة كما ذكرنا.
- وفي قوله: "دباغها طهورها"، وليس ذلك في الحديث، بل ما سبق. ثم ذَكَره بسنده إلى ابن عباس بلفظ: "دباغه ذكاته" (^٤).
فربما يُعترَض بذلك قولي في النَّظم: ("دِبَاغُهَا طَهُورُهَا").
قلتُ: لكن روى البيهقي في "خلافياته" عن أبي داود، عن حفص، عن همام، عن قتادة، عن الحسن، عن جون، عن سلمة بن المحبق الهذلي: "أنَّ النبي - ﷺ - جاء في غزوة تبوك إلى بيت وإذا فيه قربة مُعلَّقة، فسأل الماء، فقالوا: يا رسول الله، إنها مَيتَة. أي: جلد ميتة. فقال:
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) صحيح البخاري (رقم: ١٤٢١)، صحيح مسلم (رقم: ٣٦٣).
(٣) صحيح البخاري (٢١٠٨) واللفظ له، صحيح مسلم (رقم: ٣٦٣).
(٤) سنن الدارقطني (١/ ٤٢)، وهو في صحيح مسلم (رقم: ٣٦٦) بلفظ: (دِبَاغُهُ طهُورُهُ).
[ ٤ / ١٦٦١ ]
"دباغها طهورها" (^١).
وروى أيضًا في حديث ابن عباس وعائشة أنَّ شاة ليمونة ماتت، فقال النبي - ﷺ -: "هلَّا استمتعتم بإهابها؟ " قالو ا: إنها مَيتَة. فقال: "إنَّ دباغ الأديم طهوره" (^٢).
وكذا رواه البزار في "مسنده" (^٣) من حديث يعقوب، عن عطاء، عن أبيه، عن ابن عباس، وقال: (لا يُعْلم رواه عن يعقوب إلا شعبة). انتهى
وهذا لا يضر؛ لأن شعبة إمام. وأما يعقوب فذكره ابن حبان في "الثقات" وإن ضَعَّفَه أحمد وغيره.
ووجْه التمثيل بذلك أنَّ الحديث الثاني فيه ذِكر بعض العام والحُكم عليه بمثل حُكمه، فلا يخصص كما قاله الأكثرون.
قال القفال: وكأنَّ الخاص ورد فيه خبران، خبر يشمله وغيره، وخبر يخصه.
وخالف أبو ثور، فخصص التطهير بالدبغ بما كان جلد مأكول؛ لحديث شاة ميمونة أو مولاة ميمونة.
ونقل صاحب "المصادر" عن أبي ثور أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ﴾ [البقرة: ٢٤١] وفي الآية الأخرى وهي: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [البقرة: ٢٣٦]
_________________
(١) سنن البيهقي الكبرى (رقم: ٥٣)، وهو في سنن أبي داود (٤١٢٥). قال الألباني: صحيح. (صحيح أبي داود: ٤١٢٥).
(٢) مسند أحمد (رقم: ٣٥٢١)، المعجم الكبير للطبراني (١١٤١١)، وغيرهما. قال الألباني: صحيح. (صحيح الجامع الصغير وزيادته: ٣٣٥٩).
(٣) مسند البزار (١١/ ٣٧٣، رقم: ٥٢٠٣) ط: العلوم والحكم.
[ ٤ / ١٦٦٢ ]
إلى قوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾: فأثبَت المتعة للمطلقة التي [هذه] (^١) سبيلها؛ فوجب أن يكون المراد من الآية الأُولى ذلك حتى لا تجب المتعة لغير المطلقة التي لم تمُس ولم يُفْرَض لها.
وقد حكى أبو الحسين بن القطان قولين للشافعي في هذه الآية كما سبق في التخصيص بالمفهوم.
وقضية ذلك أن يكون للشافعي قول كمذهب أبي ثور، إلا أنْ يقال: إنَّ قول أبي ثور أَعَم أن يكون في ذِكر الخاص مفهوم معمول به كمفهوم الصفة ونحوها، لا اللقب. والذي سبق عن الشافعي إنما هو فيما إذا كان له مفهوم، فيكون من باب التخصيص بدليل الخطاب، لا مِن حيث إنه ذِكر بعض أفراد العام، فتصير المسألة هي مسألة التخصيص بمفهوم المخالفة.
ولأجل ذلك لم أُقَيد في النَّظم بأن لا يكون لذكر الخاص مفهوم؛ لأن التخصيص مِن حيث المفهوم، لا من حيث إنه ذِكر بعض أفراد العموم، فاعْلَمه.
على أنَّ مِن الناس مَن أنكر الخلاف في هذه المسألة، وقال: إنما كان أبو ثور ممن يقول بمفهوم اللقب، فظن أنه يقول بالتخصيص. ولعله إنما يقول: إنَّ هذه الصورة لا يجوز تخصيصها مِن العام، بل تصير قَطْعية كما سيأتي مِثله في العام على سبب: لا يجوز إخراج محل السبب قَطْعًا.
وأيضًا فمِن فوائد ذِكر الخاص -على قول الجمهور- الاعتناء بشأنه والتَّفخيم على بقية الأفراد.
_________________
(١) كذا في (ص، ش، ض)، لكن في (ق، س، ت): هي.
[ ٤ / ١٦٦٣ ]
تنبيهات
الأول: مِن أمثلة المسألة أيضًا:
- قضية المجامِع في نهار رمضان الثابتة في "الصحيحين" (^١) وغيرهما مع حديث: "مَن أَفطر في رمضان فَعَلَيْه ما على المظاهِر" (^٢) إنْ صحَّ الخبر، لكنه من حديث ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -: "أنه أَمَر الذي يفطر في رمضان بمثل كفارة الظهار" (^٣). قال البيهقي: (وليث ليس بالقوى، وقد أرسله غيره عن مجاهد) (^٤).
ومع ذلك فحديث المجامِع يفسر الإفطار فيه.
- وحديث: "وجُعِلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا" (^٥)، وفي الرواية الأخرى: "وترابها طهورًا" (^٦)، والتراب بعض الأرض.
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) لم أجده بهذا اللفظ ولكن في صحيح مسلم (رقم: ١١١١) بلفظ: (أَمَرَ رَجُلًا أَفْطَرَ في رَمَضَانَ أَنْ يعْتِقَ رَقَبَةً أو يَصُومَ شَهْرَيْنِ أو يُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا).
(٣) مختصر خلافيات البيهقي (٣/ ٥٨)، وانظر: سنن البيهقي الكبرى (رقم: ٧٨٥٨).
(٤) مختصر خلافيات البيهقي (٣/ ٥٨).
(٥) صحيح البخاري (رقم: ٣٢٨)، وبنحوه في صحيح مسلم (٥٢١).
(٦) مسند أبي داود الطيالسي (١/ ٥٦، رقم: ٤١٨)، سنن البيهقي الكبرى (رقم: ٩٦٤). وفي: صحيح ابن خزيمة (٢٦٤)، صحيح ابن حبان (رقم: ٦٤٠٠) بلفظ: (وَجُعِلَ ترَابُهَا لَنَا طهُورًا). قال الألباني: صحيح. (التعليقات الحسان: ٦٣٦٦).
[ ٤ / ١٦٦٤ ]
- وحديث: "الطعام بالطعام مثلًا بمثل" (^١)، وفي حديث آخر: "البُر بالبُر" (^٢).
الثاني:
قال الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد: لا ينبغي أن يُكتفَى في تقرير القاعدة الكلية بِصُوَر جزئية؛ لاحتمال دليل آخَر يخصها. فقول أبي ثور بمنع تطهر الدِباغ جِلد ما لا يؤكل لحمه يحتمل أنه لهذه القاعدة وأنه باستنباط، فإنْ صرح بالقاعدة فواضح، وإلا فلا يَلزم مِن الاستنباط القول بالقاعدة.
قال بعضهم: والظاهر عنه الأول؛ فإن ابن عبد البر نقل عنه في "التمهيد" أنه إنما صار إلى تخصيص الدباغ بالمأكول لأجل قوله في جلد الشاة: "هلَّا دبغتموه؟ "، وقال في حديث آخر: "نهَى عن جلود السباع" (^٣).
قال أبو ثور: (فلما رُوي الخبران، أخذنا بهما جميعًا؛ لأنه لا تناقض فيهما). انتهى
ويقال له: كل مِن الخبرين فيه عموم وخصوص مِن وَجْه. فحديث النهي عن جلد السباع أَعَم مِن المدبوغ وغيره، وحديث: "أيما إهاب دبغ" أَعَم مِن جلد السباع وغيرها، فيُطلب في مِثله الترجيح.
الثالث:
التعبير في تصوير المسألة بِـ "ذِكر بعض أفراد العام" ليس المراد أن يكون قولًا فقط، بل
_________________
(١) صحيح مسلم (رقم: ١٥٩٢).
(٢) سبق تخريجه.
(٣) سنن أبي داود (رقم: ٤١٣٢)، سنن الترمذي (رقم: ١٧٧١)، سنن النسائي (رقم: ٤٢٥٣) وغيرها. قال الألباني: صحيح. (صحيح أبي داود: ٤١٣٢).
