صَرح البرماوي بأنه أَشْعَرِي، فقال في "الفوائد السنية، ٢/ ٩١٣": (قولي: "عَنِ الْإمَامِ الْأَشْعَرِيْ" إشارة إلى أنه إمامنا وقدوتنا، نلقَى الله ﷿ باتِّباعه في معتقداته).
قلتُ: وقد ظهر أثر ذلك في تناوُله لبعض المسائل، أذكر منها ثلاثة أمثلة:
المثال الأول: قال شمس الدين البرماوي (١/ ١٩٦): (الإيمان هو التصديق).
قلتُ (عبد الله رمضان): هذا يوافق قولًا مِن أقوال فرقة المرجئة.
وفي ذلك يقول الإمام ابن تيمية: (أكثر الأشعرية مرجئة، وأَقربهم الكلابية، يقولون: "الإيمان" هو التصديق بالقلب والقول باللسان، والأعمال ليست منه) (^١).
قلتُ: فقول الأشعرية يخالف إجماع أهل السُّنة مِن السلف الصالح ومَن بَعْدهم.
وفي ذلك قال الإمام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى": (وَقَدْ حَكَى غَيْرُ وَاحِدٍ إجْمَاعَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ) (^٢).
قلتُ: وأكتفي بنقل ثلاثة تصريحات لكبار أئمة المسلمين المتقدمين:
_________________
(١) النبوات (ص ١٤٣).
(٢) مجموع الفتاوى (٧/ ٣٣٠).
[ ١ / ٢٩ ]
التصريح الأول: قال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام (١٥٧ - ٢٢٤ هـ) في كتابه "الإيمان": (فَالْأَمْرُ الَّذِي عَلَيْهِ السُّنَّةُ عِنْدَنَا مَا نَصَّ عَلَيْهِ عُلَمَاؤُنَا مِمَّا اقْتَصَصْنَا فِي كِتَابِنَا هَذَا: أَنَّ الْإِيمَانَ بِالنِّيَّةِ وَالْقَوْلِ وَالْعَمَلِ جَمِيعًا) (^١).
وقال أيضًا: (على مِثْلِ هَذَا الْقَوْلِ كَانَ سُفْيَانُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَرْبَابِ الْعِلْمِ وَأَهْلِ السُّنَّةِ الَّذِينَ كَانُوا مَصَابِيحَ الْأَرْضِ وَأَئِمَّةَ الْعِلْمِ فِي دَهْرِهِمْ، مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَالْحِجَازِ وَالشَّامِ وَغَيْرِهَا .. يَرون الإيمان قولًا وعملًا) (^٢).
التصريح الثاني: قال الإمام أبو بكر الآجُرِّي (^٣) (المتوفى: ٣٦٠ هـ) في كتابه "الشريعة": (اعْلموا رَحِمَنَا الله وَإِيَّاكُمْ أَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ الْإِيمَانَ وَاجِبٌ عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ، وَهُوَ تَصْدِيقٌ بِالْقَلْبِ، وَإِقْرَارٌ بِاللِّسَانِ، وَعَمَلٌ بِالْجَوَارِحِ، ثُمَّ اعْلَمُوا أَنَّهُ لَا تُجْزِئُ الْمَعْرِفَةُ بِالْقَلْبِ وَالتَّصْدِيقُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ الْإِيمَانُ بِاللِّسَانِ نُطْقًا، وَلَا تُجْزِئ مَعْرِفَةٌ بِالْقَلْبِ وَنُطْقٌ بِاللَّسَانِ حَتَّى يَكُونَ عَمَلٌ بالْجَوَارِحِ، فَإِذَا كَمُلَتْ فِيهِ هَذِهِ الثَّلَاثُ الْخِصَالِ، كَانَ مُؤْمِنًا، دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ وَقَوْلُ عُلَمَاء الْمُسْلِمِينَ) (^٤).
وقال أيضًا: (قَدْ قَالَ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ وَبَيَّن فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِعَمَلٍ، وَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -، خِلَاف مَا قَالَتِ الْمُرْجِئَةُ الَّذِينَ لَعِبَ بِهِمُ الشَّيْطَانُ) (^٥).
