قد بيَّنا فيما سبق أنَّ أدلة الفقه الأصول الثلاثة: الكتاب، والسُّنَّة، والإجماع، وما يُستخرج به من الثلاثة وهو القياس. وأن الاستدلال بكل من الأربعة يتوقف الاستدلال به على شيء لا بُدَّ من معرفته. فلمَّا فرغنا مما يتوقف عليه الاستدلال بالثلاثة، ذكرنا ما يتوقف عليه الدليل الرابع -وهو القياس- وذلك: أركان القياس، وشروط كل ركن، والموانع فيها.
وقد سبق تعريف "القياس" بأنه: حَمْل معلوم على معلوم في حُكمه؛ لمشاركته له في المعنى المُقْتَضِي للحُكم. فلزِم مِن ذلك بالضرورة أن تكون أركان القياس أربعة: الأصل، والفرع، والعلة الجامعة، والحكم [الملحق فيه] (^١).
وأما ما حُكي مِن خلاف في أن القياس يجوز من غير أصل فقال ابن السمعاني: (إنه قول مَن خلط الاجتهاد بالقياس) (^٢).
أي: سمَّى الاجتهاد قياسًا. والحقُّ أنه نوع مِن الاجتهاد، والذي لا يحتاج إلى أصل هو ما سواه مِن أنواع الاجتهاد، وأما القياس فلا بُد له من أصل.
وكذا ما حكاه ابن السمعاني مِن خلاف شاذ في أن العِلة ليست مِن أركان القياس وأنه القياس بدونها إذا لاح بعض الشَّبَه. وهو قول باطل، لا سيما إذا قُلنا: إن العلة هي
_________________
(١) ليس في (ص، ق).
(٢) قواطع الأدلة (٢/ ١٣٥).
[ ٤ / ١٨٦٨ ]
الدالة على الحكم في الأصل مع وجود النص على الحكم، وأنهما دليلان كما سيأتي.
وأيضًا فقوله: (يكون بينهما بعض الشبه) هو [عَيْن] (^١) العِلة في الجملة، وهو معنى قولي:
ص:
٧٦٣ - الرُّكْنُ لِلْقِيَاسِ إذْ يَتِمُّ: أَصْلٌ، وَفَرْعٌ، عِلَّةٌ، وَحُكْمُ
٧٦٤ - [كَـ: يَحْرُمُ] (^٢) النَّبِيذُ مِثْلَ الْخَمْرِ لِوَصْفِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِالسُّكْرِ
الشرح:
المراد بالأركان هنا: ما لا يتم القياس إلا به؛ لأنَّ القياس إذا كان هو حمل معلوم على معلوم على ما بيناه، فالحمل مصدر، وهو معنى من المعاني، فكيف يكون أركانه وأركان الشيء هو ما يتألف ذلك الشيء منه؟
فإطلاق الأركان على هذه الأمور مجَاز، إلا [أن] (^٣) يُعْنَى بالقياس مجموع هذه الأمور مع العمل تغليبًا، فيصير كل من الأربعة شطرًا له، لا شرطًا.
ونظير ذلك في الفقه: إطلاق أنَّ البيع أركانه ثلاثة: عاقد، ومعقود عليه، وصيغة.
وقد أوَّله الرافعي بنحو هذا التأويل، وهو أن المراد ما لا بُدَّ منه. وفيه أبحاث مشهورة في محله.
_________________
(١) في (ص): قول باطل.
(٢) في (ت، س): كتحريم. وفي (ش): كمحرم. ولا يصح معهما الوزن.
(٣) في (ص): أنه.
[ ٤ / ١٨٦٩ ]
ونظيره أيضًا في العلوم العقلية: أن التصديق بالنسبة إلى ما يتوقف الحكم عليه من التصورات هل هي شطر له؟ أو شرط؟ وقد سبق بيانه أول المقدمة.
ويدل لجعله مطلقًا على المجموع أن الحمل إنما المراد به كشف ذلك وإظهاره؛ لأنه يتبين عند القائس أن الواقع في نفس الأمر هو كونه محمولًا عليه، فيكون الحمل في الحقيقة هو اعتقاد كَوْن ذلك.
كذلك قولي: ([كَـ: يَحْرُمُ] (^١) النَّبِيذُ) أي: مثال القياس أن يقول القائل: يحرم النبيذ مثل ما يحرم الخمر بجامع ما بينهما من المعنى المقتضِى للتحريم وهو السُّكْر.
فـ"مِثْل" منصوب على الحال، أي: حال كونه مِثله. فالتحريم هو الحكم، والنبيذ هو الفرع، والخمر هو الأصل، والمعنى الجامع هو اتصاف كل منهما بالسكر، أي: بالإسكار. أي: شأنه أنْ يسكر. هذا على المرجَّح في تفسير "الأصل" و"الفرع" كما سيأتي بيانه.
فإنْ قلت: معنا تحريمان، أحدهما حكم الأصل والثاني حكم الفرع، فلِمَ لا عُدَّت الأركان خمسة؟
قلت: مَن يُطلق أن مِن أركان القياس الخكم لا يَرِد عليه ذلك؛ لأنَّ الحكم الذي في "الأصل" هو الذي في "الفرع"، فهو واحد في ذاته وإنِ اختلف محله، فهذه الحيثية هي المرادة وإنْ كانا اثنين باعتبار المحل.
وأما مَن يقول: إنَّ من أركان القياس حُكم الأصل -وهو الغالب- فيحتمل أن يريد ما ذكر مِن الاتحاد، ولكنه أُضِيف للأصل؛ لأنه الأول في الاعتقاد ثم يصير معتقدًا في الفرع.
أو يجاب -كما قال الآمدي- بأنَ حُكم الفرع ثمرةُ القياس، فلو كان من أركانه لَتَوَقَّف القياس عليه، وهو دَوْر.
_________________
(١) في (ت، س): كتحريم. وفي (ش): كمحرم. ولا يصح معهما الوزن.
[ ٤ / ١٨٧٠ ]
ولكنه قد رُدَّ بأن ثمرة القياس إنما هي العِلم بالحكم، لا نفس الحكم. فإنْ أريد ما قررناه مِن أن القياس يكشف ما في نَفْس الأمر فصحيح، وإن أريد أنه من حيث هو دليل إنما يفيد العِلم بالحكم لا نَفْس الحكم فهو على أحد القولين في المسألة: أن الدليل هل يقتضي نفس الحكم؟ أو العِلم بالحكم؟ ورجح الثاني. والله تعالى أعلم.
ص:
٧٦٥ - فَـ"الْأَصْلُ": مَا [يُرَى] (^١) مَحَلَّ الْحُكْمِ إذْ شَبّهوا بِهِ، كخَمْرٍ سُمِّي
٧٦٦ - لَا حُكْمُهُ وَلَا دَلِيلُهُ وَلَا مِنْ شَرْطِهِ كَوْنُ الدَّلِيلِ جَا عَلَى
٧٦٧ - أَنَّ قِيَاسَنَا عَلَيْهِ جَائِزُ بِنَوْعِهِ أَوْ شَخْصِهِ وَحَائِزُ
٧٦٨ - وَلَا اتِّفَاقٌ أَنَّ فِيهِ الْعِلَّهْ وَ"الْفَرْعُ": مَا التَّشْبِيهُ قَدْ أُحِلَّهْ
الشرح:
أي: إذا تَقرر أن أركان القياس أربعة، فلا بُدَّ من تعريف كل منها وبيان شَرْطه بوفاق أو خلاف. وإنما بدأتُ بِـ"الأصل" لِمَا لا يخفَى مِن تفريع غيره عليه، فهو أَوْلى مِن تأخيره كما فعل البيضاوي إلى ما بعد الكلام على العلة.
وقد سبق أن "الأصل" في اللغة: "ما يُبْنَى عليه الشيء" أو نحو ذلك، وأن له في الاصطلاح إطلاقات، أحدها ما يُذكر في القياس وهو المراد هنا، وقد اختُلف فيه على ثلاثة أقوال:
أحدها: المرجَّح وقول الأكثر وبه قال الفقهاء وكثير من المتكلمين وصححه ابن
_________________
(١) في (ت): (يرى به). ولا يصح معه الوزن؛ فالصواب كما في سائر النُّسَخ.
[ ٤ / ١٨٧١ ]
السمعاني: أنه محل الحكم المشبه به، كالخمر في المثال السابق.
الثاني: أنه دليل الحكم. حكاه في "الملخص" عن القاضي، وحكاه صاحب "الواضح" عن المعتزلة، فيكون في المثال قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] وما في معنى ذلك من الكتاب والسنة والإجماع.
الثالث: أنه نفس الحكم الذي في الأصل، وهو كالتحريم في المثال؛ لأنه الذي يتفرع عليه الحكم في الفرع.
ثم أشار ابن الحاجب إلى أن "الأصل" في اللغة: "ما يَنْبَني عليه غيره"، فهو يساعد إطلاقه اصطلاحًا على كل مِن الثلاثة، فلا بُعْد في الجميع.
لكن هذا وإنْ كان مُسلَّمًا لكن الأول أَرْجَح من حيث إنَّ باب القياس مَرْجِعه إلى الفقهاء، وقد ساعدهم الأصوليون فيه على مصطلحهم وجروا في ذلك على مقتضَى قولهم، فلا يطلقون "الأصل" إلا على ما يُطلقه الفقهاء وهو محل الحكم المشبه به؛ لئلا يختبط الذهن بين الاصطلاحات.
ثم قال ابن الحاجب بعد ما نقلناه عنه: (ولذلك -أيْ لأجل أن الأصل "ما يَنْبَني عليه غيره"- كان الوصف الجامع فرعًا للأصل، أصلًا للفرع) (^١).
ومراده أن الشيء الواحد يكون أصلًا باعتبار، فرعًا باعتبار. وهذا معنى قول الإِمام الرازي: (إنَّ الحكمَ أصلٌ في محل الوفاق، فرعٌ في محل الخلاف، والعِلة بالعكس) (^٢).
وتحقيق ذلك: أنَّ الأصل إما إن يكون بالذات -أيْ بلا واسطة- أو بالعَرَض، أيْ: بواسطة أمر آخَر. فإنَّ أصلَ الأصل أصلٌ، فلا خِلاف في المعنى، بل في الاصطلاح.
_________________
(١) مختصر المنتهى (٣/ ١٤) مع شرحه.
(٢) المحصول (٥/ ١٧).
[ ٤ / ١٨٧٢ ]
لكن قال ابن الحاجب بعد ذلك قبيل الكلام في شروط الفرع نقلًا عن الشافعية أنهم قالوا: إن حُكمَ الأصل -أيْ المُعَلَّل لا التعبُّدي فإنه ليس الكلام فيه- ثابتٌ بالعِلة.
قال: (والمعنى أنها الباعث على حُكم الأصل. وقال الحنفية: بالنَّص. والمعنى: أنَّ النص عَرَّف الحكم، فلا خِلاف في المعنى) (^١). انتهى
وذكره غيره أيضًا. والمسألة مشهورة في الخلاف بين الشافعية والحنفية، واقتضى نقلهم عن الشافعية ذلك أنهم يفسرون "العِلة" بالمؤثِّر أو الباعث حتى لا يكون النص على الحكم منافيًا لتعليله، بخلاف ما لو فُسرت بالمعرِّف، فإنه ينافي النص؛ لأنَّ النص أيضًا مُعرِّف، وهو قد عُرف من التعليل، فأيّ فائدة في النص؟ ولكن الشافعية ليس عندهم العلة إلا مُعرّفة، لا مُؤثِّرة. أي: إنها أَمَارة دالة على الحكم، وغايته أن يكون للحكم مُعَرِّفان: النَّص، والعِلة.
وإنما الداعي لابن الحاجب وغيره إلى ذلك أنهم لما جعلوا العلة فرعًا للأصل أصلًا للفرع كما سبق؛ حذرًا مِن لزوم الدَّوْر؛ لأنها إذا كانت مأخوذة مِن النص على حكم الأصل، فلا تكون مُعرِّفة لحكم الأصل؛ لِلِزُوم الدَّوْر. لَكِنَّا إذا قُلنا: مُعَرِّفة، تكون هي والنَّص مُعَرِّفَيْن. إلا أن تعريف النص قاصر على تعريف حُكم الأصل، والعِلة مُعرفة لحكم الأصل ولحكم الفرع معًا. فَتُعَرِّف حُكمَ الأصل لمن لم يَعْرفه مِن النص، وتُعَرِّف حُكمَ الفرع لمن عَرف مساواته مع الأصل.
فمَن عرف بطريق مِن الطُّرق أن علة تحريم المسكرات الإسكار، يَعْرف تحريم الخمر من ذلك، لا مِن نَصٍّ على تحريمه. ومَن عَرف تحريمه بنَصٍّ، لا يَضُره أنْ لا يَعْرفه مِن حيث العِلة؛ لأن التعريف إنما يكون لمن يجهل ما عرف به.
_________________
(١) مختصر المنتهى مع شرح الأصفهاني (٣/ ٨١).
[ ٤ / ١٨٧٣ ]
ولذلك فوائد كثيرة يظهر أثر اختلاف الشافعية والحنفية فيها، خلافًا لمن زعم أن الخلاف لفظي كما اقتضاه كلام ابن الحاجب والهندي وابن برهان.
منها: التعليل بالعلة القاصرة، فالحنفية منعوه؛ لزعمهم أنه لا فائدة فيه؛ لكون الحكم قد عُرف بالنص. ونحن نقول: فائدتها تعريف الحكم كما عَرَّفَه النَّص، فيكون للحُكم مُعَرِّفان. وستأتي المسألة وفوائد القاصرة.
ومنها: ما سيأتي من أن العلة هل يشترط أن لا يكون ثبوتها متأخرًا عن ثبوت حكم الأصل؟ نحن نشترطه، وهُم لا يشترطونه. وسيأتي إيضاح ذلك في الكلام على العِلل.
ويأتي أيضًا في النَّظم الإشارة إلى مسألة أنَّ "الحكم ثابت بالعلة؟ [أَمْ] (^١) بالنص؟ " في قولي: (وَالْحُكْمُ في الْأَصْلِ بِهَا قَدْ ثَبَتَا) البيت. وإنما ذكرتها هنا مبسوطة؛ لتعلقها تَعلقًا قويًّا بما سبق وإنْ كان لها تَعلُّق هناك أيضًا. وسنحيل هناك شرحها على ما تقرر هنا، فاعْلَمه.
قولي: (وَلَا مِنْ شَرْطِهِ) إلى آخِره -إشارة إلى ما شَرَطَه بعضهم في الأصل وليس شرطًا فيه.
فمنه ما شَرَط عثمان البتِّي، وهو بموحدة ثم مثناة من فوق مشددة نِسبة إلى موضع، قال السمعاني: أظنه بنواحي البصرة.
وعثمان هذا [رأَى] (^٢) أنس بن مالك، وروى عن الحسن البصري.
فقال عثمان: إنه لا بُدَّ في الأصل المقيس عليه أن يقوم دليل على جواز القياس عليه بنوعه أو شخصه، حتى لو كان القياس في بيع مثلًا فلا بُدَّ مِن دليل على أنه يجوز القياس في البيوع أو إذْن بأنْ يُقاس على ذلك الأصل المنصوص.
_________________
(١) في (ت، س): لا.
(٢) في (ت): روى عن.
[ ٤ / ١٨٧٤ ]
وخالفه الجمهور فجوَّزوا القياس على كل أصل انقدح في حكمه معنى مخيل غلب على الظن اتِّباعه. ومَن استقرأ ذلك في قياسات العلماء، وجدها طافحة به.
ومنه ما شَرَط بعضهم في الأصل أنْ يُجْمِعوا على أنَّ حُكمه مُعَلَّل، لا تَعَبُّدي. ونُقل عن بشر المريسي والشريف المرتضى.
ومنهم مَن شَرَط الاتفاق على وجود العلة في الأصل. وخالف الجمهور، فاكتفوا بانتهاض الدليل على ذلك.
قال الشيخ أبو إسحاق: (إنْ أراد مُشترِط ذلك إجماع الأُمة فهو يؤدي إلى إبطال القياس بالكُلية؛ لأنَّ نُفاة القياس مِن جُملة الأُمة، وإنْ أراد إجماع مَن يقول بالقياس فَهُم بعض الأُمة) (^١). انتهى
وفيه نظر؛ لأن مخالفة نُفاة القياس -كالظاهرية- سبق أنه لا يُعتبَر في الإجماع (على المرجَّح).
ومنهم مَن شَرَط كَوْنه غير محصور بالعَدد، نحو: "خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم" (^٢).
ومنهم مَن شَرَط كَوْنه مؤثرًا في كل موضع، كما قاله القاضي أبو الطيب في إبطال بيع الغائب باع عَيْنًا لم يَرَ منها شيئًا، فبَطُل، كبيع النوى في التمر.
فقيل: إذا كان يَرى بعضه، يصح. فيقال: ليس مِن شرطه تأثيره في كل موضع.
ومنهم مَن شرط كون القياس صحيحًا.
_________________
(١) اللمع في أصول الفقه (ص ١٠٣).
(٢) صحيح البخاري (رقم: ٣١٣٦).
[ ٤ / ١٨٧٥ ]
ورُدَّ بأنه قياس وإنْ كان فاسدًا. قاله الأستاذ أبو منصور.
قلت: وفيه نظر؛ فإنَّ هذه الشروط إنما هي للقياس الصحيح.
وقولي: (بِنَوْعِهِ أَوْ شَخْصِهِ) متعلق بقولي في البيت قبله: (جَا).
وقولي: (وَحَائِزُ) بالحاء المهملة، أي: حائز ما جاء من الدليل بالنوع أو بالشخص. فهو توكيد لما سبق. والله أعلم.
وقولي: (وَ"الْفَرْعُ": مَا التَّشْبِيهُ قَدْ أُحِلَّهْ) تمامه ما بعده، وهو:
ص:
٧٦٩ - لَا حُكْمُهُ، وَشَرْطُهُ أَنْ يُوجَدَا تَمَامُ عِلَّةٍ بِهِ، فَإنْ بَدَا
٧٧٠ - بِالْقَطع ذَا، فَهْوَ إذَنْ قَطْعِيُّ أَوْ كَانَ بِالظَّنِّ، فَذَا ظنِّيُّ
٧٧١ - وَسَمِّ هَذَا بِـ"قِيَاسِ الْأَدْوَنِ" كَقَيْسِكَ التُّفَّاحَ في الْمُعَيَّنِ
٧٧٢ - بِالْبُرِّ؛ لِلطّعْمِ الَّذِي في [ضِمْنِهِ] (^١) [ولَيْسَ] (^٢) شَرْطَهُ ثُبُوتُ حُكْمِهِ
٧٧٣ - بِالنَّصِّ إجْمَالًا، وَلَا انْتِفَاءُ نَصٍّ أَوِ اجْمَاعٍ لَهُ اقْتِضَاءُ
٧٧٤ - بِوَفْقِهِ، فَإنْ أَتَى، كانَ عَلَى ذَاكَ دَلِيلَانِ عَلَى مَا فُصِّلَا
الشرح:
وهو بيان لتعريف الركن الثاني من القياس وهو "الفرع" وبيان شرطه. وإنما قدمتُه على الحكم والعلة؛ لأنَّ "الفرع" مقابل للأصل، فناسب أن يذكر عقبه؛ لِمَا بين الضدين مِن
_________________
(١) كذا في (ض، ن ٣، ن ٤، ن ٥). لكن في سائر النُّسَخ: ضمه.
(٢) في (ت): فليس.
[ ٤ / ١٨٧٦ ]
اللزوم الذهني.
وفي المراد به في القياس قولان:
أحدهما وهو الأرجَح: أنه المَحل المشبه، وهو معنى قولي: (مَا التَّشْبِيهُ قَدْ أُحِلَّهْ)، وهو بضم الهمزة على البناء للمفعول، أي: جُعل حالًّا فيه، وذلك كالنبيذ في المثال السابق.
والثاني: أنه الحكم القائم بالمحل المشبه.
وهذان القولان مُرتَّبان على القولين في تعريف الأصل. فمَن قال: "المحل" هناك، قال هنا: "المحل". ومَن قال هناك: "الحكم"، قال هنا: "الحكم".
وأما من قال هناك: (إنَّ الأصل هو الدليل) فلا يمكن أن يقول هنا: (دليل الفرع)؛ لأن دليله إنما هو القياس؛ ولذلك لم يُجعل حُكم الفرع من أركان القياس؛ لكونه ثمرته وناشئًا عنه كما سبق بيانه آنفًا.
وأما شرط الفرع:
فهو أن يشتمل على عِلة حُكم الأصل بتمامها حتى لو كانت ذات أجزاء، فلا بُدَّ مِن اجتماع الكل في الفرع.
ثم إنْ كان وجودها بتمامها فيه قطعيًّا كقياس الضرب للوالدين على قول: "أُف" بجامع أنه إيذاء، وكالنبيذ يُقاس بالخمر بجامع الإسكار، فَيُسَمَّى الأول: "قياس الأَوْلَى" والثاني: "قياس المساواة"، وكُل منهما قَطْعِي.
وإنْ كان وجود العلة بتمامها في الفرع ظنيًّا، فالقياس ظني، ويسمى "قياس الأَدون"، كقياس التفاح على البُر في أنه لا يباع إلا يدًا بِيَد [و] (^١) نحو ذلك؛ بجامِع الطعم، لا أنَّ المراد بِـ"الأَدون" أن يكون المعنى الذي في الفرع ناقصًا عن المعنى الذي في الأصل، فإنَّ القياس
_________________
(١) كذا في (ص)، لكن في (ق، س): أو.
[ ٤ / ١٨٧٧ ]
حينئذٍ فاسدٌ بالكُلية.
وهذا معنى قول ابن الحاجب في شروط الفرع: (أن يُساوي في العلةِ عِلةَ الأصل) (^١).
إلا أنه يُوهِم خروح قياس الأَوْلى، لكن لما كان المعنى نَفْي النقص دُون نفي الزيادة، صَحَّ تعبيره بالمساواة.
وعلى كل حال فالتعبير بوجود العلة بتمامها فيه أَجْوَد؛ لعدم الاحتياج لتأويل.
ثم فسر ابن الحاجب "المساواة" بقوله: (فيما يقصد مِن عَيْنٍ أو جنسٍ) (^٢)؛ للإشارة إلى ما سيأتي مِن تقسيمات العلة موضحًا.
ومن شروط الفرع أيضًا: أن يساوي حُكمُه حُكمَ الأصل فيما يقصد كونه وسيلة للحِكمة مِن عَيْن (كالقصاص في النفس بالمثقل إذا قِيس على المحدد) أو جنس (كالولاية في النكاح في الصغيرة تُقاس على المولى عليها في المال، فإنَّ ولاية النكاح مساوية لولاية المال في جنس الولاية، لا في عَيْن تلك الولاية). كذا ذكره ابن الحاجب، ولم أذكره في النَّظم هنا؛ لأنه من أحكام إثبات الحكم في الفرع بالقياس. أي: تعيين ما يحكَم على الفرع به من حكم الأصل.
قولي: (ولَيْسَ شَرْطَهُ ثُبُوتُ حُكْمِهِ بِالنَّصِّ إجْمَالًا) معناه: أنه لا يشترط في الفرع أن يدل النص على حُكمه في الجملة لا بالتفصيل، خلافًا لقول أبي هاشم: (إنه يشترط، وإنَّ التفصيل يُطلب بالقياس). وحكاه أيضًا إلْكِيَا عن أبي زيد.
مثال ذلك: إذا قُلنا في اجتماع الجد مع الأخوة: يرث معهم؛ قياسًا على أحدهم؛ لأنَّ كُلًّا مِن الجد والأخ يدلي بالأب. فلولا دل الدليل على إرث الجد في الجملة لَمَا ساغ القياس في
_________________
(١) مختصر المنتهى مع شرحه (٣/ ٨٣).
(٢) مختصر المنتهى مع شرحه (٣/ ٨٣).
[ ٤ / ١٨٧٨ ]
هذه الصورة.
ورُدَّ عليهم بأن العلماء قاسوا: (أنتِ علَيَّ حرام) إما على الطلاق في تحريمها أو على الظهار في وجوب الكفارة أو على اليمين في كونه إيلاء. ولم يوجد في ذلك نَص يدل على الحكم، لا جُملةً ولا تفصيلًا.
وقولي: (وَلَا انْتِفَاءُ نَصٍّ) أي: ولا يشترط أيضًا انتفاء نَص على حُكم الفرع بحكم يوافق الحكم الذي يُراد إثباته بالقياس عند الأكثرين، خلافًا للغزالي والآمدي؛ للاستغناء بالنص؛ ولهذا في قصة معاذ كان القياس فيها مُرتبًا بِـ"إنْ" الشرطية على فقدان النص، وهي أصل في مشروعية القياس.
وجواب ذلك: أن المراد تَعَيُّن القياس عند الفقد، وأما عند وجوده فيكون مِن اجتماع دليلين؛ إذ لا يمتنع تَرادُف الأدلة على مَدلول واحد.
وأيضًا: فبالقياس تُعرف علة الحكم، وهو معنى قولي: (فَإنْ أَتَى)، أي: نَصٌّ على وَفْق القياس، كان على ذلك الحكم في الفرع دليلان: النص، والقياس. وهو معنى (فُصِّلَا).
وقد فُهِم مِن القيدين المذكورين في المسألة أمران:
أحدهما: أن يكون النص الدال على حكم الأصل هو الدال على ذلك في الفرع بِعَيْنه، وذلك خارج بقولي: (بِوَفْقِهِ)، فإنه يقتضي المغايرة؛ ضرورة تَغايُر الموافِق للموافَق. فالقياس حينئذٍ باطل؛ إذ ليس ما ادُّعِي أنه أصل وأنَّ الآخر فرع بِأَوْلى مِن عكسه.
كما لو قِيس السفرجل على العنب في جريان الربَا فيه بِعِلة الطعم، فيقال: النهي عن بيع الطعام بالطعام شامل للأمرين، فجَعْل أحدهما أصلًا والآخَر فرعًا تَحَكُّم.
وكما لو قيس منع قَتْل المسلم بالذمي على مَنْعه بالحربي بأنَّ كُلًّا منهما فيه قَتْل "مَن فُضِّل
[ ٤ / ١٨٧٩ ]
بالإِسلام" بِغَيْره، فيُقال: قوله - ﷺ -: "لا يقتل مؤمن بكافر" (^١) نصٌّ شامل لهما. وهذا معنى قول البيضاوي: (وَأَنْ لَا يتنَاوَل دَليلُ الأصْلِ الفَرعَ، وَإلِاَّ لضَاعَ القِيَاسُ) (^٢). وعليه يحمل قول ابن الحاجب فيما يشترط في الفرع: (وأن لا يكون منصوصًا عليه) (^٣). أي: بِعَيْنه، خلافًا لحمل بعض شَارِحِيه ذلك على المسألة السابقة وهي أنْ يكَون النَّص موافقًا لنص الأصل، لا عَيْنه.
الأمر الثاني: أن يكون النص في الفرع على خلاف الحكم المراد إثباته بالقياس؛ لأن القياس حينئذٍ باطل، إذ القياس لا يُقدَّم على النص. لكن القياس في نفسه صحيح إلا أنه مُلْغًى لا يُعمل به؛ ولذلك يقال: إذا تَعارَض القياس والنص، فالنص مُقَدَّم؛ لأن التعارُض إنما يكون عند صحة المتعارِضَيْن. ففائدة القياس التمرين ورياضة الذهن، وهو معنى قوله في "جمع الجوامع": (إلا لتجربة النظر) (^٤).
قلتُ: ولكن فيه النظر الذي سبق آخِر الكلام في الأصل.
ومما شُرط في الفرع أيضًا وليس بِمَرْضِيٍّ: أن لا يكون الفرع سابقًا على الأصل؛ لأنَّ المستفاد لا بُدَّ مِن تأخُّره عن المستفاد منه وإلا لتناقض فَرْض تَقدُّمه مع تأخّره، فلا يُقاس الوضوء على التيمم في وجوب النية؛ لأنَّ ورود التيمم بعد الهجرة والوضوء قبلها.
وردَّه ابن الصباغ بأنه لا يمتنع أن الشيء عليه أمارات متقدمة ومتأخرة، كمعجزات النبي - ﷺ -، منها مقارِن لنبوته ومنها ما هو بعد ذلك.
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) منهاج البيضاوي (ص ٢٢٠) بتحقيقي.
(٣) مختصر المنتهى مع شرحه (٣/ ٨٣).
(٤) جمع الجوامع (٢/ ٢٧٠) مع حاشية العطار.
[ ٤ / ١٨٨٠ ]
وقال ابن دقيق العيد: إنما يُشترط هذا إذا كان طريق حُكم الفرع [مُتَعَيّنًا] (^١) في استناده للأصل.
وقال ابن الحاجب: لا يمتنع أن يكون إلزامًا للخصم.
ولا يخفَى ما في المقالَين مِن نَظَر. والله أعلم.
ص:
٧٧٥ - وَ"الْحُكْمُ" كَالتَّحْرِيمِ في الْمِثَالِ وَشَرْطُهُ الثُّبُوتُ بِاتِّصَالِ
٧٧٦ - في الْأَصْلِ، لَا مِنَ الْقِيَاسِ، وَكَذَا عَنْ سَنَنِ الْقِيَاسِ لَيْسَ نُبِذَا
٧٧٧ - وَوَفْقُ خَصْمَيْنِ عَلَى ذَا الْمُثْبَتِ وَلَيْسَ شَرْطًا اتِّفَاقُ الأُمَّةِ
الشرح:
هذا بيان الثالث من الأركان، وهو "الحكم"، وله بالنظر إلى تَعلُّقه بالأصل المقِيس عليه شروط على الراجح، وبعض على رأيٍ.
وإنما لم أذكر تعريفه هنا لأنه قد سبق تعريف الحكم في أول الكتاب؛ فأغْنَى عن إعادته هنا. وإنما مثلتُ بما وقع في المثال الممثَّل به للقياس حتى يجري مثله في كل قياس.
فمِن شروطه المعتبرة:
أن يكون ثبوته في الأصل إما بنص أو إجماع، [لا بقياس] (^٢). أما النص من كتاب أو سنَّة فبِلا خلاف، وأما الإجماع فَعَلَى قول الجمهور.
_________________
(١) كذا في (ص)، لكن في (ق): معينا. وفي (ش): مستفتيًا. وفي سائرها: سببا.
(٢) ليس في (ص، ق).
[ ٤ / ١٨٨١ ]
وحكى الشيخ أبو إسحاق في "شرح اللمع" وجهًا أنه لا يجوز القياس على ما ثبت بالإجماع إلا أن يُعْلَم النص الذي أجمعوا لأجله، فإنه يعود إلى قياس على ما ثبت بالنص.
قلتُ: وله قوة من حيث إن الإجماع قد يكون عن قياس، وسيأتي المنع فيه، وهو قولي: (لَا مِنَ الْقِيَاسِ)، فلا يجوز القياس على ما ثبت حُكمه بقياس على قول الجمهور من أصحابنا والحنفية. وخالف فيه الحنابلة وبعض المعتزلة كأبي عبد الله البصري.
لنا: أن العِلة الجامعة بين القياسين إنْ كانت واحدة فيهما، فالقياس في الحقيقة على أصلِ الأول، وذِكْر الأصل الثاني تطويلٌ بلا فائدة؛ للاستغناء عنه بقياس الفرع الثاني على الأصل الأول.
مثاله: لو قال الشافعية: (الوضوء عبادة، فيشترط فيه النية؛ قياسًا على الغسل). ثم قاسوا الغسل في اعتبار النية فيه على الصلاة والصوم بجامع كونه عبادة، فَرَدّ الوضوء إلى الصلاة والصوم مِن الابتداء هو الوجه.
وكقياس التفاح على السفرجل بجامع الطعم بَعْد قياس السفرجل على البُر المنصوص بجامع الطعم.
وإنْ كانت العلة في القياسين مختلفة، لم ينعقد القياس الثاني؛ لانتفاء علة الحكم فيه؛ لأنَّ الفرض أنَّ العِلة الأُولى هي عِلة الحكم ولم توجد في الفرع الثاني.
كما يقال مِن جانِبِنا: (الجذام عيب يُفسخ به البيع، فيُفسخ به النكاح؛ قياسًا على الرتَق والقرن)، ثم يُقاس مثلًا القَرن على الجب في الحكم المذكور بجامع فوات الاستمتاع. فإنَّ عِلة ثبوت الحكم في القرن فوات الاستمتاع وهو غير موجود في الجذام، فلا يصح قياسه عليه. كذا مَثَّل به ابن الحاجب.
قال ابن السبكي: (وهو على سبيل ضرب المثال، وإلا فَرَدُّ المجبوب عندنا إنما هو
[ ٤ / ١٨٨٢ ]
لنقصان عَيْن المبيع نقصًا يفوت به غرض صحيح؛ وذلك لانسلاله من حد الرجال ذوي الشهامة، لا لفوات الاستمتاع؛ إذْ لا استمتاع بِذَكَر العبد؛ ولذلك لا [يثبت] (^١) الرد بكونه عِنِّينًا، خلافًا للصيمري وإمام الحرمين. وأما إثبات الفسخ بالجب في النكاح فلفوات الاستمتاع. فالعلتان متغايرتان على كل حال).
قلتُ: قد يقال في تقرير كلام ابن الحاجب المَعْزِيّ عنده للشافعية: إنه يُقاس أولًا الجذام على الرتق والقرن في فسخ النكاح بجامع أن كُلًّا مِن ذلك عَيْب يُفسخ به البيع. فالأصل هو الرتق والقرن، والفرع هو الجذام، والعلة هي كونه عيبًا يُفسخ به البيع، فهي مركَّبة مِن الأمرين معًا؛ لأن انفراد العيب قد لا يُفسخ به وقد يُفسخ بالشيء ولا يكون عَيْبً، وحُكم الأصل هو فسخ النكاح به، فعَدَّيناه إلى الفرع.
فإذا قيل لنا: ما الدليل على حُكم الأصل وهو كون النكاح يُفسخ بالرتق والقرن؟
فنقول: دليله قياسه على الجب في فسخ النكاح بجامع ما بينهما من فوات الاستمتاع. وكَوْن الجب في باب النكاح عِلة فَسْخِه به فوات الاستمتاع -لا إشكال فيه، فاستقام [المثال] (^٢).
واعْلم أن عبارة ابن الحاجب في المسألة: (أن يكون -أيْ حُكْم الأصل- غَيْرَ فرع) هو معنى قول البيضاوي: (شرطه ثبوت الحكم فيه بدليل غير القياس). فجَمْع ابن السبكي في "جمع الجوامع" الأمرين يقتضي أنهما مسألتان، وليس كذلك وإنْ كان لَمَّا سُئِل عن ذلك، أجاب في "منع الموانع" عنه بجواب متكلَّف لا حاجة للتطويل به.
نعم، قال في "شرح المختصر": (إنَّ الأصوليين أطلقوا هذا الشرط، وهو مخصوص
_________________
(١) في (ص، ق): يفوت. والصواب: (يثبت) كما في (رفع الحاجب، ٤/ ١٦٠).