[ ٤ / ١٦٦٥ ]
متى كان نصًّا في بعض العام أو فِعلًا، يكون كذلك إذا لم يَقُم دليل على أنَّ ذلك استنادًا للعموم وبيانًا له وتفسيرًا.
كذا قاله القفال الشاشي، ومَثَّله بقَطْعِه - ﵇ - فيما قيمته ثلاثة دراهم وعشرة، وليس فيه أن ذلك تفسير للآية.
قال: ولذلك لم يجعل أصحابنا الثلاثة دراهم حدًّا كما ذهب إليه مالك، ولا عشرة كما ذهب إليه أهل الرأي؛ لأن العموم قد ثبت بقَطْع السُّرَّاق.
الرابع: قيَّد ابن الرفعة في "باب الأواني" مِن "المطلب" هذه المسألة بما إذا لم يعارض العموم عموم آخَر، فإنْ عارضه عموم آخَر، قُدِّم. قال: (كحديث: "هذان حرامان على ذكور أُمَّتي، حِلٌّ لإناثهم" (^١)، ورواية أبي موسى: "حرم لبس الحرير والذهب على ذكور أُمتي" (^٢)، فاقتضى الثاني تخصيص الأول [باللبس] (^٣). وقد عارض الأول حديث أُم سلمة: "الذي يأكل أو يشرب في آنية الذهب والفضة فإنما يجرجر في جوفه نار جهنم" (^٤)، فإنه يقتضي تحريم الأواني على الرجال والنساء). انتهى
قيل: وفيه نظر؛ فإن حديث الأواني غيْر حديث الاستعمال.
_________________
(١) سنن ابن ماجه (رقم: ٣٥٩٥)، مسند البزار (٣٣٣)، وغيرهما. قال الألباني: صحيح. (صحيح ابن ماجه: ٢٩١٢).
(٢) سنن الترمذي (رقم: ١٧٢٠) بلفظ: (حُرِّمَ لِبَاسُ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ على ذُكُورِ أُمَّتِي، وَأُحِلَّ لِإِنَاثِهِمْ). قال الألباني: صحيح. (صحيح سنن الترمذي: ١٧٢٠).
(٣) في (ص، ق): من لبس.
(٤) سبق تخريجه.
[ ٤ / ١٦٦٦ ]
الخامس: [يَقْرُب] (^١) مِن هذه المسألة إذا عُطف خاص على عام، نحو: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] هل يدل العطف على أنَّ المعطوف غير مُراد في المعطوف عليه؟
حكى الروياني في "البحر" عن والده في "كتاب الوصية" أن بعض العلماء قال: (لا يدخل؛ [إذ] (^٢) لو دخل، لم يكن للإفراد فائدة). وبعضهم قال: (يدخل، وفائدته التأكيد، وكأنه ذُكِر مرتين).
وفَرَّعَ الروياني عليه ما لو أَوْصَى لزيد بدينار وثلثه للفقراء وزَيد فقير، فلا يجوز أن يُعْطَى غير الدينار؛ لأنه بالتقدير قَطَع اجتهاد القاضي (^٣). جزم به في "الحاوي".
وحكى الحناطي فيه وجهين:
أحدهما: هذا، وهو الأظهر.
والثاني: أنه يُجمع له بين ما أوصي له به وبشيء آخَر مِن الثلث على ما أراد الموصي. انتهى
وعلى عدم الدخول جرى الفارسي وابن جني، بل وظاهر كلام الشافعي يدل عليه، حيث قال: إن الوسطى ليست العصر؛ لأن العطف يقتضي المغايرة.
والله أعلم.
_________________
(١) كذا في (ص، ق، ش)، لكن في (ض، س): يعرف.
(٢) كذا في (ش، س). لكن في (ص، ق): و.
(٣) انظر: بحر المذهب (٨/ ١٠٨)، ط: دار الكتب العلمية.
[ ٤ / ١٦٦٧ ]
ص:
٦٦٨ - وَمثْلُهُ الْعُمُومُ حَيْثُ وَرَدَا عَلَى خُصُوصِ سَبَبٍ قَدْ وُجِدَا
٦٦٩ - وَلَوْ سُؤَالًا حَيْثُ يَسْتَقِلُّ ذَاكَ الْجَوَابُ، فَالْعُمُومُ يَعْلُو
٦٧٠ - نَعَمْ، تَكُونُ صُورَةٌ فِيهَا وَرَدْ قَطْعِيَّةَ الدُّخُولِ فِيمَا يُعْتَمَدْ
الشرح:
أي: ومثل ما سبق في كونه ليس مخصِّصًا: العام الوارِد على سبب خاص -باقٍ على عمومه، لا مخصوص بمحل السبب، سواء أكان جواب سؤال أوْ لا، لكن بشرط أن يكون جواب السؤال مستقلًّا بحيث لو ابتدئ به كان تامًّا مفيدًا.
فأما إذا لم يكن مُستقلًّا، فإنه تابع للسؤال في خصوصه وعمومه.
أما في خصوصه فنحو قوله تعالى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الأعراف: ٤٤]، وكحديث أنس: "قال رجل: يا رسول الله، الرجل منا يلقَى أخاه أو صديقه أينحني له؟ قال: لا. قال: أفيلتزمه ويُقَبله؟ قال: لا. قال: فيأخذ بيده ويصافحه؟ قال: نعم" (^١). قال الترمذي: حديث حسن.
وكما لو قال له - ﷺ - قائل: "جامعت في نهار رمضان"، فقال: "عليك الكفارة".
وأما في عمومه فكما لو سُئل عمن جامع في نهار رمضان، فقال: "يعتق رقبة". فإنه سُئل عن كلِّ مَن جامع، فأجاب بأنه -أيْ كل مَن جامع- يعتق؛ لأن السؤال مُعاد في الجواب. واختُلف في جهة عمومه، فقيل: لعدم استفصاله عن حاله. وقيل: لعموم علة الحكم
_________________
(١) مسند أحمد (رقم: ١٣٠٦٧)، سنن الترمذي (رقم: ٢٧٢٨)، وغيرهما.
[ ٤ / ١٦٦٨ ]
المذكورة للسائل ولغيره.
وجُعِل من هذا حديث: "أنتوضأ بماء البحر؟ فقال: هو الطهور ماؤه" (^١)؛ لأن الضمير يحتاج إلى سَبْقٍ مُفسِّر، فلم يستقل الجواب، إلا أن يجعل "هو" ضمير الشأن، فيكون الجواب مستقلًّا.
فأما المستقِل فَعَلَى ثلاثة أقسام: مساوٍ للسؤال، وأَخَص منه، وأَعَم منه.
فالمساوي: كما لو سُئل عن ماء البحر، فقال: (ماء البحر طهور). وأمره ظاهر.
إنْ كان السؤال عامًّا والجواب عامًّا فذاك، أو خاصَّين فذاك.
أو الجواب أَخَص: فإذا دل على بقية المسئول عنه أو كانت الحاجة ماسة لِمَا أجاب عنه دُون غيره، فواضح، وإلا فلا يجوز؛ لأن فيه تأخير البيان عن وقت الحاجة.
وشرط في صحة الجواب كذلك القاضي أبو بكر وابن فورك وصاحب "المعتمد" وغيرهم ثلاثة شروط:
- أن يكون في الجواب تنبيه على حُكم غير ما أجاب عنه.
- وأن يكون السائل المخاطَب بالجواب مجتهدًا، أي: له قوة التنبه لِمَا سُكِت عنه وإن لم يبلغ رُتبة الاجتهاد المطلق.
- وأن يبقى مِن وقت العمل زمان متسع للتأمل والاجتهاد كما أرشد النبي - ﷺ - في مثل ذلك بقوله لعمر حين مسألة عن القُبلة للصائم: "أرأيت لو تمضمضت؟ " (^٢)، وللخثعمية:
_________________
(١) سنن أبي داود (رقم: ٨٣)، سنن ابن ماجه (رقم: ٣٨٦)، سنن الترمذي (رقم: ٦٩)، وغيرها. قال الألباني: صحيح. (إرواء الغليل: ٩).
(٢) مسند أحمد (رقم: ١٢٨، ٣٧٢)، سنن أبي داود (٢٣٨٥)، سنن النسائي الكبرى (رقم: ٣٠٤٨)، صحيح ابن حبان (٣٥٤٤)، سنن البيهقي الكبرى (رقم: ١٥٧٢)، وغيرها. =
[ ٤ / ١٦٦٩ ]
"أرأيت لو كان على أبيك دَين فقضيتيه؟ " (^١).
ومَثَّل القاضي في "شرح الكفاية" بما لو سُئل النبي - ﷺ - عن قتل النساء الكوافر فقال: "اقتلوا المرتدات"، فإنه يختص القتل بهن ولا يقتل الحربيات، لأجل دليل الخطاب، فإنَّ عدوله عن الجواب العام إلى الخاص دليل على قصد المخالفة.
ولهذا قال أصحابنا في حديث: "جُعلت لي الأرض مسجدًا وتربتها طهورًا": علق على اسم الأرض كَوْنها مسجدًا، وعلق على ترابها كَوْنه طهورًا؛ فدَلَّ على قصد المخالَفة بين المسجديه والطهورية، خِلاف قول الحنفية: إنَّ الأرض كلها مسجد وطهور.