_________________
(١) الإيمان (ص ٣٤).
(٢) الإيمان (ص ٦٦)، تحقيق: الألباني، نشر: مكتبة المعارف بالرياض، ط: الأولى - ١٤٢١ هـ.
(٣) ذكره السبكي في كتابه "طبقات الشافعية الكبرى، ٣/ ١٤٩"، قال: (أَبُو بكر الأجري الْفَقِيه المُحدث صَاحب المصنفات).
(٤) الشريعة (٢/ ٦١١).
(٥) الشريعة (٢/ ٦١٤).
[ ١ / ٣٠ ]
وقال أيضًا: (نَقُوُل وَالْحَمْدُ للهِ قَوْلًا يُوَافِقُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَعُلَمَاء الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ لَا يُسْتَوْحَشُ مِنْ ذِكْرِهِمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُمْ: إِنَّ الْإِيمَانَ مَعْرِفَةٌ بِالْقَلْبِ تَصْدِيقًا يَقِينًا، وَقَوْلٌ بِاللِّسَانِ، وَعَمَلٌ بِالجْوَارِحِ، وَلَا يَكُونُ مُؤْمِنًا إِلَّا بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ، لَا يُجْزِئُ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ) (^١). انتهى
التصريح الثالث: قال الإمام ابن عبد البر (٣٦٨ - ٤٦٣ هـ) في كتابه "التمهيد": (أَجْمَعَ أَهْلُ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، وَلَا عَمَلَ إِلَّا بِنِيَّةٍ، وَالْإِيمَانُ عِنْدَهُمْ يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ وَيَنْقُصُ بِالْمَعْصِيَةِ، وَالطَّاعَاتُ كُلُّهَا عِنْدَهُمْ إِيمَانٌ، إِلَّا مَا ذُكِرَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ، فَإِنَّهُمْ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الطَّاعَاتِ لَا تُسَمَّى إِيمَانًا، قَالُوا: إِنَّمَا الْإِيمَانُ التَّصْدِيقُ وَالْإِقْرَارُ، وَمِنْهُمْ مَنْ زَادَ: وَالْمَعْرِفَةُ) (^٢).
إلى أنْ قال: (وَأَمَّا سَائِرُ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ وَالْآثَارِ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَالشَّامِ وَمِصْرَ - مِنْهُمْ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَأَبُو عُبَيْدِ الْقَاسِمُ بْنُ سَلامٍ وَدَاوُدُ بْنُ عِليٍّ وَأَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ - فَقَالُوا: الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ .. وَالْإِيَمانُ يَزِيدُ بِالطَّاعَاتِ وَيَنْقُصُ بِالْمَعَاصِي) (^٣). انتهى
المثال الثاني: قال شمس الدين البرماوي (١/ ١٧٤): (خِطابَه تعالى كلامُه، وهو قديم على مذهب أهل السُّنة في أنه صفة قديمة قائمة به وهي الكلامُ النفساني، خِلَافًا لِمَن زعم أنَّ كلامه حَرْفٌ وصوتٌ قائمان به). انتهى
_________________
(١) الشريعة (٢/ ٦٨٦).
(٢) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (٩/ ٢٣٨).
(٣) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (٩/ ٢٤٣).
[ ١ / ٣١ ]
وقال أيضًا (٢/ ٨٥٨): (ومن هنا نشأ كلام العلماء في الآيات والأحاديث الواردة في الصفات المشكلة، فإنَّ الحقيقة فيها متعذرة بالأدلة القطعية عقلًا ونقلًا على طريق أهل السُّنة، فهل يُقال حينئذٍ: يجب الحمل على المجاز بمجرد التعذر؟ أوْ لا؛ لاحتمال إرادة ما يليق مما لا نعرفه مُعَيَّنًا؟ طريقتان: طريقة السلف الثانية مع اعتقاد التنزيه، خِلافًا لِما ينسبه المبتدعة لهم مِن الإجراء على الظاهر. وطريقة مَن بَعْدهم هي الأَوْلى الآن؛ محافظةً على التنزيه ونَفْي التوهُّم. فالفريقان متفقان على التنزيه. بل أقول: الواجب في هذا الزمان العمل بطريق التأويل؛ لِمَا سلكه المبتدعة مِن الحلول والاتحاد ومِن الجهة والتجسيم). انتهى كلام البرماوي.