(٢) كذا في (ص، ق)، لكن في سائر النسخ: الحال.
[ ٤ / ١٨٨٣ ]
عندي بما إذا لم يظهر للوسط فائدة، كقياس السفرجل على التفاح، والتفاح على البُر. أما إذا ظهرت له فائدة، فلا يمتنع عندي أنْ يُقاس فرعٌ على فرعٍ إذا كان حُكم الفرع المقيس عليه -الذي هو وسط- أظهر وأَوْلَى بحيث إنه لو قِيس الفرع الأول -الذي هو فرع الفرع- على الأصل الأول، لاستُنكِر في بادِئ الرأي جدًّا، بخلاف ما إذا جُعِل مُندرجًا.
مثاله: التفاح رِبَوِي؛ قياسًا على الزبيب، والزبيب ربوي؛ قياسًا على التمر، والتمر رِبَوِي؛ قياسًا على الأرز، والأرز ربوي؛ قياسًا على البُر إذا كان الجامع في قياس التفاح على الزبيب الطعم، وفي قياس الزبيب على التمر الطعم مع الكيل، والتمر على البر الطعم والكيل والقوت الغالب، إذْ لو قِيس ابتداءًا لتفاح على البر، لم يَسْلَم مِن مانع يمنع عِلِّيَّة الطعم وحده، وكذا في الأقيسة التي بعده [يتخلص] (^١) بما يُزاد فيها مِن مانع يمنع استقلال ذلك [بالعِلِّية] (^٢) بدون تلك الزيادة) (^٣). انتهى بمعناه.
وقد أطال في ذلك بمسائل في الأقيسة من الفقه من "سلسلة" (^٤) الشيخ أبي محمَّد وغيرها، فليراجع منه. وهو معنى قوله في "جمع الجوامع": (وغير فرع إذا لم يظهر للوسط فائدة، وقيل: مطلقًا) (^٥).
فهو -مع إبهامه أن ذلك منقول- لا يخفَى ما فيه من نظر؛ فإن المُنازع إذا نازع في
_________________
(١) في (ت، س): تتخلص.
(٢) في (ص، ق، ش، ض): بالعلة.
(٣) رفع الحاجب (٤/ ١٦١).
(٤) قال تاج الدين السبكي في (رفع الحاجب، ٤/ ١٦٢): (في كتاب "السلسلة" للشيخ أبي محمَّد منه الشيء الكثير).
(٥) جمع الجوامع (٢/ ٢٥٧) مع حاشية العطار.
[ ٤ / ١٨٨٤ ]
وصف أنه ليس مستقلًّا بالعلة ولم يُقِم المستِدلُّ دليلًا بالاستقلال، فالقياس فاسد. وإنْ أقام دليلًا، فالزائد لَغو ويرجع الكل إلى وصف واحد كالطعم فيما ذكر من الأقيسة؛ ولأجل ذلك لم أذكر في النَّظم هذا القيد؛ لأنه عندي غير معتيَر.
واعلم أن ابن برهان لَمَّا نقل عن الحنفية مَنع القياس على ما ثبت حُكمه بالقياس قال: (وساعدهم من أصحابنا أبو بكر الصيرفي، وجمهور أصحابنا على الجواز). قال: (وحَرْفُ المسألة أنه هل يجوز تعليل الحكم الواحد بِعِلَّتين؟). انتهى
قلتُ: المشهور عند أكثر أصحابنا المنع مطلقًا، وهو ظاهر نص الشافعي في "الأم"، فقال في المزارعة من اختلاف العراقيين أنَّ المساقاة على النخل جائزة و[المزارعة] (^١) على الأرض البيضاء ممتنعة وأن مَن أجازها قاسَها على المضاربة- ما نصه: (وهذا غلط في القياس، إنما أَجَزْنَا بخبر المضاربة، وقد جاء عن عمر - ﵁ - أنها كانت قياسًا على المعاملة في النخل، فكانت تَبعًا قياسًا، لا متبوعًا مَقِيسًا عليها) (^٢). انتهى
واستثنى الغزالي في مسائل الاجتهاد من هذه المسألة [نوعين] (^٣):
[أحدهما] (^٤): إذا قاس النبي - ﷺ - فرعًا ثم قاس على ذلك الفرع فرعًا، وإذا أجمعت الأُمة على إلحاقه بالأصل ثم قِيس عليه.
إنتهى وفيهما نظر:
أما الأول: فإن ذلك بقياسه يصير نَصًّا.
_________________
(١) في (ص): المساقاة.
(٢) الأم (٧/ ١١٢).
(٣) في (ص، ق، ش): صورتين.
(٤) في (ص، ق): إحداهما.
[ ٤ / ١٨٨٥ ]
وأما الثاني: فقد سبقت المسألة في القياس على مجمَع عليه، وسيأتي [فيها] (^١) مزيد بيان.
ومن شروط حكم الأصل أيضًا ما أشرتُ إليه بقولي: (وَكَذَا عَنْ سَنَنِ الْقِيَاسِ لَيْسَ نُبِذَا) أي: يشترط في حكم الأصل المقيس عليه أن لا يكون مَعْدُولًا به عن سَنَن القياس، أي: طريقه المعتبَر فيه؛ لِتَعَذُّر التعدية حينئذٍ.
وذلك على ضربين:
أحدهما: لكونه لم يُعْقَل معناه، إما لكونه استُثْنِي من قاعدة عامة، كالعمل بشهادة خزيمة وَحْده فيما لا تُقْبَل شهادة الواحد فيه، أو لم يُسْتَثْنَ، كتقدير نُصُب الزكوات وأعداد الركعات ومقادير الحدود والكفارات.
والضرب الثاني: ما عُقِل معناه ولكن لا نظير له، سواء أكان له معنى ظاهر (كرُخَص السفر) أو غير ظاهر (كالقسامة).
كذا مثَّل به ابن الحاجب، لكن في "جَعْله القسامة معقولة المعنى وهو خفي بخلاف شهادة خزيمة ومقادير الحدود" نَظَر ظاهر.
نعم، إذا كان المعدول عن سَنن القياس خارجًا عن المعنى الملاحَظ في الشرع لا لمعنى فهو واضح. أما إذا شُرع ابتداءً لا لمعنى، فجَعْله من الخارج عن سَنن القياس مجاز؛ لأنه لم يدخل حتى يخرج. وإذا كان أيضًا خارجًا عن المعنى لمعنى (كالعرايا المخرَجة من الربويات؛ لحاجة الفقراء في الأصل)، لا يُقال فيه: "خارج عن سَنَن القياس" إلا مجازًا. نَبَّه على ذلك الغزالي في "المستصفى".
نعم، يقع البحث في أمور جُعلت خارجة عن سَنَن القياس من وجه آخَر.
_________________
(١) في (ت، س): فيهما.
[ ٤ / ١٨٨٦ ]
منها: رُخَص السفر، قالوا: لا يدخل فيها القياس؛ لعدم النظير، فيمنع لوجود المشقة في غير السفر مِن الأعمال الشاقة كالحمَّالين.
وجوابه: أن التعليل بمظنة المشقة؛ لِعدم انضباط الحكمة وهي المشقة كما سيأتي بيانه.
ومنها قولهم: يجري القياس في الحدود والكفارات والرُّخَص والتقديرات المراد فيها نفسها. أما مقاديرها فلا يجري فيها القياس.
ومنها: ما استُثني من القواعد العامة وهو معقول المعنى، ظاهر ما سبق أنه لا يقاس عليه. لكنه رأي بعض الحنفية، والذي عليه جمهورهم وجمهور أصحابنا أنه يقاس عليه، إلا أنهم لا يسمونه -والحالة هذه- "معدولًا به عن سَنَن القياس".
وقال محمَّد بن شجاع البلخي من الحنفية: إنْ ثبت المستثنى بدليل قطعي، جاز القياس عليه، وإلا فلا. والكرخي: إنْ كانت عِلة المستثنى منصوصة أو مجمَعًا عليها أو موافقة لبعض الأصول، جاز القياس، وإلا فلا.
وقال الإِمام الرازي: يُطلب الترجيح بينه وبين غيره.
ومن أمثلة المستثنى لمعنًى: تجويز بيع الرطب بالتمر في العرايا، فإنه على خلاف قاعدة الربويات عندنا، واقتُطِع عنها؛ لحاجة المحاويج، وذلك ثابت في حديث زيد بن ثابت - ﵁ - أنهم لما شكوا إليه ذلك، رخَّصَ لهم في العرايا في الرطب (^١).
قال أصحابنا: والعنب بالزبيب كالتمر. ثم قيل: إنه قياس. وبه قال ابن أبي هريرة. وقيل: بالنص. قاله المحاملي وابن الصباغ، ورووا في الحديث أنه رخص بيع الرطب بالتمر والعنب بالزبيب لهم. فترخيصه للأغنياء كما هو المرجَّح على ما وَرَدَ مِن الترخيص للمحاويج إنما هو بالقياس وكذا مَن أجاز بيع الرطب على الشجر بالرطب على وجه
_________________
(١) صحيح البخاري (رقم: ٢٠٨٠)، صحيح مسلم (رقم: ١٥٣٩).
[ ٤ / ١٨٨٧ ]
الأرض إنما هو بالقياس أيضًا. ولكن الأصح المنع، و[ثانيها] (^١): يمتنع في نوع واحد.
ومنهم مَن أَجْرَى الأَوْجُه في الرطب بالرطب على الأرض.
ومن القياس في مثل ذلك أيضًا: قياس مَن جَوَّز في المصَرَّاة تَعْدِية الحكم لبدل صاع التمر مِن قوت غيره. ومَن قال: إن المردودة بعيب غير التصرية يُرَد بَدَل لَبنها صاعًا من تمر. وأشباه ذلك، وهو كثير.
على أن إمام الحرمين قال: إنَّ الوارد استثناءً غير معقول المعنى دائمًا، وإنَّ ما يُعقل معناه لا يُستثنى.
ولَعَله يمنع المعنى في مسألة العرايا، ويقول في العنب بالزبيب: إنه بالنص موافقة لمن سبق.
ومن شروط حُكم الأصل أيضًا تَوافُق الخصمين على حُكم الأصل. فإنْ كان أحدهما يمنعه فلا يُستدَل عليه بالقياس فيه.
وإنما شُرط ذلك لئلَّا يحتاج القائس عند المنع إلى إثباته، فيكون انتقالًا من مسألة إلى أخرى.
ولا يشترط اتفاق الأُمة، بل يكفي اتفاق الخصمين؛ لحصول المقصود بذلك.
وقول ثالث: إنه يُشترط اتفاق الخصمين واختلاف الأُمة حتى لا يكون مُجْمَعًا عليه. وهو رأي الآمدي، وهو قريب مما سبق.
نقل الشيخ أبي إسحاق له وجهًا أنَّ حُكم الأصل شَرْطه أنْ يكون منصوصًا، وإذا كان إجماعًا فلا بُدَّ أن يعْرف أنَّ مُستندَهم نَص.
_________________
(١) كذا في (س)، لكن في (ص، ق): ثالثها.
[ ٤ / ١٨٨٨ ]
وقد سمّى بعضهم ما كان متفقًا بين الخصمين فقط بـ"القياس المركَّب"، ولكن الصحيح أن "المركب" إنما هو بِقَيْد أن يتفق الخصمان لكن لِعِلَّتين مختلفتين أو لِعِلَّة يمنع الخصم وجودها في الأصل كما قاله الآمدي وابن الحاجب.
كقول الشاقعي فيما إذا قتل الحُرُّ عبدًا: المقتول عبد؛ فلا يُقتل به الحر، كالمكاتب إذا قتل وترك وفاء ووارثًا مع المولى. فإنَّ أبا حنيفة يقول هنا: إنه لا قصاص. فليلحق العبد به هنا؛ بجامع الرق. فلا يحتاج الشافعي فيه إلى إقامة دليل على عدم القصاص في هذه الصورة؛ لموافقة خصمه.
فيقول الحنفي في منع ذلك: إنَّ العلة إنما هي جهالة المستحق من السيد والورثة، لا الرق؛ لأنّ السيد والوارث وإنِ اجتمعا على طلب القصاص لا يزول الاشتباه، لاختلاف الصحابة في مُكاتب يموت عن وفاء.
قال بعضهم: يموت عبدًا وتبطل الكتابة.
وقال بعضهم: يُؤَدَّى بَدَل الكتابة مِن [أكسابه] (^١)، ويُحكم بعتقه في آخِر جزء من حياته.
فقد اشتبه المولى مع هذا الاختلاف، فامتنع القصاص.
فإن اعترض عليهم بأنكم لا بُدَّ أن تحكموا في هذه الحالة بأحد هذين القولين: إما بموته عبدًا، أو حُرًّا، وأيًّا ما كان فالمستحق معلوم.
فيقول الحنفي: نحن نحكم بموته حرًّا بمعنى أنه [يورث] (^٢)، لا بمعنى وجوب القصاص على قاتله الحر؛ لأنَّ حُكمنا بموته حرًّا ظني؛ لاختلاف الصحابة، والقصاص
_________________
(١) في (ق): اكتسابه.
(٢) في (ص): لا يورث.
[ ٤ / ١٨٨٩ ]
ينتفي بالشُّبهة، فهذه جهالة تَصلُح لدرء القصاص ولا تمنع عِلمنا بمستحق الارث.
إذا عَلمت ذلك، فهذا القياس المركَّب لِعلتين مختلفتين يسمى "مركب الأصل"، يُسمَّى بذلك لاختلافهما في تركيب الحكم على العِلة في الأصل.
فإنْ كان الخصم يوافق على العِلة ولكن يمنع وجودها في الأصل فهو "مركَّب الوصف"، يسمى بذلك لاختلافهما في نفس الوصف الجامع.
كقولنا في تعليق الطلاق قبل النكاح: تعليق للطلاق، فلا يصح، كما لو قال: زينب التي أتزوجها طالق.
فيقول الحنفي: العِلة -وهي كونه تعليقًا- مفقودة في الأصل؛ فإنَّ قوله: (زينب التي أتزوجها) تنجيز، لا تعليق.
ثم المشهور عند الأصوليين أن هذين النوعين غير مقبولين.
أما الأول: فلأن الخصم لا ينفك عن منع عدم [العِلة] (^١) في الفرع أو منع الحكم في الأصل، وعلى التقديرين فلا يتم القياس.
وأما الثاني: فلأنه لا ينفك عن منع الأصل كما لو لم يكن التعليق ثابتًا فيه، أو منع حُكم الأصل إذا كان ثابتًا. وعلى التقديرين لا يتم القياس.
قال الهندي: وخالف الخلافيون في النوعين، فقالوا: [يُقبلان] (^٢).
نَعم، إذا سَلَّم الخصم العِلة فأثبت المستدِل في القسم الثاني أنها موجودة في الأصل، أو سَلَّم أنَّ العلة التي عيَّنها المستدِل في الأول هي العلة وأنها موجودة في الفرع، انتهض الدليل
_________________
(١) في (س، ت، ض): العلية.
(٢) كذا في (ص، ق)، لكن في (س): يفيدان.
[ ٤ / ١٨٩٠ ]
عليه، فيصح القياس؛ لاعتراف الخصم بالمقتضِي لصحته. وذلك كما لو كان مجتهدًا أو غلب على ظنه صحة القياس فإنه لا يكابِر نفسه فيما أَوْجَبه عليه.
أما إذا لم يتفق الخصمان على الحكم لكن حاول المستدِل إثباته بالنَّص ثم ثبتت العِلة بطريق مِن طُرُقها، فقيل: لا يُقبل ذلك منه؛ حذرًا من الانتشار. والأصح القبول [وإلَّا] (^١) لم يقبل في المناظرة مقدمة تحتمل المنع.
تنبيهات
احدها: شرط بعضهم -ونقل عن بشر المريسي كما سبق نقله عنه في شروط الأصل- الاتفاق على تعليل حُكم الأصل. وليس بمعتبَر على كل حال، سواء جعل شرطًا في نفس الأصل أو شرطًا في حكمه.
وشرط بعضهم أن تكون عِلته منصوصة، والأصح خلاف ذلك، بل تثبت العلية بطريق من طُرُقها؛ لأن أدلة القياس شاملة لذلك كله.
ومنهم مَن يذكر الكلام في هذا الشرط في مباحث العلة، ولكن ذِكره هنا أنسب.
الثاني: قال ابن الحاجب: إنَّ من شرط حُكم الأصل أن يكون شرعيًّا.
أي: تفريعًا على أن القياس لا يجري في اللغات والعقليات.
قال: وأنْ لا يكون منسوخًا؛ لزوال اعتبار الجامع.
أي: في نظر الشرع، فلا يتعدى الحكم به.
ووافقه في "جمع الجوامع" على اشتراط كونه شرعيًّا، لكن إذا استلحق شرعيًّا، فإنَّ
_________________
(١) في (ت، س): إذا.
[ ٤ / ١٨٩١ ]
اللغوي والعقلي على تقدير أن يجري القياس فيهما فليس قياسًا شرعيًّا، والكلام إنما هو في القياس الشرعي، مع أن القياس فيهما صحيح يُتوصل به إلى الحكم الشرعي، كقياس تسمية اللائط "زانيًا" والنباش "سارقًا" والنبيذ "خمرًا"؛ [فيثبت] (^١) الحد والقطع والتحريم.
فإذا قُيِّد بأنَّ ذلك إنما هو في استلحاق نفس الحكم الشرعي، فلا بُدَّ من اشتراط كونه شرعيًّا.
وزاد من الشروط كَوْنه غير متعبَّد فيه بالقطع. أيْ: بالعِلم القطعي، كإثبات حُجية خبر الواحد بالقياس على الشهادة والفتوى على قول مَن يقول: إن ذلك من المسائل العلمية، ونحوه إثبات كون الاجتهاد جائزًا في طلب الحكم الشرعي بالقياس على جواز الاجتهاد في طلب القِبلة.
ولم أذكر في النَّظم شرطًا مِن الثلاثة.
أما اشتراط كونه شرعيًّا: فإن القياس لا يختص بذلك، والمقصود إنما هو بيان ما يصح به القياس. وأما كونه معمولًا به في الشرع أو في اللغة أو في العقليات فأمر آخَر. وقد تَقدم أن القياس في العقليات جائز.
وأما اشتراط أن لا يكون منسوخًا: فلا حاجة إليه؛ لأن المنسوخ لم يَبْقَ له وجود في الشرع فيُلحق فيه الأحكام بقياس ولا غيره.
وأما اشتراط أن لا يكون قاطعًا: فهو مع مخالفته لتجويز القياس في العقليات على المرجَّح فإنما يتوجه أن يكون شرطًا فيما يقع فيه الاختلاف، فيثبت الحكم فيه بالقياس.
أما إذا كان الكلام في صحة القياس مِن حيث هو، فلا يحتاج لاشتراطه.
_________________
(١) في (ص، ق، ش): ليثبت.
[ ٤ / ١٨٩٢ ]
وكذا قال الهندي: إنه إنما يستقيم [اشتراط ذلك فيما] (^١) هو في الحكم الذي هو ركن القياس الظني، لا الذي هو ركن في القياس كيف كان.
الثالث:
أهملتُ في النَّظم ما شَرطه بعضهم في حُكم الفرع مِن كونه مساويًا لحكم الأصل فيما يقصد مِن عَيْن أو جنس. وربما جُعل هذا مِن شروط الفرع.
ومثَّلوا العين بالقياس للقتل بالمثقل على القتل بالمحدد، فإنَّ حكم الأصل (وهو القتل بذلك) هو بِعَيْنه حُكم الفرع (وهو القتل).
ومثَّلوا الجنس بقياس إثبات الولاية على الصغيرة في نكاحها على إثبات الولاية عليها في مالِها، فالجنس واحد وهو مُطلَق "الولاية"، والنوع يختلف؛ لأنَّ ولاية النكلاح غير ولاية المال؛ لاختلاف التصَرُّفين.
فإنْ خالف حُكم الفرع حُكم الأصل في العين والجنس، فسد القياس.
كقولنا: الظهار يوجب الحرمة في حق الذمي، كالمسلم.
فيقول الحنفي: الحرمة متناهية في الظهار بالكفارة، والحرمة في الذمي مؤبدة؛ لأنه ليس من أهل الكفارة؛ فاختلفَا.
وجواب الاعتراض بذلك أن يُبَيّن المستدِل الاتحاد، وهو هنا مَنعْ كَوْن الذمي ليس من أهل الكفارة.
وإنما أهملتُ ذلك كله لأنه بيان ما يُستفاد من القياس، لا شرط في شيء مق الأركان، وذلك مفهوم من تعريف "القياس" بأنه: "حمل معلوم على معلوم في حُكمه" أي: المقصود
_________________
(١) كذا في (ص، ق)، لكن في (س): اشتراطهما.
[ ٤ / ١٨٩٣ ]
منه عينًا كان أو جنسًا، فيخرج المختلف. والله أعلم.
ص:
٧٧٨ - وَ"الْعِلَّةُ": الْوَصْفُ يَكُونُ ظَاهِرَا مُنْضَبِطًا، إمَّا حَقِيقِيًّا يُرَى
٧٧٩ - أَوْ كَانَ عُرْفِيًّا أَتَى مُطَّرِدَا أَوْ لُغَوِيًّا، أَوْ بِشَرْعٍ قُصِدَا
٧٨٠ - أَيْ: جَالِبًا مَصْلَحَةً، أَوْ رَافِعَا مَفْسَدَةً، أَوْ دَافِعًا، أَوْ جَامِعَا
٧٨١ - فَقَالَ أَهْلُ الْحَقِّ: أَيْ تُعَرِّفُ لِلْحُكْمِ، بِالتَّأْثِيرِ لَا تَتَّصِفُ
٧٨٢ - بِالذَّاتِ أَوْ بِالْوَصْفِ أَوْ بِغَيْرِ وَلَا بِجَعْلِهَا بِذِي تَأْثِيرِ
الشرح:
هذا هو الركن الرابع من أركان القياس وهو: "العِلَّة".
وأشرتُ إلى تعريفها بأنها: وَصْفٌ ظاهرٌ منضبطٌ مُعَرِّف لِلحُكم.
فخرج بقيد الظهور: الخفيُّ، كالبخر في الأسد.
وبالانضباط (والمراد به تميُّز الشيء عن غيره): ما هو منتشر لا ضابط له، كالمشقه؛ فلذلك لا يُعَلَّل إلا بوصف منضبط يشتمل عليها كما سيأتي.
وبقولنا: (مُعَرِّف للحكم) ما يُعَرِّف نقيضه وهو "المانع"، أو ما يتوقف عليه المعَرِّف وهو "الشرط" كما سبق تقرير ذلك في تقسيم الحكم الوضعي إلى: سبب، وشرط، ومانع.
وفصلتُ في النَّظم -لأجل الاختصار- بين قيد الانضباط وقيد كونه معرفًا بتقسيم المنضبط إلى: حقيقي، وعُرفي، ولُغوي، وشرعي. وتقسيمه باعتبار آخَر إلى: ما يكون جالبًا لمصلحة، أو رافعًا لمفسدة، أو جامعًا للأمرين فيكون دافعًا رافعًا.
ثم ذكرت الخلاف في أن العلة هل هي مؤثِّرة في الحكم بالذات؟ أو بالوصف؟ أو
[ ٤ / ١٨٩٤ ]
مُعَرِّفة ولا تأثير لها البتَّة؟ أو مؤثِّرة لكن بِجَعْل الباري تعالى ذلك؟
فالكلام على تقرير هذه الأمور.
أما الأول (وهو تقسيم الوصف الظاهر المنضبط إلى أربعة أقسام) فوَجْه الحصر أنَّ ما يُعْلَم مِن ذلك:
إما أن يتوقف العِلم به على وَضْع؟ أو لا؟ فإنْ لم يتوقف بل تُعُقِّل باعتباره في نفسه وإنْ كان تعريفه للحُكم إنما عُلِم مِن حيث الشرع، فهو "الوصف الحقيقي".
وْإن توقف على وضع، فإما أن يكون الواضع له الشرع (أي: لم تُعْرف [وَصْفِيتُه] (^١) إلا بالشرع) أو مِن حيث وضع لفظ يدل عليه مِن اللغة أو العُرف، فيُعْلَم مِن واضع اللغات أو مِن أهل العُرف.
فالأول: الشرعي، والثاني: اللغوي، والثالث: العُرفي.
فأما الأول (وهو "الحقيقي") فلا خلاف في التعليل به إذا كان مشتملًا على مصلحة مما سيأتي، كالطعم في قولنا: مطعوم؛ فيكون رِبَوِيًّا. فإن الطعم يُدْرَك بالحسِّ، لا يتوقف تَعَقُّلُه على تَعَقُّلِ غيره.
وأما الشرعي (وهو الحكم الشرعي) فاختُلف في كونه علة لحكم شرعي:
فجَوَّز الأكثرون التعليل به، كتعليل منع بيع الكلب بنجاسته؛ لأن العلة هي المعَرِّف على قول أهل السُّنة كما سيأتي، فلا امتناع أن يُجْعَل حُكم شرعي مُعَرِّفًا لحكم شرعي.
وقيل: لا يُعَلَّل به؛ لأنه مُعَلَّل، فكيف يكُون عِلة؟
وجوابه: أنَّ جهة مَعْلُولِيَّتِه غير جهة عِلِّيَّتِه.
_________________
(١) كذا في (ص، ق)، لكن في (ت): وضعيته.
[ ٤ / ١٨٩٥ ]
ثم اختُلف أيضًا على قول كَوْنه علة لحكم شرعي: هل يُعَلَّل به وصف حقيقي؟ على قولين حكاهما في "المحصول"، أصحهما -كما قاله الهندي وغيره- الجواز؛ لِمَا قُلنا من أن العلة المعَرِّف، فيجوز أن يُعَرِّف حُكمٌ شرعي وصفًا حقيقيًّا.
مثاله: تعليل كون الشعر موصوفًا بأنه تحله الحياة بأنه يحرم بالطلاق ويحل بالنكاح؛ فيكون حيًّا، كاليد.
وأما اللغوي: فكتعليل تحريم النبيذ بأنه يسمى "خمرًا"؛ فحرم كعصير العنب.
وأما الوصف العُرفي: فنحو الشرف والخسة في الكفاءة وعدمها، فإن الشرف يناسب التعظيم والإكرام، والخسة تناسب ضد ذلك؛ فيُعَلَّل به بشرط أن يكون مطردًا، أي: لا يختلف باختلاف الأوقات، وإلا لجاز أن يكون ذلك العُرف في زمن رسول الله - ﷺ - دُون غيره، فلا يُعَلَّل به.
وأما تقسيم الوصف الظاهر المنضبط باعتبار وَجْه صلاحيته للتعليل مراعاةً لجلب المصالح ودرء المفاسد تَفضّلًا من الله -﷿- لا وجوبًا فالوصف إما أن يكون جالبًا لمصلحة للعبد أو دارئًا لمفسدة عنه، أو يجتمع فيه الأمران.
والدارئ للمفسدة على ثلاثة أقسام:
إما أن يكون دافعًا لها، أو رافعًا لها، أو يجتمع الأمران فيه فيكون دافعًا رافعًا.
فقولي في النَّظم: (أَوْ جَامِعَا) صادق على أمرين:
أحدهما: أن يكون جامعًا لجلب المصلحة ودرء المفسدة.
والثاني: أن يكون جامعًا لدفع المفسدة ورفعها.
فأما الوصف الجالب للمصلحة والدارئ للمفسدة والجامع للأمرين فسيأتي مبسوطًا في اشتمال العلة على مصلحة العبد.
[ ٤ / ١٨٩٦ ]
وأما كون الوصف "دافعًا لا رافعًا" أو "رافعًا لا دافعًا" أو "دافعًا رافعًا" فأمثلة ذلك كثيرة.
فمن الأول: العدة دافعة للنكاح إذا وُجدت في ابتدائه، لا رافعة له إذا طرأت في أثناء النكاح، فإن الموطوءة بشبهة تعتد وهي باقية على الزوجية.
ومن الثاني: الطلاق، فإنه يرفع حِل الاستمتاع ولا يدفعه؛ لأن الطلاق -أيْ استمراره- لا يمنع وقوع نكاح جديد بِشرطه.
ومن الثالث: الرضاع، فإنه يمنع من ابتداء النكاح، وإذا طرأ في أثناء العصمة، رفعها. وإنما كان هذا وشِبهه من موانع النكاح يمنع في الابتداء والدوام [لتأبُّده] (^١) واعتضاده بأن الأصل في الأبضاع الحرمة.
وأما تقييد الوصف الظاهر المنضبط بكونه مُعَرِّفًا وحكاية الخلاف فيه فهو المشار إليه بقولي: (فَقَالَ أَهْلُ الحَقِّ) إلى آخِره.
وحاصله حكايته أربعة أقوال في الأصل:
أحدها: قول أهل السنة وهو الحق: أن العلة مُعرِّفة للحكم، لا مؤثِّرة؛ لأن الحكم قديم، فلا مؤثر له. فإن أريد تعلُّق الحكم بالمكلَّف فهو بإرادة الله تعالى، لا بتأثير شيء من العالم.
ومعنى كونهها مُعرِّفة أنهها نُصبت أَمارة وعلامة يَستدل بها المجتهد على وجدان الحكم إذا لم يكن عارفًا به، ويجوز أن يتخلَّف (^٢)، كالغيم الرطب أَمارة على المطر وقد يتخلَّف. وهذا لا يُخْرِج الأمارة عن كونهها أَمارة.
_________________
(١) كذا في (ق، ص، ش)، لكن في (ت): لفائدة.
(٢) يعني: قد توجد العِلة ويتخلَّف الحكم.
[ ٤ / ١٨٩٧ ]
وقد سبقت مسألة أن الدال على الحكم النص أو العلة، وسيأتي لنا عودة إليه قريبًا.
الثاني: أن العلة مؤثرة في الحكم، وهو قول المعتزلة، بناءً على قاعدتهم في التحسين والتقبيح العقليين. ثم قال بعضهم: إنها أثَّرت بذاتها. وقال بعضهم: بصفة ذاتية فيها. وقيل غير ذلك، وقال بعضهم: بوجوه واعتبارات.
وقد أشرنا إلى ذلك في المقدمة في الكلام على "السبب" من خِطاب الوضع.
وليس عند أهل السُّنة شيء من العالم مؤثِّرًا في شيء، بل كل موجود فيه فهو بخلق الله تعالى وبإرادته.
الثالث: أنها مؤثِّرة لكن لا بذاتها ولا بصفة ذاتية فيها ولا غير ذلك بل بِجَعْل الشارع إياها مؤثِّرة. وهو قول الغزالي، وكذا قال سليم الرازي.
قال الهندي: (وهو قريب لا بأس به).
وردَّه الإِمام الرازي بأن الحكم قديم، فلا يُتصور أن يؤثِّر فيه شيء.
وأيضًا: فإذا وُجِد المعلول فإما أن يكون مُوجِدُه الله تعالى أو تلك العلة أو هُما.
والأخيران باطلان، لما يَلزم منه أنَّ غَيْر الله خالقٌ، أو أن له شريكًا في خَلْقه، وذلك مُحَال؛ فَتَعَيَّن الأول.
ومنهم مَن بَنَى ذلك على أنه هل يعقل تأثير مِن غير أن يكون المؤثِّر مؤثِّرًا بذاته أو بصفة قائمة به أو نحو ذلك؟ أو لا يعقل؟
وبنوا [على ذلك] (^١) مسألة خَلْق الأفعال. فأهل السنَّة يثبتون تعقله فيبطلون تأثير العبد في أفعاله، وإنما هي بِخَلْق الله تعالى وإيجاده.
_________________
(١) في (ص): ذلك على.
[ ٤ / ١٨٩٨ ]
والمعتزلة يقولون: إنه (^١) خالقٌ لأفعال نفسه.
ومحل بسط هذه المسألة أصول الدين.
الرابع: أنها مؤثِّرة بالعُرف. واختاره الإِمام الرازي في " [الرسالة] (^٢) البهائية في القياس".
فإن قلت: قال الآمدي وابن الحاجب: (إنَّ العلةَ: الباعثُ). فهل ذلك موافقة للمعتزلة؟ أو الغزالي؟ أو المراد غير ما أرادوه؟
قلت: ليس موافقةً لهم؛ لأنهما قد فَسَّرا ذلك بأنْ تكون مشتملة على حِكمة مقصودة للشارع مِن شَرْع الحكم، أي: مِن تحصيل مصلحة أو تكميلها أو دفع مفسدة أو تعليلها حتى لا تكون مجرد أمارة، وذلك إنما يكون إذا كانت العلة مستنبطة؛ فإنها إذا كانت منصوصة أو مجمعًا عليها، فالمعَرِّف النص أو الإجماع.
فإن قوله مثلًا: (علة تحريم الخمر الإسكار) تصريح بحرمة الخمر، فلا يكون قد عُرِف بالعلة. وأما المستنبطة فإنما عُرِفَت من الحكم بطريق الاستنباط، فكيف تكون مُعَرفة له فيَلزم الدَّوْر؟
نعم، إنْ أُجيبَ بأن المراد مُعرِّفة لحكم الفرع وحُكمُ الأصل عَرَّفها، فلا دور. وهو معنى ما سبق نقله عن ابن الحاجب مِن أن الجامع فرعٌ للأصلِ أصلٌ للفرع، وسبق شرحه والتعقب عليه من وجه آخر.
نعم، ردوا قول الآمدي: (إنها بمعنى الباعث للشارع على شَرْع الحكم) بأنه مخالف
_________________
(١) يعني: العَبْد.
(٢) في (ص): المسألة. وفي معجم الأدباء (٦/ ٢٥٨٩) ذكر ياقوت الحموي من تصانيف الرازي: "النهاية البهائية في المباحث القياسية".
[ ٤ / ١٨٩٩ ]
لقول أهل السُّنَّة من حيث إنَّ أفعال الرب تعالى لا تُعَلَّل بالأغراض، وأن تفسيره بالاشتمال على حِكمة مقصودة للشارع من شرع الحكم لا يدفع هذا المحذور؛ لأنَّ المعنى أنه لأجل ذلك شرعه، فهو الباعث والداعي.
فإذا قلت: (الربُّ تعالى حَرَّم الخمر؛ لأجل الإسكار)، فجعلتَ فِعلهُ لغرض، والرب منزه عن ذلك؛ لأن مَن فَعل فِعلًا لغرض لا بُدَّ أن يكون حصول ذلك الغرض بالنسبة إليه أَوْلى مِن عدم حصوله وإلا لم يكن غرضًا. وإذا كان أَوْلى، اكتسب به فاعلُه صفة مدح ويكون حصول تلك الأولوية لله تعالى متوقفة على الغير، فتكون ممكنة غير واجبة؛ فيكون كمالُه تعالى ممكنًا غير واجب، وهو مُحال.