ومنه أيضًا قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، ثم قال بَعده: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾، فأوجَب السكنَى مطلقًا والنفقة بشرط الحمل؛ فدَلَّ على قَصْد المخالفة بينهما.
ومَثَّله الأستاذ بحديث: "هلكت وأهلكت" فقال: "أعتق رقبة" (^٢) الحديث. ولم يتعرض للموطوءة؛ فدل على عدم الكفارة عليها.
وأمَّا الأعم فعَلَى ضربين:
أحدهما: أن يذكر معه حُكم آخَر غير ما سُئل عنه، كجواب السؤال عن التوضؤ بماء البحر بقوله: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته" (^٣). ولا خلاف في هذا أنه لا يختص بالسائل،
_________________
(١) =قال الألباني: صحيح. (التعليقات الحسان: ٣٥٦٦).
(٢) سنن ابن ماجه (رقم: ٢٩٠٩)، مسند أحمد (١٦١٧٠) وفيه: (جاء رجل من خثعم)، وغيرهما. قال الألباني: صحيح. (صحيح ابن ماجه: ٢٣٦٨).
(٣) سبق تخريجه.
(٤) سبق تخريجه.
[ ٤ / ١٦٧٠ ]
بل يَعُمه ويَعُم غيره كما قاله ابن فورك وصاحب "المعتمد" والإمام في "المحصول".
نعم، صرح القاضي أبو الطيب وابن برهان بجريان الخلاف الآتي فيه.
الثاني: أن يكون العموم في ذلك الحكم المسئول عنه كقوله - ﷺ - وقد سُئل عن بئر بُضاعة وهي بئر يُلقى فيها الحيض والنتن ولحوم الكلاب: "إن الماء طهور لا ينجسه شيء" (^١). رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي، وقال أحمد: (صحيح). وقال الترمذي: (حسن). وفي بعض نُسَخه: (حسن صحيح). وصححه أيَضًا ابن معين وغيره.
وهو يَرُد قول الدارقطني: إنه غير ثابت.
ويقع في كُتب كثير من أصحابنا -وكذا وقع في "مختصر ابن الحاجب" في الأصول- زيادة في هذا الحديث: "إلا ما غَيَّر لونه أو طعمه أو ريحه". وهو تخليط؛ فإنَّ هذا حديث آخَر ليس فيه ذِكر بئر بُضاعة، رواه ابن ماجه: "إنَّ الماء لا ينجسه إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه" (^٢). ورواه الدارقطني بلفظ: "لا ينجسه إلا ما غيَّر ريحه أو طعمه" (^٣). ولم يذكر اللون، بل لا يُعرف لِلَّون ذِكر في غير ابن ماجه.
وقال الشافعي: (هذا الحديث لا يُثْبِت أهل الحديث مثله).
وقال أبو حاتم الرازي: (الصحيح أنه مُرْسل).
وكحديث مَن اشترى عبدًا فاستعمله، ثم وجد به عيبًا، فقال النبي - ﷺ -: "الخراج
_________________
(١) مسند أحمد (رقم: ١١٢٧٥)، سنن أبي داود (رقم: ٦٦)، سنن الترمذي (رقم: ٦٦)، سنن النسائي (رقم: ٣٢٦). قال الألباني: صحيح. (إرواء الغليل: ١٤).
(٢) سنن ابن ماجه (٥٢١). قال الألباني: ضعيف. (ضعيف ابن ماجه: ١٠٥).
(٣) سنن الدارقطني (١/ ٢٩). وقال الإمام الدارقطني: (مُرْسَل).
[ ٤ / ١٦٧١ ]
بالضمان" (^١). أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم.
فإذا مع حالة ورود العام على سبب غير سؤال إذا لم يكن ثَمَّ قرينة دالَّة على التعميم، فهُما محل الخلاف. فأمَّا إذا دَلَّت قرينة كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ نزلت في رجُل سرق رداء صفوان (إنْ قُلنا: إنه سبب. ولكن سيأتي بيان ما فيه) فإنَّ الإتيان بالسارقة معه - قرينة تدل على عدم الاقتصار على المعهود.
ونحوه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] نزلت في عثمان ابن طلحة لَمَّا أُخِذ منه مفتاح الكعبة. فالإتيان بضمير الجمع في قوله: ﴿الْأَمَانَاتِ﴾ قرينة عدم الاقتصار على أمانة المفتاح.
[وهنا مذاهب] (^٢):
أحدها: وهو الصحيح عند الجمهور وعليه جريتُ في النَّظم، فهو أنَّ السبب لا يخصِّص وأنَّ العموم باقٍ على عمومه؛ لأن عدولَ المجيبِ عمَّا سُئل عنه أو عمَّا اقتضاه حال السبب الذي وَرَدَ العام عليه عن ذِكره بخصوصه إلى العموم -دليلٌ على إرادته؛ لأنَّ الحجة في اللفظ وهو يقتضي العموم، والسبب لا يَصْلح معارِضًا؛ لجواز أن يكون المقصود عند ورود السبب بيان القاعدة العامة لهذه الصورة وغيرها.
قال الشيخ أبو حامد: إنَّ هذا مذهب الشافعي. وكذا قاله القاضي أبو الطيب والماوردي وابن برهان.
وقال ابن السمعاني: (إن عامة الأصحاب تسنده إلى الشافعي) (^٣).
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) كذا في (س، ت، ض)، لكن في (ش): فيه. وفي (ص، ق): فأمَّا المذهب الأول من الخلاف.
(٣) قواطع الأدلة (١/ ١٩٥).
[ ٤ / ١٦٧٢ ]
واختاره أبو بكر الصيرفي وابن القطان، وقال الأستاذ أبو إسحاق والشيخ أبو إسحاق وابن القشيري وإلكيا والغزالي: (إنه الصحيح). وجزم به القفال الشاشي، ونقله ابن كج عن عامة أصحابنا وأنه مذهب الشافعي وأن به قال أبو حنيفة، وحكاه أيضًا الأستاذ عن أكثر أصحابنا والحنفية، وكذا حكاه القاضي عبد الوهاب عن الحنفية وأكثر الشافعية والمالكية، ونقله الباجي أيضًا عن أكثر المالكية، وقال: (إنه الصحيح).
وقال القاضي أبو بكر: (هو الصحيح كما لو قاله ابتداءً).
الثاني: أنه [يتخصَّص] (^١) بمحل السبب. ونقله الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ وسُليم وابن برهان والسمعاني عن المزني وأبي ثور والدقاق والخفاف في "الخصال"، ونسبه الأستاذ إلى الأشعري، ونقل عن القفال.
قيل: وفي نقله عنه نظر. ونَسبه عبد الوهاب والباجي لأبي الفرج مِن أصحابهم، ونسبه كثير من المتأخرين للشافعي.
ونَسبه الإِمام في "البرهان" لأبي حنيفة، وقال: (إنه الذي صحَّ عندنا من مذهب الشافعي) (^٢).
وكذا نقله عن الشافعي الغزالي في "المنخول"، ونقله القاضي أبو الطيب والماوردي وابن برهان والسمعاني عن مالك.
قال الماوردي: (ولهذا لو قذف زوجته ثم وطئها، لم يلاعن عنده، وجعل الوطء تكذيبًا له؛ لأن آية اللعان وردت على سبب خاص وهو عويمر العجلاني؛ إذ قال: رأيت بِعَيْني وسمعت بأُذني وما قربتها بعد ذلك. فجعل عدم إصابتها شرطًا يتخصص به العموم).
_________________
(١) كذا في (س، ق)، لكن في (ص): مخصص.
(٢) البرهان (١/ ٢٥٣).
[ ٤ / ١٦٧٣ ]
قال الباجي: ورُوي عن مالك المذهبان. وقال القاضي أبو بكر: رُوي عن الشافعي المذهبان؛ لأنه جعل الخراج بالضمان عامًّا وحمله على جميع المبيعات ولم يخصه بالعبد.
وقال في موضع آخر: (إنَّ قوله: "إنما الربا في النسيئة" (^١) يحتمل أن يكون خارجًا على سؤال سائل، فيجب قَصْرُه عليه). انتهى
وقد تَعلَّق إمام الحرمين لقول الشافعي بخصوص السبب بِقَصْره قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآية -على تحريم ما كان الكفار يعتقدون حِله من الميتَة والدم ولحم الخنزير وما أُهل به لغير الله، مع أن المحرمات غير ذلك كثيرة.
وأُجِيب بأن الشافعي لم يأخذ التخصيص مِن السبب، بل من تأويل اللفظ [بمخايل] (^٢)، وإلا لكانت الآية نصًّا في الحصر؛ ولذلك أجمع الصحابة في الحشرات والقاذورات ونحوها على التحريم. ولو سُلِّم أنه مقصور على السبب فذلك لدليل، ومحل النزاع حيث لا دليل، والدليل هو ورود السُنَّة بمحرمات كثيرة، كالحُمُر الأهلية، وبه تنجمع الأدلة كما قرره الشافعي في "الرسالة"، وهو أَعْلَم بمراده.
وتَعلق غيْر الإِمام بمواضع كثيرة أُجِيب عنها كلها، لا نُطَوِّل بها.