قلتُ (عبد الله رمضان): وهل انحراف بعض الناس عن طريق الحق يُبِيح لنا نَفْي ما أَثْبَته الله تعالى لنفسه من صفات وأفعال؟ ! !
والأشاعرة يزعمون أنهم على مذهب أهل السُّنة، لكنهم في الحقيقة يخالفون أهل السُّنة، وقد ذكرتُ ذلك تفصيلًا في كتابي (الرد على القرضاوي والجديع والعلواني، ١/ ١٤٨).
فأهل السُّنة بريئون مِن عقيدة الأشاعرة التي تخالف ما كان عليه السلف الصالح.
فمذهب أهل السُّنة هو إثبات ما أَثْبَتَه الله تعالى لنفسه بما يليق بذاته ﷾، وليس هذا موضع بَسْط هذه المسألة.
وأمَّا نَفْي البرماوي أنَّ كلام الله تعالى حَرْفٌ وصَوْتٌ ففساده يظهر بقول الإمام ابن تيمية في "درء تعارُض العقل": (السلف وجمهور الخلف .. نزهوه عن كَوْنه كان عاجزًا عن الكلام كالأخرس الذي لا يمكنه الكلام) (^١). انتهى
_________________
(١) درء تعارُض العقل (٢/ ٢٧٨).
[ ١ / ٣٢ ]
وقال الإمام عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل في كتاب "السُّنة": (سألت أبي - ﵀ - عن قوم يقولون: "لَمَّا كلَّم اللهُ - ﷿ - موسى لم يتكلم بِصَوت". فقال أبي: بلى، إنَّ ربك ﷿ تكلم بصوت، هذه الأحاديث نَرْويها كما جاءت) (^١).
وقد ذكر الإمام البخاري حديث النبي - ﷺ -: "إِنَّ الله يَحْشُرُ الْعِبَادَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ: أَنَا الْمَلِكُ .. " ثم قال في كتابه "خلق أفعال العباد": (وَفي هَذَا دَلِيلٌ أَنَّ صَوْتَ الله لَا يُشْبِهُ أَصْوَاتَ الْخَلْقِ، لِأَنَّ صَوْتَ الله - جَلَّ ذِكْرُهُ - يُسْمَعُ مِنْ بُعْدٍ كَمَا يُسْمَعُ مِنْ قُرْبِ) (^٢).
وقال الإمام ابن تيمية: (الصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ - كَالْإِمَامِ أَحْمَد وَالْبُخَارِيِّ صَاحِبِ "الصَّحِيحِ" فِي كِتَابِ "خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ" وَغَيْرِهِ وَسَائِر الْأَئِمَّةِ قَبْلَهُمْ وَبَعْدَهُمْ - أَتْبَاعُ النُّصُوصِ الثَّابِتَةِ وَإِجْمَاعِ سَلَفِ الْأُمَّةِ .. أَنَّ الله تَعَالَى يَتكَلَّمُ بِصَوْت كَمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الصِّحَاحُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ كَأَصْوَاتِ الْعِبَادِ) (^٣).
قلتُ: وأكتفي بنَقْل تصريح إمامين من كبار أئمة المسلمين بإجماع السلف الصالح على أن الحقَّ حَمْل آيات وأحاديث الصفات على حقيقتها وظاهرها مِن غَيْر تشبيه أو تمثيل أو تكييف أو تأويل.
التصريح الأول: قال الإمام ابن عبد البر (٣٦٨ - ٤٦٣ هـ) في كتابه "التمهيد": (أهل السُّنة مُجْمِعون عَلَى الْإِقْرَارِ بِالصِّفَاتِ الْوَارِدَةِ كُلِّهَا فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِيمَانِ بِهَا وَحَمْلِهَا عَلَى الْحَقِيقَةِ لَا عَلَى الْمَجَازِ، إِلَّا أَنَّهُمْ لَا يُكَيِّفُونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَلَا يَحُدُّونَ فِيهِ صِفَةً
_________________
(١) السنة (١/ ٢٨٠).