قلت: إذا حُمل كلام الآمدي وابن الحاجب على أحد أمرين، كان كلامهما سديدًا:
أحدهما: أن يكون المراد أن شرعه لذلك على وَفْق مصلحة للعبد أرادها الله تعالى له، وهو الذي خلقها، وذلك من فضله وإحسانه، لا أنه واجب عليه؛ إذ لا يَلزم مِن قولنا: (إن الحكمة مقصودة للشارع) الإيجابُ عليه، بل بالمعنى الذي قررناه.
ثانيهما: أن يُفَسر الباعث بما يُفسَّر به قول الفقهاء: (إن الله حَكم بكذا لِعِلة كذا، أو لمعنى كذا). فإنه ليس مرادهم تأثيره فيه لا بالذات ولا بغيرها، بل يَعْنون أن العلة باعثة للمكلَّف على الامتثال. كقولنا: حفظ النفوس يبعث المكلفين على فِعل القصاص الذي حَكم به الله تعالى، لا باعث للشرع على شرعية القصاص. كما نبه على ذلك الشيخ تقي الدين السبكي، وسيأتي في النَّظم التعرض له لما يترتب عليه من بيان أقسام العلة والطرق الدالة عليها.
نعم، ينبغي أن يتجنب الألفاظ الموهمة، فالاعتراض إنما يتوجه عليها بهذا الاعتبار. ولهذا قال تقي الدين أبو العز المقترح: مَن فسر العلة بالباعث للشارع على الحكم أو الحاملة له على ذلك أو الداعية إنْ أراد به إثبات غرض حادث له فهو محال قررنا بطلانه في علم التوحيد، وإن أراد به أن يعقبها حصول الصلاح في العادة فسميت "باعثًا" تَجَوُّزًا فهذا لا
[ ٤ / ١٩٠٠ ]
يجوز إطلاقه على الباري تعالى؛ لِمَا فيه من الإيهام للمُحال، إلا أن يُتَحَقَّق مِن الشرع إذن في إطلاقه، ولا سبيل إليه.
تنبيهان
الأول: قد سبق في الكلام على السبب أن "العِلة" قِسم من السبب، فهو أَعَم منها؛ فإنها يُعتبر فيها المناسبة وهو أَعَم من ذلك. فقد يكون زمانًا ومكانًا وغير ذلك مما بيَّناه هناك.
ونزيد هنا أنَّ بينهما فرقًا في اللغة والكلام والأصول والفقه.
فأما اللغة:
فَـ"السبب" ما يُتَوَصَّل به إلى غيره ولو بوسائط. كتسمية الحبل سببًا. وذكروا للعلة معاني يدور [القَدْر] (^١) المشترك فيها على أن يكون أمر مستمدًّا من آخَر له في إيجاده تأثير.
ولهذا يقول أكثر النحاة: "اللام" للتعليل، و"الباء" للسببية. ولم يعكسوا التعبير فيهما.
وقال ابن مالك: (الباء للسببية والتعليل). فَغَايَر بينهما.
وأما في الكلام:
فالسبب: ما يحصل الشيء عنده، لا بِه. والعلة: ما يحصل به.
وأيضًا: "العلة" ما يتأثر بها المعلول بلا واسطة ولا شرط. و"السبب" ما يُفضِي للحكم بواسطة وشرط؛ ولذلك يتراخى حتى توجد وسائطه وشرطه وتنتفي موانعه.
وفي الأصول:
_________________
(١) في (ص، ق): الأمر.
[ ٤ / ١٩٠١ ]
قال الآمدي في "جدله" (^١): العلة ما تكون للمظنة أو للحكمة، وأما السبب فللمظنة دائمًا، إذ بالمظنة يُتَوصل إلى الحكم لأجل الحكمة.
وأما في الفقه:
فذكر إلْكِيَا أنه يطلق فيه على أمور:
منها: أن الإمساك مثلًا للقتل سبب، ومباشرة القتل عِلة. كأنه يجعل ما لا واسطة فيه "عِلة"، وما فيه واسطة "سببًا".
وقال مرة: العلة ما يعقبه الحكم، والسبب ما يتراخى عنه و[يتوقف] (^٢) على شرط أو شيء بعده.
وذكر الغزالي في الجنايات أن ما له مدخل في التلف إنْ لم يؤثر فيه ولا فيما يؤثر فيه فهو الشرط، كالإمساك. وإنْ أثَّر فيه وحَصَّله فهو العلة، ويسمى المباشرة، كالقَدِّ. وإنْ أثَّر فيه ولم يحصِّله فهو السبب، كشهادة الزور.
وللقفال تَفْرقة أخرى قريبة من ذلك، وبسط ذلك محله الفقه.
الثاني:
قد يُعبَّر عن "العلة" بألفاظ ذكرها المقترح: السبب، الأَمَارة، الداعي، المستدعي، الحامل، المناط، الدليل، المقتضي، الموجِب، المؤثِّر.
وزاد غيرُه: المعنى.
وكُل ذلك اصطلاح سهل، والله أعلم.
_________________
(١) كتاب للآمدي في عِلم الجدل.
(٢) كذا في (ص، ق)، لكن في (س): يتوقف عنه.
[ ٤ / ١٩٠٢ ]
ص:
٧٨٣ - وَالْحُكْمُ في الْأَصْلِ بِهَا قَدْ ثبَتَا وَلَيْسَ بِالنَّصِّ [بِحُكْمٍ] (^١) أُثْبِتَا
الشرح:
المراد بالثبوت: ثبوت معرفته؛ لِمَا قررناه من أنَّ العِلة مُعَرِّفة، لا مؤثِّرة.
وقد سبق تقرير هذه المسألة في تعريف الأصل وقول ابن الحاجب: (إنَّ الوصف الجامع فرعٌ للأصل، أصلٌ للفرع). وأنه ليس مذهب الشافعية، وإنما مذهبهم أنها مُعرفة لا مؤثِّرة كما سبق تقريره قريبًا، فلا حاجة إلى إعادة شيء مما سبق. والله أعلم.
ص:
٧٨٤ - وَمنْ شُرُوطِهَا: اشْتِمَالُهَا عَلَى حِكْمَةٍ، ايْ تَبْعَثُ أَنْ يُمْتَثَلَا
٧٨٥ - وَنَفْيُ الِاطِّلَاعِ لَيْسَ قَادِحَا إنْ يَقُمِ الدَّلِيلُ فِيهِ جَانِحَا
٧٨٦ - نَعَمْ، يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْحِكْمَةُ عِنْدَ انْضِبَاطٍ هِيَ فِيهِ الْعِلَّةُ
الشرح:
أي: من شروط العلة اشتمالها على حكمة باعثة لكن على معنى أنها تبعث المكلَّف على الامتثال، لا أنها باعثة للشرع على ذلك الحكم كما سبق تقريره وأنَّ المراد بذلك هذا أو أنه على وَفْق ما جعله الله -﷿- مصلحة للعبد تفضلًا عليه وإحسانًا له، لا وجوبًا على الله تعالى.
_________________
(١) في (ت، س، ن ٥): لحكم.
[ ٤ / ١٩٠٣ ]
ففي ذلك بيان قول الفقهاء: (الباعث على الحكم بكذا هو كذا). أو أنهم لا يريدون بَعْث الشارع، بل بَعْث المكلَّف على الامتثال، مثل حفظ النفوس باعث على تَعاطي فِعل القصاص الذي هو مِن فِعل المكلَّف.
أما حُكم الشرع فلا علة ولا باعث عليه. فإذا انقاد المكلَّف لامتثال أمر الله تعالى في أخذ القصاص منه ولكونه وسيلة لحفظ النفوس، كان له أجران: أَجْر على الانقياد، وأجر على قصد حفظ النفوس. وكلاهما أمر الله به، قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة: ١٧٨]، وقال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩].
ومن أجل كون العلة لا بُدَّ من اشتمالها على حِكمة تدعو إلى الامتثال كان مانعها وصفًا وجوديًّا يُخِلُّ بحكمتها، ويسمى هذا "مانع السبب".
فإنْ لم يُخِل بحكمتها بل بالحكم فقط والحكمة باقية، يُسمى "مانع الحكم". وقد سبق بيان ذلك في تقسيم خطاب الوضع أول الكتاب.
فمثال المقصود هنا وهو "مانع السبب": الدَّين إذا قلنا بأنه مانع لوجوب الزكاة؛ لأن حِكمة السبب -وهو ملْك النصاب- استغناء مالِكه به، فإذا كان محتاجًا إليه لوفاء الدَّين، فلا استغناء؛ فاختلَّت حِكمة السبب بهذا الوصف المانع.
وقولي: (وَنَفْيُ الِاطِّلاع) إلى آخِره -إشارة إلى أن الوصف وإنِ اشتُرط فيه اشتماله على حكمة لكن يجوز التعليل بما لا يُطلَع على حكمته؛ لأنه لا يخلو عنها في نفس الأمر. فإنَّ التعبُّدي ليس المراد به ما لا عِلة له، بل ما لا يُطَّلَع على عِلته، ولكن ما لا يُعْقَل فيه مناسبة يسمى "أَمَارة".
نعم، إذا قُطِع بعدم وجود الحكمة في بعض الصوَر، جاز أن يُعَلَّل بالمظنة، خلافًا للجدليين. وممن صرح بالجواز: الغزالي وابن يحيى في "الأصول"، كاستبراء الصغيرة، فإنَّ حكمة الاستبراء تيَقُّن براءة الرحم، وهي مفقودة في الصغيرة، والتيقن محقَّق بدون
[ ٤ / ١٩٠٤ ]
الاستبراء. والخلاف في الفقه في ذلك كثير منتشر.
فمِن ذلك أن مَن قام مِن النوم وشَكَّ في طهارة يده، يُكره أن يغمسها في الإناء قبل أن يغسلها ثلاثًا، فإن تَيقَّن فلا كراهة.
وقال إمام الحرمين: يُكره وإنْ عُلِّق الحكم في الخبر على توهُّم النجاسة؛ لجواز أن يكون للتوهم ثم يَعُم، كالعدة شُرعت لبراءة الرحم ثم عُمّمَت في موضع تُعْلَم فيه البراءة.
قال الشاشي في "المعتمد": (والمذهب الأول؛ لأنه علق على توهُّم النجاسة، وما عُلق بشيء، ينتفي عند انتفائه. هذا هو الأصل في العِلَل).
قال: (وقد أبْعَدَ الإِمام المَرْمَى في تشبيهه بالعدة، وإلحاقه بالنجاسة المحققة أَوْلَى؛ فإنها تؤثر في المنع مِن غمس اليد في الإناء، ثم لا يثبت هذا الحكم فيه إذا كانت النجاسة متوهمة، أو بجعل توهم النجاسة كتحققها. كما قال أحمد في المنع، ويلحق ذلك بالعدة. فإذا لم يلحق حال تَوهُّم النجاسة بالعدة في وجوب المنع؛ فلأنْ لا يلحق حال تَحقُّق الطهارة في الاستحباب بالعدة أَوْلى. والعدة فيها ضربٌ من التعبد، و[حال تَحقُّق] (^١) البراءة حالة نادرة، فألحقت بالغالب؛ لعدم إمكان الضبط. وتَيقُّن الطهارة ليس بنادر، والأصل طهارة اليد). انتهى
قلتُ: فلو غسل مَن شك في نجاسة يده مرة أو مرتين بحيث تيقن طهارتها، فالأرجح لا تزول الكراهة حتى يغسل ثلاثًا؛ عملًا بظاهر الأمر. هذا مع انتفاء المعنى، [إلا] (^٢) أنْ يقال: دخله هنا ضربٌ مِن التعبد، فيكون كالعدة.
ومن ذلك أيضًا: لو قال: (أنت طالق آخِر حيضك) أو: (مع آخر حيضك) فأصح
_________________
(١) في (ص، ق): جاء في تحقيق.
(٢) في (س، ت): الأول إلا.
[ ٤ / ١٩٠٥ ]
الوجهين أن الطلاق سُنِّي. ونَسبه الإِمام في "النهاية" للقياسيين، وقال في الوجه الثاني وهو أنه بِدعي: (إنه يعتقد بالرجوع إلى التوقف بالتعبد) (^١). انتهى
ومَأْخَذ الأول: أنَّ الحكمة في تحريم طلاق الحائض تطويل العدة، وهو مقطوع بانتفائه في هذه الصورة؛ فلا يثبت الحكم.
ومأخذ الثاني: انتفاء الحكمة، [فأثبت] (^٢) بالعِلة وهي الحيض، وهو معنى قول الإِمام: (بالتعبد) أيْ: مِن جهةٍ. وإلا فالحيض هو العلة، ولا امتناع أن يكون الشيء تَعبُّديًّا مِن وَجْهٍ معقولًا مِن وَجْهٍ.
والحاصل: أن التعليل بالمظنة وإنْ قُطِع فيها بنفي الحكمة إما لعدم انضباطها أو غير ذلك.
ونحو هذا أيضًا: ما ذكره أصحابنا في "باب صلاة العيد" في ذهاب النبي - ﷺ - في طريق والرجوع في أخرى مِن الخلاف أنَّ: ما فَعله - ﷺ - لمعنًى وزال، هل تبقى [سُنِّيَّته] (^٣)؟ أو لا؟ على وجهين، كالرمل ونحوه.
لكن ليس هذا عَيْن الخلاف المذكور هنا؛ لأنَّ القائل ببقاء [سُنيته] (^٤) يقول: له علة أخرى. وهو جارٍ على جواز التعليل في حالة بِعِلَّة وفي أخرى بِعِلة غيرها.
وقولي: (نَعَمْ، يَجُوزُ أَنْ تكُونَ الْحِكْمَةُ) إلى آخره -بيان أن ما سبق هو في الوصف المشتمل على الحكمة، أما نفس الحكمة فهل يجوز التعليل بها؟ أو لا؟ ثلاثة أقوال:
_________________
(١) نهاية المطلب (١٤/ ١٨).
(٢) في (ت، س، ض): فيما ثبت.
(٣) في (ص، ق، ش): سببه.
(٤) في (ص، ق، ش): سببه.
[ ٤ / ١٩٠٦ ]
أحدها: يجوز مطلقًا؛ لأنها المقصود في التعليل. وهو اختيار الإِمام الرازي.
والثاني: المنع مطلقًا؛ لخفائها (كالرضا في البيع؛ ولذلك أُنِيطَت صحةُ البيع بالصِّيَغ الدالة عليه) ولعدم انضباطها (كالمشقة؛ فلذلك أنيطت بالسفر).
وهذا ظاهر كلام "جمع الجوامع" ترجيحه.
والثالث: وهو ما صححه ابن الحاجب واختاره الهندي وعليه جريتُ في النَّظم: التفصيل بين أن تكون الحكمة (أي: المصلحة المقصودة لشرع الحكم) ظاهرة منضبطة فيجوز التعليل بها، وبين أن لا يكون كذلك فيمتنع.
ووجْه ذلك: أنَّا نعْلم أنها هي المقصودة للشارع، وإنما عدل عن اعتبارها لخفائها واضطرابها في الأغلب، فإذا زال هذا المانع بظهورها وانضباطها، صَحَّ أن يُعَلَّل بها.
وقولي: (عِنْدَ انْضِبَاطٍ) فيه استغناء عن اشتراط الظهور؛ لاستلزام الانضباط الظهور.
وقولي: (هِيَ فِيهِ الْعِلَّةُ) جملة اسمية خبر "كان" في قولي أول البيت: (يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ). والضمير في "فِيهِ" يعود على الحُكم. أي: هي العلة في الحكم. والله أعلم.
ص:
٧٨٧ - لَا عَدَمِيٌّ عِلَّةً في مُثْبَتْ أَيْ: كَالْإضَافِيِّ، فَذَا لَا يُثْبَت
الشرح:
أي: لا أنْ يكون وصفٌ عدميٌّ علةً في حُكم ثبوتي. أي: فهذا من شروط العلة أيضًا على المختار عند الآمدي وابن الحاجب وغيرهما؛ لأن العدم إن كان:
[ ٤ / ١٩٠٧ ]
- مطلقًا، فالتعليل به باطل قطعًا؛ لعدم تخصيصه بمحل أو بحكم، فلا [تميُّز] (^١) فيه؛ لأنَّ الكل فيه سواء.
- أو عدمًا مخصوصًا، فلا يُعلَّل به إنْ كان وجود ذلك "المفروض عَدَمه" منشأ مصلحة؛ لأنه لا يكون عدمه مصلحة أيضًا. وإنْ كان وجوده منشأ مفسدة فهو من قبيل الموانع، والمانع لا يكون علة، بل لا بُدَّ من مُقْتَضٍ. وهو معنى قول بعض الجدليين: [لأن] (^٢) العدم طرد، والتعليل بالطرد ممتنع.
قال: فلو قال الشارع: (حكمتُ بكذا؛ لعدم كذا) كان للتأقيت (بمعنى: إذا انعدم، فاعرفوا ثبوت الحكم)، لا للتعليل.
وخالف الإِمام الرازي وأتباعه فجوَّزوا أن يعلل به الحكم الثبوتي كما يُعلل به الحكم العَدَمي.
وقال في "المحصول": (خلافًا لبعض الفقهاء). قال: (لأنه قد يحصل دوران الحكم مع بعض المقدمات، والدوران يفيد الظن).
ولكن ضعّف هذا بأنه ليس له جهة اقتضاء يتخيل بالدوران التعليل بها.
مثاله في الفقه: أن يقال: (بيع الآبق باطل؛ لعدم القدرة على التسليم).
وقد يقال: إنما العلة العجز، وهو أمر وجودي، فهُما صفتان وجوديتان متقابلتان، لا مِن قبيل العدم والملكة.
ووقع في "جمع الجوامع" النقل عن الإِمام المنع، وعن الآمدي الجواز. وهو سَبْق قَلَم.
_________________
(١) كذا في (ص، ق)، لكن في (س): تمييز.
(٢) في (ت، س، ض): ان.
[ ٤ / ١٩٠٨ ]
نعم، اختار الإِمام في "المعالم" المنع كما هو طريقة الآمدي.
واعلم أن في ثبوت الخلاف بين الإِمام والآمدي نظر؛ لعدم تَوارُدهما على محل واحد، فإنَّ الإمام بناه على رأيه أن العلة مُعَرِّف، ولا امتناع أن يُعَرِّف عَدَميٌّ وجوديًّا.
والآمدي بناه على أنها بمعنى الباعث، قلتُ: على كل حال الخلاف بينهما ثابت ولو كان مدْركهما [خِلافًا] (^١) بينهما آخَر.
نعم، قال ابن التلمساني: إن المسألة مبنية على تخصيص العلة، فإن منع التخصيص، جَوَّز هنا، ومَن جوَّز التخصيص يقول: العلة ضابط المصلحة، وهي شيء، والعدم لا شيء، فكيف يعلل به الشيء؟
قولي: (لَا عَدَمِيٌّ عِلَّةً) قد يدخل فيه ما إذا كان العدمٍ ليس تمام العلة، بل جزء منها، فإنَّ الخلاف جارٍ في ذلك أيضًا، فإنَّ العدمي أعم أن يكون كُلّا أو بعضًا.
وقولي: (أَيْ: كالْإضَافيِّ) أي: من جملة العدمي إذا كان الوصف إضافيًّا، وهو ما [تَعقُّله] (^٢) باعتبار غيره، كالبنوة والأبوة، والتقدم والتأخر، والمعيَّة والقَبْلية والبَعْدية، ففي التعليل به ما سبق.
وإنما قلنا: إنه عدمي؛ لأن وجوده إنما هو في الأذهان، لا في الخارج. هذا على المختار من الخلاف في أن الإضافي عدمي أو لا. ومحل بسطه عِلم الكلام. والله أعلم.
_________________
(١) في (ص، ق، ض، ش): خلاف.
(٢) في (ق): تعلقه.
[ ٤ / ١٩٠٩ ]
ص:
٧٨٨ - وَعِلَّةٌ قَاصِرَةٌ يُعَلَّلُ بِهَا، فَذَا يُفِيدُ مَا يُفَصَّلُ
٧٨٩ - فَمِنْهُ أَنْ يُعْلَمَ بِالْمُنَاسَبَهْ وَمَنْعُ إلْحَاقٍ لِمَا قَدْ قَارَبَهْ
٧٩٠ - وَقُوَّةٌ لِلنَّصِّ، وَالزِّيَادَهْ لِلأَجْرِ في امْتِثَالِهِ عِبَادَهْ
٧٩١ - وَاعْدُدْ مِنَ الْقَاصِرَةِ الْمَحَلَّا وَجُزْءَهُ وَلَازِمًا قَدْ حَلَّا
الشرح:
هذا من الذي اشتُرط في العلة، ولكن الراجح المنع، وهو كَوْن العلة لا تكون قاصرة، بل متعدية لغير الحل المنصوص؛ حتى لا يُعَلَّل بالقاصرة، وهي التي لا توجد في غير المحل المنصوص.
ولا تخلو القاصرة من أمرين: أن تكون عِليتها ثابتة بنص أو بإجماع، أو تكون مستنبطة.
فأما الأول: فأَطْبَقَ العلماء كافَّة على جواز التعليل بها، وأن الخلاف كما في "التقريب والإرشاد" للقاضي إنما هو في المستنبطة. وأغرب القاضي عبد الوهاب في "الملخص" بحكاية قول بمنع التعليل بها مطلقًا منصوصة كانت أو مستنبطة، وقال: إنه قول أكثر فقهاء العراق.
وأما الثاني: وهو أن تكون مستنبطة فالذي ذهب إليه الأكثرون (منهم الشافعي وأصحابه ومالك وأحمد والقاضي أبو بكر وإمام الحرمين وكذا عبد الجبار وأبو الحسين، وعليه المتأخرون كالإمام الرازي وأتباعه والآمدي): أنه يُعَلَّل بها.
وذهب أبو حنيفة وأصحابه (منهم الكرخي وبه قال أبو عبد الله البصري) إلى أنه لا يُعلل بها. وحكاه الشيخ أبو إسحاق في "شرح اللمع" ثم النووي في "شرح المهذب" وجهًا لأصحابنا.
[ ٤ / ١٩١٠ ]
احتج المانع بأنه لا فائدة في التعليل بها؛ لأن الحكم مقرَّر بالنص. وغير المنصوص لا توجد فيه تلك العلة، فأي فائدة لها؟
والجواب: أن القاصرة المنصوصة أو المجمَع عليها متفق عليها، وما قالوه موجود فيها، فلو صح ما قالوه لكان النص عليها عبثًا والإجماع عليها خطأ. ونفي الفائدة أو حصرها فيما نفوه ممنوع؛ فلها فوائد تذكر مُفَصَّلة.
منها: معرفة مناسبة الحكم للحكمة؛ إذ بالتعليل تُعرف الحكمة وأن الحكم على وَفْق الحكمة والمصلحة؛ فيكون أَدْعَى إلى القبول والانقياد مما لم تُعْلَم مناسبته.
لكن قال المقترح: إن السببية إنما جعلت لتعريف [الحكم] (^١)، لا لِما ذُكِر.
وجوابه: أنه لا ينافي الإعلام طلب الانقياد لحكمته.
ومنها: إفادة المنع لإلحاق فرع بذلك؛ لعدم حصول الجامع الذي هو [عِلة] (^٢) في الأصل.
واعتُرض بأن ذلك من المعلوم من موضوع القياس، فأين الفائدة المتجددة؟
وأجيب بأنه لو وُجد وصف آخَر مُتَعَدٍّ، لا يمكن القياس به حتى يقوم دليل على أنه أَرجح من تلك العلة القاصرة، بخلاف ما لو لم يكن سوى العِلة المتعدية، فإنه لا يفتقر الإلحاق بها إلى دليل على ترجيح.
نعم: سيأتي في باب التراجيح أنهما إذا تعارضا مِن غير أن يكون لإحداهما مرجِّح أن الأصح تقديم المتعدية. وقيل: القاصرة. وقيل بالوقف.
_________________
(١) في (ض، ت، س): الحكمة.
(٢) كذا في (ص، ق)، لكن في (س): علته.
[ ٤ / ١٩١١ ]
فلا يُعترض به على ما قررناه؛ لأن القصد أنها إذا رجحت القاصرة بدليل، قُدِّمت، أو كان للقاصرة مرجِّح يقابل التعدي، تَعادَلَا، فظهرت الفائدة.
ومنها: أن النص يزداد قوة بها، فيصيران كدليلين يتقوى كل منهما بالآخر. قاله القاضي في "التقريب والإرشاد"، وهو مخصوص بما يكون دليل الحكم فيه ظنيًّا، أما القطعي فلا يحتاج لتقوية. نبه عليه الإِمام في "البرهان".
ومنها ما قاله الشيخ تقي الدين السبكي: إن المكلف يزداد أجرًا بانقياده للحكم بسبب تلك العلة المقصودة للشارع مِن شرعه، فيكون له أجران: أجر في امتثال النص، وأجر في امتثال المعنى فيه (^١).
وذكر بعضهم معنًى خامسًا: أن معرفة العلة زيادة في العِلم، ولا شك أنه فضل على مَن لم يَعلم.
ولكن فيه نظر؛ لأنَّ المانع يمنع أن يكون هذا عِلة حتى يكون العِلم به فضيلة، بخلاف الفوائد المذكورة.
وذكر الشيخ أبو إسحاق من الفوائد أيضًا أنه لو حدث فرع فيه تلك العِلة، أُلْحِق بالأصل؛ لأجلها. فلو لم تكن معلومة مِن قبل حدوثه؛ لَمَا ألحقناه.
وضُعِّف بأنه حينئذٍ يتبين أن العلة غير قاصرة، والكلام في القاصرة.
فلذلك لم أَتَعَرَّض في النَّظم لشيء من ذلك.
وقولي: (وَاعْدُدْ مِنَ الْقَاصِرَةِ الْمَحَلَّا) إلى آخِره -إشارة إلى أن مِن العلل القاصرة:
- محل الحكم، كقولنا: الذهب رِبوي، لكونه ذهبًا، والخمر حرام؛ لأنه مُسْكر معتصر
_________________
(١) انظر: رفع الحاجب (٤/ ١٨٧).
[ ٤ / ١٩١٢ ]
من العنب.
- وجزء المحل الخاص به، كالتعليل باعتصاره من العنب فقط.
- والوصف اللازم، كالنقدية في الذهب والفضة، فأنه وصف لازم لهما.
ومثَّله في "المستصفى" بالصغر في الولاية عليه. وفيه نظر؛ فإنه ليس بلازم، فقد يكبر، فهو كالشدة المطربة في العصير إذا اشتد.
وقَيَّدنا الجزء بالخاص؛ تَحَرُّرًا من المشترك بين المحل وغيره، فإن ذلك لا يكون إلا في المتعدية، كتعليل إباحة البيع بكونه عقد معاوضة، فإن جزءه المشترك وهو عقد الذي هو شامل للمعاوضة وغيرها -لا يُعَلَّل به. وإنما لم أقيد بذلك في النَّظم لظهور المراد بالجزء؛ لأنَّ لفظ القصور مخرج له بالضرورة.
واعلم أن الهندي جعل الخلاف في هذا مبنيًّا على جواز التعليل بالعلة القاصرة، فمَن منع هناك منع هنا، ومن أجاز -وهُم الأكثرون- أجاز هنا.
لكن المتجه أنه مِن صُوَر القاصرة، فلا حاجة لجعله مبنيًّا عليه، فإن ذلك يُشْعِر بالمغايرة، وليس كذلك.
وهو معنى قول ابن الحاجب في شروط العلة: (وأن لا تكون المتعديةُ المحلَّ ولا جزءًا منه؛ لامتناع الإلحاق، بخلاف القاصرة).
أي: فإنها تكون نفس المحل أو جزءه.
نعم، جَعْله ذلك شرطًا في المتعدية مع عدم إمكانه -فيه نظر؛ فإن انتفاء المستحيل في الشيء لا يُجعل شرطًا له؛ لأنه تحصيل الحاصل إلا أن يذكر ذلك على سبيل التنبيه والتوكيد.
وفي المحل والجزء قول ثالث: إنه يمتنع التعليل بالمحل دُون الجزء.
قولي: (لِمَا قَدْ قَارَبَهْ) أي: منع الإلحاق بالأصل الفرع الذي قد قارب الأصل ولكن لم
[ ٤ / ١٩١٣ ]
توجد فيه العلة؛ لأن الفرض أنها قاصرة على محلها.
وقولي: (في امْتِثَالِهِ عِبَادَهْ) أي: له الأجر في امتثال الوصف المعَلَّل به حال كونه مقصودًا به العبادة. والله أعلم.
ص:
٧٩٢ - وَعَلَّلُوا بِذِي اشْتِقَاقٍ وَلَقَبْ وَعَدَدٍ؛ لِنَفْيِ تَأْثِيرٍ وَجَبْ
الشرح:
اشتمل هذا البيت على ثلاثة أمور جائزة في التعليل:
أحدها:
التعليل بالاسم المشتق -كاسْم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة ونحو ذلك- جائزٌ على معنى أن المعنى المشتق ذلك منه هو علة الحكم، نحو: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، "مطل الغني ظلم" (^١)، "ليس للقاتل ميراث" (^٢)، وغير ذلك مما لا ينحصر.
وفي معناه "الموصول"، فإنَّ صلته تكون علة للحكم، سواء أكانت صلته فيها مشتق كالفعل ونحوه أو لا.
وحكى بعضهم فيه الاتفاق. وفيه نظر؛ فإنَّ سليمًا في "التقريب" حكى قولًا، بمنع التعليل بالاسم مطلقًا، جامدًا كان أو مشتقًا.
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) سبق تخريجه.
[ ٤ / ١٩١٤ ]
الثاني:
التعليل بالاسم اللقب، والمراد به ما ليس بمشتق، لا الذي هو أحد أقسام العَلَم فقط كما عُبِّر في المفاهيم بِـ "مفهوم اللقب"، والمراد به الأعم من العَلم واسم الجنس الجامد.
ومثال التعليل باللقب: تعليل الربا في النقدين بكونهما ذهبًا وفضة، وتعليل ما يُتيمم به بكونه ترابًا، وما يُتوضأ به بكونه ماءً. كما أشار إلى التمثيل بذلك الشيخ أبو إسحاق في "اللمع"، والتعليل بذلك جائز على الأصح.
وقيل: ممتنع؛ لأنه لا إشعار له بمعنى يُجْعَل عِلته.
ورُدَّ بأن المدار على أنه تعلق به الحكم كيف كان، فكما يجوز النص على حُكمه وهو جامد فكذلك تكون عِلته وهو جامد.
ووقع في "المحصول" حكاية الاتفاق على أنه لا يجوز التعليل بالاسم، كتعليل تحريم الخمر بأنه يسمى "خمرًا"، قال: (فإنا نَعلم بالضرورة أن هذا اللفظ لا أثر له، فإنْ أُريد به [تعليل لمسمَّى] (^١) هذا الاسم من كونه مخامرًا للعقل فذلك تعليل بالوصف، لا بالاسم) (^٢).
فيصير ما قاله الإمام طريقة ثانية بعدم الخلاف والقطع بالمنع.
لكن الأصح الجواز كيف فُرِض الخلاف كما صححه ابن السمعاني وغيره.
وقد وقع للشافعي التعليل به كثيرًا، فمن ذلك قوله في بول ما يؤكل لحمه: لأنه بول، فشابَهَ بول الآدمي.
_________________
(١) كذا في (ص، ق)، لكن في (ت): التعليل بمسمى. وفي (س): تعليل مسمى.
(٢) المحصول (٥/ ٣١١).
[ ٤ / ١٩١٥ ]
وقال صاحب "الخصال" من الحنابلة أنَّ الإمام أحمد نَص على التعليل به أيضًا.
واعْلَم أن الشيخ بدر الدين في "شرح جمع الجوامع" ذكر أمرين:
أحدهما: أنه جعل من التعليل بالاسم قِسمًا ثالثًا غير المشتق واللقب بعد أن فسر المشتق بأنه ما اشتق مِن فِعل، كالسارق والقاتل، فقال: (الثالث: اسم اشتُق مِن صفة، كالأبيض والأسود).
قال: (قال ابن السمعاني: فهذا مِن عِلل الأشباه الصورية، فمَن احتج بالشبه الصوري احتج به) (^١).
وفيما قاله نظر من حيث إن مذهب البصريين أن الأفعال مشتقة من الاسم وهو المصدر، والكوفيون عندهم بالعكس، فلا توافق التفرقة بين ما اشتق من اسم وما اشتق مِن فِعل لا البصريين ولا الكوفيين. فإنْ أراد بما اشتُق مِن فِعل أنْ يُسْمَع له فِعل وبما اشتُق مِن اسم أنْ لا يُسْمَع له فِعل، فيقال: الأبيض والأسود ونحوهما من الألوان لها فِعل، [وهو: بيض وسَوِدَ] (^٢)، قال الجوهري: (وقد سَوِدَ الرجُل، كما يقول: عَوِرَتْ عَيْنُه) (^٣).
قال نُصَيْب (^٤):
سَوِدْتُ فلم أَمْلِكْ سوادي وتَحْتَه قميصٌ مِن القُوهِي بِيضٌ بَنائِقُه
وإنْ أراد أن الصفة المشبهة ليس من المشتق فممنوع؛ لأنه من أوصاف اسم الفاعل إلا أنه من اللازم. وكذا لو جعل "أَفْعَل" تفضيل، كما يقول: هذا أَسْوَد مِن هذا.
_________________
(١) تشنيف المسامع (٣/ ٢٣٠).
(٢) هذه العبارة ذُكرت هنا في (ت، هامش س)، لكن في سائر النُّسخ ذُكرت بعد قول نُصَيْب.
(٣) الصحاح (٢/ ٤٩١).
(٤) نُصيب بن رباح شاعر مشهور، توفي ١٠٨ هـ. (الأعلام، ٨/ ٣١).
[ ٤ / ١٩١٦ ]
وكأنَّ مراد ابن السمعاني أن السواد والبياض لا مناسبة فيهما بجلب مصلحة ودرء مفسدة؛ فيكون التعليل بهما ونحوهما من الشبه الصوري، لا أنَّ المدار على اشتقاقه من فِعل ولا اسم.
الثاني: قال: لك أن تسأل عن الفرق بين العلة القاصرة والتعليل بالمحل والتعليل بالاسم.
قال: والجواب أنَّ العلة القاصرة أعم من المحل؛ لأن المحل ما وُضع له اللفظ، كالخمر والبُر. والقاصرة وصف اشتمل عليه محل الوصف لم يوضع له اللفظ، كالنقدية، فكل محل علة قاصرة، وليس كل علة قاصرة محلًّا.
قال: (وأما الفرق بين المحل والاسم فقيل من وجهين:
أحدهما: أن المراد بالاسم الجامد الذي لا يُنبئ عن صفة مناسبة، بخلاف الخمر الدال على التخمير المناسب للتحريم. وهذا يشكل بالبر فإنهم جوَّزوا التعليل به وهو جامد.