وبالجملة فالصحيح عن الشافعي القول ببقاء العموم، وفروع مذهبه تدل عليه.
فمِن نصوصه وهو في "باب ما يقع به الطلاق من الكلام وما لا يقع" وذلك بعد باب الطلاق الذي يملك فيه الرجعة ما نَصه: (وسواء فيما يَلزم من الطلاق وما لا يُلزم به الزوج عند غضب أو مسألة طلاق أو رِضًا وغير مسألة طلاق، ولا تَصنَع الأسباب شيئًا، إنما تصنَعه الألفاظ؛ لأن السبب قد يكون ويحدث الكلام على غير السبب ولا يكون مبتدأ
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) كذا في (ص، ق، ش)، لكن في (ت، س، ض): لمخايل.
[ ٤ / ١٦٧٤ ]
الكلام الذي حكم فيقع، فإذا لم يصنع السبب بنفسه شيئًا، لم يصنعه بما بعده، ولم يمنع ما بعده أن يصنع ما له حُكم إذا قيل) (^١). انتهى
واستدل بهذا النص كثير من أصحابنا المتأخرين، وردوا به نَقْل مَن نَقَل عن الشافعي اعتبار خصوص السبب.
لكن قال القاضي تاج الدين السبكي أنه كان ذَكَر ذلك في كتاب "الطبقات" وأنه وقع منه ذلك خطأً في اللهم للنص: (وإنما مراد الشافعي بذلك أنَّ الغضب وغيره مِن الأسباب التي يَرِد عليها الطلاق، لا يدفع وقوعه، وهذا كما ترى لا تَعلُّق له بمسألة الأصول وهي ورود العام على سبب خاص) (^٢). انتهى
وهو ظاهر، إلا أن يكون أخذ من قوله: (ولا يصنع السبب شيئًا). أي: فإنه أَعم مِن صُنعْ رَفْع الطلاق وصُنعْ رَفْع العموم، لكنه فيه إثبات الشيء بنفسه؛ لأن قوله: (ولا يصنع السبب شيئًا) وارد على سبب وهو كون الطلاق في غضب أو نحوه.
نعم، إذا ثبت مِن الخارج أنه يقول بالعموم في الوارد على سبب خاص، كان هذا المكان فردًا مِن ذلك، لا أنه وحده شاهد على المسألة، فتأمله.
وممن قرر أنَّ مذهب الشافعي القول ببقاء العموم الإِمام الرازي في "مناقب الشافعي"، فقال: (ومعاذ الله أنْ يصح هذا النقل -أيْ تخصيص العام بالسبب عن الشافعي- وكيف وكثير مِن الآيات نزل في أسباب خاصة ثُم لم يَقُل الشافعي: إنها مقصورة على تلك الأسباب؟).
قال: (والسبب في وقوع هذا النقل الفاسد عنه أنه يقول: إنَّ دلالته على سببه أقوى؛
_________________
(١) انظر: الأم (٥/ ٢٥٩).
(٢) الإبهاج (٢/ ١٨٧).
[ ٤ / ١٦٧٥ ]
لأنه لَمَّا وقع السؤال عن تلك الصورة، لم يَجُز أن لا يكون اللفظ جوابًا عنها، وإلا تأخر البيان عن وقت الحاجة. وأبو حنيفة عكس ذلك وقال: دلالته على سبب النزول أضعف. وحَكَم بأنَّ الرجُل لا يلحقه ولد أَمَته وإنْ وطأها ما لم يُقر بالولد، مع أن قوله - ﷺ -: "الولد للفراش وللعاهر الحجر" (^١) إنما ورد في أَمة، والقصة مشهورة في عبد بن زمعة. فبَالغَ الشافعي في الرد على مَن يجوِّز إخراج السبب، وأطنب في أن الدلالة عليه قطعية؛ لدلالة العام عليه بطريقين، أحدهما: العموم، وثانيهما: كونه واردًا لبيان حُكمِه. فتوهَّم المتوهَّم أنه يقول: إنَّ العبرة بخصوص السبب) (^٢). انتهى
وقد يجاب عن إمام الحرمين وغيره ممن نقل عنه التخصيص بما ذكره الإِمام الرازي، أو أنهم اطَّلعوا على نَص مرجوح عنه، أو غير ذلك؛ فإن الخلاف فيه بعيد عن المذهب؛ ولذلك اختلف الأصحاب في أن العرايا هل تختص بالفقراء؟ أَم لا؟
والأصح الثاني؛ عملًا بعموم اللفظ.
وقالوا فيمن دخل عليه صديقه فقال: (تغد معي)، فامتنع، فقال: (إن لم تتغد معي، فامرأتي طالق) فلم يفعل: لا يقع الطلاق. ولو تغدى بعد ذلك معه وإنْ طال الزمان، انحلت اليمين. أي: بخلاف ما إذا لم يتغد معه، فإن اليمين لا تنحل إلا بموت أحدهما على قاعدة الحالف على فعل غيره.
قال: فإنْ نوى الحال، فلم يفعل، وقع الطلاق.
وهذا وإنْ كان مخالفًا للقول بالعموم إلا أن العُرف لَمَّا اقتضى عدم استقلاله، نزل مَنزلة
_________________
(١) صحيح البخاري (١٩٤٨)، صحيح مسلم (١٤٥٦)، وغيرهما.
(٢) مناقب الشافعي (ص ١٧١ - ١٧٣)، تأليف: الفخر الرازي، تحقيق: د. أحمد السقا، نشر: مكتبة الكليات الأزهرية - القاهرة، الطبعة: الأولى - ١٤٠٦ هـ.
[ ٤ / ١٦٧٦ ]
ما لم يكن مستقلًّا كما اقتضاه كلام الأصوليين، وكأنه قال: (إنْ لم تتغد معي في الحال)؛ ولهذا رأى البغوي حمل المطْلَق على الحال؛ للعادة مطلقًا.
لكن أفتى القاضي [الحسين] (^١) في امرأة صعدت بالمفتاح إلى السطح فقال زوجها: (إنْ لم تُلقِ المفتاح، فأنت طالق) فلم تلقه ونزلت، أنه لا يقع، ويحمل قوله: (إن لم تلقه) على التأبيد.
وفي "الرافعي" عن "المبتدأ" في الفقه للقاضي الرُّوياني أنه: (لو قيل له: "كَلِّم زيدًا"، فقال: "والله لا كلمته"، انعقدت اليمين على الأبد إلا أن ينوي اليوم. فإنْ كان ذلك في طلاق وقال: "أردتُ اليوم"، لم يُقْبل في الحكم) (^٢).
وهذا كله شاهد على كون العبرة بعموم اللفظ، وبعدم اعتبار العُرف في جعل المستقل كالذي لا يستقل؛ لِمَا تقدم أن العادة في الإطلاقات لا أثر لها.
والثالث من المذاهب: التفصيل بين أنْ يكون الشارع ذَكرَ السبب في الحكم فيقتضي التخصيص به، أو لم يقع ذِكره إلا في كلام السائل، فيكون الجواب على عمومه. حكاه ابن القطان عن ابن أبي هريرة.
الرابع: وهو بحث للشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد: أنه ينبغي أن يُفرَّق بين سبب لا يقتضي السياق التخصيص به، وبين سبب يقتضي السياق والقرائن التخصيص به. فإنْ كان من الثاني، فالواجب اعتبار ما دل عليه السياق والقرائن؛ إذ به يتبين مقصود الكلام، وبه يرشد إلى بيان المجملات وفَهم مَأْخَذ الخطاب.
والخامس: الوقف، فإنه يحتمل البعض ويحتمل الكل؛ فيجب أن يتوقف. حكاه
_________________
(١) كذا في (ص، ق)، لكن في سائر النسخ: حسين.
(٢) العزيز شرح الوجيز (١٢/ ٣٥٠).
[ ٤ / ١٦٧٧ ]
القاضي في "التقريب".
والسادس: التفصيل بين أن يكون السبب سؤال سائل فيختص به، أو وقوع حادثة فلا. حكاه عبد العزيز في "شرح البزدوي".
والسابع: إن عارضه عموم عَرِي عن سبب، قُصِر العام الوارد على سبب على سببه. وإنْ لم يعارضه، بَقِي العام على عمومه.
قال الأستاذ أبو منصور: (إنَّ هذا هو الصحيح). قال: ولذلك قُصِر نهيه - ﷺ - في قتل النساء على الحربيات دُون المرتدات؛ لمعارضة حديث: "مَن بدل دينه فاقتلوه".
وقد يقال: هذا [عَيْن] (^١) المذهب السابق، فإنَّ شَرْطه أنْ لا يعارضه معارِض.
تنبيهات
الأول: قال المازري: (لو خرجت هذه المسألة على الاختلاف في الألف واللام هل يقتضي العموم؟ أو يُحمل على العهد؟ لكان لائقًا. فمَن يقصر اللفظ على سببه هو القائل بالعهد، ومَن يعممه يقول بغير ذلك) (^٢). انتهى
وقد ينازع المعممون في كون السبب يصلح عهدًا؛ لأن المعهود هو ما لم يختص بسائل أو بواقعة، مِثل الطعام في قوله - ﷺ -: "الطعام بالطعام ربا" (^٣) الحديث. فإنهم كانوا يعهدون إطلامتى الطعام على خاص، فهل يُحْمَل "الألف واللام" عليه؟ أو يجرى على عمومها؟ هذا
_________________
(١) في (ت، س): غير.
