قال تقي الدين ابن قاضي شهبة (٧٧٩ - ٨٥١ هـ) في كتابه "طبقات الشافعية": (مُحَمَّد بن عبد الدَّائِم بن مُوسَى: الشَّيْخ الإِمَام الْعَالم .. الْبرمَاوِيّ .. تميز فِي الْفِقْه والنحو والْحَدِيث وَالْأُصُول).
قلتُ: فالإمام البرماوي أُصولي عالِم بالحديث، وقد سبق ذِكْر شَرْحه "صحيح
[ ١ / ١٧ ]
البخاري" (^١) وتعليقته على مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث، مما يجعل لكتابه هذا ميزة كبرى لا توجد في كثير من كُتُب أصول الفقه الأخرى، ولبيان ذلك أذكر خمسة أمثلة مما جاء في كتابه "الفوائد السنية":
المثال الأول: قال الإمام البرماوي (٣/ ١٠١٧): (وأما جواب القاضي أبي بكر والإمام والغزالي ومَن تبعهم بالطعن في الحديث فعجيب؛ فإنه في "الصحيحين").
المثال الثاني: قال الإمام البرماوي (١/ ١٨٦): (ودليله أيضًا حديثُ: "رُفِعَ القَلَم عن ثلاث: عن الصبي حتى يَبْلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، والمجنون حتى يفيق". رواه الأربعة مِن حديث علي، وقال الترمذي: "حسن"، وأخرجه ابن حبان والحاكمُ وقال: "صحيح على شرط الشيخين". وأخرجه البخاري موقوفًا مُعَلَّقًا بِالجَزْم، ورواه أبو داود والنسائي وابنُ ماجه وابنُ حبان مِن رواية عائشة، وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم". وقال الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد في "الإمام": إنه أَقْوَى إسنادًا مِن رواية عَلِي). انتهى كلام البرماوي.
المثال الثالث: قال الإمام البرماوي (١/ ٢١٣): (وقد يُرَجَّح هذا بحديث أبي هريرة: "نَهَى - ﷺ - عن صوم يوم عرفة". أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه، وفيه ضَعْفٌ وإنْ كان الحاكم صححه وقال: "على شرط البخاري"). انتهى كلام البرماوي.
قلتُ: لم يَغْتَر البرماوي بتصحيح الحاكم للحديث، وقد قال البرماوي في موضع آخَر: (ثم بعد ذلك يرجح ما كان على شرطهما، ثم ما كان على شرط البخاري، ثم ما هو على شرط مسلم، كما يفعل ذلك الحاكم في "مستدركه" وإنْ كان فيه تساهل وعليه انتقادات).
_________________
(١) وقد طُبع قريبًا، واسمه: (اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح).
[ ١ / ١٨ ]
قلتُ: وقد أصاب البرماوي في تصريحه بضعف الحديث؛ فالإسناد مداره على مهدي بن حرب العبدي الهجري، وهو سبب الحكم بضعف الحديث (^١).
وقال الإمام أبو جعفر العقيلي في كتابه "الضعفاء الكبير" (^٢): (رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ بِأَسَانِيدَ جِيَادٍ أَنَّهُ لَمْ يَصُمْ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَلا يَصِحُّ عَنْهُ أَنَّهُ نَهَى عَنْ صَوْمِهِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: "صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَة كَفَّارَةُ سَنَتَيْنِ، سَنَةٍ مَاضِيَة، وَسَنَةٍ مُسْتَقْبلَة").
قلتُ: فَقَوْل البرماوي وافَقَ قول أئمة الحديث المتقدمين.