والثاني: أن يكون المراد التعليل بالتسمية، نحو: "حرمتُ الخمر؛ لتسميتها خمرًا، والتفاضل في البُر؛ لتسميته بُرًّا" ونحوه؛ إذِ التسمية لا تأثير لها، بخلاف المعنى المستفاد من المحل بإشارة أو تنبيه. وربما التفت الكلام هنا إلى الاسم والمسمَّى هل هما واحد؟ أو متغايران؟ والمراد "المسمَّى" الذي هو مدلول الاسم، فحُكمه حُكم سائر العِلل، إنْ كان مؤثِّرًا أو مناسِبًا، عُلل به، وإلا فلا. ومَن أراد "الاسم" الذي هو اللفظ، لم يُعَلل به قطعًا) (^١) انتهى
وفيه مناقشات:
أحدها: قوله في التفرقة بين المحل والقاصرة: (إنَّ القاصرة وَصْفٌ اشتمل عليه محل
_________________
(١) تشنيف المسامع (٣/ ١٤٠ - ١٤١).
[ ٤ / ١٩١٧ ]
الوصف لم يوضع له اللفظ) غير سديد؛ لأنَّ قصده بيان أن القاصرة أعم، فذكر شيئًا لا يدخل فيه المحل، فكيف يكون أعم؟ !
وأيضًا فتعريف القاصرة بذلك ولم يشترط في الوصف أن يكون لازمًا، بل الذي لم يوضع له اللفظ. أي: اللفظ الدال على المحل يشمل الوصف غير اللازم؛ ليخرج نحو الطعم في البُر، فإنه غير لازم، فهو مِن المتعدي؛ لشموله غير البُر مع أنَّ اسم البُر ليس موضوعًا له.
وإنما كان صواب العبارة أن يقول: والقاصرة أَعَم من المحل؛ لأنها تكون بالمحل وبجزئه الخاص وبالوصف اللازم للمحل أو لجزئه الخاص كما سبق إيضاحه.
ثانيها: تفرقته بين المحل والاسم بوجهين، ثم قال عقب الأول: (وهذا يشكل بالبُر). [فليس] (^١) فيه إشكال؛ لأن الكلام في التفرقة بين حقيقتيهما، لا بين حُكميهما، فإنه قد قدّم أنَّ حُكمهما في التعليل الجواز.
ثالثها: قوله في الفرق الثاني بين الاسم والمحل: (إنَّ المحل يُلْحَظ فيه مناسبة، بخلاف الاسم). قد يُدَّعَى أنه يُلحظ في التسمية معنى [مناسب] (^٢).
ثم ذكر التفاته إلى أنَّ الاسم عَيْن المسمَّى أو غيره. يُقال: عليه التفريع، على أنَّ الاسم يُعَلَّل به وإنْ لم يكن فيه مناسبة كما سبق تقريره. وإنما السؤال عن الفرق بين حقيقتيهما، لا عن كون أحدهما يُعلَّل به والآخَر لا يُعلل به، فَتَأَمَّله.
_________________
(١) كذا في (س)، لكن في (ص، ق): ليس.
(٢) في (ص، ق): المناسب.
[ ٤ / ١٩١٨ ]
الأمر الثالث مما اشتمل عليه البيت:
تَعَدُّد العِلل والحكم المعَلَّل واحد، والتعدد فيه على وجهين:
أحدهما: أن يكون كلٌّ مِن ذلك المتعدد مستقلًّا بالعِلِّية لو انفرد.
والثاني: أن يكون أوصاف متعددة ولكن مجموعها عِلة، وكلُّ واحدٍ منها جزء علة.
والأمران جائزان؛ فلهذا أطلقتُ قولي في النَّظم: (وَعدد) وإن كان في الثاني مجازًا؛ إذ لا يقال: إنها عدد عِلل، بل عدد أجزاء عِلة واحدة. لكني قصدتُ إدخالها اقتصارًا؛ لأنهما في الحكم واحد، وهو الجواز.
وأيضًا: فإذا جاز تَعدُّد العلل المستقلة فلأنْ يجوز تَعدُّد أركان عِلة واحدة من باب أَوْلى.
فأما المسألة الأُولى:
فالمعلَّل بالعلل المتعددة إما أن يكون واحدًا بالنوع أو واحدًا بالشخص. فالواحد بالنوع يجوز تعدد عِلله بحسب تعدد أشخاصه بلا خلاف: كتعليل إباحة قتل زيد بِرِدَّته، وقتل عمرو بالقصاص، وقتل بكر بالزنَا، وقتل خالد بترك الصلاة.
وأما الواحد بالشخص فلا خلاف في امتناع تعدد العِلل العقلية فيه؛ لأنها بمعنى تأثير كل واحدة، والمؤثِّرات على أثر واحد مُحَال كما قرر في محله.
وأما العلل الشرعية فهي محل الخلاف. والصحيح فيها فمن المذاهب الجواز والوقوع، كتحريم وطء الحائض المعتدة المحرمة، وكالحدث بخروج مِن فرج وزوال عقل ومس فرج ولمس أجنبية، فإنَّ كل واحد من المتعددين المذكورين يُثْبِت الحكم مستقلًّا. وإنما كان كذلك؛ لأن العلة الشرعية بمعنى المعَرِّف، ولا يمتنع تعدُّد المعرف؛ لأن مِن شأن كل واحد أن يُعَرِّف، لا الذي وُجِد به التعريف حتى تكون الواحدة إذا عُرفت فلا تُعرف الأخرى؛ لأنه تحصيل الحاصل.
[ ٤ / ١٩١٩ ]
وهو معنى قولي: (لِنَفْيِ تَأْثِيرٍ وَجَبْ). أي: إنما جاز تعدُّد العلة؛ لأن العلل الشرعية يجب نفي التأثير عنها، بل هي مُعَرِّفة.
والمذهب الثانى: ونقله القاضي وإمام الحرمين واختاره الآمدي: إنه غير جائز. فبالضرورة يكون غير واقع. وأن ما ذكرتم من الوقوع يعود إلى القسم الأول وهو أن المعلل بها واحد بالنوع، وأما الشخص فمتعدد. فالقتل بأسباب أشخاص القتل متعددة، والنوع واحد في المحل الواحد. فإنَّ القتل في صورة واحد مُحال تَعَدُّده؛ إذ هو إزهاق الروح. وكذلك أسباب الحدث إنما هي أحداث في محل، لا حدث واحد.
قيل: لو ارتضعت صغيرة بلبن زوجة أخيك وبلبن أختك كانت محرمة عليك؛ لكونك خالها وعمها، ولا يقال: فيه تحريمان: تحريم العم، وتحريم الخال. فهو مُزيل لِمَا تعلقوا به من الشبهة.
وفيه نظر؛ فقد يقال فيه بذلك بحسب التقدير؛ إذ لا مانع من ذلك.
والمذهب الثالث: وبه قال الأستاذ وابن فورك واختاره الإمام الرازي وأتباعه: أن ذلك جائز في العلة المنصوصة دون المستنبطة؛ لأن المنصوصة دل الشرع على تعددها، فكانت أمارات. وأما المستنبطة فما فائدة استخراجها علة إلا أنه لا علة غيرها تُتَخَيَّل.
وجوابه: أنها إذا كانت أمارات فاستنبطت متعدِّدة، فلا فرق.
الرابع: أن التعدد جائز عقلًا وممتنع شرعًا، على معنى أنه لم يقع في الشرع، لا على معنى أن الشرع دل على منعه. وهذا ما نقله ابن الحاجب عن إمام الحرمين. ونقل الآمدي عنه خلاف ذلك، ولكن قال الهندي: إن هذا هو الأشهر في النقل عنه. قيل: وهو الصحيح؛ فإنَّ عبارته في "البرهان": "ليس ممتنعًا عقلًا وتسويغًا ونظرًا إلى المصالح الكلية، ولكنه ممتنع شرعًا". وقال أنه تصفح الشريعة فلم يجد ذلك.
[ ٤ / ١٩٢٠ ]
وقال: إن المختلفين في المسائل يختلفون في العِلل كاختلافهم في الحكم، كباب الربا.
وأما كلام الإمام في "الفروع" فإنه يقتضي خلاف ذلك، كما قال في تدبير المستولدة: إنه يصح، ويكون لعتقها يوم موت السيد سببان. إلا أن يقال: إنه قد صرح بأنه لا بقاء للتدبير. وكأنه إنما منع اجتماع علتين مُعَرِّفتين أو مؤثِّرتين، فحيث لا يحصل اجتماع لا مَنعْ.
نعم، هل يجري هذا الخلاف في التعليل بِعلتين سواء أكانتا متعاقبتين أو معًا؟ أو هو مختص بِالمَعِيَّة؟
كلام ابن الحاجب يقتضي الأول، ورجح غيرُه الثاني؛ لما يَلزم من شموله حالة التعاقب أن يكون [أحدٌ مِن الأُمة يمنع] (^١) أنَّ اللمس والمس ليسَا بعِلتين وإنْ وُجِد أحدهما بمفرده، بل لا علة إلا واحد فقط، فلا يكون للحدث -مثلًا- غير علة واحدة. ولا قائل بذلك.
وأما المسألة الثانية:
فهي التعليل بالوصف المركب، والمعظم على الجواز، وبه قال المتأخرون ومنهم الإمام الرازي وأتباعه؛ لأن الذي يُستَدل به على العِلة المفردة يُستدل به على المركَّبة، فهُما سواء. وذلك كما تقول في قصاص النفس: قَتْل عَمْد مَحْض عدوان. هذا قول الجمهور.
ومنهم مَن منع ذلك مطلقًا.
ومنهم مَن قال: يجوز ولكن لا تزيد الأوصاف على خمسة. نقله الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، ووقع في "المحصول" في نقله عن حكاية الشيخ أبي إسحاق أنه قال: لا تزيد على سبعة.
قيل: وكأنه تصحيف، والذي في عِدة نُسخ من "شرح اللمع" إنما هو خمسة. والله أعلم.
_________________
(١) في (س، ت): أخذ من الآية منع. وفي (ش، ض): أخذ من الآية يمنع.
[ ٤ / ١٩٢١ ]
ص:
٧٩٣ - كَذَا تَعَدُّدٌ لِحُكْمِ وَاحِدَهْ كسِرْقَةٍ قَطْعًا وغُرْمًا [قَائِدَهْ] (^١)
الشرح: هذه المسألة مقابلة للمسألة السابقة، وهي أن تتحد العلة ولكن يتعدد المعلول فيكون أحكامًا مختلفة، وله صورتان: أنْ لا يكون المتعدد من الحكم فيه تضاد، أو يكون فيه تضاد.
فأما الأُولى: فذهب الجمهور فيها إلى أن العلة الواحدة الشرعية يجوز أن يترتب عليها حُكمان شرعيان مختلفان معًا؛ لأنَّ العلة إنْ فُسرت بالعَرِّف فجوازه ظاهر؛ إذ لا يمتنع عقلًا ولا شرعًا نَصْبُ أَمارة واحدة على حُكمين مختلفين، بل قال الآمدي: لا نعرف في ذلك خلافًا. كما لو قال الشارع: جعلت طلوع الهلال أَمارة على وجوب الصوم والصلاة، أو: طلوع فجر رمضان مُعرِّفًا لوجوب الإمساك من الصبح. وسواء أكان ذلك في الإثبات أو في النفي.
فمِن الإثبات ما مثَّلتُ به في النَّظم من السرقة، فإنها عِلة في القطع؛ لمناسبة زَجْر السارق حتى لا يعود، وفي غرامة المال المسروق لصاحبه؛ لمناسبته لِجَبْره. وهو كثير.
ومن العلة في النفي: الحيض؛ فإنه عِلة لمنع الصلاة والطواف وقراءة القرآن ومَس المصحف، ووطئها، وطلاق الزوج، وغير ذلك؛ لمناسبته للمنع من كل من ذلك. ولا بُعد في مناسبة وصف واحد لِعَدَد من الأحكام كما مثَّلنا.
وذهب شرذمة يسيرة إلى المنع من ذلك، قالوا: لِمَا فيه مِن تحصيل الحاصل؛ لأن الحكمة
_________________
(١) كذا في (ن ٣، ن ٤)، ويظهر لي أنَّ معناها: كَسَرقة تَقُود إلى القَطْع والغُرْم. وفي (ق، ص، ش، ن ٢، ٥): قايدة. وفي (ن ١): فائدة. وفي (ت): فايدة.
[ ٤ / ١٩٢٢ ]
التي اشتمل عليها الوصف استوفاها أحد الحكمين.
وَرُدَّ بأنه يكون فيه حكمة أخرى تناسب الحكم الآخَر، أو أن الحكمة لا تحصل إلا بالحكمين معًا.
الصورة الثانية: أن يكون بين المتعدد مِن الحكم المعَلل تضاد. وعلى هذه الصورة اقتصر البيضاوي، ولم يصرح ابن الحاجب بها. ولكنها داخلة في إطلاقه تعليل حُكمين بِعِلَّة واحدة. ولكن لا يجوز هنا إلا بشرطين متضادين، كالجسم يكون علة للسكون بشرط البقاء في الحيز، وعِلة للحركة بشرط الانتقال عنه. وإنما اعتُبر فيه الشرطان لأنه لا يمكن اقتضاؤهما لهما بدون ذلك؛ لئلَّا يَلزم اجتماع الضدين، وهو مُحال. وإنما شُرط التضاد في الشرطين؛ لأنه لو أمكن اجتماعهما كالبقاء في الحيز مع الانتقال -مثلًا- فعند حصول ذينك الشرطين إنْ حصل الحكمان -أعني السكون والحركة- لَزِمَ اجتماع الضدين. وإنْ حصل أحدهما دون الآخر، لزم الترجيح دون مُرجِّح. وإنْ لم يحصل واحد منهما، خرجت العلة عن أن تكون علة؛ فتعَيَّن التضاد في الشرطين. وهو معنى قول البيضاوي: (ولكن بشرطين متضادين). والله أعلم.
ص:
٧٩٤ - وَمِنْ شُرُوطِهَا انْتِفَا تَأَخُّرِ ثُبُوتهَا عَنْ حُكمِ الَاصْلِ المُعْتَرِي
٧٩٥ - وَعَوْدِ الِابْطَالِ عَلَى أَصْلٍ، وَإنْ تَكُنْ بِالِاسْتِنْبَاطِ فِيمَا قَدْ زُكِنْ
٧٩٦ - فَالنَّفْيُ لِلْمُعَارِضِ الْمُنَافِي لَهَا، وَأَنْ تَعْرَى مِنَ الْخِلَافِ
٧٩٧ - لِلنَّصِّ وَالْإجْمَاعِ فِيمَا عَلِمَه وَشَرْطُهَا التَّعْيِينُ؛ فَاطْرَحْ مُبْهَمَهْ
[ ٤ / ١٩٢٣ ]
الشرح: اشتملت هذه الأبيات على خمسة مِن شروط [عِلة] (^١) الأصل.
أحدها ما ذكره ابن الحاجب وغيره: أن لا يكون ثبوت العلة متأخرًا عن ثبوت حُكم الأصل. وخالف في ذلك قوم من أهل العراق كما قاله القاضي عبد الوهاب. كما لو قيل فيمن أصابه عَرَق الكلب: أصابه عرق حيوان نجس؛ فكان نجسًا، كلعابه. فيمنع السائل كَوْن عرق الكلب نجسًا.
فيقول المستدِل: لأنه مستقذر شرعًا، أي: أمر الشارع بالتنزه منه؛ فكان نجسًا، كالبول.
فيقول المعترِض: هذه العلة ثبوتها متأخر عن حُكم الأصل، فتكون فاسدة؛ لأن حُكم الأصل -وهو نجاسته- يجب أن يكون سابقًا على استقذاره؛ لأن الحكم باستقذاره إنما هو مرتب على ثبوت نجاسته. وإنما كانت هذه العلة فاسدة لتأخرها عن حكم الأصل؛ لِمَا يَلزم مِن ثبوت الحكم بغير باعث (على تقدير تفسير العلة بالباعث)، وقد فرضنا تأخُّرها عن الحكم، وهو محُال.
فإن قلنا بأن العلة أَمارة مُعَرِّفة لا باعثة فيلزم منه تعريف المعَرف، وهو محال؛ لأن الفرض أن الحكم قد عُرف قبل ثبوت عِلته. لكن إنما يتأتى هذا إذا قلنا أن معنى "المُعَرِّف": الذي يحصل التعريف به. أما إذا قلنا: الذي مِن شأنه التعريف، فلا. فلذلك قال الهندي: إنَّ الحقَّ الجواز إنْ أُريدَ بالعلة المعرف. أي: لأن المعرف يتأخر، بل الحادث يُعَرِّف القديم كما في تعريف العالَم لوجود الصانع واتصافه بصفات ذاته السنية.
الثاني:
أنْ لا يعود على حُكم الأصل بالإبطال، حتى لو استنبطت مِن نَص وكانت تؤدي إلى
_________________
(١) في (ت): علية.
[ ٤ / ١٩٢٤ ]
ذلك، كان ذلك فاسدًا. وإنما لم أُخَصص هذا الشرط بالمستنبطة بل أطلقتُ كما أطلقه ابن الحاجب وغيره وإنْ قيدت الشرط الذي بعده بالمستنبطة؛ لأنَّ ما يعود بالإبطال لا يكون في منصوصة؛ لئلَّا يؤدي للتناقض، ولا في مستنبطة؛ لِمَا ذكرناه، وذلك لِمَا يَلزم مِن إبطالها أصلها أن تكون هي باطلة؛ لأن الفرع يَبْطل ببطلان أصله.
ولهذا ضُعِّف تأويل قوله - ﷺ -: "في أربعين شاة شاة" (^١) ونحو ذلك أنَّ المعنى فيه سد خلة المستحق حتى يجوز أن يدفع له قيمة الشاة كما سبق في أمثلة التأويلات البعيدة.
ووَجْه ضَعْفه أنه يعود على أصله -وهو إيجاب الشاة- بالبطلان، وذلك أنه يَلزم أن لا تجب الشاة عينًا؛ فإنَّ غَيْر الشاة ليس بِشاة.
قال بعض المحققين: ليس هذا رفعًا؛ لأنه إنما يكون رفعًا أنْ لو أدى إلى عدم إجزاء الشاة مثلًا.
ولهذا قال أصحابنا في الإيتاء في الكتابة: إنه إنْ شاء السيد أَسقط عن المكاتب قَدْر ما يؤتيه مِن آخِر نجم، وإنْ شاء إذا قبضه يدفع منه. ذلك لأن المعنى في الإيتاء إعانة المكاتب، وهو حاصل بذلك، ولم يقولوا: إنه عاد بالإبطال باعتبار أن الإيتاء صار غير واجب عَيْنًا. ولهذا قال السهروردي: أنصف أمير المتأخرين -يعني الغزالي- إذ قال في "المستصفى": ليس هذا رفعًا للنص، وإنما يَلزم أنْ لو جوَّزوا الترك مطلقًا، أما إلى بدل فلا تخرج الشاة عن كونها واجبة. فإنَّ مَن أدَّى خصلة من خصال الكفارة المخيرة فقد أدَّى واجبًا وإنْ كان الوجوب يتأدى بغيرها، فهذا توسيع للوجوب، لا إسقاط له.
وأما تخصيص الشاة بالذِّكر فيجوز أن يكون لكثرة الوجود عندهم كما ذكر الحجر في الاستنجاء مع جوازه بالمدر والخرق ونحوها، أو لسهولة الأداء على المالك.
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ٤ / ١٩٢٥ ]
وأجاب بعضهم عن ذلك بأن وجه الرفع للنص في ذلك أن الزكاة تتعلق بِالعَيْن على الأرجح من أقوال الشافعي، فإذا جُوِّزَت القيمة، كان تعليقًا للزكاة بالذمة؛ فأبطل التعلُّق بِالعَيْن.
ويمكن أن يُفَرق بذلك بين هذا وبين مسألة الإيتاء في المكاتب، فيقال: الإيتاء لم يتعلق بعين ما يأخذه السيد، بدليل أنه لو أعطاه مِن غير الذي جاء به، جاز قطعًا.
ولكن فيه نظر؛ فإنه لو أعطى شاة مِن غير الأربعين بأنْ حَصَّلها للمستحق مِن خارج، فإنه يجوز قطعًا. وإنما فائدة تَعلُّقها بالعين ما لو تلف -قبل التمكن بعد الوجوب- منها شيءٌ، سقطت زكاته.
وجواب آخَر: أن الإبطال هو تغيير النص، ولا يجوز تغييره ولا سيما وباب الزكاة تَعبُّد.
ولا يخفَى ضعف هذا؛ فإنَّ التعميم والتخصيص [يُغَيِّران] (^١)، وسيأتي أنهما جائزان.
فالإشكال قوي والأجوبة ضعيفة. وعُلم من اشتراط أن لا تَعُود العلة على النص بالإبطال أنها لو عادت بالتعميم أو بالتخصيص كان جائزًا.
أما عَوْدها بالتعميم فبِلا خلاف كما يستنبط من قوله - ﷺ -: (لا يقضي القاضي وهو غضبان" (^٢) أن العلة تشويش الفكر؛ فتعدَّى إلى كل مُشَوِّش مِن شدة فرح ونحوه.
قال القاضي أبو الطيب الطبري: أجمعوا على أنه ليس لنا علة تعود على أصلها بالتعميم إلا هذا المثال، وذلك جائز بالإجماع.
وفيما قاله نظر؛ فقد وُجِد من ذلك كثير، نحو: النهي عن الصلاة وهو يدافع الأخبثين، والأمر بتقديم العشاء على الصلاة، فإنَّ العلة ترك الخشوع، فَيَعُم كل ما يحصل به ذلك. بل
_________________
(١) كذا في (ش)، لكن في (ت): تغييرات.
(٢) سبق تخريجه.
[ ٤ / ١٩٢٦ ]
باب القياس كله من باب تعميم النص بالعلة، وقد تَقدم طرف من ذلك في باب العموم في تقسيم العمومات، فليراجَع.
وأما عودها بتخصيص النص فللشافعي فيه قولان مستنبطان مِن اختلاف] قوله] (^١) في نقض الوضوء بمس المحارم.
ففي قول: ينقض؛ تمسكًا بالعموم في قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣].
وفي قول وهو الراجح: لا ينقض؛ نظرا إلى كَوْن الملموس مظنة للاستمتاع، لاسيما إذا فُسرت الملامسة في الآية بالجماع؛ فعادت العلة على عموم النساء بالتخصيص بغير المحارم.
ومثله: حديث النهي عن بيع اللحم بالحيوان (^٢) شامل للمأكول وغيره، والعِلة فيه -وهو معنى الربا- تقتضي تخصيصه بالمأكول؛ لأنه بيع رِبَوِي بأصله، فما ليس بِرِبَوِي لا مدخل له في النهي؛ فلذلك جرى للشافعي قولان في بيع اللحم بالحيوان غير المأكول، مأخذهما ذلك.
ولكن الأرجح هنا المنع؛ عملًا بالعموم مِن غير نظر للمعنى؛ ولهذا لم يرجِّح كثيرٌ مِن الخلاف شيئًا؛ لاضطراب الترجيح كما عرفته. وكذا جرى على عدم الترجيح ابن السبكي في "جمع الجوامع".
وعبارة النَّظم إنما يخرج ما يعود بالتعميم وبالتخصيص، فيحتمل أن [ذلك] (^٣) للجواز
_________________
(١) كذا في (ص، ق، ش)، لكن في (س): قوليه.
(٢) مسند البزار (١٢/ ٢٠٥، رقم: ٥٨٨٨) ط: مكتبة العلوم والحكم، سنن الدارقطني (٣/ ٧٠)، المستدرك على الصحيحين (رقم: ٢٢٥٢)، سنن البيهقي الكبرى (رقم: ١٠٣٥٠). قال الألباني: حسن. (إرواء الغليل: ١٣٥١).
(٣) كذا في (ص، ق)، لكن في (س): تلك.
[ ٤ / ١٩٢٧ ]
[أو] (^١) أنَّ في بعض ما خرج قولان.
نعم، قول الجواز هو الظاهر [كتخصيص] (^٢) عمومات الألفاظ، بل بعضهم جعله من جملة تخصيص العموم بالقياس، فيجري فيه الخلاف الذي هناك.
وكذا ذكر الهندي في موضع، فقال: إن الخلاف هنا مبني على أنه هل يجوز تخصيص العموم بالقياس؟ أم لا؟ .
لكن ذاك إنما هو في قياس على نَص خاص إذا عارض عموم نَص آخر، وهذا معناه أن العلة المستنبطة مِن أصل عام في كتاب أو سُنة هل يشترط أن لا تعود على [أصلها] (^٣) بالتخصيص؟ [أم] (^٤) لا؟ فهو غيره.
نعم، قال الهندي في "الرسالة السيفية": إن القولين مبنيان على القولين في تخصيص العلة.
قال: لأن التخصيص مُنافٍ، والفرع لا ينافي أَصْلَه.
وأما الغزالي فجزم في "المستصفى" بأن العلة إذا [عكرت] (^٥) على الأصل بالتخصيص، لا يُقبل، واستثنى ما إذا سبق المعنى إلى الفهم.
قال: (فيجوز أن يكُون (^٦) قرينةً مخصِّصة للعموم، وأما المستنبَطة بالتأمل ففيه نظر).
_________________
(١) كذا في (ص، ق)، لكن في (س): و.
(٢) كذا في (ص، ش)، وفي بعض النُّسخ: لتخصيص.
(٣) في (ص، ق، ش): أصله.
(٤) كذا في (س، ت)، لكن في (ق، ص، ش): أو.
(٥) في (س، ت): عادت.
(٦) يعني: المعنى الذي سبق إلى الفهم.
[ ٤ / ١٩٢٨ ]
الثالث:
يشترط في العلة إذا كانت مستنبطة أن لا تكون معارَضة بمعارِض مُنافٍ موجود في الأصل صالح للعِلية وليس موجودًا في الفرع؛ لأنه متى كان في الأصل وصفان متنافيان يقتضي كل منهما نقيض الآخر، لم يَصلح أن يُجعل أحدهما علة إلا بمرجِّح.
مثالُه قول الحنفي في نية صوم الفرض: صوم عين؛ فيتأدَّى بالنية قبل الزوال، كالنفل.
فيقال له: صوم فرض؛ فيُحتاط فيه ولا يُبْنَى على السهولة.
وقولي: (لِلْمُعَارِضِ الْمُنَافِي لَهَا) احتراز عما إذا كان المعارِض للفرع، لا للعلة، فإنه ليس من شروط العلة، خلافًا لبعضهم.
كقول شافعي في مسح الرأس: ركن في الوضوء؛ فيُسَن تثليثه، كغسل الوجه.
فيعارضه الخصم، فيقول: مسح في وضوء؛ فلا يُسن تثليثه، كالمسح على الخفين.
وذلك لأن انتفاء [المعارِض] (^١) في الفرع إنما هو شرط ثبوت حُكم العلة في الفرع، لا شرط في صحة العلة نفسها، فيجوز أن تكون صحيحةً سواء ثبت الحكم في الفرع أَمْ تَخلَّف بسبب من الأسباب اقتضى تَخُّلفه. فمَن ادَّعاه شرطًا للعلة نفسها فقد وَهمَ، فالمعارضة في الفرع تَقدح في القياس، لا في خصوص العلة.
فإنْ قِيل: لم قيّد المعارِض بِـ "المُنافي"، ومفهوم المعارضة يقتضي المنافاة.
قيل: لأن المعارِض قد يكون غير مُنافٍ، وذلك في غير العلة كما سيأتي، فأريد تحقيق أن المراد هنا المنافي؛ لأن ما لا يُنافي مِن الأوصاف غايته أن يكون علة أخرى، وسبق أنه يجوز اجتماع عِلتين لمعلول واحد.
_________________
(١) في (ص، ق، ش): التعارض.
[ ٤ / ١٩٢٩ ]
ومثال ذلك: أن يتفقا على أنَّ البُر رِبَوِي ويُعَلِّل أحدُهما بالطعم ويذكر مناسبته، والآخَر بالكيل ويذكر مناسبته.
نعم، قد يؤول إلى الاختلاف كما في مثالنا، فإنَّ [التفاح] (^١) داخل في تعليل الأول وخارج من تعليل الثاني، لكن إنما لم يكن قادحًا في العلة مع أنه قد يؤدي للاختلاف؛ لأنه مساوٍ له في الأصل، وليس الشرط أنْ يُساويه مِن كل وجه.
الرابع مما يُشترط في العلة:
أن تكون عَرِيَّة مِن مخالفة نَص كتاب أو سُنَّة أو مخالفة إجماع؛ لأن النص والإجماع لا يقاومهما القياس، بل يكون إذا خالفهما باطلًا.
مثال مخالفة النص: أن يقول حنفي: المرأة مالكة لبضعها؛ فيصح نكاحها بغير إذْن وليها؛ قياسًا على ما لو باعت سلعتها.
فيقال له: هذه عِلة مخالفة لقوله - ﷺ -: "أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل" (^٢).
ومثال مخالفة الإجماع: أنْ يقال: مسافر؛ فلا تجب عليه الصلاة في السفر؛ قياسًا على صومه في عدم الوجوب في السفر، بجامع السفر.
فيقال: هذه العلة مخالفة للإجماع على عدم اعتبارها في الصلاة [وأنَّ] (^٣) الصلاة واجبة على المسافر مع وجود مشقة السفر.
_________________
(١) كذا في (ص، ق)، لكن في (س): النكاح.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) كذا في (ص، ق)، لكن في (س): فإن.
[ ٤ / ١٩٣٠ ]
الخامس:
أن تكون العلة مُعَيَّنة، لا مُبْهَمة بمعنى شائعة، خلافًا لمن اكتفى بذلك؛ تَعلُّقًا بقول عمر - ﵁ -: "اعْرف الأشباه والنظائر، وقِس الأمور برأيك" (^١). فيكفي عندهم كون الشيء مشبهًا للشيء شبهًا ما.
قال الهندي: لكن أطبق الجماهير على فساده؛ لأنه يُفْضِي إلى أن العامي والمجتهد سواء في إثبات الأحكام الشرعية في الحوادث؛ إذ ما مِن عامِّي جاهل إلا وعنده مَعْرفة بأنَّ هذا النوع أصل مِن الأصول عامٌّ في أحكام كثيرة. وأجمع السلف على أنه لا بُدَّ في الإلحاق مِن الاشتراك بوصف خاص، فإنهم كانوا يتوقفون في الحادثة ولا يُلحقونها بأيّ وصف كان بَعد عجزهم عن إلحاقها بما شاركها في وصف خاص.
أما التعليل بأحد أمرين أو ثلاثة أو نحو ذلك من المحصور فلا يمتنع. كما يقول أصحابنا فيما إذا مَس الرجل مِن الخنثى فرج الرجال أو المرأة من الخنثى فرج النساء فإنه ينتقض الماس إذا كان أجنبيًّا مِن الخنثى؛ لأنه إما ماس فرج أو لامس أجنبية أو أجنبي. فعللوا النقض بأحد الأمرين: اللمس أو المس.
وذلك في الفقه كثير، فعَلِمْنا المراد هنا بالإبهام. والله أعلم.
_________________
(١) سنن الدارقطني (٤/ ٢٠٦) بلفظ: (اعْرفِ الأَمْثَالَ وَالأَشْبَاهَ، ثُمَّ قِسِ الأُمُورَ عِنْدَ ذَلِكَ). وفي إسناده عبيد الله بن أبي حميد، قال الحافظ ابن حجر في (التقريب، ص ٣٧٠): (متروك الحديث). وفي سنن البيهقي الكبرى (رقم: ٢٠١٣٤) بلفظ: (فَتَعَرَّف الْأَمْثَالَ وَالْأَشْبَاهَ، ثُمَّ قِسِ الْأُمُورَ عِنْدَ ذَلِكَ).
[ ٤ / ١٩٣١ ]
ص:
٧٩٨ - وَلَا تَكُونُ ضُمِّنَتْ زِيَادَهْ نَافَتْ، وَلَا مُقَدَّرَ الْإرَادَهْ
٧٩٩ - وَعَدَمُ الشُّمُولِ في دَلِيلِهَا لِحُكْمِ فَرْعٍ، ذَاكَ مِنْ عَدِيلِهَا
الشرح:
هذه ثلاثة شروط أخرى في العلة:
أحدها: أن لا تتضمن العلة زيادة على النص إنْ كانت تلك الزيادة منافية لمقتضَى النص كما شرط الآمدي هذا فيه وإنْ كان بعضهم أطلقه. ولكن أشار ابن الحاجب إلى تضعيفه بقوله: (وقيل: إنْ نافَت). لكن المختار ما قاله الآمدي؛ لأنها إذا لم تُنافِ، لا يضر وجودها.
الثاني: أن لا يكون وصفا مقدَّرًا غير حقيقي كما شرط ذلك الإمام الرازي. كما لو علل جواز التصرف في الشيء ببيع أو هبة أو وقف أو عتق بأنه ملك لفاعل ذلك، فإنَّ الملك إنما هو وصف حُكمي. فمنهم مَن فسره بأنه معنى مُقَدَّر في المحل يعتمد المكنَة من التصرف على وجه ينفى التبعة والغرامة.
وكذلك قال صاحب "التتمة" في باب الإجارة: ما قَبِل التصرف مملوك، وما لا يَقبل -كالحشرات- فلا.
ومحل بيان ذلك وما يترتب على التعاريف فيه كُتب الفقه.
قال في "المحصول": (الحقُّ أنه لا يجوز التعليل بالصفات المقدَّرة، خلافا للفقهاء العصريين). انتهى
[ ٤ / ١٩٣٢ ]
قال صاحب "تنقيح المحصول": أَنكر الإمام وجمعٌ [تصوُّر] (^١) التقدير في الشرع فضلًا عن التعليل به.
قلتُ: الفروع الفقهية طافحة بالتعليل بالأمور التقديرية، لا يكاد أن يكون عندهم في ذلك خلاف، وكأنها عندهم بمنزلة التحقيقات. ألا ترى أن الحدث عندهم وَصْفٌ وجودي مُقدَّر قيامه بالأعضاء، يَرفعه الوضوء والغسل، ولا يرفعه التيمم ونحو ذلك؟
الثالث: أن لا يكون دليل العِلة شاملًا لحكم الفرع:
- بعمومه، كقياس التفاح على البُر بجامع الطعم. فيقال: العلة دليلها حديث: "الطعام بالطعام مثلًا بمثل" (^٢). رواه مسلم.
وأما تمثيل ابن الحاجب بِـ "لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا مثلًا بمثل" فلا يُعْرف بهذا اللفظ. فالفرع داخل في الطعام.
- أو بخصوصه، كقوله ﵇: "من قاء أو رعف فليتوضأ" (^٣). وإنْ كان الحديث
_________________
(١) كذا في (ت، س)، لكن في سائر النسخ: تصوير.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) سنن الدارقطني (١/ ١٥٤) بلفظ: (مَن قلس أو قاء أو رعف فلينصرف فليتوضأ، وليتم على صلاته). وقال الإمام الدارقطني: (أصحاب ابن جريج الحفاظ عنه يروونه عن ابن جريج عن أبيه مُرْسَلًا). وفي سنن البيهقي الكبرى (رقم: ٦٥٢) بلفظ: (إذا قاء أحدكم في صلاته أو قلس أو رعف فليتوضأ، ثم لِيَبْنِ على ما مضى مِن صلاته ما لم يتكلم). وقال الإمام البيهقي: (رواه إسماعيل بن عياش مرة هكذا مرسلًا كما رواه الجماعة، وهو المحفوظ عن ابن جريج، وهو مرسل). وقال أيضًا: (قال الشافعي في حديث ابن جريج عن أبيه: ليست هذه الرواية بثابتة عن النبي - ﷺ -. وقد أطال الحافظ ابن الملقن في كتابه (البدر المنير، ٤/ ١٠٠ - ١٠٩) في الكلام على طُرُقه، نقل =
[ ٤ / ١٩٣٣ ]
ضعيفًا لكن يُذكر للتمثيل.