(٢) إيضاح المحصول (ص ٢٩٠).
(٣) في صحيح مسلم (رقم: ١٥٩٢) بلفظ: (الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ).
[ ٤ / ١٦٧٨ ]
محل الخلاف، ويتجه فيه القول بالحمل على العهود اتجاهًا لا يتهيأ مثله هنا في قصر اللفظ على سببه؛ لأنه لَمَّا كان هو المعهود، صار اللفظ كأنه موضوع له وإليه ينصرف الذهن عند سماع اللفظ دُون غيره.
الثاني: قولي: (نَعَمْ، تكون صُورَةٌ فِيهَا وَرَدْ قَطْعِيَّةَ الدُّخُولِ فِيَما يُعْتَمَدْ) إشارة إلى أن صورة السبب مقصودة بالعموم قطعًا، والخلاف إنما هو فيما عداها، وحينئذٍ فيطرق التخصيص ذلك العام إلا تلك الصورة، فإنها لا يجوز إخراجها.
لكن قال الشيخ تقي الدين السبكي: (إنما تكون صورة السبب قطعية إذا دل الدليل على دخولها وضعًا تحت اللفظ العام، وإلا فقد ينازع فيه الخصم ويدعي أنه قد يقصد المتكلم بالعام إخراج السبب، فالمقطوع به إنما هو بيان حُكم السبب، وهو حاصل مع كونه خارجًا كما يحصل بدخوله، ولا دليل على تعيين واحد من الأمرين.
فللحنفية أن يقولوا في حديث عبد بن زمعة: إن قوله - ﷺ -: "الولد للفراش" وإنْ كان واردًا في أَمَة فهو وارد لبيان حُكم ذلك الولد، وبيان حُكمه إما بالثبوت أو بالانتفاء. فإذا ثبت أن الفراش هو الزوجة؛ لأنها التي يتخذ لها الفراش غالبًا وقال: "الولد للفراش"، كان فيه حصر أن الولد للحرة، ومقتضى ذلك أن لا يكون للأَمَة، فكان فيه بيان الحكمين جميعًا: نَفْي النَّسَب عن السبب، وإثباته لغيره.
ولا يليق دعوى القطْع هنا وذلك مِن جهة اللفظ، وهذا في الحقيقة نزاع في أن اسم "الفراش" هل هو موضوع للحرة والأَمَة الموطوءة؟ أو للحرة فقط؟
فالحنفية يدَّعون الثاني، فلا عموم عندهم له في [الأَمة] (^١)، فتخرج المسألة من باب أن العبرة بعموم اللفظ؟ أو بخصوص السبب؟
_________________
(١) في (ص، ق، ش): الآية.
[ ٤ / ١٦٧٩ ]
نعم، قوله - ﷺ - في حديث عبد: "هو لك يا عبد، وللعاهر الحجر" (^١) هذا التركيب يقتضي أنه ألحقه به على حُكم التشبيه، فيلزم أن يكون مرادًا مِن قوله: "الفراش") (^٢).
قال (^٣): (ولا يقال: إن الكلام إنما هو حيث يتحقق دخوله في اللفظ العام وضعًا، لأنَّا نقول: قد يتوهم أن يكون اللفظ جوابًا للسؤال يقتضي دخوله، فأردنا أن ننبه على أن الأمر ليس كذلك، والمقطوع به أنه لابُدَّ مِن بيان حُكم السبب. أما خصوص دخوله أو خروجه فلا).
فلذلك قال ولده في "جمع الجوامع" أنَّ والده يخالف الجمهور في أن صورة السبب قطعية ويقول: إنها ظنية.
الثالث:
سأل الشيخ تقي الدين على قولهم: (إنَّ صورة السبب داخلة قطعًا) أنه قبل نزول الآية، والحكم إنما يثبت [حين] (^٤) نزول الآية مثلًا، فكيف ينعطف على ما مضى وقد أجمعت الأُمة على أن أوس بن الصامت يشمله الظهار وأمثاله من الأسباب؟
وأشار بذلك إلى أن سبب نزول آية الظهار مُظاهرة أوس بن الصامت مِن زوجته خويلة بنت مالك بن ثعلبة ومجيئها إلى رسول الله - ﷺ - تشتكي إليه ووقوع المجادلة، فنزل:
_________________
(١) صحيح البخاري (رقم: ٢١٠٥)، صحيح مسلم (رقم: ١٤٥٧) بلفظ: (هو لك يا عبد، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَللْعَاهِرِ الحْجَرُ).
(٢) الإبهاج شرط المنهاج، ٢/ ١٨٨).
(٣) يقصد: تقي الدين السبكي، وكلامه في (الإبهاج شرح المنهاج، ٢/ ١٨٨).
(٤) كذا في (ص، ق)، لكن في (س): من حين.
[ ٤ / ١٦٨٠ ]
﴿قَدْ سَمِعَ﴾ [المجادلة: ١] الآية (^١). رواه أحمد وأبو داود، ورواه البخاري تعليقًا.
وأما قول ابن الحاجب: (إنها نزلت في سلمة بن صخر) فليس بجيد، بل سلمة بن صخر ظاهَر مِن امرأته. رواه أبو داود والترمذي -وحَسَّنه- وابن ماجه.
واَية اللعان نزلت في هلال بن أمية أو غيره، ففي "البخاري" نزولها في هلال بن أمية (^٢)، وفي "الصحيحين" نزولها في عويمر العجلاني (^٣).
واَية السرقة، قيل: واردة في سرقة المِجَن. وقيل: في الخميصة.
وفيهما نظر؛ فالذي في الحديث إنما هو قطعهما، لا أن الآية نزلت فيهما، ففي "الصحيحين" - بل رواه الستة - من حديث ابن عمر: "أنه - ﷺ - قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم" (^٤). وفي حديث صفوان بن أمية قال: "كنت نائمًا في المسجد على خميصة، فسُرقت، فأخذنا السارق، فأمر رسول الله - ﷺ - بقَطعه" (^٥). رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
قال الشيخ تقي الدين: (ويخص آية الظهار واللعان إشكال آخَر: أن "الذين" في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٣] مبتدأ، وخبره "فتحرير" [أو] (^٦)
_________________
(١) مسند أحمد (رقم: ٢٧٣٦٠)، سنن أبي داود (رقم: ٢٢١٤). قال الألباني: (حسن دُون قوله: "والعرق "). (صحيح أبي داود: ٢٢١٤).
(٢) صحيح البخاري (رقم: ٤٤٧٠).
(٣) صحيح البخاري (رقم: ٦٨٧٤)، صحيح مسلم (رقم: ١٤٩٢).
(٤) صحيح البخاري (رقم: ٦٤١١)، صحيح مسلم (١٦٨٦).
(٥) مسند أحمد (رقم: ١٥٣٤٥)، سنن أبي داود (رقم: ٤٣٩٤)، سنن النسائي (٤٨٨٣). قال الألباني: صحيح. (صحيح أبي داود: ٤٣٩٤).
(٦) في (ش، ض، ت، س): أي أو.
[ ٤ / ١٦٨١ ]
"فكفارتهم تحرير"، وجاز حذف ذلك، لدلالة الكلام عليه. ودخلت "الفاء" في الخبر لتَضمُّن المبتدأ معنى الشرط.
وبالجملة فالآية لا تشمل إلا مَن وُجِد منه الظهار بعد نزولها؛ لأن معنى الشرط مستقبل؛ فلا يدخل فيه الماضي. وقد أوجب النبي - ﷺ - الكفارة على أوس ولا شك في ذلك، إلا أن هذا الإشكال [يعتوره]) (^١) (^٢).
ثم أجاب بما حاصله أنه لَمَّا كان السببَ، كان في حُكم المقارن؛ لأنها نزلت مُبيِّنة لحُكمه؛ فلذلك ثبت حُكمها فيه دُون غيره ممن تَقدمه.
وأما "الفاء" المتضمنة للشرط فتستدعي العموم في كل مَن يتظاهر مثلًا، وذلك يشمل الحاضر والمستقبل. وسبب النزول حاضر، أو في حكم الحاضر.
وأما دلالة "الفاء" على الاختصاص بالمستقبل فقد تمُنع.
الرابع: مِن أجل دخول صورة السبب قطعًا ولا يجوز إخراجها صنَّف بعض المتأخرين في معرفة أسباب الحديث، كما صنَّف العلماء في معرفة أسباب نزول الآيات. وحينئذٍ فاستدلال مَن قال بخصوص السبب (لأنَّ السبب لو لم يكن مخصصًا، لَمَا نقله الراوي؛ لعدم فائدته) مرودٌ بما ذكرناه من الفائدة.
واعْلَم أنَّ بعض مَن يَنقل القول بخصوص السبب عن الشافعي نقل ابن برهان عنهم في "الوجيز" أنهم قالوا: لو كان اللفظ على عمومه، لَمَا قَدَّم الشافعي عند تعارض "عام مُجَرَّد عن السبب" و"عام وارِد على سبب" العامَّ المجردَ عن السببِ.