(٢) خلق أفعال العباد (ص ٩٨).
(٣) مجموع الفتاوى (١٢/ ٢٤٣).
[ ١ / ٣٣ ]
مَحْصُورَةً. وَأَمَّا أَهْلُ الْبِدَعِ وَالْجَهْمِيَّةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ كُلُّهَا وَالْخَوَارِجُ فَكُلُّهُمْ يُنْكِرُهَا، وَلَا يَحْمِلُ شَيْئًا مِنْهَا عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِهَا مُشَبِّهٌ) (^١). انتهى
التصريح الثاني: قال الإمام أبو بكر الخطيب البغدادي (٣٩٢ - ٤٦٣ هـ) في رسالته في "الكلام في الصفات": (أما الْكَلَام فِي الصِّفَات فَإِن مَا رُوِيَ مِنْهَا فِي السُّنَن الصِّحَاح مَذْهَب السّلف - ﵃ - إِثْبَاتهَا وإجراؤها على ظَواهرهَا وَنفي الْكَيْفِيَّة والتشبيه عَنْهَا، وقد نفاها قوم؛ فَأَبْطَلوا ما أَثْبَتَه الله سبحانه) (^٢).
المثال الثالث:
قال شمس الدين البرماوي (١/ ١١٠): (و"التوفيق" خَلْق قُدْرة الطاعة وداعِية (^٣) فِعْلها .. هذا قَوْل الأشعري والمحققين، وضِدُّه "الخذلان"). انتهى
قلتُ (عبد الله رمضان): وهذه عقيدة الجَبْر التي يَؤُول إليها مذهب الأشعرية، وهي زعمهم أنَّ العاصي - حين عَصَى - لَمْ تَكُن عنده القدرة على الطاعة، وإنما يخلقها الله فيمن يُنْعِم عليه بالتوفيق، فهو - في الحقيقة - كان مَجْبُورًا على المعصية! !
وإليكم تصريحات أئمة فِرْقَة الأشاعرة بذلك:
١ - قال أبو الحسن الأشعري في كتابه (اللمع، ص ٩٥): (استحال أنْ يَقْدر
_________________
(١) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (٧/ ١٤٥).
(٢) الرسالة نُشِرَت مرارًا، منها نشرة بمجلة الحكمة (العدد الأول، ص ٢٨١) مُحَقَّقة على نُسخة مخطوطة وحيدة في دار الكتب الظاهرية بدمشق ضمن مجموع رقم: (١٦)، وكلام الخطيب نقله الإمام ابن قدامة بإسناده في كتابه (ذم التأويل، ص ١٥)، وكذلك نقله الإمام الذهبي في كتابه (العُلو لِلْعَلِي الغفار، ص ٢٥٣).
(٣) وقال أيضًا (١/ ٣٤٣): (كالداعية التي يخلقها الله تعالى للعبد على الفعل، وهي العزم المصمم).
[ ١ / ٣٤ ]
الإنسان على الشيء وضده).
وقال (ص ٩٧): (الاكتساب إنما لم يقع لِعَدَم الاستطاعة).
وقال (ص ٩٩): (فإنْ قال قائل: أليس قد كَلَّف الله تعالى الكافرَ الإيمان؟ قُلنا له: نعم. فإنْ قال: أفيستطيع الإيمان؟ قِيل له: لو استَطاعَه لَآمَن).
وقال (ص ٧٦): (حقيقة الكسب أنَّ الشيء وقع مِن المكتَسِب له بقوة مُحْدَثة) (^١). انتهى كلام الأشعري. وقوله: (مُحْدَثة) يعني: مخلوقة، يخلقها الله تعالى فيه.
