اشتمل شرح البرماوي على أشياء كثيرة غير موجودة في "البحر المحيط" و"تشنيف المسامع" لشيخه الزركشي، ففي شرح البرماوي "فوائد، وتنبيهات، وتحقيقات،
[ ١ / ٣٨ ]
وتحريرات، وتقريرات، ونقولات، ومناقشات، وتطبيقات فقهية" لَمْ يتعرض لها الإمام الزركشي في كِتابَيْه المذكورَين.
وأكتفي بِذِكْر خمسة أمثلة توضح ذلك:
المثال الأول: إذَا قرأ القارئ مبحث "الاستقراء" مِن باب "الأدلة المختَلَف فيها" في "البحر المحيط" للزركشي ثم قرأه في شرح الألفية للبرماوي، فسيجد في شرح البرماوي (مِن الأدلة والمناقشات والتطبيقات والفوائد والتنبيهات) ما لن يجده في "البحر المحيط" أو في "تشنيف المسامع بجمع الجوامع".
المثال الثاني: ذكر البرماوي كلامًا للسبكي مِن "جمع الجوامع"، ثم قال (٢/ ٨٥١): (وتَوقَّف كثير مِن العَصريين في مراد المصنِّف بذلك، حتى إنَّ شيخنا بدر الدين الزركشي - رحمه الله تعالى - لم يتعرض لشرح ذلك، بل بَيَّضَ له. وقد ألهمني الله - ﷾ - مقصوده بذلك مِن كلامه في "شرح المختصر"، فإنه ). انتهى
ثم نقل كلام السبكي من كتابه (رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب)، ثم قال البرماوي: (وفيما قاله نَظَر مِن وجوه: الأول ثانيها ثالثها سادسها ).
قلتُ: فاشتمل شرح البرماوي على مناقشات وتعقبات وتحريرات وغير ذلك مما لا تَخفَى فوائده.
المثال الثالث: قال البرماوي في شرح الألفية (٣/ ١٢٣١): (وتَرِد صيغة النهي مجازًا لهذه المعاني: أحدها ، الثامن: التسوية، ولم أر مَن ذكره، وهو أَوْلى بالذكر من كثير مما ذكروه، ويمثَّل له بقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطور: ١٦]؛ لأن المراد التسوية في الأمرين).
المثال الرابع: قال البرماوي في شرح الألفية (٤/ ١٦٠٠): (لكن فيما قالوه نظر من
[ ١ / ٣٩ ]
وجهين، أحدهما: أن الشيخ أبا حيان نقل التخصيص بالبدل عن الشافعي، إذ قال في قصيدته التي رويناها عن شيخنا شيخ الإسلام البلقيني قراءة عليه عن أبي حيان متضمنة لمدح الشافعي ﵀: "إنه هو الذي استنبط الفن الأصولي، وإنه الذي يقول بتخصيص العموم بالبدلين". ومراده: بدل البعض، وبدل الاشتمال. فاستفدنا منه أن بدل الاشتمال في معنى بدل البعض في التخصيص عند مَن يقول به).
المثال الخامس: قال البرماوي في شرح الألفية (١/ ٢٧٣): (وأما العارِيَّة: فقال الغزالي في "الوسيط" بَعْد حكاية الخلاف في إعارة الدراهم والدنانير: "فإنْ أَبْطَلناها، ففي طريقة العراق أنها مضمونة؛ لأنها إعارة فاسدة. وفي طريقة المراوزة أنها غير مضمونة؛ لأنها غير قابلة للإعارة؛ فهي باطلة". انتهى. نَعَم، كان ينبغي أنْ يقول: "فإنْ لَمْ نُصححها، ففي طريقة العراق" إلى آخِره؛ لأنَّ عدم الصحة هو المنقسم إلى فساد وبطلان، لا أنَّ البطلان هو المنقسم؛ لأنَّ الشيء لا ينقسم إلى نَفْسه وغيْره). انتهى
قلتُ: وهذا يدل على قوة نَظر البرماوي وتَأَمُّله وَدِقَّة فَهْمه؛ فالباطل لا ينقسم إلى فاسد وباطل.
فعبارة الغزالي المنقولة هكذا: (فإنْ أَبْطَلناها ففي طريقة العراق أنها .. فاسدة، وفي طريقة المراوزة أنها .. باطلة).
فيكون البطلان قد انقسم إلى فاسد وباطل، يعني انقسم إلى نَفْسه وغَيْره!
ويرى البرماوي أنَّ الصواب أن تكون العبارة هكذا: (فإنْ لَمْ نُصححها ففي طريقة العراق أنها .. فاسدة، وفي طريقة المراوزة أنها .. باطلة).
وبذلك يكون عدم الصحة قد انقسم إلى فاسد وباطل.
وعبارة الغزالي المذكورة: (فإنْ أبطلناها ) قد ذكرها جَمْعٌ من كبار علماء أصول
[ ١ / ٤٠ ]
الفقه مِن غَيْر أنْ يُنَبِّهوا على ما نَبَّه عليه البرماوي، فذكرها: الزركشي في "البحر المحيط"، وتاج الدين السبكي في "رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب، ٢/ ٢٣"، والإسنوي في "التمهيد في تخريج الفروع على الأصول، ص ٦٠". وكُلهم لم ينبهوا على ما ذكره البرماوي.
ثم: نظرتُ في "الوسيط" للغزالي، فوجدتُ عبارته جاءت كما أرادها البرماوي! !
قال الغزالي في "الوسيط": (وَإِن قُلْنَا: لَا يَصح، فَهِيَ عَارِية فَاسِدَة مضمونة، وَفي طَريقَة المراوزة أَن عَارِية الدَّرَاهِم إِذا لم تصح فَهِيَ بَاطِلَة) (^١).
قلتُ: فَثَبَتَتْ صحةُ نَظَر البرماوي، وأنَّ عبارة الغزالي - التي نقلها الأئمة الزركشي والسبكي والإسنوي - فيها خَلَل، وأنَّ البرماوي قد اعتمد عليهم في النقل عن الغزالي، ثم صَحَّح الخَلَل بِنَظَره، فأصاب.
وأيضًا: وجدتُ الإمام البرماوي في مواضع كثيرة ينقل كلام الإمام الزركشي في "تشنيف المسامع شرح جمع الجوامع" ثم يتعقبه ويَرُد عليه. وإليكم بعض عباراته:
قال البرماوي (١/ ٣٢٧): (فَقَوْل شيخنا بدر الدين الزركشي في شرح "جمع الجوامع": "التحقيق أنه لا أداء ولا قضاء، بل إعادة" ليس بجيد؛ لأنَّ "الإعادة" لا تُنافي "الأداء" كما قررناه، وقد قرره هو في موضعه على الصواب).
وقال أيضًا (١/ ٣٥٦): (وأمَّا قول شيخنا الزركشي في "شرح جمع الجوامع": "إنهم " فَفِيه نَظَر؛ لأنَّ ).
وقال أيضًا (٣/ ١٢١٠): (قال شارحه شيخنا بدر الدين الزركشي: "إنه ". قلتُ: وفي ذلك نظر؛ لأن ).
_________________
(١) الوسيط (٣/ ٣٥١)، الناشر: دار السلام، تحقيق: د. محمد تامر، د. أحمد محمود.
[ ١ / ٤١ ]