وأجاب بأنَّ السبب وإنْ لم يكن مانعًا مِن العموم إلا أنه يوجب ضَعفًا؛ فقدم العَرِي
_________________
(١) في (س، ض، ت): يصوره.
(٢) الإبهاج (٢/ ١٩١).
[ ٤ / ١٦٨٢ ]
عليه.
الخامس: قال الشيخ تقي الدين السبكي: (جميع ما تَقدم في السبب وبقية الأفراد التي دَلَّ اللفظ العام عليها بالوضع وبين ذينك [الشيئين] (^١) رُتبة متوسطة، فنقول: قد تنزل الآيات على الأسباب الخاصة، ويوضع مع كل واحدة منها ما يناسبها مِن الآي؛ رعايةً لنَظم القرآن وحُسن اتساقه، فذلك الذي وضعت معه الآية النازلة على سبب خاص للمناسبة إذا كان مسوقًا لِمَا نزل في معنى يدخل تحت ذلك اللفظ العام أو كان مِن جملة الأفراد الداخلة وضعًا تحت اللفظ العام، فدلالة اللفظ عليه يحتمل أن يقال: إنه كالسبب، فلا يخرج، ويكون مرادًا مِن الآية قطعًا. ويحتمل أن يقال: إنه لا ينتهي في القوة إلى ذلك؛ لأنه قد يراد غيرُه وتكون المناسبة لِشَبَهه [به] (^٢).
والحقُّ أن ذلك رُتبة متوسطة دُون العام على سبب وفوق العام العَرِي عن السبب.
مثاله قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]، فإن مناسبتها لما قبلها وهي قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١)﴾ [النساء: ٥١] أنَّ ذلك إشارة إلى كعب بن الأشرف، كان قد قدم مكة وشاهد قتلى بدر وحرَّض الكفار على الأخذ بثأرهم، فسألوه: مَن أهدى سبيلًا؟ فقال: أنتم. كذبًا منه وضلالة. فنزلت الآية في حقه وحق مَن شاركه في تلك المقالة، وهُم أهل كتاب يجدون عندهم في كتابهم بَعْث النبي - ﷺ - وصِفَته، وقد أُخذت عليهم المواثيق أنْ لا يكتموا ذلك وأن ينصروه، وكان ذلك أمانة لازِمة، فلم يؤدوها وخانوا فيها، وذلك يناسب الأمر
_________________
(١) في بعض النسخ: السببين.
(٢) كذا في (ص، ق)، لكن في (س): فيه.
[ ٤ / ١٦٨٣ ]
بالأمانة) (^١).
السادس: قضية مَن قال: (العبرة بخصوص السبب) أنْ يكون الوارد عليه عامًّا أُريدَ به خصوص، لا عامًّا مخصوصًا. فالأليق أن يُذكر في مباحث العام المراد به الخصوص.
قلتُ: لكنه ذكر في العام المخصوص كما ذكر التخصيص بالعقل وبالحس، مع أنه -عند التأمل- عامٌّ أُريدَ به خاص.
السابع: قال المازري: أَوْرَد بعض الأكابر سؤالًا، فقال: كيف يمكن الجمع بين قول النحاة: "متى أَمْكَن حمل "أل" على العهد، لا يحمل على العموم" وقول الأصوليين في المذهب الراجح: "العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب"؟
وأُجيب بأنه لا تنافي بينهما؛ لأن العموم لا ينحصر في الألف والسلام، بل له صِيَغ كثيرة. فإنْ أَوْرَد ما إذا كانت الصيغة "أل"، قُلنا: إرادة العموم قرينة.
والحقُّ أنَّ السؤال لا يَرد؛ لأن الأصل عند الأصوليين في "أل" العموم؛ فلهذا لم يقصروه على سببه، وعند النحاة الأصل العهد حتى يقوم خلافه. وقد سبق بيان ذلك في الكلام على صِيَغ العموم.
فإنْ قيل: فهلَّا كان السبب قرينة إرادة العهد في المعرَّف بِـ "أل" إذا وَرَدَ على سبب؟
قيل: السبب قرينة على إرادته بالعام، لا نَفْي إرادة ما سواه مِن أفراد العام؛ إذ ليس في السبب ما يثبته ولا ما ينفيه. بل التحقيق أنَّ العدولَ عما يقتضيه السبب من الخصوص إلى العموم دليلُ إرادةِ العمومِ كما سبق بيانه.
وأشار إليه الزمخشري في سورة "البقرة"، فقال: (فإنْ قلتَ: كيف قيل: ﴿مَسَاجِدَ
_________________
(١) الإبهاج (٢/ ١٨٩).
[ ٤ / ١٦٨٤ ]
اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٤] وإنما وقع المنع والتخريب على مسجد واحد وهو بيت المقدس أو المسجد الحرام؟ قلتُ: لا بأس أنْ يجيء الحكم عامًّا وإنْ كان السبب خاصًّا، كما تقول لمن آذى صالحًا واحدًا: ومَن أظلم ممن آذى الصالحين. وكما قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١)﴾ [الهمزة: ١] و[المُنزل] (^١) فيه الأخنس بن شريق) (^٢).
قال: (وينبغي أن يُراد بِـ "مَن منع" العمومُ كما أريد بِ "مساجد الله"، ولا يُراد الذين منعوا بأعيانهم) (^٣).
الثامن: استثنى ابن عبد السلام مِن قولنا في المسألة: (العبرة بعموم اللفظ) ما لو كان السبب شرطًا، كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٥]، فيجب أن [يختص] (^٤) العموم بمن تَقدم ذِكره مِن المخاطبين بقوله تعالى: ﴿إِنْ تَكُونُوا﴾، ولا يعم جميع الخلائق ولا جميع الأُمم السالفة؛ لأن التعاليق اللغوية أسباب، والجزاء المرتَّب عليها مُسبَّب، وصلاح المخاطَبين لا يكون سببًا لصلاح غيرهم مِن الأُمم؛ لأن عمل كل واحد يختص فائدته به؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٩] وإنْ لم يكن شرطًا فالحقّ العموم.
وحكاه الأصفهاني في "شرح المحصول" عن بعض المتأخرين، قال: (وهو تفصيل
حسن لا بأس به).
وكذلك ارتضاه ابن دقيق العيد والقرافي.
_________________
(١) كذا في (ص)، لكن في (ق، س): المنزول.
(٢) الكشاف (١/ ٢٠٥).
(٣) الكشاف (١/ ٢٠٥).
(٤) في (ص، ق): يخص.
[ ٤ / ١٦٨٥ ]
التاسع: المراد بالسبب الأمر المقتضِي للجواب عن السؤال أو عن الواقعة. أي: الداعي لذلك، لا المقتضي للحُكم في الشخص كما في "زَنَا ماعز؛ فَرُجِم".
وكلام الشافعي في "اختلاف الحديث" في بئر بُضاعة مُصرِّح بأنه ليس المراد بالسبب عَيْن ما وقع الحكم بسببه، بل هو أو مِثله أو ما هو أَوْلى بالحكم منه، حيث قال: (وكان العلم أنه على مِثلها أو أكثر منها) (^١).
العاشر: قال القاضي: يجب أن تُترجم هذه المسألة بِـ: "اللفظ العام إذا وَرَدَ على سبب خاص" أو: "في سبب خاص"، ولا يقال: "عند سبب خاص".
قال: والفرق بينهما أنَّ "عند" ليس فيه تَعلُّق للسبب بالعام، ففرقٌ بين: "ضربتُ العبد على قيامه" و"ضربته عند قيامه".
الحادي عشر: مِن المسائل التي يعاكس فيها أبو حنيفة والشافعي أصليهما: ذهاب الشافعي ومالك إلى أنَّ التحلل في الحصر في الحَج مخصوص بحصر العَدُوِّ، ومنعاه في المرض؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] نزل في الحديبية وكان الحصر بِعدو، فاعتبرَا خصوص السبب.
وخالفهما أبو حنيفة في ذلك، فاعتبر عموم اللفظ؛ لأن الآية دالة على جواز الخروج مِن الحَج بالعُذْر، فإنَّ "الإحصار" عند المعتبَرين مِن أهل اللغة موضوع لإحصار الأعداء، و"الحصر" موضوع لحصر الأعذار.
قال الشيخ عز الدين: (ولا يحسُن أن يقال: إن محل السبب يقتضي حصر العدو؛ لأن اللفظ إذا دل على حصر العدو، كان دلالته على حصر الأعذار مِن طريق الأَوْلى. فنزلت على إحصار العَدُوِّ بمنطوقها وعلى إحصار العُذْر بمفهومها، فتناولت الأمرين جميعًا. فإنْ قيل:
_________________
(١) اختلاف الحديث (ص ٥٠٠).
[ ٤ / ١٦٨٦ ]
فقوله تعالى بعد ذلك: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] قرينة لإرادة حصر العدو.
قيل: إنه راجع إلى ما دلَّت عليه بطريق الأَوْلى. وإنْ جعلنا "حصر" و"أحصر" لُغتين، كان دالًّا على الأمرين، ورجع لفظ "الأمن" إلى أحدهما) (^١).