٢ - قال السعد التفتازاني (٧١٢ - ٧٩٣ هـ) في كتابه "شرح المقاصد في علم الكلام" في فِعل العبد: (ذلك لا يُتصور إلَّا بِدَاعِيَة لا تَكُون بمشيئة العبد، بل بمحض خَلْق الله تعالى، وحينئذ يجب الفعل، ولا يتمكن العبد مِن تَرْكه، ولا نعني بالانتهاء إلى الجبر والاضطرار سوى هذا) (^٢). انتهى
وقال أيضًا (ص ٢٣١): (كلامنا في حصول المشيئة والداعية التي يجب معه الفعل أو الترك، ولا خفاء في أنه ليس بمشيئتنا واختيارنا ..؛ ولهذا ذهب المحققون إلى أن المآل هو الجبر .. وأن الإنسان مضطر في صورة مختار). انتهى
قلتُ: ويسميها عضد الدين الإيجي (المتوفى: ٧٥٦ هـ): "جَبْرِيَّة متوسطة" (^٣)! !
_________________
(١) اللمع، الناشر: مطبعة مصر - ١٩٥٥ م، تحقيق: د: حمودة غرابة.
(٢) شرح المقاصد في علم الكلام (٤/ ٢٣١)، الناشر: عالم الكتب، ١٤١٩ هـ.
(٣) وأنقل لكم هنا تصريحات جماعة من الأشاعرة توضح ذلك: قال عضد الدين الإيجي في كتابه (المواقف، ٨/ ٤٢٩): (الفرقة السادسة: الجبرية، والجبر: إسناد فِعل العبد إلى الله، والجبرية: متوسطة تُثبت للعبد كسبًا كالأشعرية، وخالصة لا تثبته كالجهمية، قالوا: لا قدرة للعبد أصلًا، لا مؤثرة ولا كاسبة). انتهى =
[ ١ / ٣٥ ]
فالأشعرية يرون أنَّ فِرقة الجبرية الضالة تقول بأنَّ الإنسان مُجْبَر على الطاعة أو المعصية اضطرارًا، كالمرتعد من الحمى، والريشة التي تُحركها الرياح.
فهربوا مِن ذلك - بِزَعْمهم - بأنِ اخترعوا نظرية الكَسْب، وهي أنَّ الله تعالى خلق في العاصي قدرة على المعصية، وبذلك يفعل المعصية، ويستحيل أنْ يَقْدِر على فِعل الطاعة، لأنَّ الله تعالى لم يخلق فيه إلا القدرة على المعصية! !
وأقول: وبذلك يتضح اتفاق الأشعرية والجبرية على أنَّ العاصي لا يستطيع الطاعة، لأنَّه ليس عنده القدرة عليها.
ولذلك قال عبد السلام بن إبراهيم اللقاني (٩٧٧ - ١٠٧٨ هـ) في (إتحاف المريد بجوهرة التوحيد) وهو أشعري: (فالمُوَفَّق لا يَعْصِي؛ إذْ لا قُدرة له على المعصية، كما أنَّ المخذول لا يطيع؛ إذ لا قدرة له على الطاعة) (^١). انتهى
_________________
(١) = وشرحه الشريف الجرجاني (٧٤٠ - ٨١٦ هـ) قائلًا: ("تثبت للعبد كسبًا" في الفعل بلا تأثير فيه "كالأشعرية"). شرح المواقف (٨/ ٤٢٩)، طبعة: دار الكتب العلمية - بيروت، ١٤١٩ هـ. وقال البيجوري في كتابه "تحفة المريد على جوهرة التوحيد، ص ٦٥": (مذهب الجبرية: وهو أنَّ العبد ليس له كسب، بل هو مجبور، أيْ: مقهور كالريشة المعلقة في الهواء تقلبها الرياح كيف شاءت). انتهى وقال (ص ١٧٦): (فليس للعبد تأثير ما، فهو مجبور باطنًا في صورة مختار ظاهرًا. فإنْ قيل: إذا كان مجبورًا باطنًا، فلا معنى للاختيار الظاهري ..، وأُجيب بأنه تعالى لا يُسأل عما يفعل). وقال (ص ١٦٨): (ربما هجس لبعض القاصرين على أنَّ مِن حُجة العبد أن يقول لله: "لِمَ تعذبني والكُل فِعلك؟ " وهذه مردودة بأنه لا يتوجه عليه تعالى مِن غيره سؤال، قال تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣] .. فلا يسعنا إلَّا التسليم المحض). انتهى كلام البيجوري.
(٢) إتحاف المريد بجوهرة التوحيد، مخطوط (رقم: ٣٦١٣، الورقة ٢٢ ب) بجامعة الملك سعود.