فلو قيل في القيء: خارج مِن غير السبيلين؛ فينقض كالخارج منهما. ثم استُدِل على أن الخارج منهما ينقض بهذا الحديث، لم يصح؛ لأنه تطويل بلا فائدة، بل في الثاني -مع كونه تطويلًا- رجوع عن القياس؛ لأنَّ الحكم حينئذٍ ثبت بدليل العلة، لا بنفس العلة، فلم يثبت الحكم بالقياس.
ثم ذكر الآمدي وابن الحاجب أنه قيل: إنَّ هذه مناقشة جدلية، وهي لا تقدح في صحة القياس؛ لأنَّ المناقشة الجدلية ترجع إلى بيان أوضاع الأدلة، وليس فيها بحث فقهي.
ولم يُجِيبَا عن ذلك.
ولكن جوابه أن لها فائدة فقهية، وذلك لأنَّ الحكم في المسألة الأُولى كان مستندًا للنص، فجعله المناظِر مستندًا للقياس، وحكم العموم والقياس مختلف.
وفي الثاني كان قياسًا، فعاد منصوصًا، ولا يخلو مثل ذلك من غرض. فيقال: إنْ كان في التطويل مقصد فقهي، قُبِل، وإلا فلا.
قلتُ: وأيضًا فقد سبق أن اجتماعَ النص والقياس في الفرع اجتماعُ دليلين، ولا منع من ذلك؛ لِمَا فيه من الترجيح لو عُورِض؛ لكثرة الأدلة.
فقولي: (وذَاكَ مِنْ عَدِيلِهَا) أي: في أن النص يكون دالًّا على العلة وعلى الفرع فيكون الفرع عديلًا لها في دلالة النص عليهما معًا. وفيه الإيماء بأنه لا يمتنع أن يتوارد دليلان على ذلك الفرع وإنْ لم يكن تصريحًا به.
_________________
(١) = اختلاف الأئمة في تضعيفه.
[ ٤ / ١٩٣٤ ]
تنبيه:
الاقتصار على هذه الشروط فيه نَفْي كثير مما عُدَّ شرطًا ولم نتعرض له؛ اختصارًا، كاشتراط بعضهم في المستنبطة أن تكون مِن أصل مقطوع بحكمِه، والصحيح لا؛ [إذْ] (^١) يجوز القياس على ما ثبت حُكمه بدليل ظني كخبر الواحد والعموم والمفهوم وغيرها.
وشرط بعضهم أن يُقطع بوجودها في الفرع. والأصح المنع؛ لأنَّ القياس إذا كان ظنيًّا، فلا يضر كون مقدماته أو شيء منها ظنيًّا. والله أعلم.
* * *
(تَمَّ بِعَوْن الله تعالى الجزءُ الرابع، وَيلِيه الجزء الخامس، وأوله: مسالك العلة)
_________________
(١) في (ت، س، ض): لأنه.
[ ٤ / ١٩٣٥ ]
ص:
٨٠٠ - أَمَّا الَّذِي يَثْبُتُ لِلْعِلِّيَّه فَأَوْجُة نَذْكُرُهَا جَلِيَّه
٨٠١ - أَوَّلُهَا: "الْإجَماعُ"، وَالثَّاني لَهَا نَصّ صَرِيحٌ، كـ "الِعِلَّةٍ نَهَى"
٨٠٢ - "لِسَبَبٍ"، "لِأَجْلٍ"، اوْ "مِنْ أَجْلِ" وَنَحْوِ "كَيْ"، "إذَنْ"، وَمَا كمِثْلِ
الشرح:
لما فرغت من بيان شروط العلة، شرعتُ في الطرق التي تدل على عليتها، ويُعبر عنها أيضًا بمسالك العلة.
وذلك إما إجماع أو نص أو استنباط. والنص إما صريح أو ظاهر أو إيماء.
فأما الأول وهو الإجماع فإنما قُدِّم لأنه أقوى، قطعيًّا كان أو ظنيًّا، ولأن النص تفاصيله كثيرة.
وبعضهم -كالبيضاوي- يُقدم النص؛ لكونه أصل الإجماع.
والمراد بثبوتها بالإجماع أنْ تجمع الأُمة على أن هذا الحكم عِلته كذا. كإجماعهم في "لا يقضي القاضي وهو غضبان" (^١) على أنَّ علته شَغْل القَلب. وممن حكى فيه الإجماع القاضي أبو الطيب.
وأما الثاني وهو النص (أي: مِن الكتاب أو السُّنة):
فـ "الصريح" هو: ما وُضع لإفادة التعليل بحيث لا يحتمل غير العِلية؛ ولذلك عَبَّر عنه البيضاوي بِـ "النص القاطع".
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ٥ / ١٩٤١ ]
وأما "الظاهر" فهو: ما يحتمل احتمالًا، مرجوحًا، بأنْ يكون قد وُضع للتعليل لكنه استعمل في معنى غيره. فإذا ورد فإنما يحمل على الأصل مع احتمال أن يراد غيره، بخلاف ما لم يُستعمل في غير التعليل.
فأما "الصريح" الذي لا يحتمل غير العِلية فمثل أن يقال: "لِعِلة كذا" أو "لِسَبب" أو "لأَجْل" أو "مِن أَجْل". كقوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [المائدة: ٣٢]، وقوله - ﷺ -: "إنما جُعل الاستئذان مِن أَجْل البصر" (^١). رواه الشيخان، وقوله: "إنما نهيتكم مِن أَجْل الدافة التي دفت، فكُلوا وادخروا" (^٢). رواه مسلم. أي: لأجل التوسعة على الطائفة التي قَدِمت المدينة أيام التشريق. والدافة: القافلة السائرة.
وَنَحْوِ "كَيْ" سواء كانت مجردة عن "لا" نحو قوله تعالى: ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ﴾ [طه: ٤٠] أو مقرونة بها نحو: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧] أي: إنما وجب تخميسه لئلَّا يتناوله الأغنياء منكم؛ فلا يحصل للفقراء شيء.
وذكر ابن السمعاني أن "لأجْل" و"كَيْ" دُون ما قَبْلهما في الصراحة. وربما يفهم ذلك [مِن النَّظْم مِن] (^٣) ترتيبها في الذكر.
وقولي: (وَمَا كَمِثْلِ) أي: وما كان كمثل ما ذكر من هذه الصيغ، نحو: "إذًا" في قوله - ﷺ - لأُبي بن كعب وقد قال له: "أجعل لك صلاتي كلها": "إذًا يغفر الله لك ذنبك كله" (^٤). وفي
_________________
(١) صحيح البخاري (رقم: ٥٨٨٧)، صحيح مسلم (رقم: ٢١٥٦).
(٢) صحيح مسلم (رقم: ١٩٧١).
(٣) كذا في (ص، ق)، لكن في (س): في النظم و.
(٤) سنن الترمذي (رقم: ٢٤٥٧) بلفظ: (إِذًا تُكفَى هَمَّكَ وَيُغْفَرُ لك ذَنْبُكَ). قال الألباني: حسن. (صحيح الترمذي: ٢٤٥٧).
[ ٥ / ١٩٤٢ ]
رواية: "إذًا يكفيك الله هَم الدنيا والآخرة" (^١). والله أعلم.
ص:
٨٠٣ - أَوْ ظَاهِرٌ، كَاللَّامِ أَوْ أَنْ قُدِّرَتْ كـ "أَنْ كذَا"، فَالْبَاءِ، فَالْفَاءِ ثَبَتْ
٨٠٤ - في كَلِمِ الشَّارعِ فَالْفَقِيهِ مِنَ الرُّوَاةِ، ثُمَّ غَيْرٍ فِيهِ
٨٠٥ - وَ"إنَّ، إذْ"، وَمَا مَضى لِلسَّبَبِ وَالثَّالِثُ: "الْإيمَاءُ" في التَّجَنُّبِ
الشرح:
القسم الثاني مِن قِسْمَي النص وهو ما كان ظاهرًا -لا صريحًا- له ألفاظ:
أحدها:
"اللام"، ظاهرة كانت نحو: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم: ١] أو مُقدَّرة كقوله تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣) أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ [القلم: ١٣، ١٤] أيْ: لِأنْ كان. وهذا معنى قولي: (أَوْ أَنْ قُدِّرَتْ) وهو بفتح الهمزة، وهو عطف على مُقدَّر، أي: كـ"اللام" ظهورًا أو تقديرًا. فإنَّ "أنْ" والفعل يتَأَوَّلان بالمصدر.
ثم مثلت المقدَّرة بقولي: (كـ "أَنْ كَذَا") أي: كما يقال في الكلام: "أنْ كذا". فالتعليل مستفاد من "اللام" المقدَّرة، لا مِن "أن".
ومن هذا ما في الحديث الصحيح في قصة الزبير من قول الأنصاري الذي خاصمه: "أنْ
_________________
(١) مسند الإمام أحمد (رقم: ٢١٢٨٠)، مصنف ابن أبي شيبة (رقم: ٨٧٠٦، ٣١٧٨٣) بنحوه. قال الألباني: (هذا مرسل صحيح الإسناد، ويشهد له ما بعده). تحقيق كتاب "فضل الصلاة على النبي، ص ٣١".
[ ٥ / ١٩٤٣ ]
كان ابن عمتك؟ " (^١).
ويدخل في هذا النوع إذا كان الواقع بعد "أنْ" "كان" وحذفت واسمها وبقي خبرها وعُوض من ذلك "ما"، كقوله:
أبا خراشة، أما أنت ذا نفر فإنَّ قَومي لم تأكلهم الضبع
أي: لأَنْ كنت ذا نفر. وإنما لم يجعل اللام وما سيأتي بعدها من الصريح لأن كلًّا منهما له مَعَانٍ غير التعليل، ككون (اللام) للملك أو للاختصاص أو لبيان العاقبة، نحو: (لِدوا للموت وابنوا للخراب). أو نحو ذلك، وكذا الباقي.
ثانيها: "الباء"، نحو: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة: ٨٢]. فهي وإنْ كان أصل معناها الإلصاق ولها معانٍ أخرى لكن أكثر استعمالها في التعليل.
وقيل: لأنَّ في التعليل أيضًا إلصاقًا كما قرره الإمام فخر الدين الرازي بأنها لَمَّا اقتضت وجود المعلول، حصل معنى الإلصاق، فحسُن استعماله فيه مجازًا بكثرة.
فقولي: (فَالْبَاءِ) بالخفض عطفًا على (كَاللَّامِ)، وكذا ما بعده.
ثالثها:
"الفاء"، ولها ثلاثة أحوال مرتبة كما ذكرتها في النَّظم معطوفةً بالفاء:
الأُولى: أن تكون في كلام الشارع داخلة على العِلةِ، والحكمُ مُتقدِّم، كقوله - ﷺ - في المحرم
_________________
(١) صحيح البخاري (رقم: ٢٢٣١)، صحيح مسلم (رقم: ٢٣٥٧).
[ ٥ / ١٩٤٤ ]
الذي وقصته ناقته: "لا تمسوه طِيبًا ولا تخمروا رأسه؛ فإنه يُبعث يوم القيامة مُلبيًا" (^١). أخرجاه.
الثانية: أن تدخل في كلام الشارع على الحكم، نحو: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ [المائدة: ٣٨]، و﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢].
وإلى هاتين الحالتين أشرتُ بقولي: (فَالْفَاءِ ثَبَتْ في كَلِمِ الشَّارعِ) أي: سواء دخلت على العلة أو الحكم. وما ذكرتُه مِن أنَّ تَقدُّم العلة ثم مجيء الحكم بـ "الفاء" أقوى مِن عكسه -هو ما قاله الإمام الرازي؛ لأن إشعار العلة بالمعلول أقوى من إشعار المعلول بالعلة؛ لأنَّ الطرد واجب في العِلل، دُون العكس.
ونازعه النقشواني، وقال: بل تقديم المعلول على العلة أقوى؛ لأن الحكم إذا تَقدَّم، طلبت النفسُ عِلته. فإذا ذُكِر وصفٌ، ركنَتْ إلى أنه هو العلة، بخلاف ما لو تقدمت العلة ثم جاء الحكم، فقد تكتفي النفسُ بأنَّ ما سبق عِلته، وقد تطلب له علة بطريق أخرى.
وأطال في ذلك، ولا يخفَى ضَعفُه وقوة ما قاله الإمام.
وهل ما دخلت عليه "الفاء" في نَص الكتاب أقوى مما في نَص السُّنَّة؟ أو متساويان؟
فبالأول قال الآمدي، وبالثاني قال الهندي وهو الحق؛ لاستوائهما في عدم تَطرُّق الخطأ إليهما.
الثالثة: أن تكون "الفاء" في كلام الراوي ولا تكون إلا داخلة على الحكم، والعلة ما قبلها، نحو: "سها - ﷺ -، فسجد" (^٢). وسواء كان الراوي فقيهًا أو لا. لكنه إذا كان فقيهًا، كان
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) سنن أبي داود (رقم: ١٠٣٩)، سنن الترمذي (رقم: ٣٩٥)، سنن النسائي (١٢٣٦) وغيرها. قال الألباني في (إرواء الغليل: ٤٠٣): (فالإسناد صحيح، لولا أن لفظه "ثم تشهد" شاذة فيما يبدو).
[ ٥ / ١٩٤٥ ]
أقوى.
قيل: وينبغي قَصْره على الصحابي أو مَن بَعْده إذا كان عالِمًا بمدلولات الألفاظ.
وهو ظاهر، ولهذا عطفته بـ "ثُمَّ" في قولي: (ثُمَّ غَيرٍ). أي: غير الفقيه.
فإنْ قيل: إذا قال الراوي: (هذا منسوخ) أو حمل حديثًا -رواه- على غَيْر ظاهره، لا يُعْمَل به؛ لجواز أن يكون ذلك عن اجتهاد، فكيف إذا قال الراوي: "سها، فسجد" ونحوه يُعمل به مع احتمال أن يكون عن اجتهاد؟
فالجواب: أن هذا مِن قبيل فَهْم الألفاظ مِن حيث اللغة، لا أنه يرجع للاجتهاد. بخلاف قوله: (هذا منسوخ) ونحو ذلك؛ ولهذا إذا قال: (أمر النبي - ﷺ - بكذا) أو: (نهي عن كذا) يُعمل به؛ حملًا على الرفْع، لا على الاجتهاد.
ومَن منع في هذا إنما قال: إنه يحتمل الخصوصية، فعمم. أو عدم الدوام، فحمله على الدوام. وقد سبق ذلك في بابه.
واعلم أن ابن الحاجب جعل هذا من الصريح، لا من الظاهر. والأجود ما جرى عليه البيضاوي أنَّ هذا من الظاهر؛ لأنَّ لها معاني غير ذلك كما بيناه، فإنَّ "الفاء" أيضًا تكون بمعنى "الواو" وغير ذلك.
نعم، يقوى كلام ابن الحاجب إذا كان في الكلام صريح شرط أو معنى شرط، كالنكرة الموصوفة والاسم الموصول، فإنه لا يمكن حمل "الفاء" فيهما على معنى "الواو" العاطفة؛ إذِ العطف لا يحسُن قبل تمام الجملة. ولهذا لا ينبغي أن يمثل بنحو: "مَن أحيا أرضًا ميتة فهي له" (^١). وكذا نحو: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾؛ لما فيه من معنى الشرط.
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ٥ / ١٩٤٦ ]
وجعل ابن الحاجب أيضًا من الصريح: "سها، فسجد"، و"زَنَا ماعز، فرجِم"؛ لاحتمال أن يكون المذكور جزءَ علة ولم يذكر الجزء الآخر. فهو وإنْ كان نَصًّا في الاعتبار به لكن ليس نَصَّا في الاستقلال كما في: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦] الآية، فإنَّ التقدير فيها: إذا قمتم مُحْدِثين. فحذف بعض العلة الموجِبة للوضوء. وكذا في: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾، السرقة جزء من الموجِب للقطع؛ لتوقفه على الحرز والنصاب؛ ولذلك اختُلف في أنَّ الآية مُجْمَلة كما سبق.
وبالجملة: فالمدار في الصراحة وعدمها على مَحَال وقوع ذلك فيها. ففي بعض المواضع يتعذر الحمل على غير التعليل؛ فيتعيَّن التعليل، فيكون صريحًا كما سبق في الشرط لفظًا أو معنًى. وفي موضع يحتمل؛ فيكون من الظاهر، لا من الصريح.
والناظر يَعْتَبِر ذلك، ويعمل بمقتضى الحال.
الرابع مِن صِيَغ الظاهر:
" إنَّ" المكسورة المشددة، نحو: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣]، ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ﴾ [نوح: ٢٧]، "لبيك، إن الحمد والنعمة لك" (^١)، "إنك إنْ تذر ورثتك أغنياء خير مِن أنْ تذرهم عالة" (^٢)، "إنها من الطوافين عليكم أو الطوافات" (^٣)، ونحو ذلك، وهو كثير.
وقد أنكر التبريزي على الإمام جَعْلها للتعليل، وسبقه ابن الأنباري إلى إنكار مجيئها
_________________
(١) صحيح البخاري (١٤٧٤)، صحيح مسلم (١١٨٤).
(٢) سبق تخريجه.
(٣) مسند أحمد (٢٢٦٣٣)، سنن الترمذي (٩٢)، سنن ابن ماجه (٣٦٧)، شرح معاني الآثار (١/ ١٨) وغيرها. وقال الألباني: صحيح. (صحيح الترمذي: ٩٢، صحيح ابن ماجه: ٢٩٩).
[ ٥ / ١٩٤٧ ]
لذلك. أي: فإن التعليل إنما هو مستفاد من وقوع الجملة استئنافية مُشْعِرة بسؤال مُقَدَّر كما في ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣]، كأنه قيل: ما سبب أن لا تبرئ نفسك؟ فأجاب بذلك.
ولهذا يستفاد التعليل في مِثله مِن غير أن يكون في الكلام "إنَّ"، نحو:
قال لي كيف أنت؟ قلتُ: عليل سهر دائم وحزن طويل
كأنه سُئل: ما سبب عِلتك؟ فقال: سببها السهر وطول الحزن.
الخامس:
من صيغ الظاهر أيضًا: "إذْ"، فإنها تأتي للتعليل كما قاله ابن مالك. كقوله تعالى: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾ [الكهف: ١٦]، ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾ [المائدة: ٢٠]، ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ﴾ [الأحقاف: ١١]، ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾ [الزخرف: ٣٩]، ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٢]، ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾ [الأحزاب: ٩].
وقول الشاعر:
فأصبحوا قد أَعادَ اللهُ نِعمتهم إذْ هُم قريش وإذْ ما مِثلهم بشَر
وذكر أن سيبويه أشار إلى ذلك، ونازعه أبو حيان.
وقولي: (وَمَا مَضى لِلسَّبَبِ) أي: ومما يُعد مِن أدوات التعليل في الظاهر ما سبق في باب معاني الكلم التي يُحتاج إليها مما ذكر مِن معانيه السببية، مثل: "على" في قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥]، و"في" مثل قوله - ﷺ -: "دخلت امرأة
[ ٥ / ١٩٤٨ ]
النار في هرة" (^١). فالمدار على أن يظهر التعليل فى لفظه في ذلك المحل. والله أعلم.
وقولي: (والثالث الإيماء في التجنب) تمامه قولي بعده:
ص:
٨٠٦ - أَنْ يُقْرَنَ الْوَصْفُ بِحُكْمٍ، أَيْ وَلَوْ مُسْتَنْبَطًا، لَوْ لَمْ يُفِدْ أَوْ مَا رَأَوْا
٨٠٧ - نَظِيرَهُ عِلِّيَّةً لَبَعُدَا وَذَا كتَفْرِيقٍ بِوَصْفٍ قُيِّدَا
٨٠٨ - أَيْ: بَينَ حُكْمَيْنِ هُمَا قَدْ ذُكِرَا أَوْ وَاحِدٌ فَقَطْ، فَكُنْ مُعْتَبِرًا
الشرح:
والمراد بذلك الطريق الثالث مِن طُرق العلة، وهو "الإيماء" للعلة والتنبيه من غير أن يكون فيه نَص لا صريحًا ولا ظاهرًا.
ومنهم مَن يُدْخله في قِسم الظاهر، ويجعل منه ما سبق في الترتيب بِـ "الفاء" في كلام الشارع - ﷺ - أو في كلام الراوي كما جرى عليه البيضاوي، فإن ظاهره أن [الكل] (^٢) مِن قبيل النَّص على العلة. لكن قال الآمدي والهندي: إن دلالة هذا الطريق على العلة إنما هي بالالتزام؛ لأنه يُفهم التعليل فيه مِن جهة المعنى، لا من جهة اللفظ.
قال الهندي: لأنه لو كان موضوعًا للعلة، لم يُجعل مِن قبيل الإيماء، إذ لا يقال في الموضوع للشيء: إنه إيماءٌ إليه.
_________________
(١) صحيح البخاري (رقم: ٣١٤٠)، صحيح مسلم (رقم: ٢٦١٩).
(٢) كذا في (ص، ق)، لكن في (س): الكلام.
[ ٥ / ١٩٤٩ ]
وفيما [قالا] (^١) نظر؛ لأن ما كان بـ "الفاء" ونحوه مِن حروف العلة يُعَد مِن قبيل النص كما ذكرناه، وإنما الذي مِن قبيل اللزوم ما سيأتي، ومع ذلك لا يخرج عن كونه مِن قبيل النص المقابل للاستنباط.
فـ "الإيماء": هو اقتران الوصف بحكم لو لم يكن هو أو نظيره للتعليل لكان ذلك الاقتران بعيدًا مِن فصاحة كلام الشارع وإتيانه بالألفاظ في مواضعها؛ لِتَنزُه كلامه عن الحشو الذي لا فائدة فيه.
وهو على خمسة أوجه:
أحدها:
أن يحكم عقب عِلمه بصفة المحكوم عليه وقد أَنْهَى إليه المحكوم عليه حالَه، كقول الأعرابي: "واقعتُ أهلي في نهار رمضان". فقال: "أعتِق رقبة" (^٢). أخرجه الأئمة الستة، وهذا لفظ ابن ماجه. فكأنه قيل: كفِّر؛ لكونك واقعتَ في نهار رمضان. فكأنَّ الحرف الذي ترَتَّب به الحكم لفظًا موجود هنا، فيكون موجودًا تقديرًا. هذا هو الذي يغلب على الظن مِن ذلك، ولا التفات إلى احتمال أن يكون ابتداء كلام أو جواب سؤال أو زجرًا للسائل عن الكلام، كقول السيد لعبده إذا سأله عن شيء: اشتغل بشأنك.
أيضًا فكان يلزم خلو السؤال عن الجواب وتأخير البيان عن وقت الحاجة.
فإنْ حذف شيء من الأوصاف المرتَّب عليها الجواب لكونه لا مَدخل له في العِلية، نحو أن يقال: (في يوم كذا) أو: (للشخص الفلاني)، فيسمَّى إخراج ذلك مِن الاعتبار "تنقيح
_________________
(١) كذا في (ق، ص)، لكن في (س): قالاه.
(٢) سبق تخريجه.
[ ٥ / ١٩٥٠ ]
المناط" كما سيأتي بيانه.
الثاني:
أنْ يُقَدر في كلام الشارع وَصْف لو لم يكن للتعليل لكان بعيدًا كما تَقدم، سواء أكان ذلك التقدير في محل السؤال أو في نظيره.
ففي محل السؤال كقوله - ﷺ - وقد سُئل عن بيع الرطب بالتمر: "أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم. قال: فلا إذَن" (^١). رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن صحيح. وصححه ابن خزيمة والحاكم.
فلو لم يكن تقدير نقصان الرطب بالجفاف لأجل التعليل لكان تقديره بعيدًا؛ إذ لا فائدة فيه حينئذٍ، والجواب يتم [بدُونه] (^٢).
ونحو ذلك حديث: "إنها من الطوافين عليكم أو الطوافات" في دخوله في بيت فيه هِر وامتناعه مِن دخول بيت فيه كلب لَمَّا قِيل له: "إنك تدخل على بني فلان وعندهم هرة". فقال: "إنها ليست بنجسه، إنها من الطوافين عليكم أو الطوافات" (^٣).
ومثال التقدير في النظير: ما رُوي في الكتب الستة: "أنه - ﷺ - لما سألته الخثعمية: إنَّ أبي
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) كذا في (ص)، لكن في (ق، س): دونه.
(٣) قال الإمام أبو زرعة ابن العراقي في كتابه (التحرير، ص ٤١٠) بتحقيقي: (وهو بهذا السياق غير معروف في كُتب الحديث أصلًا، ومَن عزاه هكذا إلى أصحاب السنن الأربعة فقد أخطأ؛ فإنَّ الذي فيها حديث إصغاء الإناء للهرة وقوله: "إنها ليست بنجس؛ إنها من الطوافين عليكم والطوافات" مِن غير ذِكر الكلب أصلًا. والقصة التي فيها ذِكر الكلب رواها أحمد في مسنده، وفيها أنَّ النبي - ﷺ - أجاب بقوله: "الهرة سبع").
[ ٥ / ١٩٥١ ]
أدركتْه الوفاة وعليه فريضة الحج، أينفعه إنْ حججتُ عنه؟ فقال: أرأيت لو كان على أبيك دَين فقضيته أكان ينفعه؟ قالت: نعم" (^١). فنظيره في المسئول عنه كذلك، وفيه تنبيه على الأصل الذي هو دَين الآدمي على الميت، والفرع وهو الحج الواجب عليه، والعلة وهي قضاء دَين الميت. فقد جمع فيه - ﷺ - أركان القياس كلها.
ونحوه ما في "الصحيحين": "جاءت امرأة إلى رسول الله - ﷺ -، فقالت: يا رسول الله، إنَّ أمي ماتت وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟ فقال: أرأيتِ لو كان على أُمك دَين فقضيتيه، أكان يؤدي ذلك عنها؟ قالت: نعم. قال: فصومي عن أمك" (^٢).
وقيل: إن من ذلك حديث عمر في "أبي داود" و"النسائي" لما سأله عن قُبلة الصائم: "أرأيت لو تمضمضت من الماء وأنت صائم أتفطر؟ ". قال: لا. قال: "فَمَهْ" (^٣). وذلك أنه ذكر الوصف في نظير المسئول عنه وهو المضمضة التي هي مقدمة الشرب، ورتَّب عليها الحكم وعدم الإفساد، ونَبَّه على الأصل وهو الصوم مع المضمضة، والفرع وهو الصوم مع القُبلة.
وقيل: ليس هذا مِن ذلك، وإنما هو نقض لِمَ تَوهَّمه عُمَر مِن إفساد القُبلة التي هي مقدمة الجماع الذي هو مُفْسد، فإن عمر فض توهَّم أن القُبلة تفسد كما يفسد الجماع، فنقض - ﷺ - تَوهُّمه بالمضمضة، لا أن ذلك تعليل لِمَنعْ الإفساد.
الثالث:
أنْ يُفرق بين حُكمَين بصفتين، كقوله - ﷺ -: "للراجل سهم، وللفارس سهمان". كذا
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) صحيح مسلم (رقم: ١١٤٨)، وانظر: صحيح البخاري (١٨٥٢).
(٣) سبق تخريجه.
[ ٥ / ١٩٥٢ ]
يمثلون به، والذي في "الصحيحين" جَعْله للفرس سهمين ولصاحبه سهمًا (^١).
وفي "البخاري": "للفرس سهمين وللراجل سهمًا" (^٢). ورواه الدارقطني بلفظ: "جعل للفارس سهمين وللراجل سهمًا" (^٣).
أو بِصِفةٍ مع أحد الحكمين دُون الآخَر، كحديث: "القاتل لا يرث" (^٤). رواه الترمذي وقال: (لا يصح). فإنَّ مقابِله -وهو مَن ليس بقاتل مِن الورثة- يكون محكومًا عليه بضد هذا الحكم وهو منع الإرث، فيكون وارثًا.
وفي معنى التفريق بين الحُكمين بصمة التفرقة بينهما بغايةٍ كقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾، أو استثناء كقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، أو شرطٍ كقوله - ﷺ -: "إذا اختلفت هذه الأجناس، فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بِيَد" (^٥)، أو لفظٍ دال على استدراك نحو: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩].
ووجه استفادة العلة من ذلك كله أن التفرقة لا بُدَّ لها من فائدة، والأصل عدم غَيْر المُدَّعَى وهو إفادة كَوْن ذلك عِلَّة.
_________________
(١) صحيح البخاري (رقم: ٢٧٠٨)، صحيح مسلم (رقم: ١٧٦٢).
(٢) صحيح البخاري (رقم: ٣٩٨٨).
(٣) سنن الدارقطني (٤/ ١٠٦). وقال الإمام الدارقطني: (قال لنا النيسابوري: هذا عندي وَهْم من ابن أبي شيبة أو من الرمادي؛ لأن أحمد بن حنبل وعبد الرحمن بن بشر وغيرهما رووه عن ابن نمير خلاف هذا، وقد تَقدم ذِكره عنهما).
(٤) سبق تخريجه.
(٥) صحيح مسلم (رقم: ١٥٨٧) بلفظ: (فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد).
[ ٥ / ١٩٥٣ ]
الرابع:
مِن وجوه الإيماء: أنْ يذكر مع الحكم وصفًا مناسبًا كقوله - ﷺ -: "لا يقضي القاضي وهو غضبان" (^١). رواه الشافعي - ﵁ - بلفظ: "لا يحكم الحاكم أو لا يقضي بين اثنين" (^٢). ورواه أصحاب الكتب الستة بلفظ: "لا يقضِين حاكم بين اثنين وهو غضبان" (^٣). ففيه التنبيه على أن علة ذلك ما فيه من تشويش الفكر، ثم يطرد ذلك في كلِّ مُشَوِّش؛ لأن خصوص كونه غضبان ليس هو المناسب للحكم؛ فيلحق به الجائع والحاقن ونحو ذلك.
وقال الإمام الرازي: (لا مُلازَمَة بين التشويش والغضب) (^٤).
لأن التشويش إنما ينشأ عن الغضب الشديد، لا مُطْلَق الغضب.
وأجيب عنه بأن الغضب مظنة التشويش؛ فكان هو العلة، كالسفر مع المشقة. وكل ما كان مظنة من جوع ونحوه يكون كذلك.
واعلم أن هذا سبق التمثيل به لِمَا أجمعوا على أنه علة، فالمراد بالتمثيل به هنا أن يكون في الابتداء قبل أن يُجْمِعوا.
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) مسند الإمام الشافعي (ص ٢٧٦).
(٣) صحيح البخاري (رقم: ٦٧٣٩) بلفظ: (لَا يَقْضِيَنَّ حَكَم بين اثْنَيْنِ وهو غَضْبَانُ)، صحيح مسلم (١٧١٧) وسنن النسائي (٥٤٠٦) بلفظ: (لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان)، سنن أبي داود (٣٥٨٩) بلفظ: (لا يقضي الحكم بين اثنين وهو غضبان)، سنن الترمذي (رقم: ١٣٣٤) بلفظ: (لا يحكم الحاكم بين اثنين وهو غضبان)، سنن ابن ماجه (٢٣١٦) بلفظ: (لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان). وانظر: إرواء الغليل (٢٦٢٦).
(٤) المحصول في أصول الفقه (٥/ ١٥٧).
[ ٥ / ١٩٥٤ ]
الخامس:
إذا نُهي عن فِعل (ذلك الفعل يكون مانعًا من فِعل واجب)، كان إيماءً إلى أنَّ عِلة النهي عنه كونه مانعًا من الإتيان بالواجب. فكل ما منع من الإتيان بالواجب يكون كذلك، كقوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]، فإنه نهى في المعنى عن إيجاد البيع وقت النداء؛ لأنه يمنع مِن السعي المأمور به في قوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]. فلو لم يكن علة لَمَا كان لِذِكره فائدة.
وقال القرافي: إنما استُفيد ذلك من السياق، فإنَّ الآية لم تنزل لبيان أحكام البياعات، بل لتعظيم شأن الجمعة.
وهذه الأقسام الخمسة كلها داخلة تحت قولي في النَّظم: (أَنْ يُقْرَنَ الْوَصْفُ بِحُكْمٍ) إلى آخِره.
ومدارها كلها على تجنب الحشو وعدم الفائدة في كلام الشارع. وهو معنى قولي أولًا: ("الْإيمَاءُ" في التَّجَنُّبِ).
وقولي: (وَلَوْ مُسْتَنْبَطًا) إشارة إلى أن الحكم المقرون به الوصف لا يُشترط في واحد منهما أن يكون مذكورًا، بل قد يكون واحد منهما مستنبطًا.
مثال كون الوصف مذكورًا والحكم مستنبطًا قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]. فإن الوصف الذي هو حِل البيع مُصرَّح به، والحكم وهو الصحة مستنبط من الحِل؛ فإنه يَلزم مِن حِله صحتُه.
وأما عكسه وهو كون الحكم مذكورًا والوصف مستنبطًا فهو الذي في أكثر العِلل المستنبطة.
[ ٥ / ١٩٥٥ ]
نحو: "لا تبيعوا البُر بالبُر إلا مِثلًا بِمِثل" (^١). فالضمير في قولي: (وَلَوْ مُسْتَنْبَطًا) عائد لكل من الوصف والحكم.
نعم، في هذين خلاف، ففي قول: إنهما إيماء. وقول بالمنع. وفي ثالث اختاره الهندي: أن الأول -وهو التلفظ بالوصف- إيماء إلى تعليل الحكم المصرَّح به، لا العكس. بل ادَّعَى بعضهم الاتفاق على أن الثاني ليس بإيماء، ومال إليه الهندي وقال: الخلاف فيه بعيد نقلًا ومعنًى؛ لأنه يقتضي أن تكون العلة والإيماء متلازمين لا ينفك أحدهما عن الآخر.
وقولي: (أَوْ مَا رَأَوْا نَظِيرَهُ) المراد أن يرى القائس أن ذلك نظير الحكم المعلل بذلك الوصف كما سبق في قضاء الدَّين ونحوه.
وقولي: (عِلِّيَّةً) بالنصب مفعول الفعل في "لَوْ لَمْ يُفِدْ".
وقولي: (لَبَعُدَا) أي: لَبَعُدَ وقوع ذلك في لفظ الشارع الذي هو في غاية الفصاحة.