المثال الرابع: قال الإمام البرماوي (٥/ ٢٠٩٨): (وفي الحديث: "ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن" .. رواه أحمد والدارمي عن ابن مسعود موقوفًا عليه، ومَن رَفَعه إلى النبي - ﷺ - فقد أخطأ، ورَفْعُه مِن حديث أَنَس إسناده ساقط لا يُحتج به). انتهى
قلتُ: كلام الإمام البرماوي هنا دقيق ومتين، ويتضح ذلك مما يلي:
قال الحافظ ابن حجر في "الأمالي المطلقة" (^٣): (لَمْ أَرَ في شَيْءٍ مِنْ طُرُقِه التَّصْرِيحَ بِرَفْعِهِ).
وقال أيضًا في "الدراية في تخريج أحاديث الهداية" (^٤): (لم أجده مرفوعًا).
قلتُ: بل ذكره الخطيب البغدادي بإسناده في "تاريخ بغداد" (^٥): (عَنْ أَنَسِ بْنِ
_________________
(١) انظر: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم الرازي (٨/ ٣٣٧)، ميزان الاعتدال (٦/ ٥٣٠)، تقريب التهذيب (ص ٥٤٨).
(٢) الضعفاء الكبير (١/ ٢٩٨) للإمام العقيلي.
(٣) الأمالي المطلقة (ص ٦٥).
(٤) الدراية في تخريج أحاديث الهداية (٢/ ١٨٧).
(٥) تاريخ بغداد (٤/ ١٦٥).
[ ١ / ١٩ ]
مَالِك، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "إِنَّ الله نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ فَلَمْ يَجِدْ قَلْبًا أَتْقَى مِنْ أَصْحَابِي؛ وَلِذَلِكَ اخْتَارَهُمْ، فَجَعَلَهُمْ أَصْحَابًا، فَمَا اسْتَحْسَنُوا فَهُوَ عِنْدَ الله حَسَنٌ، وَمَا اسْتَقْبَحُوا فَهُوَ عِنْدَ الله قَبِيحٌ"). انتهى
قلتُ: وفي إسناده سليمان بن عمرو النخعي، قال الحافظ ابن حجر في "لسان الميزان" (^١): (كَذَّبه ونَسَبَه إلى الوَضْع مِن المتقدمين والمتأخرين ممن نُقِل كلامهم في الجرح أو ألَّفوا فيه فوق الثلاثين نَفْسًا). انتهى
قلتُ: فكلام البرماوي فيه أمران:
أولهما: عِلمه برواية الرفع.
ثانيهما: عِلمه بأنَّ رواية الرفع إسنادها ساقط لا يُحتج به.
فَقَوْل البرماوي يدل على أنه عالِمٌ بالحديث.
المثال الخامس: قال الإمام البرماوي (٤/ ١٦٧١): (الثاني: أن يكون العموم في ذلك الحكم المسئول عنه، كقوله - ﷺ - وقد سُئل عن بئر بُضاعة وهي بئر يُلقى فيها الحيض والنتن ولحوم الكلاب: "إن الماء طهور لا ينجسه شيء". رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي، وقال أحمد: "صحيح". وقال الترمذي: "حسن". وفي بعض نُسَخه: "حسن صحيح". وصححه أيضًا ابن معين وغيره.
وهو يَرُد قول الدارقطني: إنه غير ثابت (^٢). ويقع في كُتب كثير من أصحابنا - وكذا
_________________
(١) لسان الميزان (٣/ ٩٨).
(٢) قال شمس الدين ابن عبد الهادي الحنبلي (المتوفى: ٧٤٤ هـ) في كتابه (تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق، ١/ ٣١): (انتهى كلام الدَّارَقُطْني قوله: "الحديث غير ثابت" يريد به حديث أبي هريرة، لا حديث أبي سعيد كما صرَّح به في "العلل"). دار النشر: أضواء السلف - الرياض. =
[ ١ / ٢٠ ]
وقع في "مختصر ابن الحاجب" في الأصول - زيادة في هذا الحديث: "إلا ما غَيَّر لونه أو طعمه أو ريحه". وهو تخليط؛ فإنَّ هذا حديث آخَر ليس فيه ذِكر بئر بُضاعة، رواه ابن ماجه: "إنَّ الماء لا ينجسه إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه". ورواه الدارقطني بلفظ: "لا ينجسه إلا ما غيَّر ريحه أو طعمه". ولم يذكر اللون، بل لا يُعرف لِلَّون ذِكر في غير ابن ماجه (^١). وقال الشافعي: "هذا الحديث لا يُثْبِت أهل الحديث مِثله". وقال أبو حاتم الرازي: "الصحيح أنه مُرْسل"). انتهى كلام البرماوي.