[ ١ / ٣٦ ]
وقد ذكر الإمام ابن تيمية نظرية الكَسب عند الأشعري ثم عَلَّق عليها في "مجموع الفتاوى" قائلًا: (صَارَ النَّاسُ يَسْخَرُونَ بِمَنْ قَالَ هَذَا، وَيَقُولُونَ: ثَلَاثَةُ أَشْيَاء لَا حَقِيقَةَ لَهَا: طَفْرَةُ النَّظَّام، وَأَحْوَالُ أَبِي هَاشِمٍ، وَكَسْبُ الْأَشْعَرِيِّ) (^١).
وقال الإمام ابن تيمية أيضًا في "الصفدية": (والأشعري ومَن وافقه اتبعوا جَهْمًا على قوله في القدر وإنْ كانوا يثبتون قدرة وكسبًا، لكن ما أثبتوه لا حقيقة له في المعنى، بل قولهم هو قول جهم وإنْ نازعوه في إثبات القدرة والكسب) (^٢). انتهى
إلى أنْ قال بعد أنْ ذكر بعض أقوالهم: (وهذا القول لم يَقُلْه قَط أحد مِن سلف الأئمة ولا أئمة المسلمين، لا الأربعة ولا غيرهم، بل المنصوص عنهم وعن غيرهم خلاف هذا القول). انتهى
وقال الإمام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى": (مشِيئَةُ الْعَبْدِ لِلْخَيْرِ وَالشَّرِّ مَوْجُودَةٌ، فَإِنَّ الْعَبْدَ لَهُ مَشِيئَةٌ لِلْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَلَهُ قُدْرَةٌ عَلَى هَذَا وَهَذَا. وَهُوَ الْعَامِلُ لِهَذَا وَهَذَا) (^٣).
وقال أيضًا: (وَمَنْ قَالَ: "لَا مَشِيئَةَ لَهُ فِي الْخَيْر وَلَا فِي الشَّرِّ" فَقَدْ كَذَبَ .. بَلْ لَهُ مَشِيئَةٌ لِكُلِّ مَا يَفْعَلُهُ بِاخْتِيَارِه مِنْ خَيْرِ وَشَرٍّ) (^٤).
الخلاصة:
كان قول المؤلِّف في بعض المسائل مَبْنِيًّا على عقيدته الأشعرية، ولم أُعَلِّق عليها - في هذه الطبعة - في مواضعها؛ تاركًا ذلك لفطنة القارئ الذي لا يَخْفَى عليه مخالفة
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٨/ ١٢٨).
(٢) الصفدية (٢/ ٣٣١).
(٣) مجموع الفتاوى (٨/ ٢٣٨).
(٤) مجموع الفتاوى (٨/ ٢٤٠).
[ ١ / ٣٧ ]
الأشاعرة مَنْهَج السَّلَف الصالح في العديد من الأُصُول والمسائل الكِبار. فاكتفيتُ بما ذكرتُه في هذا المبحث؛ لكي لا يخرج كتاب أصول الفقه عن مقصوده.
ومَن أراد تفصيل ذلك فَلْيرجِع إلى الكُتب التي تناولت هذا الموضوع، منها:
١ - كتابِي "الرد على القرضاوي والجديع والعلواني، ج ١/ ١٤٨ - ١٧٦".
٢ - "منهج الأشاعرة في العقيدة" للدكتور سفر الحوالي.
٣ - "التمييز في بيان أن مذهب الأشاعرة ليس على مذهب السلف العزيز" لأبي عمر حاي بن سالم.
٤ - "نقض عقائد الأشاعرة والماتريدية" لخالد علي.
٥ - "الأشاعرة في ميزان أهل السُّنة" لفيصل الجاسم.
٦ - "مسائل أصول الدين المبحوثة في علم أصول الفقه" د. خالد عبد اللطيف.
٧ - "المسائل المشتركة بين أصول الفقه وأصول الدَّين" للدكتور محمد العروسي.
٨ - مقدمة تحقيق "الأسماء والصفات" للإمام البيهقي، تحقيق: محمد محب الدين أبو زيد، الناشر: مكتبة التوعية الإسلامية - الهرم.