قال: (والذي ذكره مالك والشافعي لا نظير له في الشريعة السمحة، فإنَّ مَن انكسرت رِجله وتَعَذَّر عليه العَوْدُ إلى الحج والعمرة، يبقى في بقية عُمره حاسر الرأس مجردًا مِن اللباس محُرَّمًا عليه ما يَحرُم على المُحْرِم. وذلك بَعِيد شرعًا) (^٢).
والله تعالى أعلم.
تنبيه:
٦٧١ - إنْ يَكُ ذُو الْخُصُوصِ قَدْ تَأَخَّرَا عَنْ ذِي الْعُمُومِ بَعْدَ وَقْتٍ قُرِّرَا
٦٧٢ - لِعَمَلٍ بِهِ، فَذَاكَ نَاسِخُ لِقَدْرِ مَا عَارَضَهُ، وَرَاسِخُ
٦٧٣ - وَ[قَبْلَ وَقْتِهِ] (^٣) يُخَصُّ مُطْلَقَا مُؤَخَّرًا يَكُونُ أَوْ قَدْ سَبَقَا
٦٧٤ - أَوْ كَانَ قَدْ قَارَنَهُ أَوْ جُهِلَا فَإنْ يَكُنْ كُلٌّ إذَا مَا نُقِلَا
٦٧٥ - أَخَصَّ مِنْ وَجْهٍ وَمنْ وَجْهٍ أَعَمْ فَيَطْلُبُ التَّرْجِيحَ مَن لِذَاكَ أَمْ
الشرح:
لما انتهى بيان العموم وصِيَغه والتخصيص والمخصص، احْتِيج إلى معرفة بناء العام على
_________________
(١) قواعد الأحكام في مصالح الأنام (٢/ ١١).
(٢) قواعد الأحكام في مصالح الأنام (٢/ ١٢).
(٣) في (ض، ش): قيل وفيه. وفي (ن ٣، ن ٤): قيل وقته.
[ ٤ / ١٦٨٧ ]
الخاص والخاص على العام. أي: أيُّهما يُعمَل به؟ وفي أي حال؟
ولما كانت داخلة في القواعد السابقة فيهما -لمن تَأمَّل ذلك- ترجمتُ عليها بالتنبيه.
فإذا ورد نَصَّان مِن الكتاب أو مِن السُّنة أو أحدهما مِن الكتاب والآخَر من السنة فلا يخلو أن يكون أحدهما أَعَم مِن الآخَر مطلقًا والآخَر أَخَص منه مطلقًا. وإما أن يكون كل منهما أعم مِن الآخَر مِن وَجْه وأَخَص منه مِن وجه.
فالأول: إما أن يُعْلَم تاريخ ورُودِهما أو يُجهَل.
فإنْ عُلم فإما أن يكون الخاص مؤخَّرًا عن العام، أو العام مؤخَّرًا عن الخاص، وإما أن يتقارنَا.
فإنْ كان الخاص مؤخرًا عن العام فهو قِسمان:
أحدهما: أن يكون بعد دخول وقت العمل به.
والثاني: أن يكون قبله.
فإنْ كان بعد دخول وقت العمل به، كان الخاص ناسخًا لِقَدْر ما عارضه مِن أفراد العام، فيُشترط فيه ما يُشترط في النَّسخ، حتى لا يجعل الآحاد في الخاص ناسخًا للقرآن أو متواتر السُّنة.
ولا يقال في مثل ذلك: إنه تخصيص؛ لأن التخصيص بيان، وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع قطعًا، فيُعمل بالعام في بقية الأفراد.
وهو معنى قولي: (نَاسِخُ لِقَدْرِ مَا عَارَضَهُ)، فهو أحسن مِن قوله في "جمع الجوامع": (إنْ تأخَّر الخاص عن العمل، نسخ العام) (^١)، فإنه يوهم أنه ينسخ جملة العام، وإنْ كان المعنى
_________________
(١) جمع الجوامع (٢/ ٧٧) مع حاشية العطار.
[ ٤ / ١٦٨٨ ]
مفهومًا.
وأيضًا فقوله: (عن العمل) يقتضي أنه يتأخر عن نفس العمل، وإنما المدار على تأخُّره عن وقت العمل وإنْ لم يقع عمل.
والمراد بقولي: (بَعْدَ وَقْتٍ): بعد أول الوقت، فهو أحسن مِن التعبير بالتأخر عن وقت العمل وان كان هذا هو المراد.
القسم الثاني من تأخُّر الخاص:
أن يكون قبل دخول وقت العمل بالعام، فيكون تخصيصًا للعام وبيانًا أنَّ ما بقي من أفراده هو المراد.
وهو بناء على المرجَّح في تأخير البيان عن وقت الخطاب.
فأما إنْ قيل بالمنع، فإنه يكون كالذي قبله في كونه نسخًا، لا تخصيصًا.
كذا قاله الشيخ أبو حامد و[الشيخ أبو إسحاق، وسُليم] (^١) قال: ولا يُتصور في هذه المسألة خلاف يختص بها، وإنما هما القولان في جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب ونَفْيه.
ويُنقل كوْنه نسخًا في هذه الحالة عن معظم الحنفية بشرط أنْ يتراخى الخاص عن العام بقدر ما يتمكن المكلَّف مِن العمل أو الاعتقاد.
قالوا: لأنهما دليلان وبيْن حُكمَيهما تنافٍ، فيُجعل المتأخِّر ناسخًا للمتقدم؛ دَفْعًا للتناقض.
_________________
(١) في (س، ت، ض): سليم والشيخ أبو إسحاق. وعبارة الزركشي في (البحر المحيط، ٢/ ٥٣٧): (هَكَذَا قَالَ الشَّيْخُ أَبَو حَامِدٍ الْأسْفَرايِينِي، وَسُلَيْمٌ، قَالَ: وَلَا يُتَصَوَّرُ في هَذ الْمَسْأَلةِ خلَافٌ يخْتَصُّ بِهَا، وَإِنَّمَا يَعُودُ الْكَلَامُ فِيهَا إلَى جَوَازِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ. اهـ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ في "اللُّمَعِ" نَحْوَهُ).
[ ٤ / ١٦٨٩ ]
ورُدَّ بأن التخصيص أقَل مفسدة مِن النسخ.
وإنْ كان العام مؤخَّرًا عن الخاص فهو أيضًا قسمان:
أن يتأخر عن وقت العمل بالخاص، أو يَرد قبل دخول وقته.
فالأُولى: يُبْنَى فيه العام على الخاص عندنا؛ لأن ما تناوَله الخاص مُتَيَقَّن وما تناوله العام ظاهر مظنون، فالمتيقَّن أَوْلى.
قال إلْكِيَا: وهذا أحسن ما عُلل به.
وذهب أبو حنيفة وأكثر أصحابه والقاضي عبد الجبار إلى أنَّ العام المتأخر ناسخٌ للخاص المتقدم.
وفي قول ثالث: الوقف. قاله ابن العارض المعتزلي.
وفي قول رابع: أنه نَسخٌ ما لم تَقُم دلالة مِن غيره على أنَّ العموم مرتَّب على الخصوص.
قال أبو بكر الرازي: (وكان شيخنا يحكي أنَّ مذهب أصحابنا ومسائلهم تدل عليه. وقد جعل أبو حنيفة قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] منسوخًا بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]؛ لأنه نزل بعد) (^١).
ثم قال: (وقد ناقض الشافعي أصله في هذه المسألة في صُوَر:
منها: قوله لأنيس: "واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإنِ اعترفت فارجمها" (^٢). فجعله قاضيًا على قضية ماعز في اعتبار تكرار الإقرار أربع مرات، مع أنَّ قضية ماعز خاصة مُفسرة وقضية أنيس عامة.
_________________
(١) الفصول في الأصول (١/ ٣٨٥).
(٢) صحيح البخاري (رقم: ٢١٩٠)، صحيح مسلم: (رقم: ١٦٩٧) واللفظ للبخاري.
[ ٤ / ١٦٩٠ ]
ومنها أنه قال: "الوضوء مما مست النار" (^١) منسوخ بأكل النبي - ﷺ - لحمًا وخبزًا ولم يتوضأ، فنسخ العام بالخاص الذي هو ترك بعض ما مست النار وهو الخبز واللحم، ونَسخ بالفعل، ولا ينسخ في مثل ذلك إلا بلفظ) (^٢).
قال: (ونحن إنما تركنا الوضوء مما مست النار لقاعدة أنَّ خبر الواحد لا يُقبَل فيما تَعُم به البلوى، وحملنا الحديث على غسل اليد.
ومنها قوله: إن قوله - ﷺ -: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث" (^٣) يكون ناسخًا لقتل شارب الخمر في الرابعة، فجعل العام ناسخًا للخاص) (^٤).
قلتُ: وجواب الأول أنَّ صورة التخصيص أو النسخ أن يقع تعارُض، ولا تعارض بين العام الذي هو "فإنِ اعترفت" من حيث إنه نكرة في سياق الشرط يشمل الاعتراف مرة وأكثر. وأما اعتراف ماعز أربعًا فواقعة عَيْن يحتمل أن ذلك لكون الأربع لابُدَّ منها، وأنْ يكون لطلب الستر والإيماء إلى الرجوع؛ ولهذا قال له: "أبك جنون؟ لعلك قَبَّلت؟ " (^٥).