وقولي: (وَذَا كَتَفْرِيقٍ) هو تمثيل بأحد الأقسام الخمسة السابقة، وهو القسم الثالث كما مثلنا المذكورين فيه بأنَّ للفارس سهمين وللراجل سهمًا. والمذكور فيه أحد الحكمين أي مع ذكر وصف ويكون المحذوف مقابل الحكم مع علته وهو ضد الوصف.
نعم، هذه الأقسام من حققها يجد فيها بعض تداخل؛ لأنه يمكن رَدُّ بعض منها لبعض؛ فلذلك لم أتعرض لجميعها في النَّظم.
_________________
(١) مصنف ابن أبي شيبة (٢٢٤٨٤) والسنن الكبرى للبيهقي (١٠٢٦١) بلفظ: (لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الفضة بالفضة ولا البر بالبر إلا مثلا بمثل. .) الحديث. وبنحوه في: سنن النسائي (٤٥٦٠)، صحيح ابن حبان (٥٠١٥)، وغيرهما.
[ ٥ / ١٩٥٦ ]
تنبيه:
لم أتعرض في الإيماء في النَّظم لاعتبار المناسبة في الوصف؛ لأنه لا يعتبر إلا في القسم الرابع فقط.
وقد حكى ابن الحاجب وغيره في ذلك ثلاثة مذاهب:
أحدها: اشتراط المناسبة في الوصف في كل قسم من أقسام الإيماء، وهو ما اختاره الغزالي؛ لأن تصرف العقلاء المستند للتعليل لا بُدَّ في علته من حِكمة؛ لقبح "أكرِم الجاهل وأَهِن العالم".
وثانيها: لا يشترط مطلقًا، أي: في غير القسم الرابع؛ لأنَّ العلة بمعنى المعرِّف. وهذا هو المعْزي للأكثرين؛ فلذلك لم أُقيِّد المسألة في النَّظم بالوصف المناسب.
والثالث واختاره ابن الحاجب: إن كان التعليل فُهِم مِن المناسبة مثل: "لا يقضي القاضي وهو غضبان"، اشتُرطت، وإلا فلا. وغايته ما ذكرته من اعتبار المناسبة في القسم الرابع دُون بقية الأقسام.
فإنْ قلت: فمِن أين يخرج القسم الرابع الذي في المناسبة مِن الذي ذكرته في النَّظم.
قلت: لأنه لَّمَا كان راجعًا إلى استنباط كونه علة بما فيه من المناسبة، كان داخلًا فيما سيأتي مِن طُرق العلة وهو "المناسبة". وإنما ذكرته مِن أقسام الإيماء هنا تبعًا لابن الحاجب وغيره في ذِكرهم له من الإيماء مِن حيث اشتماله على معنى مُومَأ إليه، وقد تقدم إيضاحه. والله أعلم.
[ ٥ / ١٩٥٧ ]
ص
٨٠٩ - وَالرَّابِعُ: "السَّبْرُ" مَعَ "التَّقْسِيمِ" بِحَصْرِهِ الْأَوْصَافَ بِالتَّتمِيمِ
٨١٠ - في الْوَصْفِ مَعْ إبْطَالِ مَا لَا يَصْلُحُ مِنْهَا؛ فَبَاقِيهَا الَّذِي يُسْتَصْلَحُ
٨١١ - فَمَا يَكُونُ حَصْرُهُ قَطْعِيَّا قَطْع، وَغَيْرُهُ يُرَى ظَنِّيَّا
٨١٢ - وَكُلُّ هَذَا حُجَّة لِلنَّاظِرِ وَهَكَذَا يَكُونُ لِلْمُنَاظِرِ
الشرح:
الرابع من الطُّرق الدالة على العِلة "السبر والتقسيم"، وهو ذِكر أوصاف في الأصل المقيس محصورة، وإبطال بعضها بدليل؛ فَيَتَعَيَّن الباقي للعِلية. سُمي بذلك؛ لأن الناظر يقسم الصفات ويختبر صلاحية كل واحد منها للعلية، فيُبْطِل ما لا يَصْلح ويُبقِي ما يصلح.
و"السبر" في اللغة هو: الاختبار. وكان الأَوْلى أن يقال: "التقسيم والسبر"؛ لأن "الواو" وإنْ لم تدل على الترتيب لكن البداءة بالمقدَّم أَجْوَد.
وأجاب بعضهم عن ذلك بأنه أول ما يسبر أنَّ له علة، ثم يقسم، ثم يعود فيسبر الأوصاف.
قلنا: بهذا الاعتبار سَبْر سابِق به سُمي هذا النوع "سبرًا وتقسيمًا"، ولا مدخل للسبر المتأخر في التسمية.
وفي ذلك نظر؛ لأن لنا تقسيمًا سابقًا على هذا السبر المدَّعَى وهو أن نقول: إنَّ هذا الحكم إما له علة أو تعبُّدي لا علة له. ثم نسبر؛ [لنفي] (^١) كونه تعبُّدًا، ثم نقسم الأوصاف، فكونه
_________________
(١) كذا في (ت)، لكن في (ص، ق، ش): بنفي.
[ ٥ / ١٩٥٨ ]
علما باعتبار السبر الأول والتقسيم مِن غير نظر إلى السبر الثاني خِلاف الظاهر.
وإنما ينبغي أن يجاب بأنَّ المؤثِّر في عِلْم العِلية إنما هو السبر، وأما التقسيم فإنما هو لاحتياج السبر إلى شيء يُسْبَر. وربما سُمي ذلك بِـ "التقسيم الحاصر" كما هو عبارة البيضاوي.
وهو ضربان:
أحدهما: ما يكون الحصر في الأوصاف وإبطال ما يبطل منها قطعيًّا، فيكون دلالة قطعية بلا خلاف. ولكن هذا قليل في الشرعيات.
ثانيهما: ما يكون حصر الأوصاف ظنيًّا أو السبر ظنيًّا أو كلاهما وهو الأغلب، فلا يفيد إلا الظن. ويُعمل به فيما لا يُتعبَّد فيه بالقَطْع من العقائد ونحوها.
كقول الشافعي مثلًا: ولاية الإجبار على النكاح إما أن لا تُعَلل أو تُعَلل. وحينئذٍ فإما أن تكون العِلة البكارة أو الصغر أو غيرهما. وما عدا القِسم الثاني باطل. الأول والرابع بالإجماع. وأما الثالث فلأنه لو كانت العلة الصغر لَثبت على الثيب الصغيرة، وذلك باطل؛ لقوله - ﷺ -: "الأيم أحق بنفسها" (^١). أخرجه مسلم. والأيم: هي الثيب.
وأما ما استُفيد الحصر فيه مِن كون الأصل عدم ذلك فيسمى "التقسيم المنتشر"، ويحتج به باعتبار استناده للأصل.
مثاله: أنْ يقال في علة الربا فيما عدا النقدين من الربويات: إنها إما الطعم أو الكيل أو القوت. والثاني والثالث باطلان؛ فَتَعَيَّن الطعم؛ لأنه - ﷺ - قال: "الطعام بالطعام" (^٢) الحديث، فعلق بالطعام وهو مشتق من الطعم، فيكون مُعللًا بما منه الاشتقاق. وهذا دليل على أن غير
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) صحيح مسلم (١٥٩٢).
[ ٥ / ١٩٥٩ ]
الطعم ليس بِعِلة، بل هو صالح أن يكون دليلًا على ذلك ابتداءً من غير نظر إلى سبر وتقسيم.
وإنما عُمل بهذا لأنَّ الأغلب في الأحكام أن تكون مُعلَّلة بالمصالح تَفضلًا، فبطل أن يكون هذا الحكم لا عِلة له، والأوصاف المذكورة الأصلُ عَدَمُ غيرها.
وقولي: (وَكُلُّ هَذَا حُجَّةٌ لِلنَّاظِرِ والمناظِر) معناه: أن المجتهد يرجع إلى ظنه، فإذا حصل له الظن بذلك، عمل به، وكان مؤاخَذًا بما اقتضاه ظنه.
وأما المناظِر فيكفي قوله: (بحثتُ فلم أجد غير هذه الأوصاف، والأصل عدم ما سواها). فيقْبَل؛ لأنه ثقةٌ أهلٌ للنظر. فالحكم بنفي ما سوى ذلك مستنِد إلى ظن عَدَمِه، لا إلى عدم العلم بوصف آخَر.
فإنْ بَيَّن المعترِض وصفًا غير ذلك، لَزِمَ المستدِل إبطاله، ولا يَلْزم المعترض بيان صلاحيته للتعليل.
وإذا أخذ المستدِل في إبطال ما ذكره المعترِض، فهل يكون ذلك انتقالًا منه ينقطع به؟ أو لا ينقطع حتى يعجز عن إبطاله؟
الأصح الثاني؛ لأنه لم يدَّع القَطْع في الحصر، فغاية ما أبداه المعترِض مَنعْ لمقدمة مِن مقدمات المستدِل يُحتاج إلى إقامة الدليل عليها.
وقيل: ينقطع؛ لأنه كأنه ادَّعى الحصر وقد ظهر بطلانه.
وجواب ذلك: أنه لا يظهر بطلانه إلا إنْ عجز عن دَفْعِه.
قال ابن السبكي: وعندي أنه ينقطع إنْ كان ما اعترض به المعترِض مساويًا في العلة لما ذكره المستدِل في حصر الأوصاف وأَبْطلَه؛ لأنه ليس ذكر المذكور وإبطاله أَوْلى مِن ذلك المسكوت عنه المساوي له، وإنْ كان دُونه فلا انقطاع له؛ لأنَّ له أن يقول: هذا لم يكن عندي
[ ٥ / ١٩٦٠ ]
مخيلًا البتة، بخلاف ما ذكرتُه وأبطلته.
قلتُ: ما مِن وَصْف يأتي به المعترِض إلا والمستدِل ينازع في مساواته؛ ولهذا يَدْفَعه، فأين محل هذا التفصيل؟ !
واعلم أن الإشارة بقولي: (هَذَا) إلى القسم الثاني وهو الظني. وفي كونه حجة للناظر والمناظر ثلاثة مذاهب:
أحدها وهو الراجح: أنه حُجة لهما، لأنَّ المدار على غلبة الظن، وقد وجدت؛ فيكون حجة مطلقًا. واختاره القاضي أبو بكر، وقال: إنه [مِن] (^١) أقوى ما تثبت به العِلل.
الثاني: ليس بحجة مطلقًا. حكاه في "البرهان" عن بعض الأصوليين.
والثالث: أنه حجة للناظر دُون المناظِر؛ لأنه يعمل بظن نفسه، وأما كون ظنه حُجة على غيره فلا.
واختار إمام الحرمين قولًا رابعًا: أنه حُجة بشرط قيام الإجماع على أن حكم الأصل معلَّل في الجملة؛ لأنه لو كان ما ذكر مِن الأوصاف لا عِلية لواحد منها والأصل عدم غيرها، لَعَادَ ذلك إلى تخطئة الإجماع في أنه مُعلَّل.
قيل له: فالقائسون بعض الأُمة.
فقال: منكر القياس لا يُعَد مِن علماء الأُمة الذين يؤثر خلافهم.
تنبيه:
يكفي في حصر الأوصاف اتفاق الخصمين بالنسبة إلى نفي ما عداها، وأما إذا اتفقا مثلًا على أن الحكم معلَّل وأن العلة فيه أحد المعنيين، واختار المستدِلُّ واحدة والمعترِضُ أخرى،
_________________
(١) من (ش، ض).
[ ٥ / ١٩٦١ ]
فقال المستدِلُ: لِعِلَّتي مرجِّح، وهو كذا، فهل يكفي ذلك؟
قال القاضي أبو الطيب في مناظرته مع أبي [الحسين] (^١) القُدُوري: لا يكفي؛ فإن اتفاقهما ليس اتفاق الأُمة؛ فلا يكون حجة. وقال القدوري: يكفي لقطع المنازعة.
وأما إبطال بعض الأوصاف فله طُرق:
أحدها: أن يدل دليل شرعي على إلغائه كما سبق.
ثانيها: بيان كون الوصف طرديًّا مِن جنس ما عُلِم مِن الشرع إلغاؤه:
- إما مطلقًا، كالطول والقصر بالنسبة لوجوب القصاص أو الكفارة أو العتق أو الإرث أو التقديم في الصلاة أو نحو ذلك.
- أو لا مُطلقًا، بل بالنسبة لذلك الحكم فقط، كالذكورة في العتق مع أنها معتبرة في غيره كالشهادة والقضاء وولاية النكاح والإرث، فلا يُعَلَّل بها شيء من أحكام العتق.
نعم، في الثواب والجزاء في الآخرة قد يكون ذلك، فقد روى الترمذي: "مَن أعتق عبدًا مُسلِمًا أعتقه الله مِن النار، وَمن أعتق أَمَتين مُسْلمتين أعتقه الله من النار" (^٢).
ثالثها: أن لا تظهر مناسبة في وصف؛ فيكفي ذلك في إلغائه، ويكفي قول المستدل: بحثتُ، فلم أجد له مناسبة للحكم.
فإنْ قال المعترِض مِثله في الوصف [المنفي] (^٣) أنه بحث فلم يجد له مناسبة، تَعارضَا،
_________________
(١) كذا في (ت)، لكن في (ص): الحسن.
(٢) بنحوه في: مسند أحمد (١٨٠٨٨)، سنن الترمذي (١٥٤٧)، سنن ابن ماجه (٢٥٢٢) وغيرها، ولفظ ابن ماجه: (مَن أَعْتَقَ امْرَأً مُسْلِمًا، كان فكَاكَهُ من النَارِ ومَن أَعْتَقَ امْرَأتيْنِ مُسْلِمَتَيْنِ، كَانَتَا فكَاكَهُ من النَّارِ). قال الألباني: صحيح. (صحيح الترمذي: ١٥٤٧).
(٣) كذا في جميع النُّسخ. ولَعَله: المتبقي. وفي (البحر المحيط، ٤/ ٢٠٥): (الوصف المستبقَى).
[ ٥ / ١٩٦٢ ]
وليس للمستدِل بيان مناسبته؛ لأنه انتقال في الاستدلال على العِلية مِن السبر إلى المناسبة. إنما طريقه أن يأتي بمرجِّح لِسَبْرِه على سَبْر المعترِض، كأنْ يُبيِّن أنَّ سبره موافِق لتعدية الحكم، وسَبْر المعترض قاصر. وهو مبني على المختار في ترجيح المتعدية على القاصرة. والله أعلم.
كل:
٨١٣ - وَالْخَامِسُ: الْمَعْرُوفُ بِـ "الْمُنَاسَبَهْ" بِأَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ ذَا مُنَاسبَهْ
٨١٤ - مُلَائِمًا فِعْلَ ذَوِي الْعُقُولِ عَلَى الَّذِي يُذْكَرُ في التَّفْصِيلِ
٨١٥ - وَبِـ "إخَالَةٍ" يُسَمَّى، وَكَذَا ذَلِكَ الِاسْتِخْرَاجُ "تَخْرِيجًا" إذَا
٨١٦ - تُضِيفُهُ إلَى "الْمَنَاطِ"، وَهْوَ أَنْ يُعَيَّنَ الْوَصْفُ لِتَعْلِيلٍ إذَنْ
٨١٧ - مَعْ كَوْنِ الَاصْلِ نَفْيَ مَا سِوَاهُ بِشَرْطِ الِاقْتِرَانِ إذْ يَغْشَاهُ
٨١٨ - كَذَا خُلُوّهُ عَنِ الْقَوَادِحِ إنْ لَمْ يُجبْ عَنْهَا بِرَدٍّ صَالِحِ
الشرح:
الخامس مِن الطرق الدالة على العلية: "المناسبة"، ويقال له: "الإخالة" وهو أن يكون الأصل مشتملًا على وصف مناسب للحكم، فيحكم العقل -بوجود تلك المناسبة- أنَّ ذلك الوصف هو عِلة الحكم.
والمراد بالمناسبة في قولي: (ذَا مُنَاسَبَهْ) المناسبة اللغوية، بخلاف المعَرِّف وهو المناسبة فإنها بالمعنى الاصطلاحي؛ حتى لا يكون تعريفًا للشيء بنفسه.
فحينئذٍ الوصف المناسب الأَرْجَح في تعريفه ما أشرتُ إليه بقولي: (مُلَائِمًا) بالنصب إما "خبرًا" بعد خبرل "كان"، أو "بدلًا" من خبر "كان" وهو: "ذَا مُنَاسَبَهْ".
فيقال على هذا التعريف: "المناسب" هو المُلائِم لأفعال العُقَلاء، وهذه الملائَمة تُدْرَك
[ ٥ / ١٩٦٣ ]
بواسطة العادة التي أجراها الله تعالى.
وقولي: (عَلَى الَّذِي يُذْكَرُ في التَّفْصِيلِ) أي: على ما سيأتي تفصيله في "الملائمة" أنها إما لجلب مصلحة أو دفع مفسدة، وإما بأنها ضروري أو حاجي أو تحسيني ونحو ذلك مما يأتي موضحًا مفصلًا. وهذا التعريف جارٍ على طريقة مَن [لا] (^١) يُعَلِّل أفعال الله بالمصالح، أيْ بمراعاة المصالح للعباد تَفَضُّلًا وإحسانًا، لا لِزُومًا كما تقوله المعتزلة.
وعلى هذا يُحمل قول ابن الحاجب في تعريف "المناسب": (إنه وصف ظاهر منضبط يحصل عَقْلًا مِن ترتيب الحكم عليه ما يَصْلُح أن يكون مقصودًا مِن حصول منفعة أو دَفْع مفسد) (^٢).
فلم يجعله مُحَصِّلًا لذلك، بل إنه بحيث يحصل به ذلك وإنْ لم يذكر في قوله: (يحصل): "بحيث يحصل" كما هي عبارة الآمدي. لكنها مرادهما فيما يظهر؛ لقولهما: (ما يصلح أن يكون مقصودًا)، ولم يقولا: (ما قُصِد به حصول منفعة).
ولو لم يحمل كلامهما على ذلك، لَزِم أنْ يَعْتَبِرَا في ماهية "المناسبة" ما هو خارج عنها وهو اقتران الحكم بالوصف، فإنه خارج، بدليل قولنا: (المناسبة مع الاقتران دليل العلة). فالمقارنة قَيْد في اعتبار المناسب عِلة، لا في تحقيق ماهيته.
وكذلك ترتيب الحكم على وَفْقه في الشرع زائد على ماهية "المناسب".
واحترز بِـ "صلاحية أن يكون مقصودًا" عن: الوصف المستبقى في السبر، والمدار في الدوران، وغير ذلك.
وليس هذا مغايرًا للتعريف الأول، بل هو بهذا التقدير يكون بسطًا له وإيضاحًا. وإنْ
_________________
(١) ليس في (ت).
(٢) مختصر منتهى السؤل والأمل في علمي الأصول والجدل (٢/ ١٠٨٥)، الناشر: دار ابن حزم.
[ ٥ / ١٩٦٤ ]
كان في "جمع الجوامع" جعله قولًا مغايِرًا له، ولكن هذا عندي أجود.
الثاني مِن التعاريف للمناسب:
ما عَرَّف به البيضاوي أنه: ما يجلب للإنسان نفعًا أو يدفع عنه ضررًا.
ونحوه عبارة بعضهم: الوصف المُفْضِي إلى ما يجلب للإنسان نفعًا أو يدفع عنه ضررًا. وهو مغايِر للذي قَبْله بأنَّ هذا لم يجعل المقصود في جلب النفع ودفع الضرر نفس الوصف، بل الذي يفضي إليه الوصف، والأول جعله نفس الوصف، وكلاهما على طريقة مَن يُعَلِّل أفعال الله ﷿ بمراعاة المصالح، أي: بالنسبة للعبد؛ لِتَعَالِي الرب عن الانتفاع والضرر. وهذا بخلاف التعريف المختار كما قررناه، وهو الجاري على قول الأشعري؛ ولهذا الإمام الرازي لَمَّا ذكر هذين التفسيرين أشار إلى مَا قُلناه مِن اختلافهما باختلاف قَوْلَي الناس في تعليل أفعال الله تعالى.
الثالث: قول أبي زيد الدبوسي مِن الحنفية: إنَّ المناسب ما لو عُرض على العقول لَتَلَقَّتْهُ بالقبول.
قال صاحب "البديع": (وهو أقرب إلى اللغة) (^١).
وبُنِيَ عليه الاحتجاج به على العلة في مقام المناظرة دون مقام النظر؛ لإمكان أن يقول الخصم: هذا لا يتلقاه عقلي بالقبول وليس الاحتجاج عَلَيَّ بِتَلَقِّي عقل غيري له بِأَوْلَى مِن الاحتجاج على ذلك الغَيْر بِعَدَم تَلَقِّي عقلي له بالقبول.
ومنهم مَن أجاب عن ذلك بأنه ليس الاعتبار بتلقي عقله ولا عقل مناظره فقط، بل المراد العقول السليمة والطباع المستقيمة إذا عُرِضَ عليها وتلقته، انتهض دليلًا على مُناظِرِه.
_________________
(١) بيان معاني البديع (٢/ ٧٩٤)، رسالة دكتوراة مقدمة من الطالب: صبغة الله غلام، جامعة أم القرى/ ١٤١٠ هـ.
[ ٥ / ١٩٦٥ ]
تنبيهات
أحدها: قولهم: (وَصْف) جارٍ على الغالب، وإلا فقد سبق أن العلة تكون حُكمًا شرعيًّا وأمرًا عرفيًّا أو لُغويًّا.
الثاني: إنَّ مقتضَى ما سبق نقله في تعريف الآمدي وابن الحاجب يقتضي أن الحكمة لا يُعَلَّل بها. ولكن مختارهما أن الحكمة إنِ انضبطت جاز التعليل بها.
الثالث: إنَّ حصول الحكم في الوصف المناسب قد يكون:
- يقينًا، كالبيع، فإنه إذا كان صحيحًا، حصل منه الملك الذي هو المقصود.
- أو ظنًّا، كالقصَاص للانزجار، بدليل وجود الإقدام مع عِلمهم بأنَّ القصَاص مشروع.
- وقد يتساوى حصول المقصود وعدم حصوله، فلا يوجد لا قَطْع ولا ظن، بل يكونان متساويين.
قال صاحب "البديع": (ولا مثال له على التحقيق) (^١).
ويقرب منه ما مَثَّل به ابن الحاجب مِن حد شارب المسكر؛ لحفظ العقل، فإنَّ المُقدمين كثير والمجتنبين كثير، فتساوى المقصود وعدمه فيه.
وقد يكون عدم حصول المقصود أَرْجَح من حصوله، كنكاح الآيسة لمصلحة التوالد؛ لأنه -مع إمكانه- بعيدٌ عادةً.
_________________
(١) بيان معاني البديع (٢/ ٧٩٨).
[ ٥ / ١٩٦٦ ]
والتعليل في هذين الآخَرين فيه خلاف.
فمنهم مَن منع في الأول منهما؛ للتردد بين حصول المقصود وعدمه من غير ترجيح.
وفي ثانيهما أيضًا؛ لرجحان نفي المقصود على حصوله.
ولكن الأصح -وفاقًا لابن الحاجب وغيره- الجواز؛ فإن السفر مظنة المشقة، وقد اعتُبِرَ وإنِ انتفى الظن في سفر الملك المُتَرفِّه على هيئةٍ لا مشقة فيها بمجرد احتمال المقصود.
وقال في "البديع": إن هذين الآخَرين متفق على اعتبارهما إذا كان المقصود ظاهرًا من الوصف في غالب صُوَر الجنس، وإلا فلا.
أما إذا كان المقصود فائتًا قطعًا فلا يُعتبر، خلافًا للحنفية، فيلحق عندهم النسب في ولد مَن تزوج وهو بالمشرق امرأة بالمغرب بطريق التوكيل -مع القطع بأنَّ الولد ليس منه؛ وذلك لاقتضاء الزواج ذلك في الأغلب. فعمم ذلك؛ حفظًا للنسب.
ومثله في الاستبراء جارية اشتراها بائعُها في المجلس. وجعله في "جمع الجوامع" مما يبعد فيه العلوق منه.
وينبغي أن يُقيَّد بأنْ يقارِنه احتمالٌ ما. أما إذا لم يحتمل فهو مِن المقطوع بنفيه كما ذكرناه، وإنما الاستبراء هنا للتعبد.
قولي: (وَبِـ "إخَالَةٍ" يُسَمَّى) أي: يقال في "المناسبة" أيضًا: "إخالة"، فَهُمَا اسمان مترادفان. وسُمي "إخالة"؛ لأن ذلك باعتبار النظر إليه يُخال أنه علة، أي: يُظَن.
وكذا يسمى ذلك الاستخراج (أيْ: استخراج كون ذلك علة؛ لِمَا فيه مِن المناسبة): "تخريج المناط"، مِن "نَاطَ" أيْ: تعلق. أيْ: خرج ما نِيطَ به الحكم.
فالنياط: التعلُّق. و"المناط": هو المُتَعَلَّق، كأنه استخرج مُتَعَلَّق هذا الحكم مِن أوصاف الأصل المَقِيس عليه، فَحَكَم بأنه عِلة.
[ ٥ / ١٩٦٧ ]
وقولي: (وَهْوَ أَنْ يُعَيَّنَ الْوَصْفُ) إلى آخِره -هو تعريف لتخريج "المناط" بأنه تعيين العلة بإبداء مناسبة مع الاقتران والسلامة من القوادح.
فمعنى كونه "بإبداء مناسبة" أي: بينها وبين الحكم، فيخرج تعيين العلة بغير ذلك مما سيأتي من الطرد والشبه والدوران وغير ذلك.
وقد احترز عن ذلك ابن الحاجب بقوله: (بمجرد إبداء المناسبة من ذاته) (^١).
أي: من ذات الأصل، أي: لا بنص ولا غيره من إجماع أو غيره مما ذكرنا.
وقولي: (مَعْ كَوْنِ الَاصْلِ نَفْيَ مَا سِوَاهُ) أي: لا يتحقق الاستدلال بذلك إلا مع ضميمة أنَّ الأصلَ عدمُ وصفٍ آخَر له مناسبة للحكم. ولا يُكتفَى في ذلك بقول القائس: (بحثتُ فلم أجد) وإلا لزم الاكتفاء بذلك في كل مسألة خلافية، ولا قائل به. بخلاف ما سبق في طريق السبر والتقسيم فإنه يُكتفَى بذلك؛ لأنَّ المدار هناك على الحصر؛ فاكتُفِي فيه ببحثه فلم يجد، وهنا على أنه ظفر بوصف في الأصل مناسب؛ فافترقَا.
وقولي: (بِشَرْطِ الِاقْتِرَانِ) إشارة إلى أن الاقتران مُعتبَر في كون المناسب علة، لا في كونه مناسبًا، أي: ليس قَيْدًا في ماهيته. وقد سبقت الإشارة إلى تقرير هذا المعنى.
وُيشترط أيضًا في الوصف المناسب الذي يُستخرَج بالاستنباط أن يكون خاليًا عن القوادح. وسيأتي ذكرها مفصلة.
نعم، إنْ أتى المعترِض على القائس بقادح في عِلته فطريق تصحيح عِلته أن يُجيب عنه ويردَّه بِرَدٍّ صالح بحيث يصير الوصف سالِمًا عما يقدح.
وهو معنى قولي: (إنْ لَمْ يُجِبْ) أَيِ القائس (عنها) أَيْ عن القوادح بِرَدٍّ صالح لِدَفْعِه
_________________
(١) مختصر منتهى السؤل والأمل في علمي الأصول والجدل (٢/ ١٠٨٤)، الناشر: دار ابن حزم.
[ ٥ / ١٩٦٨ ]
بحيث تَسْلم العِلة.
مثال الوصف المناسب الذي استخرجه القائس مِن الأصل وجعله علة للحكم: "الإسكار" في قياس النبيذ على الخمر في التحريم، و"القتل العَمْد المحض العدوان" في القصاص، ونحو ذلك مما استنبطه الأئمة بالنظر والاجتهاد.
وهذا هو الذي عَظُم فيه الخلاف بين العلماء، فأهل الظاهر ينكرونه، ومقالتهم في غاية الضعف، حتى أن أصحابها انحطوا بها عن درجة الاعتبار؛ لجمودهم وقصُور أفهامهم عن معاني الشريعة ودقائقها اللطيفة. والله أعلم.
ص:
٨١٩ - فَإنْ يَكُنْ خَفِيًّا اوْ لَمْ يَنْضَبِطْ عَلِّلْ بِلَازِمٍ لِذَاكَ مُنْضَبِطْ
٨٢٠ - كَسَفَرٍ مَظِنَّةِ الْمَشَقَّةِ وَالْوَطْءِ لِلشَّغْلِ الَّذِي في الْعِدَّةِ
الشرح:
اكتفيتُ بالتنبيه هنا على حُكم ما لو كان الوصف خفيًّا أو غير منضبطٍ عن جعل عدم ذلك شرطا في الوصف المناسب. فلم أَقُل هناك: (أنْ يكون وصفًا ظاهرًا منضبطًا) كما قال ابن الحاجب في تصريحه به. ثم إنه بعد ذلك ذكر ما تحرز به عنه، فقال: (فإنْ كان المذكور خفيًّا أو غير منضبط اعتُبِرَ مُلازمُه وهو المظنة). أي: وهي الوصف الظاهر المنضبط. فيجعل هو العلة يوجد المعلول بوجوده ويُعْدَم بعدمه سواء كانت الملازمة عقلية أم لا.
وإنما لم نعتبره لأنه غير معلوم؛ لكونه خفيًّا أو لكونه غير منضبط. فإذا لم يُعْرَف في نفسه فكيف يُعرِّف غيره؟ ! وهو معنى تعليل ابن الحاجب ذلك بقوله: (لأنَّ الغَيْبَ لا يُعَرِّف
[ ٥ / ١٩٦٩ ]
الغيب). وذلك كالسفر لعدم انضباط المشقة التي هي المعنى المناسب لترتُّب [الترخص] (^١) عليه، فيناط الترخص بِمُلازِمها وهو السفر.
ومثال إقامة المظنة مقام المناسب عند خفائه: شغل الرحم المناسب للعدة؛ حفظًا للنسب، لَمَّا لم ينضبط، أُنِيطَ بالوطء الذي هو وصف ظاهر منضبط، حتى لو تحققت البراءة لرحمها، تَعْتَد.
قال الغزالي في "الوسيط" في "أول العدد": (ومقصود هذه العدة براءة الرحم، ولكن يُكتفى بسبب الشغل ولا يُشترط عينه؛ لأنَّ ذلك خفي لا يُطَّلَع عليه؛ فلذلك تجب العِدة بوطء الصبي بمجرد تغييب الحشفة. وحيث علق طلاقها بيقين براءة الرحم. ومن دَأْب الشرع في مظان التباس المعاني المقصودة رَبْط الأحكام بالأسباب الظاهرة، كما علق البلوغ بالاحتلام والسن؛ لخفاء العقل. وعلق الإسلام بكلمتي الشهادة مع الإكراه؛ لخفاء العقيدة). انتهى
وهو معنى قولي: (وَالْوَطْءِ لِلشَّغْلِ الَّذِي في الْعِدَّةِ). والله أعلم.
ص:
٨٢١ - ثُمَّ: الْمُنَاسِبُ الَّذِي تَقَدَّمَا هُوَ ضَرُورِيٌّ، فَحَاجِيٌّ، فَمَا
٨٢٢ - بَعْدَهُمَا يُعْرَفُ بِـ "التَّحْسِيني" فَأَوَّلٌ مِنْهَا [لِحِفْظِ] (^٢) الدِّينِ
٨٢٣ - فَالنَّفْسِ، فَالْعَقْلِ، فَبَعْدَهُ النَّسَبْ فَالْمَالُ، فَالْعِرْضُ، فَحَقِّقِ الرُّتَبْ
الشرح:
لما ذكرت في تعريف "المناسب" أنه الملائم لفعل ذوى العقول وفي معنى ذلك
_________________
(١) كذا في (ص، ق)، لكن في (س): (الرخص). وكذلك كلمة (الترخص) التالية.
(٢) في (س، ت): كحفظ.
[ ٥ / ١٩٧٠ ]
ما نقلته في الشرح من التعاريف، بينتُ هنا ما أشير إليه في جميع ذلك من وجه الملائمة والمناسبة أنها لا تخلو عن ثلاثة أمور مرتبة في الملائمة: الضروري، ثم الحاجي، ثم التحسيني؛ لأنها إما في محل الضرورة أو في محل الحاجة أو لا في محلهما ولكن في محل الاستحسان في مطرد العادات.
فأما "الضروري": فهو الذي يكون في محل ضرورة العباد لا بُدَّ منه، وذلك خمسة أنواع، وهي المقاصد التي اتفق الملل في حفظها، وهي: الدِّين، فالنفْس، فالعقل، فالمال، فالنَّسَب.
فحِفظ الدِّين بقتال الكفار، قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩]، وقال النبي - ﷺ -: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله" (^١)، وقال: "مَن بَدَّل دِينه فاقتلوه" (^٢).
وحِفظ النفس بمشروعية القصاص، قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة ١٧٩].
وحِفظ العقل بتحريم المسكرات ونحوها، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَا﴾ [المائدة: ٩١] الآية.
وحِفظ المال بقطع السارق وتضمينه وتضمين الغاصب، قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] وقال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨].
والنَّسب بوجوب حَد الزاني، قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢] الآية.
وقد أشير إلى خمسة بقوله تعالى: ﴿لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) سبق تخريجه.
[ ٥ / ١٩٧١ ]
يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ﴾ [الممتحنة: ١٢]. أربعة مِن الخمسة التي ذكرت، إذْ لا تَعَرُّض فيه لحفظ العقول، وواحد آخَر تصير به المقاصد ستة وهو العِرْض.
وفي "الصحيحين " أنه - ﷺ - قال في خطبته في حجة الوداع: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام" (^١) الحديث.
والأخبار فيه كثيرة وأحكام حِفظه شهيرة في الشرع، فهو من الضروريات المعلومة من الدِّين، وحِفظه بحد القذف.
أما [مرتبته] (^٢) فيحتمل أن يكون في رُتبة الأموال، فيكون مِن أدنى الكليات، فإن [ترتيبها] (^٣) كما ذكرناه متعاطفة بـ "الفاء". ويحتمل أنْ لا يُجعل مِن الكليات، فيكون ملحقًا بها، ويحتمل أن يفصل في ذلك.
قيل: وهو الظاهر، لأنَّ الأعراض تتفاوت، فمنها ما هو من الكُليات وهي الأنساب، وهي أرفع مِن الأموال؛ فإن حِفظ النسب بتحريم الزنا تارة وبتحريم القذف المؤدِّي إلى الشك في أنساب الخلْق وبسبتهم إلى غير آبائهم تارة. وتحريم الأنساب مُقدَّم على الأموال.
ومنها ما هو دونها، وهو ما يكون مِن الأعراض غير الأنساب.
وبالجملة فلا ينبغي إهمال الأعراض مِن الكُليات؛ فلذلك ذكرته في النَّظم تبعًا لـ "جمع الجوامع" وعطفته بالواو على الأموال على ما يتبادر للذهن من الاحتمالات السابقة وهو أنه في رُتبة أدناها وهو الأموال. والله أعلم.