قلتُ: مَن يراجع المصادر يجد صحة ما ذكره الإمام البرماوي (سوى ما ذكرتُه في هامش هذه الصفحة).
والتخليط الذي ذكره الإمام البرماوي قد وقع فيه مِن كبار علماء أصول الفقه: الجويني (٤٧٨ هـ) في "التلخيص، ص ١٧٦"، الغزالي (٥٠٥ هـ) في "المستصفى، ص ٢٣٥"، ابن عقيل (٥١٣ هـ) في "الوَاضِح في أصُولِ الفِقه، ٢/ ١٧"، الآمدي (٦٣١ هـ)
_________________
(١) = قلتُ: العبارة في علل الدارقطني (٨/ ١٥٦) هكذا: (سُئل عن حديث سعيد المقبري، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ .. "الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ". فَقَالَ: يَرْوِيهِ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ وَالْحَدِيثُ غير ثابت). وفي علل الدارقطني (١١/ ٢٨٥): (وَسُئِلَ عَنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ الله بْنِ عَبْدِ الله بْنِ رَافِعِ بْنِ خديج، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ في بِئْرِ بُضَاعَةَ ). ولم يَقُل الدارقطني بعدم ثبوته.
(٢) الظاهر أن البرماوي تبع في ذلك تاج الدين السبكي، حيث قال في (رفع الحاجب شرح مختصر ابن الحاجب، ٣/ ١١٩): (ولا يُعرف لِلَّون ذِكر في غير ابن ماجه). قلتُ: بل رواه الإمام البيهقي في "السنن الكبرى، ١/ ٢٥٩، رقم: ١١٥٩": (عَن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "إِنَّ الْمَاءَ طَاهِرٌ إِلا أَنْ تغيرَ رِيحُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ لَوْنُهُ بِنَجَاسَةٍ تَحْدُثُ فِيهَا"). وكذلك الطحاوي في "شرح معاني الآثار، ١/ ١٦": (عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "الْمَاءُ لا يُنَجَّسُهُ شَيْءٌ إِلا مَا غَلَبَ عَلَى لَونهِ أَوْ طَعْمِهِ أَوْ رِيحِهِ").
[ ١ / ٢١ ]
في "الإحكام في أصول الأحكام، ٢/ ٢٥٧"، ابن الحاجب في مختصره الأصولي، السعد التفتازاني (٧٩٣ هـ) في "شرح التلويح على التوضيح، ١/ ١١٤"، شمس الدين الأصفهاني (٧٤٩ هـ) في "بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب، ٢/ ١٥١".
المثال السادس: قال البرماوي (٢/ ٥٨٨): (أما الرواية فلهُم ألفاظ غير ذلك تَوَسُّعًا، وجعلوها مراتب، أعلاها: أن يجمع بين لفظين متحدي المعني؛ تأكيدًا، كأن يقول: "ثبتٌ حُجةٌ" أو "ثبتٌ حافظٌ" .. قاله الذهبي في مقدمة "الميزان".
الثانية: وهي ما بدأ بها ابن أبي حاتم وابن الصلاح، أنْ يقول: ثقةٌ، أو: متقنٌ، أو: ثبتٌ، أو: حجةٌ .. قال الخطيب: "أرفع العبارات أن يقول: حجةٌ، أو: ثقةٌ" ..