فأين المعارضة التي قَدَّم فيها الشافعي العموم على الخصوص؟
_________________
(١) صحيح مسلم (رقم: ٣٥١).
(٢) الفصول في الأصول (١/ ٤٠١ - ٤٠٣).
(٣) سنن أبي داود (٤٥٠٢)، سنن الترمذي (٢١٥٨)، وغيرهما. قال الألباني: صحيح. (صحيح أبي داود: ٤٥٠٢). وهو في: صحيح البخاري (رقم: ٦٤٨٤)، صحيح مسلم (رقم: ١٦٧٦) بلفظ: (لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلا الله وَأَنِّي رسول الله إلا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ ..).
(٤) الفصول في الأصول (١/ ٤٠١ - ٤٠٣).
(٥) سبق تخريجه.
[ ٤ / ١٦٩١ ]
وجواب الثاني: فقد روى جابر -كما في "سنن أبي داود" و"النسائي" وصححه ابن حبان وابن خزيمة وابن السكن- أنه قال: "كان آخِر الأمرين مِن رسول الله - ﷺ - ترك الوضوء مما مست النار" (^١). وليس فيه تقييد لا بِلَحم ولا بخبز، فهو مستند الشافعي في نسخ الوضوء مما مست النار مع ما انضم إليه مما هو في معناه.
وجواب الثالث: أنه لم يصح في قتل شارب الخمر في الرابعة شيء حتى يكون الأخذ بحديث: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث" ناسخًا له، والنسخ متوقف على صحة ذلك المنسوخ وتَقدُّمه على الناسخ، وذلك يستدعي معرفة التاريخ. فلم ينسخ الشافعي خاصًّا بعام.
والقسم الثاني:
أن يتأخر العام عن وقت الخطاب بالخاص، لا عن وقت العمل به.
فهو كالذي قبله في جريان الخلاف، إلا على رأي مَن لم يجوِّز نسخ الشيء قبل حضور وقت العمل به، كعبد الجبار.
وجعل إلْكِيَا الخلاف في هذا القسم مَبنيًّا على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب، فمَن لم يجوِّزه، جعله نسخًا.
وأما المتقارنان (والمراد أن يتصل أحدهما بالآخر، لِتَعذُّر القرآن الحقيقي في مثل ذلك) فهو أيضًا قِسمان:
_________________
(١) سنن النسائي (رقم: ١٨٥)، صحيح ابن حبان (١١٣٤) وغيرهما. قال الألباني: صحيح. (صحيح النسائي: ١٨٥). وهو في سنن أبي داود (رقم: ١٩٢) بلفظ: (كَانَ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ الله - ﷺ - تَرْكُ الْوُضُوءِ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ).
[ ٤ / ١٦٩٢ ]
أحدهما: أن يقارن الخاص العام، كما لو قال - ﷺ -: "زكوا البقر ولا تزكوا العوامل"، فالخاص هنا مُقدَّم على العام بالإجماع كما قاله الشيخ أبو حامد والقاضي عبد الوهاب وأبو بكر الرازي؛ لأن الخاص بيَّن العام وخصَّصه بما أريد به.
قال أبو بكر الرازي: (هو معه كالاستثناء مع المستثنى منه بلا خلاف، كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] الآية، وعقَّبها بقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾ [المائدة: ٣] فخص حالة الاضطرار قبل استقرار حكمها) (^١).
نعم، في "المحصول" أنَّ بعضهم ذهب إلى أن ذلك القدْر مِن العام يعارض الخاص، أي: فيرجح بمرجِّح أو يوقف. وعزاه ابن السمعاني للقاضي أبي بكر.
الثاني: أن يكون العام مقارنًا للخاص، نحو أن يقول: "لا زكاة فيما دون خمسة أوسق"، ثم يُعقِّبه بقوله: "وفيما سقت السماء العشر". فإنه عام في الخمسة أوسق وفيما دُونها، فهذا لا يمكن فيه النسخ؛ لأن شرطه التراخي، وهو هنا مقارن؛ فَيتَعَيَّن بناء العام على الخاص. وأما إذا جُهل التقدم أو التأخر في أحدهما، فعند الشافعي وأصحابه أنَّ الخاص منهما يخص العام، وهو قول الحنابلة، ونقله القاضي عبد الوهاب والباجي عن عامة أصحابهم، وبه قال القاضي عبد الجبار وبعض الحنفية.
وذهب أبو حنيفة وأكثر أصحابه إلى التوقف إلى ظهور التاريخ أو إلى ما يرجِّح أحدهما أو يرجع إلى غيرهما. ويحكَى أيضًا هذا عن القاضي أبي بكر وعن الدقاق.
والحاصل أن [كُلًّا مِن] (^٢) الإمامين الشافعي وأبي حنيفة جارٍ في هذه الحالة على أصله؛ لأن عند الشافعي العمل بالخاص دائمًا، ولا يضر كونه في بعض الصور نسخًا.
_________________
(١) الفصول في الأصول (١/ ٤٠٦).
(٢) في (س، ت، ض): كلام.
[ ٤ / ١٦٩٣ ]
وأبو حنيفة لما كان ينسخ الخاص بالعام المتأخر ويخصص بالخاص المتأخر أو ينسخ به فالأمر عند الجهل دائرٌ بين أن يكون الخاص منسوخًا أو مخصِّصًا أو ناسخًا. فعند التردد يجب الوقف.
وقد لخصتُ مذهب الشافعي في هذه الأقسام بقولي: (وَ[قَبْلَ وَقْتِهِ] (^١) يُخَصُّ مُطْلَقَا) إلى آخره.
وأما إذا كان أحد النَّصين أَعَم مِن الآخَر مِن وَجْه وأَخَص من وجه، فليس تخصيص عموم أحدهما لعموم الآخر بأَوْلى مِن عكسه؛ فيُطْلَب الترجيح من الخارج.
وهو معنى قولي: (فَيَطْلُبُ التَّرْجِيحَ مَن لِذَاكَ أَمْ). أي: مَن قصد معرفة الراجح مِن هذين المتساويين فيما ذكرناه.
مثاله قوله - ﷺ -: "مَن بَدَّل دِينه فاقتلوه" مع نهيه - ﷺ - عن قتل النساء (^٢). فإن الأول خاصٌّ بالمرتدين، عامّ في الرجال والنساء، والثاني خاصٌّ بالنساء، عامٌّ في الحربيات والمرتدات.
قال ابن دقيق العيد: (وكأنَّ مرادهم بالترجيحِ الترجيحُ العام الذي لا يخص مدلول العام، كالترجيح بكثرة الرواة وسائر الأمور الخارجة عن مدلول العموم من حيث هو). انتهى
لكن صاحب "المعتمد" حكى عن بعضهم أن أحدهما إذا دخله تخصيص مجُمَع عليه، كان أَوْلى بالتخصيص، وكذا إذا كان أحدهما مقصودًا بالعموم، فإنه مرجَّح على ما كان عمومه اتفاقًا.
_________________
(١) في (ض، ش): قيل وفيه. وفي (ن ٣، ن ٤): قيل وقته.
(٢) صحيح البخاري (٢٨٥٢)، صحيح مسلم (١٧٤٤).
[ ٤ / ١٦٩٤ ]
تنبيهات
أحدها: لم يحكوا عن الحنفية في هذا القسم الأخير التفصيل بين معرفة التاريخ في المتقدم أو التأخر والمقارنة حتى يكون المتأخر ناسخًا كما ذكروه في الأقسام التي قبله، ولكنه قياس ذلك، فلا يبعد أن يقولوا به.
الثاني: جَعْل الحنفية الخاص المتأخر عن الخطاب قبل دخول وقت العمل ناسخًا لِمَا قابله مِن أفراد العام -مُفَرَّع على قولهم: إنَّ دلالة العام على كل فرد من أفراده قطعية.
وقد سبقت المسألة في موضعها، وكذلك أشار إليه إلْكِيَا، فقال: خلافهم مبني على قولهم في العام الذي لم يدخله التخصيص: إنه نَصٌّ في الاستغراق حتى لا يجوز تخصيصه بالقياس.
الثالث: قال ابن دقيق العيد: إن شرط البناء في الأقسام السابقة -غير الأخير- التنافي في الكل أو في موضع الخاص. أما إذا لم يحصل التنافي، فلا.
قال: وكذا القول في حمل المطلق على المقيد. وعلى هذا فإذا ورَدَ عام وخاص في طرف النفي والنهي، فلا يُبْنى العام على الخاص ولا يُقيَّد المطلق. كما في نهيه عن مَس الذكَر باليمين في الاستنجاء، والنهي عن مَسِّه باليمين مطلقًا. فيبقى ذلك على عمومه؛ لدلالته على النهي في محل لا يدل ذلك الآخَر عليه. هذا إذا قلنا بتعدد الحديث. أما إذا قُلنا: حديث واحد اختلفت الرواية في لفظه، فلا.
الرابع: لهذه المسألة عُلْقَة أيضًا بباب التراجيح، لكن عُلْقتها هنا أقوى، فتذكر هنا غالبًا كما سبق نظير ذلك في تَعارض قول النبي - ﷺ - مع فِعله. والله أعلم.
[ ٤ / ١٦٩٥ ]