_________________
(١) صحيح البخاري (رقم: ١٦٥٢)، صحيح مسلم (رقم: ١٦٧٩).
(٢) في (ص، ق، ش): ترتيبه.
(٣) في (س، ت): مرتبتها.
[ ٥ / ١٩٧٢ ]
ص:
٨٢٤ - وَمُكْمِلٌ لِذَا يَكُونُ لِاحِقَا بِهِ، كمُسْكِرٍ قَلِيلٍ وَافَقَا
٨٢٥ - كَثِيرَهُ في الْحَدِّ، أَمَّا الْحَاجِي فَنَحْوُ بَيْع في سِوَى الْمُحْتَاجِ
٨٢٦ - فَإنَّ ذَا يلْحَقُ بِالضَّرُورِي وَذَا كَالِاسْتِئْجَارِ لِلصَّغِير
٨٢٧ - في أَنْ يُرَبَّى، وِبهَذَا مُكْمِل مِثْلُ خِيَارِ الْبَيْعِ حِينَ يَحْصُلُ
الشرح:
أي: ويلحق بالضروري مُكَمِّلُه في حُكمه. ومعنى كونه مُكملًا له أنه لا يستقل ضروريًّا بنفسه بل بطريق الانضمام، فله تأثير فيه لكن لا بنفسه، فيكون في حكم الضرورة مبالغةً في مراعاته.
كالمبالغة في حفظ الدين بتحريم البدعة وعقوبة المبتدع الداعي إليها، والمبالغة في حفظ النفس بإجراء القصاص في الجراحات، والمبالغة في حفظ العقل بتحريم شرب قليل المسكر والحد عليه؛ وذلك لأنَّ الكثير السكر مفسد للعقل، ولا يحصل إلَّا بإفساد كل واحد مِن أجزائه، فَحُدَّ شارب القليل؛ لأنَّ القليل متلف لجزء من العقل وإنْ قَل. وكذلك المبالغة في حفظ المال والعِرض بتعزير الغاصب ونحوه، وتعزير الساب بغير القذف، ونحو ذلك. والمبالغة في حفظ النسب بتحريم النظر والمس والتعزير عليه.
وقد نبه الشارع على إلحاق ذلك بقوله - ﷺ -: "كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه". ثم قال: "ألا وإن حمَى الله محارمه" (^١).
_________________
(١) صحيح البخاري (٥٢)، صحيح مسلم (١٥٩٩).
[ ٥ / ١٩٧٣ ]
وقولي: (أَمَّا الْحَاجِي) بيان للقسم الثاني وهو الذي لا يكون في محل الضرورة بل في محل الحاجة. ويقال له أيضًا: "المصلحي" كما عبر بذلك البيضاوي، كالبيع والإجارة؛ لأنَّ مالك الشيء قد يُضَر بإعارته؛ ولذلك قال إمام الحرمين: (إنَّ مَن زعم أنَّ الإجارة خارجة عن مقتضَى القياس فليس على بصيرة؛ لأنَّ الحاجة أصل).
وكالمساقاة والقراض؛ لأنه ليس كل أحد يَعرف عمل الأشجار ولا التجارة، أو لاشتغال الملاك بأهم من ذلك.
ومن ذلك أيضًا: نَصْبُ الولي [للصغير] (^١)، فإنَّ مصالح النكاح غير ضرورية ولكن واقعة في محل الحاجة، فإنها داعية إلى الكُفْء الموافق، وهو لا يوجد في كل وقت، فكل هذه لا يَلْزَم مِن فواتها فوات الشيء من الضروريات الخمس.
وادَّعَى إمام الحرمين أن البيع ضروري، ولعله أراد ما كَثُرت شدة الحاجة إليه بحيث صار كالضروري؛ لأنَّ الناس لو لم يتبادلوا ما بأيديهم لَجَرَّ ذلك ضرورة.
وقولي: (في سِوَى الْمُحْتَاجِ) إلى آخِره أي: إنما يكون البيع حاجيًّا في غير هذه الصورة، فإنها من الضروريات، كالإجارة على تربية الطفل وشراء المطعوم والملبوس له حيث كان في معرض التلف من الجوع والبرد.
وحاصله أن الحاجي يتفاوت، حتى أن بعضه ينتهي إلى رتبة الضروري؛ لشدة الاحتياج، وهو نادر كما في هذه الصورة. وإنما لم يكن هذا من الضروري نفسه لإمكان حصول المقصود بوضع اليد قهرًا عند خوف الهلاك وغرم قيمته، كواجد طعام الغير في المخمصة.
وقولي: (وِلهَذَا مُكْمِلُ) أي: للحاجي مُكمل مُلْحَق به في تعليله بالحاجة، كرعاية
_________________
(١) في (س، ت): للصغيرة.
[ ٥ / ١٩٧٤ ]
الكفاءة ومهر المثل في التزويج، فإنه أفضى إلى دوام النكاح وتكميل مقاصده وإنْ [حصل] (^١) أصل الحاجة بدون ذلك. وكذلك إثبات الخيار في البيع بأنواعه؛ لِمَا فيه من التروي وإنْ كان أصل الحاجة حاصلًا بدونه.
وقولي: (حِينَ يَحْصُلُ) أي حين يحصل البيع، فإنه حينئذٍ سبب الخيار كما هو مُقَرر موضح في الفقه. والله أعلم.
ص:
٨٢٨ - ثُمَّ: الَّذِي يُعْرَفُ بِالتَّحْسِيني مَا لَا يُنَافِي قَاعِدَاتِ الدِّينِ
٨٢٩ - كَالسَّلْبِ في أَهْلِيَّةِ الشَّهَادَهْ مِنَ الرَّقِيقِ؛ لِانْحِطَاط عَادَهْ
٨٣٠ - وَمَا يُنَافِي كَكِتَابَةٍ فَهِيْ بَيْعُ امْرِئٍ مَالًا لَهُ بِمَالِه
الشرح:
القسم الثالث: ما ليس ضروريًّا ولا حاجيًّا ولكنه في محل التحسين، وذلك ضربان:
أحدهما: ما ليس فيه منافاة لقاعدة من قواعد الشرع، وإليه الإشارة بقولي (من قَاعِدَاتِ الدَّينِ) أي: لا تعارضه قاعدة شرعية، كسلب الرقيق أَهْلِيَّة الشهادة؛ لانحطاطه في محاسن العادات عن المناصب الشريفة من قضاءٍ وولايةٍ وشهادةٍ ونحو ذلك.
نعم، سلب الولاية عنه من الحاجي؛ لأنها تستدعي فراغًا، والرقيق مستغرق في خدمة السيد، فتفويض أمر الطفل ونحوه إليه إضرار بذلك.
وأما روايته وفتواه فإنما جازَا منه؛ لعدم الضرر بما يترتب عليهما؛ فلذلك فارقَا الشهادة
_________________
(١) كذا في (س، ت)، لكن في (ص، ق، ض، ش): حصلت.
[ ٥ / ١٩٧٥ ]
والقضاء والولاية.
ومن ذلك أيضًا اعتبار الولي في النكاح؛ لاستحياء النساء من مباشرة العقود على فروجهن؛ لإشعاره بتوقان نفوسهن إلى الرجال، وهو غير لائق بالمروءة.
وكذلك اعتبار الشهادة في النكاح؛ لتعظيم شأنه وتميزه عن السفاح بالإعلان والإظهار؛ ولذلك اكتفى مالك [بالإعلان] (^١) دون الشهادة. ولو علل بإثباته عند التنازع لكان حاجيًّا، لا تحسينيًّا، كما لو عُلِّل اعتبار الولي بفتور رأي المرأة في الانقياد للأزواج وسرعة الاغترار بالظواهر لَكان حاجيًّا. ولكن لا يصح التعليل بذلك في سلب عبارتها وفي نكاح الكفء.
ومن ذلك أيضًا: تحريم القاذورات، فإن نفرة الطباع معنى يناسب تحريمها حتى يحرم التضمخ بالنجاسة بلا عُذر، ولبس جلد الميتة ونحو ذلك.
الثاني من التحسين: ما ينافي قاعدة شرعية، كالكتابة، فإنها مِن حيث كونها [مكرمة] (^٢) في العادة مُستحسنة احتمل الشرع فيها خرم قاعدة ممهدة وهي امتناع بَيعْ الإنسان مال نفسه بمال نفسه ومعاملة عبده. ومِن ثَمَّ لم تجب الكتابة عند المعظم. وفي قول حكاه صاحب "التقريب": إنها تجب إذا طلبها العبد وعَلِم السيد فيه خيرًا؛ عملا بالأمر الوارد في الإيجاب. والمعظم حملوه على الندب؛ لِمَا تقدم من المعنى.
_________________
(١) في (ق، ص): بالإعلام.
(٢) ليس في (س، ت، ض).
[ ٥ / ١٩٧٦ ]
تنبيهات
الأول: هذا المذكور في الأقسام الثلاثة إنما هو في المناسب الدنيوي، أما الأخروي فكتزكية النفس ورياضتها وتهذيب الأخلاق المؤدي إلى امتثال الأوامر واجتناب النواهي المتوصَّل بذلك إلى رضَا الرب ﷿.
وربما كان متعلقًا بالدارين، كإيجاب الكفارات، فإنها يحصل بها الزجر عن تَعاطي تلك الأفعال التي أوجبت التكفير، ووسيلة إلى تكفير الذنوب التي قد حصلت بفعلها.
الثاني: مِن الأمور ما يظهر رَدُّه إلى نوع مِن الأنواع المذكورة، كوجوب القصاص بالمثقل، فإنَّ ردَّه إلى الضروريات ظاهر؛ وذلك لما فيه من حفظ النفوس، وإلا لَبَادَرَ الناس إلى القتل به، بل هو أَيْسَر مِن المحدد؛ لِغَلَبَةِ وجوده.
ومنها ما يظهر أنه ليس منه، كغرز الإبرة في غير مقتل بلا ألم ولا ورم، وكإبانة فلقة من اللحم خفيفة، فيظهر أن لا يُعَلَّل به وجوب قصاص؛ إذ ليس هو من رعاية المصالح الضرورية؛ لأنه لا يُفْضِي للهلاك إلا نادرًا.
ومنها ما يحتمل أنه منه وأن لا يكون منه، كإيجاب القصاص على الجماعة بقتل الواحد، فإنه يحتمل أن يكون من الضروري؛ لئلَّا يؤدي إلى أنَّ مَن يريد قَتْل شخص، لا ينفرد به، بل يستعين بمن يشاركه. ويحتمل أن لا يكون منه؛ لاحتمال أنْ لا يوافقه مَن يريد مشاركته.
وجمن هنا تعرف مدارك الفقه في هذه الصوَر.
الثالث: هذا كله إذا كان الوصف المناسب حقيقيًّا، لكنه قد يكون إقناعيًّا، وهو ما يظن مناسبته في بادئ الرأْي، وعندما يُبحث فيه حَق البحث يظهر خلاف ذلك، كتعليل بعض الأصحاب تحريم بيع الخمر والميتة بنجاستهما، وقياس الكلب والسرجين عليهما.
[ ٥ / ١٩٧٧ ]
قال: لأن كونه نَجسًا يناسب إذلاله، وكونه يُقابَل في البيع بِعوَض يقتضي إعزازه، والجمع بينهما متعذر. فهذا وإنْ تُخيِّلَت مناسبته أولًا لكن يتبين خلاف ذلك؛ إذِ المَعْنِي بكونه نجسًا مَنعْ الصلاة معه، فإنَّ ذلك مِن جُملة أحكام النجس، وحينئذٍ فالتعليل بكون النجاسة تناسب الإذلال ليس بإقناعي.
نعم، قد يمثَّل له بمن وكّل في شراء عبد من عبدين أو ثلاثة فإنه يصح؛ لأنه غرر قليل تدعو الحاجة إليه، فَأَشْبَه خيار الثلاث، فإن الرؤساء لا يحضرون الأسواق لاختيار المبيع، فيشتري الوكيل واحدًا مِن ثلاثة، ويختار الموكل ما شاء. فهذا وإنْ تُخيِّلَت مناسبته أولًا فعند التأمل يظهر أنه غير مناسب؛ لأنه يمكن أن يشتري ثلاثة في ثلاثة عقود بشرط الخيار، فيختار الموكل منها ما يريد. والله أعلم.
ص:
٨٣١ - فَإنْ يَكُنْ مُنَاسِبٌ قَدِ [اعْتُبرْ] (^١) بِنَصٍّ اوْ إجْمَاعِهِمْ حَيْثُ أُثِرْ
٨٣٢ - في عَيْنِ حُكْمٍ عَيْنُ وَصْفٍ، [سَمِّ] (^٢) "مُؤثّرا"، وَغَيْرَهُ في الرَّسْمِ
٨٣٣ - "مُلَاِئمًا"، أَمَّا الَّذِى لَمْ يُعْتَبر وَجَاءَ بِالْإلْغَا دَلِيلٌ مُعْتَبَرْ
٨٣٤ - فَلَيْسَ عِلَّةً، وَمَا لَا يُلْغَى فَذَاكَ "مُرْسَلٌ" يَكُونُ مُلْغَى
الشرح: لا بُدَّ في كون الوصف المناسب المعلَّل به [معتبَرًا] (^٣) أنْ يُعْلَم مِن [الشارع] (^٤)
_________________
(١) في (ت): اعتبره
(٢) في (ض، س): اسم.
(٣) من (ت، س).
(٤) كذا في (ص، ق)، لكن في سائر النسخ: الشرع.
[ ٥ / ١٩٧٨ ]
التفات إليه، ويظهر ذلك بتقسيم المناسب. وهو ينقسم إلى: مُؤَثِّر، وملائِم، وغريب، ومُلْغًى، ومُرْسَل.
لأنه إما أنْ يُعْلَم أن الشرع اعتبره، أو يُعْلم أنه ألغاه، أو لا يُعلم أنه اعتبره ولا ألغاه.
والمراد بالعِلم هنا ما هو أعم مِن اليقين والظن، وذلك إما بالنص أو الإجماع.
والمراد بِ "اعتبار الشرع" أنْ يورد الفروع على وَفْقه، لا أنْ يَنُصَّ على العلة أو يُومئ إليها، هالا لم تكن العِلية مستفادة بالمناسبة.
فإنْ عُلم أن الشارع اعتبره، فهو على أربعة أقسام:
- إما أنْ يُعْلَم بالنص أو بالإجماع أنه اعتبر عَيْن الوصف في عَيْن الحكم (والمراد بِالعَيْن: النوع، لا المشخص مِن النوع).
- أو أنه اعتبر عَيْن الوصف في جِنس الحكم.
- أوجنس الوصف في عَيْن الحكم.
- أو جنسه في جنسه.
فالأول - وهو ما اعتبر نوعه في نوعه - إنِ اعتبر مع ذلك جنسه في جنسه، سُمِّي "المُؤَثِّر"؛ لحصول التأثير فيه عيْنًا وجنسًا، هالا فيُسمى "الغريب". ولم أتعرض له في النَّظم؛ لأنه لا يُعَلَّل به اتفاقًا.
وأما الثلاثة الأخرى فتسمى "الملائم"؛ لكونها موافقة لِمَا اعتبره الشرع. أي: [ما] (^١) دل عليه النص أو الإجماع. أي: دل على إيراد الفروع على وَفْق ذلك، لا النص أو الإجماع أنَّ هذا عِلةُ هذا، فإن ذلك ليس مِن المناسبة كما سبق تقريره.
_________________
(١) كذا في (ص)، لكن في (ق، س): مما.
[ ٥ / ١٩٧٩ ]
أما لو دَلَّ على الاعتبار بمعنى الموافقة والإيماء والتنبيه ففيه خلاف: هل هو من المؤثر؟ أو من الملائم؟ حكاه الهندي.
وأما ما عُلم أن الشرع ألغاه فهو مُلْغًى بلا خلاف. وما لم يُعْلم هل اعتبره الشرع؟ أو لا؟ هو المسمى بـ "المُرْسَل".
وقبل الكلام على هذه الأقسام وأمثلتها نقول: كُل مِن الوصف والحكم نوع، وما هو أَعَم منه جِنس، وله مراتب: عالٍ، وسافل، ومتوسط.
والعبرة دائمًا بالأسفل القريب مِن العَين في الوصف وفي الحكم.
فأعم الأوصاف وصف يُناط به الحكم، ثم كونه مناسبًا، ثم كونه -مثلًا- ضروريًّا، ثم كونه لحفظ النفوس.
وأَعَم أجناس الحكم كَوْنه حُكمًا شرعيًّا، ثم كونه واجبًا، ثم كونه عبادة، ثم كونه صلاة، ثم كونه ظهرًا.
إذا عُلِم ذلك:
فمثال "المؤثر" الذي دل على اعتبار عين الوصف [فيه] (^١) في عين الحكم: نفس السُّكْر عِلة للتحريم في الخمر، اعتبر عَيْنه في عَين الحكم وهو التحريم حيث حرم الخمر، فيلحق به النبيذ.
ونحوه: مَس الذكر، اعتبر عينه في عين الحكم، وهو الحدث؛ لحديث: "مَن مس ذكره فليتوضأ" (^٢).
_________________
(١) كذا في (ص، ق)، وفي سائر النسخ: منه.
(٢) مسند أحمد (٧٠٧٦)، سنن أبي داود (رقم: (١٨١)، وغيرهما. قال الألباني: صحيح. (صحيح أبي=
[ ٥ / ١٩٨٠ ]
ومثال "الغريب" -وسمي بذلك لأنه لم يشهد له غير أصله بالاعتبار- الطعم في الربا، فإنَّ نوع الطعم مؤثِّر في حُرمة الربا، وليس جنسه مؤثرًا في جنسه.
وأما الثلاثة الأخرى فتسمَّى الملائم؛ لكونها موافقة لِمَا اعتبره الشرع.
فمثال ما اعتبر الشرع عَيْن الوصف فى جنس الحكم: امتزاج النسبين في الأخ مِن الأبوين، اعتُبِر في تقديمه على الأخ مِن الأب في الإرث، وقِسْنَا عليه تقديمه عليه في ولاية النكاح وفي الصلاة ونحوها في الميت وتحمُّل العقل وغير ذلك من الأحكام، فإنه وإنْ لم يعتبره الشرع في عَيْن هذه الأحكام لكن اعتبره في جنسها وهو التقدُّم في الجملة.
ومثال ما اعتُبر فيه جنس الوصف فى عين الحكم: المشقة المشتركة بين الحائض والمسافر في سقوط القضاء، فإن الشارع اعتبرها في عَيْن سقوط القضاء في الركعتين من الرباعية، فسقط بها القضاء في صلاة الحائض؛ قياسًا. وإنما جُعِل الوصف هنا جنسًا والإسقاط نوعًا؛ لأنَّ مشقة السفر نوع مخالف لمشقة الحيض، وأمَّا السقوط فأمر واحد وإنِ اختلفت محالّه.
ومثال ما اعتُبر فيه جنس الوصف فى جنس الحكم: ما رُوي عن علي - ﵁ - في شارب الخمر أنه: "إذا شرب هَذَى (^١)، وإذا هَذَى افترى؛ فيكون عليه حد المفتري". أي: القاذف. ووافقه الصحابة عليه، فقد أوجبوا حد القذف على الشارب لا لكونه شرب، بل لكون الشرب مظنة القذف، فأقاموه مقام القذف؛ قياسًا على إقامة الخلوة بالأجنبية مقام الوطء في التحريم؛ لكون الخلوة مظنة له. فظهر أن الشارع إنما اعتبر المظنة (التي هي جنس لمظنة الوطء ومظنة القذف) في الحكم (الذي هو جنس لإيجاب حد القذف وحرمة الوطء).
_________________
(١) =داود: ١٨١).
(٢) يعني: صَدَر منه الهذيان، وهو كلام غَيْر مَعْقُول. لسان العرب (١٥/ ٣٦٠).
[ ٥ / ١٩٨١ ]
وبهذا يظهر الجواب عما ذكر فيه مِن إشكال مِن حيث إنَّ تفريع مظنة القذف على مظنة الوطء حقه أنْ يتساويا في الحد كما تَساويَا في التحريم؛ لأنَّ الوفاء بإقامة المظنة مقام المظنون أن يوجَب الحد بالخلوة، ولا قائل به. فصار في جعل الشرب مظنة القذف زيادة وجوب عقوبة ليست موجودة في الأصل الذي هو إلحاق الخلوة بالوطء؛ لأنَّ ذلك إنما هو في الحرمة فقط.
فيقال في جوابه: إنما أخذنا باعتبار الشرع الجنس في جنس الحكم، وجنس الحكم يشمل التحريم والعقوبة وإن تَغايرَا؛ إذ لو اتحد في الموضعين لكان مِن اعتبار الجنس في العين. فَتَأَمَّله.
واعلم أن المراد بالجنس دائمًا هو القريب، لا البعيد.
وأعلى هذه الثلاثة ما أثَّر عين الوصف في جنس الحكم؛ لأنَّ الإبهام في العلة أكثر محذورًا من الإبهام في المعلول، ثم عكسه، ثم الجنس في الجنس.
وأقسام "الملائم" كلها يسوغ التعليل بها عند الجمهور؛ لأنَّ الله تعالى شَرَّعَ أحكامه لمصالح العباد، وعُلِم ذلك بطريق الاستقراء، وذلك من فضل الله تعالى وإحسانه، لا بطريق الوجوب عليه، خلافًا للمعتزلة.
فإذا وُجِد وصفٌ صالح للعِلية وقد اعتبره الشرع بوجْهٍ مِن الوجوه السابقة، غلب على الظن أنه عِلة للحكم.
وأما "المُلْغَى": وهو الذي عُلِم أن الشارع ألغاه مع أنه مُتَخيَّل المناسبة فلا خلاف في أنه لا يجوز التعليل به. وذلك كإيجاب صوم الشهرين ابتداء على المجامِع في نهار رمضان إذا كان مَلِكًا؛ لأنَّ العتق سهل عليه، فلا يُرْدِعُه عَمَّا وقع منه إلا الصوم شهرين؛ ولهذا أنكروا على يحيى بن يحيى بن كثير الليثي - صاحب مالك - إمام أهل الأندلس حيث أفتى بعض
[ ٥ / ١٩٨٢ ]
ملوك المغاربة بذلك وهو الأمير عبد الرحمن بن الحكم الأُموي المعروف بِـ "الرَّبَضِي" (^١) صاحب الأندلس، وكان قد نظر في رمضان إلى جارية له كان يحبها حبًّا شديدًا، فعبث بها ولم يملك نفسه أنْ وقع عليها، ثم ندم ندمًا شديدًا، فسأل الفقهاء عن توبته وكفارته، فقال له يحى بن يحمى: تصوم شهرين متتابعين. فلمَّا بَدر يحيى سكت بقية الفقهاء حتى خرجوا من عنده، فقالوا ليحيى: ما لك لم تُفْتِه بمذهب مالك وهو التخيير بين العتق والإطعام والصيام؛ فقال: لو فتحنا له هذا الباب سَهُل عليه أنْ يَطأ كل يوم ويعتق رقبة، ولكن حَملْتُه على أصعب الأمور؛ لئلَّا يَعُود.
وأما "المرسل": فهو ما لم يُعْلم أن الشرع ألغاه أو اعتبره. وربما سمي ذلك: "المصالح المرسلة". والخلاف فيها محكي عن مالك. وفي كلام ابن الحاجب ما يقتضي انقسام "المرسل" إلى مُرْسَل ملائم ومرسل غريب. أي: إنِ اعتُبر جنسه البعيد في جنس الحكم فهو الملائم، وإلا فهو "الغريب".
فالغريب بهذا التفسير غير الغريب بالتفسير السابق.
قال ابن الحاجب: (فإنْ كان - أيِ المرسل - غريبًا أو ثبت إلغاؤه فمردود اتفاقًا) (^٢).
أي: ولأ يُظَن بمالك أن يخالف فيه.
قال إمام الحرمين: (لا نرى التعلُّق عندنا بكل مصلحة، ومَن ظن ذلك بمالك فقد أخطأ) (^٣). انتهى
نعم، سبق أن ما ثبت إلغاؤه قَسِيم للمرسل، لا قِسم منه، ولا مشاححة في الاصطلاح.
_________________
(١) نِسبة إلى "الربض": موضع بقرطبة.
(٢) مختصر منتهى السؤل والأمل في علمي الأصول والجدل (٢/ ١٠٩٨)، الناشر: دار ابن حزم.
(٣) البرهان في أصول الفقه (٢/ ٧٨٣).
[ ٥ / ١٩٨٣ ]
ثم قال (^١): (وإن كان ملائمًا - أيْ مُرْسَلًا ملائمًا - فقد صرح الإمام والغزالي بقبوله، وذُكِر عن مالك والشافعي) (^٢).
وانتُقِد عليه في نقله عن الشافعي ذلك؛ فإنَّ الذي يعتبره الشافعي إنما هو الذي شهد الشرع باعتباره كما سبق، وبأنَّ الإمام والغزالي لا يُطْلِقان، كما قد صح عن مالك أنه يعتبر جنس المصالح مطلقًا.
ثم قال ابن الحاجب: (المختار ردُّه). أيْ: كما هو مذهب الأكثر.
وحاصل ما في المرسل مِن الخلاف مذاهب:
أحدها: المنع مطلقًا، وعليه الأكثرون. وإليه أشرتُ بقولي: (فَذَاكَ "مُرْسَلٌ" يَكُونُ مُلْغَى).
ويقابل هذا المذهب الثاني: وهو القبول مطلقًا؛ لإفادته ظن العِلية. وهو المنقول عن مالك، وسبق مخالفة ابن الحاجب والأكثرين له.
وبالغ إمام الحرمين في الرد عليه، وقال: (الذي ننكره مِن مذهب مالك تركه رعاية ذلك، وجريانه على استرساله في الاستصواب مِن غير اقتصاد) (^٣).
قال: (ونحن نعرض على مالك واقعة وقعت نادرة لا يُعْهَد مِثلها، ونقول له: لو رأى ذو نظر فيها جدع أنف أو اصطلام شفة، وأبدى رأيًا لا تنكره العقول صائرًا إلى أن العقوبة شُرعت لحسم الفواحش، وهذه العقوبة لائقة بهذه النازلة، لَلَزِمَكَ التزام هذا؛ لأنك تُجَوِّز
_________________
(١) يعني: ابن الحاجب.
(٢) مختصر منتهى السؤل والأمل في علمي الأصول والجدل (٢/ ١٠٩٨)، الناشر: دار ابن حزم.
(٣) البرهان في أصول الفقه (٢/ ٧٣٣).
[ ٥ / ١٩٨٤ ]
لأصحاب [الإيالات] (^١) القتل في التُّهَم العظيمة، حتى نَقل عنك الثقات أنك قلت: "أقتل ثلث الأُمة في استبقاء ثلثيها").
قال: (ثم إنَّا نقول له ثانيًا: لا يجوز التعلق بكل رأي. فإنْ أبَى ذلك، لم نجد مرجعًا نقر [عنده] (^٢) إلا ما ارتضاه الشافعي مِن اعتبار المصالح المشبهة [بما] (^٣) عُلِم اعتباره. وإنْ لم يذكر ضابطًا وصرح بأنَّ ما لا نَص فيه ولا أصل له فهو مردود إلى الرأي واستصحاب ذوي العقول، فهذا اقتحام عظيم، وخروج عن الضبط، ومصير إلى إبطال أبَّهة الشريعة، وأنَّ كُلًّا يفعل ما يرى، ثم يختلف ذلك باختلاف الزمان والمكان وأصناف الخلق، وهو في الحقيقة خروج عما درج عليه الأوَّلون) (^٤). انتهى
والله أعلم، ثم عرضت بذكر باقي المذاهب في المسألة بقولي:
ص:
٨٣٥ - إنْ يَكُنْ في غَيْرِ مَا عِبَادَةْ وَلَيْسَ مِنْ هَذَا لِمَنْ أَرَادَهْ
٨٣٦ - مَصْلَحَةٌ قَطْعِيَّة كلِّيَّهْ مِنَ الضَّرُورِيِّ؛ فَذِي الْمُضِيَّهْ
٨٣٧ - دَلَّ عَلَى اعْتِبَارِهَا الدَّلِيلُ فَهْيَ مِنَ الْحَقِّ، بِهِ نَقُولُ
الشرح: فالمذهب الثالث: التفصيل بين العبادات وغيرها:
فما كان من العبادات فلا يجوز التعليل بالمرسل فيه؛ لِمَا فيها من لحاظ التعبد.
_________________
(١) في (ت): الولايات.
(٢) في (ق): منه. وفي سائر النسخ: عنه. والتصويب من البرهان (٢/ ٧٢٥).
(٣) في (ص، ق): لما.
(٤) البرهان في أصول الفقه (٢/ ٧٢٥).
[ ٥ / ١٩٨٥ ]
وما كان من غير العبادات كبيع ونكاح وحدود وقصاص فيجوز؛ لأنَّ الملاحظ فيها المناسبات اللائحة في مصالحها. وهذا قول الأبياري شارح "البرهان"، وزعم أنه الذي يقتضيه مذهب مالك.
المذهب الرابع: قول الغزالي واختاره البيضاوي: أنه يُعَلَّل به بثلاثة قيود:
أن يشتمل ذلك "المناسب المرسل" على مصلحة ضرورية كلية قطعية، فإنْ فات شيء من الثلاثة فلا يعتبر. فالضرورية ما يكون من الضروريات الخمس السابقة، والقطعية ما يُجْزَم بحصول المصلحة فيها، والكُلية ما تكون موجِبة لفائدة تَعُم المسلمين.
مثاله: ما لو تَتَرس الكفار حال التحام القتال بأسارى المسلمين وقطعنا بأنَّا إنْ رمينا الترس نقتل مسلمًا بلا جريمة صدرت منه، وإلا فيُقطع باستئصال المسلمين.
قال الغزالي: (فحفظ المسلمين أَقْرب إلى مقصود الشرع؛ لانا نقطع بأن الشرع يقصد تقليل القتل كما يقصد حَسْم سبيله عند الإمكان. وإذا لم نَقدر على الحسم فقد قدرنا على التقليل. فليس في معنى اجتماع هذه القيود في هذه الصورة ما لو تترس الكفار في قلعة بمسلم، فإنه لاْ يحل رَمْي الترس؛ إذ لا ضرورة بنا إلى أخذ القلعة.
وليس في معنى ذلك جَمْع في سفينة لو طرحوا واحدًا لَنَجوا وإلا غرقوا جميعًا؛ لأنها ليست كُلية؛ إذ يحصل بها هلاك عدد محصور، ولَعَلَّ مصلحة الدِّين في بقاء مَن طُرِح أَعْظم منها في بقاء مَن بقي في مخمصة لو أكلوا واحدًا بالقرعة لنجوا، فلا رخصة فيه. وكذا ليس في معنى ذلك ما إذا لم يُقْطَع بظفرهم، فإنها ليست قطعية، بل ظنية) (^١).
نعم، قال الغزالي في "المستصفى": (إن الظن القريب مِن القطع كالقطع) (^٢).
_________________
(١) المستصفى (١/ ١٧٦).
(٢) انظر: المستصفى (١/ ١٧٧).
[ ٥ / ١٩٨٦ ]
وقوَّى هذا السبكي في "شرح البيضاوي"، قال: (وقد حكى الأصحاب في مسألة التترس وجهين من غير تصريح منهم باشتراط القطع، وعللوا وَجْه المنع بأن غاية الأمر أن نخاف على أنفسنا، ودم المسلم لا يباح بالخوف. وهذا تصريح بجريان الخلاف في صورة الخوف ولا قاطع. وقد يقال: إنَّ المسألة في حالة القطع مجزوم باعتبارها، والخلاف إنما هو في حالة الخوف) (^١).
تنبيهان
الأول: هذه المسألة التي فيها القيود الثلاثة زعم الإمام الرازي والآمدي وجمع أنها لا بُدَّ مِن إخراجها من المصالح المرسلة التي يمنعها الشافعي وغيره، فقالوا: إن الشافعي لم يَقُل بالمرسل إلا في هذه المسألة.
ولكن الحقّ أن هذه ليست من ذلك أصلًا؛ لأنَّ "المرسَل" هو ما لم يدل دليل على اعتباره ولا إلغائه. وهذه دَلَّ الدليل فيها على الاعتبار؛ لأنَّ الكَف عن دم معصوم قد عارضه أنَّ في الكف عنه إهلاك دماء معصومة لا حَصْر لها، وربما يُسْفك الدم الذي كففنا عنه معهم.
ونحن نَعلم أنَّ الشرع يُؤْثِر حِفظ الكُلي على الجزئي، وأنَّ حِفظ أصل الإسلام عن اصطلام الكفار أَهَم في مقصود الشرع؛ فرجعت المصلحة فيه إلى حِفظ مقصود شرعي عُلِم كَوْنه مقصودًا بالنَّص أو بالإجماع، فليس هذا خارجًا مِن الأصول، لكنه لا يسمى "قياسًا" بل "مصلحة مرسلة"؛ إذ القياس إنما يكون على أصل مُعَيَّن، ولكن هذه المعاني لَمَّا كانت مقصودة عُرِفت بأدلة كثيرة من الكتاب والسنة وقرائن الأحوال سُميت "مصلحة مرسلة".
قال الغزالى: (وإذا فَسَّرنا المصلحة بالمحافظة على مقصود الشرع، فلا وجه للخلاف
_________________
(١) الإبهاج في شرح المنهاج (٣/ ١٧٨ - ١٧٩).
[ ٥ / ١٩٨٧ ]
فيها، بل نقطع بكونها حُجة. وحيث جاء خلاف فهو عند تَعارض مصلحتين ومقصودين، فيرجح الأقوى؛ ولذلك قطعنا بكون الإكراه مبيحًا لكلمة الكفر وللشرب؛ لأنَّ الحذر مِن سفك دم أشد مِن هذه الأمور، ولا يُباح به الزنا؛ لأنه في مثل محذور الإكراه) (^١).
وإلى كَوْنه لا يُستثنى مِن المناسب المرسل أشرتُ بقولي: (وليس مِن هذا) إلى آخِر الأبيات.
الثاني:
نشأ من تقييد هذه المسألة بالقيود الثلاثة مسائل فيها الخلاف:
منها: "ضرب المتهم؛ لِيمر بالسرقة إنْ كان سرق" فيه مصلحة، قال به مالك، ونحن نمنع؛ لمعارضة هذه المصلحة لمصلحة المضروب؛ إذ قد يكون بريئًا. وترك الضرب في المُذْنِب أَهْوَن مِن ضرب البريء ولو لَزِمَ منه مصلحة عامة وهي أنْ لا يُفتح باب يَعْسُر معه انتزاع الأموال، فإنَّ الضرب فتح باب لتعذيب البريئين.
ومنها: الزنديق [المُتستر] (^٢) إذا تاب، المصلحة في قتله وأنْ لا تُقبَل توبته. وبه قال مالك، لكن الأصح عندنا القبول؛ لقوله - ﷺ -: "أُمرت أنْ أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله. فإذَا قالوها، عصموا مني دماءهم وأموالهم" (^٣).