الرابعة: أن يقول: "محلُّه الصدق" أو "رَووا عنه" أو "شيخ" أو "وسط" أو "صالح الحديث" أو "مُقارب" بفتح الراء وكسرها كما حكاه صاحب "الأحوذي". على أن ابن أبي حاتم وابن الصلاح جعلَا "محله الصدق" من الرتبة التي قبل هذه، لكن صاحب "الميزان" جعلها من الرابعة).
المثال السابع: قال البرماوي (ص ٥٥٠ - ٥٥١): (واعْلم أن شرط تَحمُّل الصغير التمييز، ونُقل عن المحدثين اعتبار خَمس سنين .. وذلك لِمَا رواه البخاري .. عن محمود بن الربيع، قال: "عقلتُ من النبي - ﷺ - مَجَّة مَجَّها في وجهي مِن دلوٍ وأنا ابن خمس سنين". وبوَّب عليه البخاري: "متى يصح سماع الصغير؟ ".
.. ولكن الراجح عند محققي المحدثين اعتبار التمييز وأن تمييز محمود كان في هذا السن، فلا يقاس به إلا مَن مَيَّز مثله، وإن كان القول باعتبار الخمس هو قول الجمهور الذي نقله القاضي عياض في "الإلماع" عن أهل الصنعة. وقال ابن الصلاح: "إنه الذي استقر عليه عمل أهل الحديث". ومما يدل على اعتبار التمييز قول أحمد وقد سُئل: متى
[ ١ / ٢٢ ]
يجوز سماع الصبي للحديث؟ فقال: إذا عقل وضبط). انتهى كلام البرماوي.
المثال الثامن: قال البرماوي (٢/ ٦٤٣): (والحاصل أنَّ المجهول ظاهرًا وباطنًا - أي: وهو معروف العَيْن برواية عَدْلين عنه - لا تُقبل روايته. قال بعضهم: بالإجماع. وجرى عليه في "جمع الجوامع". وهو مردود بحكاية ابن الصلاح فيه عن الجماهير أنه لا يُقبَل).
المثال التاسع: قال شمس الدين البرماوي (١/ ٧١١) في "الإجازة":
(اختلفوا في الرواية بها، والراجح الجواز، بل حكى القاضي أبو بكر والباجي وغيرهما من الأصوليين الاتفاق عليه. وهو عجيب؛ فقد قال بالمنع شعبة، قال: "ولو صحت الإجازة لبطلت الرحلة". وقال به أيضًا أبو زرعة الرازي، وقال: "لو صحت لذهب العلم"، وإبراهيم الحربي كما نقله عنه الخطيب ثم ابن الصلاح وإنِ اضطرب في النقل عنه). انتهى كلام البرماوي.
المثال العاشر: قال البرماوي (٢/ ٦٤٥): (فائدة: عند المحدِّثين مِن أقسام "المستور" أيضًا مَن عُرف - بِذِكره في الجملة - عَيْنُه وعدالته ولكن جُهل تعيينه، كإيهام الصحابي، وكقول الراوي: "أخبرني فلان أو فلان" والفَرْض أنهما عَدْلان، فهذا لا يضر. أمَّا لو جُهِلت عدالة أحدهما أو قال: "أخبرني فلان أو غيرُه"، فلا يُحتج به حينئذ).
قلتُ: وقد أطال شمس الدين البرماوي في شرح الأبيات المتعلقة بمصطلح الحديث (وهي الأبيات رقم: ٢٥٧ إلى ٣٦٨) في كتابه هذا (٢/ ٤٩٠ - ٧٦٠).
الخلاصة:
يتضح مِن هذه الأمثلة أننا في هذا الكتاب أمام عالم بالحديث، فشمس الدين البرماوي أُصولي عالِم بالحديث، مما يجعل لكتابه هذا ميزة كبرى لا توجد في كثير من كُتُب أصول الفقه الأخرى.
[ ١ / ٢٣ ]