وتأويله بغير الزنديق تأويل بلا دليل، ويعارض مصلحة قتله وعدم قبول توبته بِنفرة مَن يريد التوبة مِن الإسلام؛ لأنه يقول: لا يعصمني من القتل. و[ينتشر] (^٤) ذلك
_________________
(١) المستصفى (١/ ١٧٩).
(٢) كذا في (ش)، لكن في (ص): المستسر. وفي (ق): المستستر. وفي (ت، س): المصر. وفي (ض): المسر.
(٣) صحيح البخاري (رقم: ٢٥)، صحيح مسلم (رقم: ٢١).
(٤) في (س، ت): ينسدّ.
[ ٥ / ١٩٨٨ ]
ويستعينون بالهرب وبالحرب. هذا ما نَص عليه الشافعي في "المختصر"، وقطع به العراقيون، وصححه المتأخرون. وخالف فيه بعض الأصحاب، ووافقهم الروياني.
وقيل: لا تُقبل مِن المتناهين في الخبث، كدعاة الباطنية. قاله القفال.
وقيل: إنْ أُخِذ لِيقتل فتاب، لا تُقبل توبته. وإنْ جاء تائبًا، قُبِلَت. قاله الأستاذ أبو إسحاق.
وقيل: لا تُقبل إنْ تكررت رِدته. قاله أبو إسحاق المروزي.
وفروع الباب كثيرة، والمدارك فيها شهيرة، وفي هذا القدر هنا كفاية. والله أعلم.
ص:
٨٣٨ - وَالْمُفْسِدُ اللَّازِمُ لِلْمُنَاسِب يَخْرُمُ غَيْرَ رَاجِحِ التَّنَاسُبِ
الشرح:
لَمَّا سبق أنَّ المناسب تثبت عِليته إذا اعتبره الشرع لا ما إذا ألغاه أو لم يعتبره ولم يَلْغِه، بينتُ هنا أنه هل تنخرم مناسبته بأنْ يشتمل على مفسدة معارِضة لِمَا فيه مِن المصلحة؛ أو لا؟
فقلتُ: إنها تنخرم في مَحَلَّين: أن تكون المفسدة راجحة على تلك المصلحة، أو مساوية. وهُما داخلان تحت قولي: (غَيْرَ رَاجِحِ التّنَاسُبِ). أي: أما إذا كانت المصلحة التي في "المناسب" راجحة على المفسدة، فلا خلاف أنها لا تنخرم، كما لو لم تكن مفسدة أصلًا.
والانخرام بالمفسدة الراجحة والمساوِية هو ما اختاره ابن الحاجب والصفي الهندي من المذهبين في المسألة، وهو الراجح. والإمام الرازي وأتباعه - كالبيضاوي - رجحوا الثاني، وهو عدم انخرام المناسبة بذلك.
[ ٥ / ١٩٨٩ ]
والمراد بالانخرام أن لا يُعمل بالوصف في التعليل، لا أنَّ المصلحة التي اشتمل عليها تزول بوجود المفسدة، فيكون تَخَلّف التعليل به لِمَانِع، لا لعدم المقتضِي.
ومَن قال: (لا تنخرم) يقول: إنَّ هذا ليس بمانع. وإنما كان القول بالانخرام راجحًا؛ لأنَّ دَرْءَ الفاسد مُقَدَّم على جَلْب المصالح عند التعارُض. ويدل له أن العقلاء يعدُّون فِعل ما فيه مفسدة مُساوية لمصلحة عَبَثًا وسفهًا، كمَن سلك مَسْلكًا يُفَوِّت درهمًا ويُحَصِّل آخر مِثله أو أَقَل منه.
قلت: قد سلك الفقهاء ذلك في مسائل ولم يعدُّوه عبثًا حتى يمتنع، فقالوا: إنَّ رهن الولي ونحوه شيئًا يساوي مائة على ثمن شيء يشتريه لموليه يساوي مائتين بمائة مؤجلة جائز؛ لأنَّ ذلك الرهن إذا تلف عند المرتهن والفرض أنه لا ضمان عليه فيه يسلم له الشيء المشترى بمائة وهو يساوى مائتين، فلم يَفُت على المولى شيء. فهذا عرَّض الرهن - الذي بمائة - للتلف بحصول مائة زائدة في المبيع، إلا أنْ يُجاب بأنَ المفسدة فيه ليست محُقَّقة، بخلاف مسألتنا.
ومما رُتِّب على القول بخرم المناسبة بذلك لو كان للبلد الذي يقصده المسافر طريقان يقصر في أحدهما ولا يقصر في الآخَر، فسلك الأبعد لغير غرض، لم يَقْصر في أصح القولين؛ لأن المناسب - وهو السفر البعيد - عُورِض بمفسدة وهو العدول عن الأقرب لا لمعنى، بل كأنه حَصر قَصْده في أنْ يُفَوِّت ركعتين مِن الرباعية في مُدة ذلك. وفي معنى ذلك أنْ يدخل المسجد وقت الكراهة بقصد تحية المسجد، أو يقرأ آية سجدة في الصلاة ليسجد، أو نحو ذلك.
واعلم أن اشتراط الترجيح في تحقيق المناسبة بتحقيق المانع المعارِض مع وجود المقتضِي فلا بُدَّ له مِن الاعتراف بالمناسبة، سواء أكانت المصلحة مرجوحة أو مساوية، وإلا لكان انتفاء الحكم لِانتفاء المناسبة، لا لِوجود المانع المعارِض. والله أعلم.
[ ٥ / ١٩٩٠ ]
ص:
٨٣٩ - وَالسَّادِسُ: الَّذِي يُسَمَّى "شَبَهَا" بَيْنَ مُنَاسِب وَطَرْب أَشْبَهَا
٨٤٠ - مُعْتَبَرٌ إنْ فُقِدَ الْمُنَاسِبُ أَعْلَاهُ إنْ رُتبتِ الْمَرَاتِبُ
٨٤١ - هُوَ قِيَاسُ "غَلْبَةِ (^١) الْأَشْبَاهِ" حُكْمًا وَوَصْفا، بَعْدهُ يُبَاهِي
٨٤٢ - مَا كَانَ صُوريًّا، وَأَمَّا السَّابعُ فَ "الدَّوَرَانُ": الِاقْتِرَانُ الْوَاقِعُ
٨٤٣ - لِلْحُكْمِ مَعْ وَصْفٍ، إذَا مَا يُوجَدُ يُوجَدُ، وَالْعَكْسُ، وَظَنّا يُوجِدُ
الشرح:
السادس مِن مسالك العلة: "الشَّبَه" بفتح الشين المعجمة والباء الموحدة، أصل معناه: المشبه. يقال: هذا شَبَه هذا وشِبْهه (بكسر الشين وسكون الباء) وشبيهه. كما تقول: مَثَله ومثْله ومَثِيله. وهو بهذا المعنى يُطلق على كل قياس؛ لأن الفرع لا بُدَّ أن يُشْبه الأصل. لكن غلب إطلاقه في الاصطلاح الأصولي على هذا النوع الآتي بيانه.
لكن إنْ أُريدَ الذي دَلَّ على العلة فهو مصدر أو اسم مصدر، وإنْ أريد نفس العلة فهو وصف بمعنى المشبه.
ولهم في تفسيره حينئذٍ عبارات:
إحداها: أنه وَصْف يُشبه المناسب في إشعاره بالحكم لكن لا يساويه، بل دُونه، ويشبه الطردي في كونه لا يقتضي الحكم بمناسبة بينهما.
_________________
(١) في (ت): غلبة. وفي (س): علبة. وفي سائر النُّسَخ: علة. وقد جَعَلْتُ اللام ساكنة؛ ليصح الوزن، وفي "تاج العروس من جواهر القاموس، ٣/ ٤٨٩": ("الغَلْب" بفَتْح فَسُكُون، ويُحرَّك وَهِيَ أَفْصَح).
[ ٥ / ١٩٩١ ]
فهو بين المناسب والطردي، وهو معنى قولي: (بَيْنَ مُنَاسبٍ وَطَرْدٍ). أي: طردي. وإنما حذفت الياء منه مسامحةً؛ لأنه مُقابِل للمناسب، فيُعْلَم أنه طَرْدي، لا طرد. فإنَّ معنى "الطرد" بدون "ياء" سيأتي تفسيره بِغَير الطردِي. وسيأتي أيضًا تفسير "الطردي".
ومعنى قولي: (أَشْبَهَا) أي: أَشْبَه كُلًّا منهما.
والحاصل أن "الشَّبَه" مَنزله بين منزلتين، فهو يشبه المناسب الذاتي من حيث التفات الشرع إليه، ويُشبه الوصف الطردي مِن حيث إنه غير مناسب.
فهو يتميز عن "المناِسب" بأنه غير مناسب بالذات، وبأنَّ مناسبة المناسب عقلية وإنْ لم يَرِدْ شرْع، كالإسكار في التحريم، بخلاف الشَّبَه. ويتميز عن الطردي بأنَّ وجود الطردي كالعدم، بخلاف الشَّبَه، فإنه يُعتبر في بعض الأحكام. وسيتضح ذلك بالأمثلة.
الثانية: وبها قال القاضي أبو بكر وقضية ما في "البرهان" لإمام الحرمين: أنَّ الوصف المقارِن للحكم إنْ ناسَبَه بالذات فهو "مناسب"، كالسكْر للتحريم، أو بِالتبع -أيْ بالالتزام- فهو "الشَّبَه"، كالطهارة لاشتراط النية، فإنَّ الطهارة من حيث هي لا تناسب اشتراط النية، إنما تناسبه مِن حيث إنها عبادة.
فإن لم يناممبه مطلقًا فهو "الطرد"، وهو حُكم لا يعضده معنى ولا شَبَه، كقول بعضهم: الخل مائع لا تبنى القنطرة على جِنسه، فلا تُزال به النجاسة كالدهن. فكأنَّ عِلة إزالة النجاسة بالماء أنه تُبنى القنطرة على جِنسه. فالماء القليل وإنْ لم تُبْنَ عليه القنطرة لكن تُبْنَى على جنسه.
ونحو ذلك: قول مَن يرى طهورية [المستعمل] (^١): ما تُبنى القنطرة على جنسه فجازت الطهارة به؛ قياسًا على غير المستعمل. فبناء القنطرة في ذلك لا مناسبة فيه، ولا معنى له، بل
_________________
(١) في (ت): المستعمل هنا.
[ ٥ / ١٩٩٢ ]
أمر طردي.
فحاصل تفسير القاضي للشَّبَه أنه وَصْف مُقارِن للحكم مُناِسبٌ له بالتَّبع. أو يقال: مُستلْزِم لِمَا يناسبه. هذا ما نُقل عن القاضي، لكن الذي في "مختصر التقريب والإرشاد" أنَّ "قياس الشَّبَه" هو: إلحاق فرع بأصل؛ لكثرة أشباهه للأصل في الأوصاف مِن غَيْر أنْ يُعتقد أنَّ الأوصاف التي شابَهَ الفرعُ فيها الأصلَ عِلةُ حُكمِ الأصل.
الثالثة: أن الوصف الذي لا يناسب الحكم إنْ عُلِم اعتبار جنسه القريب في جنس الحكم القريب فهو "الشَّبه"؛ لأنه مِن حيث كونه غير مناسب يُظن عدم اعتباره، ومِن حيث إنه عُرِف تأثير جنسه القريب في الجنس القريب للحكم مع أنَّ غيره مِن الأوصاف ليس كذلك يُظَن أنه أَوْلَى بالاعتبار؛ فتَردَّد بين أن يكون معتبرًا أو لا.
وإنْ لم يُعْلم اعتبار جنسه القريب في الجنس القريب للحكم فهو الطرد.
مثال الشبه: إيجاب المهر بالخلوة على القول القديم للشافعي، فإنَّ الخلوة لا تناسب وجوب المهر؛ لأن وجوبه في مقابلة الوطء إلا أنَّ جنس هذا الوصف - وهو كون الخلوة مظنة الوطء - مُعتبَر في جنس الوجوب وهو الحكم بتحريم الخلوة بالأجنبية.
الرابعة: أنَّ "الشبه" هو: الوصف الذي لا تظهر فيه المناسبة بعد البحث التام، ولكن أُلِفَ مِن الشرع الالتفات إليه في بعض الأحكام، فهو دُون المناسب وفوق الطردي؛ فلذلك سُمي "شبهًا"؛ لِشبهِهِ لكل منهما.
وذلك كقول الشافعي في إزالة النجاسة: طهارة تُراد لأجل الصلاة، فلا تجوز بغير الماء، كطهارة الحدث. فإنَّ الجامع هو الطهارة، ومناسبتها لِتَعَيُّن الماء فيها بعد البحث التام غير ظاهرة. وبالنسبة إلى كون الشارع اعتبرها في بعض الأحكام -كمس المصحف والصلاة والطواف- يُوهِم اشتمالها على المناسب.
[ ٥ / ١٩٩٣ ]
وهذا القول نقله الآمدي عن أكثر المحققين، وهو الأقرب إلى قواعد الأصول. وهذا قريب مِن العبارة الأُولى، بل العبارات كلها عند التأمل تكاد أن تتحد.
وإنما قصدنا بذلك زيادة الإيضاح بتكرار معنى "الشَّبَه" بعبارات مختلفة. وقد قال إمام الحرمين: إنه لا يتحرر فيه عبارة مستمرة في صناعة الحدود.
قولي: (مُعْتَبرٌ) إلى آخِره هو "خبر" المبتدأ وهو "الَّذِي يُسَمَّى".
والغرض بذلك أنه إذا عُرف معنى "الشَّبه" فهل يجوز التعليل به؟ أولا؟
فيه مذاهب:
أرجحها المنقول عن الشافعي: نعم، لكن بشرط أن لا يكون هناك وصف مناسب يُعَلَّل به. فقد قال القاضي في "التقريب": أجمع الناس على أنه لا يُصار إلى قياس الشَّبه مع إمكان قياس العِلة. فالخلاف إنما هو فيما تَعذَّر فيه قياس العلة ولم يوجد إلا الوصف الشبهي؛ فيكون علة. وكان قدماء أصحابنا يستعملونه في المناظرات.
قال ابن السمعاني: (وقد أشار الشافعي إلى الاحتجاج به في مواضع مِن كُتبه، كقوله في إيجاب النية في الوضوء كالتيمم: طهارتان، فكيف تفترقان؟) (^١). وغير ذلك.
ودليل الاحتجاج به أنه يفيد ظن وجود العلة، أمَّا على القول بأن له مناسبة ما فظاهر، وأمَّا على الباقي فلأنه لا بُدَّ للحكم مِن علة؛ لأنه لا يُشرع إلا لحكمة، وتلك العلة إما هذا الوصف أو غيره، وا لأصل عدم غيره؛ فتعَيَّن.
المذهب الثاني: وهو قول القاضي أبي بكر والصيرفي وأبي إسحاق المروزي والشيخ أبي إسحاق الشيرازي وأبي زيد الدبوسي وغيره مِن الحنفية: أنه ليس بحجة. لكنه عند القاضي
_________________
(١) قواطع الأدلة في أصول الفقه (٢/ ١٦٥).
[ ٥ / ١٩٩٤ ]
صالح لأنْ يُرَجَّح به كما ذكره في "باب ترجيح العلل" من "التقريب"، وقال: إن اعتبار الشَّبه يؤثَر عن الشافعي، ولا يكاد يصح عنه مع عُلو رُتْبَتِه في الأصول.
وجنح الشيخ أبو إسحاق الشيرازي إلى حمل ما نُقل عن الشافعي مِن ذلك على الترجيح، وقال: إنما أراد الشافعي ترجيح إحدى العِلتين في الفرع؛ لكثرة الشَّبه.
الثالث: أنَّ الشَّبه إنما يُحتج به في التعليل إذا كان في قياس فرع قد اجتذبه أصلان، فَيلْحَق بأحدهما [بِغَلَبَة] (^١) الأشباه، ويسمونه "قياس [غَلَبَة] (^٢) الأَشْبَاه"، وهو ما يدل عليه نَص الشافعي في "الأُم" الآتي ذِكره بعد ذلك. لكن على القول الأول إنما يكون هذا أرجح أقسام الشَّبه، لا أنَّ اعتباره مُتَعَين.
نعم، على القول بأنَّ الشَّبه حُجة خِلاف آخَر وهو أنَّ الشافعي يعتبر المشابهة في الحكم؛ ولهذا أَلحقَ العبد المقتول بسائر الأموال المملوكة في لزوم قيمته على القاتل بجامع أنَّ كلَّ واحدٍ منهما يُباع ويُشترى.
ومن أمثلته: أنْ نقول في الترتيب في الوضوء: عبادة يُبْطِلها الحدَث؛ فكان الترتيب فيها مستحقًّا، أَصْلُه الصلاة. فالمشابهة في الحكم الذي هو البطلان بالحدَث، ولا تَعَلُّق له بالترتيب، وإنما هو مجرد شبه.
ومنها: الأخ لا يستحق النفقة على أخيه؛ لأنه لا تحرم منكوحة أحدهما على الآخَر؛ فلا يستحق النفقة، كقرابة بَنِي العَم.
واعتبر أبو بشر إسماعيل بن إبراهيم بن عُليَّة المشابهة في الصورة دون الحكم، كقياس الخيل على البغال والحمير في سقوط الزكاة. وقياس الحنفية في حرمة اللحم، وكَرَدِّ وطء
_________________
(١) في (ص، ق، ش): بعلة.
(٢) في (ص، ق، ض): (علة). وقد يمرر ذلك في مواضع تأتي، فَلَم أُنبِّه عليه.
[ ٥ / ١٩٩٥ ]
الشبهة إلى النكاح في سقوط الحد ووجوب المهر؛ لشبهه بالوطء في النكاح في الأحكام. ويقتضى ذلك قتل الحر بالعبد كما يقول أبو حنيفة؛ ولهذا نقل عنه إمام الحرمين في "البرهان" كابن عُليَّة، وقال: إنه ألحقَ التشهد الثاني بالأول في عدم الوجوب، فقال: تشهُّد؛ فلا يجب، كالتشهد الأول.
ونحو ذلك عن أحمد، إذ قال بوجوب الجلوس للتشهد الأول؛ لأنه أحد الجلوسين في تشهد الصلاة؛ فوجب، كالجلوس الأخير.
وقال الإمام الرازي: (المعتبَر حصول المشابهة فيما يُظَن أنه مُستلزِم لِعِلَّة الحكم، أو أنه عِلة للحكم، سواء أكانت المشابهة في الصورة أو المعنى) (^١).
ثم الذين قالوا بِعِلية الشبه في الحكم وفي الصورة اختلفوا أَيُّهما أَوْلى؟
فقيل: الشبه في الحكم أَوْلى. وقيل: هو والصوري سواء.
فيتلخص - عند عدم قياس العلة - في الشَّبه سبعة مذاهب:
- البطلان مطلقًا.
- اعتباره في الحكم ثُم في الصورة.
- اعتباره فيهما سواء.
- اعتباره في الحكم فقط.
- في الصورة فقط.
- فيما يُظَن استلزامه للعلة.
- في قياس "غَلَبة الأشباه" فقط، وهو ظاهر نَص الشافعي. إذ قال في "الأم" في "باب
_________________
(١) المحصول في أصول الفقه (٥/ ٢٧٩).
[ ٥ / ١٩٩٦ ]
اجتهاد الحاكم" ما نَصه: والقياس قياسان، أحدهما: أن يكون في معنى الأصل، فذلك الذي لا يحل لأحد خِلافُه. ثم قياس الشبه أنْ يشبه الشيء بالشيء مِن الأصل، والشيء مِن الأصل غيره، فيشبه هذا بهذا الأصل، ويشبه غيره بالأصل غيره.
قال الشافعي: (وموضع الصواب فيه عندنا - والله أعلم - أنْ ينظر، فأيهما كان أَوْلى بشبهِه صَيَّره إليه، إنْ أَشْبَه أحدهما في خصلتين والآخَر في خصلة، ألحَقَه بالذي هو أَشْبَه في خصلتين) (^١). انتهى
فلذلك أوجب الشافعي القيمة في قتل العبد بالغة ما بلغت؛ لأنه يشبه الأموال في أكثر الأحكام ويشبه الأحرار في قليلٍ منها؛ فوجب اعتبار الكثرة.
وحينئذٍ فإذا رتبت أنواع الشَّبه عند القائل باعتباره مطلقًا، فأعلاها قياس غلبة الأشباه إذا كان في الحكم، ثم إذا كان في الصفة، ثم إذا كان في الصورة.
وإلى ذلك أشرتُ بقولي في النَّظم بعد قِيَاس "غَلْتةِ الْأَشْبَاهِ": (حُكْمًا)، أي: فهو المقدَّم.
وقولي: (وَوَصْفًا، بَعْدَهُ) أي: بعد الحكمي.
وقولي: (يُبَاهِي) - جملة حالية، أي: حال كون هذا الذي يشابه في الوصف يباهي ما كان صوريًّا.
نعم، الشافعي - كما سبق - لا يقول بالشَّبَه الصوري كما بيَّنه ابن برهان وغيره، وكذا نقله ابن السمعاني عن أصحابنا.
_________________
(١) الأم (٧/ ٩٤).
[ ٥ / ١٩٩٧ ]
تنبيهات
أحدها:
مما يدور بين أصلين فيكون من قياس غلبة الأشباه: الظهار، فإنه لفظ محرم معدود من الكبائر، لكنه دائر بين القذف والطلاق، فيتفرع من ذلك ما لو قال: (أنتِ علَيَّ كعين أمي). فإنْ أراد الكرامة فليس بظهار، أو الظهار فظهار على المذهب. أو أطلق فَعَلَى أيهما يُحْمَل؟ وجهان، أرجحهما: يُحمل على الكرامة. ويتجه أن حالة الإطلاق مترددة بين مشابهة الطلاق والقذف، فقضية مشابهته للطلاق أنْ يُحمل على الظهار؛ لأنه كان طلاقًا في الجاهلية. وقضية مشابهته للقذف أنْ يُحمل على الإكرام؛ وذلك لأنه لو قال: (عينك طالق)، طلقت. ولو قال: (زَنَتْ عَيْنك)، لم يكن قذفًا.
ومنه: زكاة الفطر مترددة بين المؤنة والقُرْبة، ويبنى عليه فروع في بابها.
ومنه: الكفارة مترددة بين العبادة والعقوبة.
ومنه: الحوالة مترددة بين الاستيفاء والاعتياض.
ومنه: المسابقة مترددة بين الإجارة والعارَّية.
ومنه: اللعان متردد بين اليمين والشهادة، وينبني عليه لعان الذمي والرقيق. والصحيح الصحة فيهما.
ومنه: الجنين يُشبه الجزء والمنفرد. فإذا قال: (بِعْتكها إلا حملها)، فعَلَى الأول باطل كما لو استثنى جزءًا، وعلى الثاني صحيح كما لو قال: (بِعْتُك الاثنين إلا هذا).
الثاني:
بَنَى القاضي قياس الشَّبه على أنَّ المصيب مِن المجتهدين واحد؟ أو الكل؟ فعَلَى الأول
[ ٥ / ١٩٩٨ ]
يبطل قياس الشبه، وعلى الثاني صحيح؛ لأنَّ كل مجتهد مأمور باتِّباع ما غلب على ظنه.
[فكان] (^١) القاضي يقول: إنَّ رَدَّ قياس الشَّبه ليس قطعيًّا، بل بالظن.
ولكن مقتضَى كلام إمام الحرمين أنه لا يوافقه على ذلك.
نعم، في البناء على ذلك نَظَر ظاهر.
الثالث:
قال القاضي أبو حامد المروروذي في أصوله: إنَّا لا نعني بقياس الشبه أن يشبه الشيء بالشيء مِن وَجْه أو أكثر؛ لأنه ليس في العالم شيء إلا وهو يُشْبه شيئًا آخَر مِن وَجْه أو أكثر، لكن نعني أنه لا يوجد شيء أَشْبَهَ به منه. فلا يوجد شيء أَشْبَه مِن الوضوء بالتيمم؛ فَيُلْحَق به، وأكثرَ أصحابنا من الاحتجاج به.
قال: لإفادته الظن كما في أصل قياس العِلة، فإنه إنما احْتُجَّ به لإفادته الظن.
واعترض ذلك الأبياري بأنه قياس في الأصول؛ فلا يُسْمَع.
وجوابه: أنه لم يحتج بنفس القياس، بل استند به إلى تكليف الشارع بما غلب على الظن كما في القياس ونحوه، فالمدار على الضرورة؛ لأنَّ النصوص لا تَفِي بالحادثات، وقياس العِلة قد لا لفي بغير المنصوص.
الرابع:
قال ابن الحاجب: (إنَّ عِليَّة الشَّبَه تثبت بجميع مسالك العِلة) (^٢).
أي: مِن نَص أو إجماع أو غيرهما. أي: بأنْ يدل على اعتبار هذا الوصف في بعض
_________________
(١) كذا في جميع النّسخ، ويحتمل: فكَأنَّ.
(٢) مختصر منتهى السؤل والأمل في علمي الأصول والجدل (٢/ ١١٠٢).
[ ٥ / ١٩٩٩ ]
الأحكام، فيكون ذلك مرشدًا إلى اعتباره في هذا الحكم.
قال: (وفي إثباته بـ "تخريج المناط" - أيِ [المناسب] (^١) - نَظَر) (^٢).
قيل: والحقُّ أنه لا يثبت؛ لأنَّ المناسب قسيم الشَّبه، فكيف يثبت به؟ !
قلت: إنْ كان المراد - وهو الظاهر- بِـ "دلالة مسالك العلة" أنْ يدل على اعتبار ذلك الوصف في بعض الأحكام لا في ذلك الحكم كما قررناه، فالكل في ذلك سواء.
ويظهر أن هذا إنما هو على تفسير الشَّبه بأنه الذي اعتُبر جنسه القريب في جنس الحكم كما سبق بيانه.
وأما السابع مِن مسالك العلة:
فهو "الدوران"، وسَّماه الآمدي وابن الحاجب "الطرد والعكس"؛ لكونه بمعناه كما ستعرفه.
وهو: أنْ يوجَد الحكم - أيْ تَعَلُّقه - عند وجود وَصْف، وينعدم عند عدمه. ويُسمَّى ذلك الوصف حينئذٍ "مدارًا" والحكم "دائرًا".
ثم إنَّ الدوران إما في محل واحد: كالإسكار في العصير، فإنَّ العصير قبل أنْ يوجد كان حلالًا، فلَّما حدث الإسكار حرم، فلمَّا زال الإسكار وصار خلًّا، صار حلالًا.
وإما في محلَّين: كالطعم مع تحريم الربا، فإنه لما وجد الطعم في التفاح، كان رِبَوِيًّا، ولَمَّا لَمْ يوجد في الحرير -مثلًا- لم يكن ربويًّا.
وإنما قلنا: (عند وجود وصف) ولم نَقُل: (بوجود)؛ لأنَّ الإمام فخر الدين في "الرسالة
_________________
(١) في (ص، ق): لا لمناسب.
(٢) مختصر منتهى السؤل والأمل في علمي الأصول والجدل (٢/ ١١٠٣).
[ ٥ / ٢٠٠٠ ]
البهائية" زَيَّفَ ذلك بأنَّ الباء تُشْعِر بالعِلية، فكيف يُستدل به على عِلية الوصف لثبوت الحكم؟
ولا قُلنا: (مع وجود)، لانتقاضِه [بالمتضايفين] (^١)، فإنه يوجد أحدهما مع وجود الآخَر وينتفي [مع انتفائه] (^٢)، وليس أحدهما عِلة في الآخَر
ولكني لَمَّا عبَّرتُ في النَّظم بـ "مَعْ" قيدتُه بقولي بعده: (إذَا مَا يُوجَدُ يُوجَدُ)، فيكون وجوده عِلة في وجوده بحسب حدوثه عند حدوثه وعدمه عند عدمه.
وقولي: (وَظنًا يُوجِدُ) هو بكسر الجيم مضارع "أَوْجد". ومفعول "يوجِد" قولي قَبله: (ظَنًّا).
والمراد أنَّ الدوران مفيد ظن العِلية، لا القطع. وهذا أرجَح المذاهب في المسألة، وهو ما عليه الأكثرون، كإمام الحرمين وغيره، وهو ما سلكه الجدليون، واختاره الإمام الرازي وأتباعه. وأصحابنا العراقيون مشغوفون بإثبات العِلل به حتى كاد القاضي أبو الطيب أنْ يَدَّعِي فيه القَطْع.
الثاني: أنه يفيد القَطعْ بالعِلة. وعليه بعض المعتزلة، وربما قيل: لا دليل فَوْقه.
قيل: ولَعل مَن ادَّعَى القَطعْ إنما هو مَن يشترط ظهور المناسبة في قياس العِلل مطلقًا ولا
_________________
(١) جاء في (التعريفات، ص ٢٧٩): (المتضايفان: هما المتقابلان الوجوديان اللذان يُعْقَل كل منهما بالقياس إلى الآخر، كالأبوة والبنوة؛ فإن الأبوة لا تُعْقَل إلا مع البنوة، وبالعكس). وفي (المعجم الوسيط، ١/ ٥٤٧): ("الْإِضَافَة". . عِنْد الحكَمَاء: نِسْبَة بَين شَيْئَيْنِ، يَقْتَضِي وجودُ أَحدِهمَا وجودَ الآخَر، كالأبوة والبنوة، والأخوة، والصداقة. "التضايف": الْإِضَافَة بمعناها عِنْد الحكَمَاء، وَيُسمى مَا بَينهمَا تِلْكَ النِّسْبَة: "متضايفين").
(٢) كذا في (ص، ق)، لكن في (س): بانتفائه.
[ ٥ / ٢٠٠١ ]
يكتفي بالسبر ولا بالدوران بمجرده، وعلى ذلك جمهور أصحابنا. فإذا انضم الدوران إلى المناسبة، ارتقَى بهذه الزيادة إلى اليقين، وإلا فأيّ وَجْه لِتَخَيُّل القَطعْ في مُجَرد الدوران.
الثالث: وعَلَيْه أكثر المعتزلة، وهو اختيار ابن السمعاني والغزالي والآمدي وابن الحاجب: أنه لا يفيد بمجرده ظنًّا ولا قطعًا. أيْ: لا يفيد ظن العِلية ولا القطع بها، لا أنه لا يفيد الحكم. بل قد يثبت الحكم بالدوران، بل وبالطرد وحده كما سيأتي في "باب الأدلة المختلف فيها" في الكلام على الاستدلال في التلازُم الذي أشار إليه ابن الحاجب.
احتجَّ مَن قال بإفادته العِليَّة ظنًّا بأنَّ الحكم لا بُدَّ له مِن عِلة، وغير المدار ليس بعلة؛ لأنه إنْ كان موجودًا قَبْل الحكم، لَزِمَ تَخلُّف الحكم عن العِلة، وإنْ لم يكن موجودًا قبله، لم يكن عِلة لذلك الحكم إذ ذاك، والأصل بقاؤه على ما كان عليه مِن عدم عِليته؛ فيغلب على الظن أنَّ المدار هو العلة.
وأما مَن أَبْطَله بأنَّ الطرد لا يؤثر والعكس لا يُشترط: فجوابه أنه يترتب على المجموع ما لا يكون عند الانفراد.
وزاد في "جمع الجوامع" - هنا - أنه لا يلزم المستدِل نَفْي ما هو أَوْلى منه، وأنه إذا أَبْدَى المعترِض وصفًا آخَر، ترَجَّح جانب المستدِل بالتعدية. ولكن هذا - مع كونه مِن مباحث الجدل - لا [يختص] (^١) بالوصف الذي أثبته المستدِل بالدوران.
تنبيه:
مما استُدِل على عِليته بالدوران طهارة الكلب عند المالكية، فقالوا: عِلة الطهارة الحياة، والكلب حَيٌّ. دليل كَوْن الحياة عِلةًا لدوران، أنَّ الشاة ما دامت حية طاهرة، فإذا زالت
_________________
(١) في (ت): يحسن.
[ ٥ / ٢٠٠٢ ]
الحياة، نجست.
فاعتُرض عليهم بأنَّ المذكَّى والمدبوغ طاهران ولا حياة فيهما.
فأجابوا بأنَّ العِلل الشرعية يخلف بعضها بعضا، فخلف الحياة الذكاة والدباغ.
فَرُدَّ عليهم بالسمك والجراد إذا ماتَا طاهران ولا تُحال طهارتهما على شيء آخَر يخلف الحياة. والله تعالى أعلم.
ص:
٨٤٤ - وَالثَّامِنُ: "الطَّرْدُ" بِأَنْ يُقَارِنَا وَصْفٌ لِحُكْمٍ، فَإذَا مَا قَارَنَا
٨٤٥ - قَوَّى، وَلَيْسَ عِلَّةً لِلنَّاظِرِ يُفِيدُهُ أَصْلًا، وَلَا الْمُنَاظِرِ
الشرح:
مما ذكر مِن مسالك العلة - وهو الثامن منها - المسمَّى بـ "الطرد" وهو: مقارنة الحكم للوصف وليس مناسِبًا لا بالذات ولا بالتَّبع كما سبقت الإشارة إليه في كلام القاضي. وإنما لم أقيده في النَّظم بنفي المناسبة؛ لأنه معلوم مما سبق قبله في المناسب والشبه.
مثاله: قول بعضهم في إزالة النجاسة بنحو الخل: مائع لا تُبْنَى القنطرة عليه؛ فلا تُزال به النجاسة، كالدهن.
وقول بعضهم في عدم نقض الوضوء بمس الذكر: طويل ممشوق؛ فلا ينقض مَسه الوضوء، كالبوق.
وقول بعضهم في طهارة الكلب: حيوان مألوف له شعر كالصوف؛ فكان كالخروف.
واعْلَم أن المقارنة لها ثلاثة أحوال:
إحداها: أنْ يُقارِن في جميع الصوَر. وبه يُشْعِر كلام "البديع" وغيره بتصوير الطرد به،
[ ٥ / ٢٠٠٣ ]
حيث قالوا: إنه وجود الحكم عند وجود الوصف. وعَليه جرى في "جمع الجوامع".
والثانية: المقارنة فيما سوى صورة النزاع. وهو الذي عزاه في المحصول للأكثرين، وجرى عليه البيضاوي. فيثبت حينئذٍ الحكم في صورة النزاع؛ إلحاقًا للفَرد بالأَعَم الأغلب، فإنَّ الاستقراء يدل على إلحاق النادر بالغالب.
ولكن هذا ضعيف؛ فقد يُمْنَع أنَّ كل نادر يلْحَق بالغالب؛ لِمَا يَرِد عليه مِن النقوض الكثيرة.
وأيضا: فلا يَلْزَمُ مِن غَلبة الاقتران كَوْنُه عِلة للحكم.
الثالثة: أنْ يقارِن في صورة واحدة.
وهذا ضعيف جدًّا؛ لأن مَن يقول بالطرد فإنما مستنده غَلبة الظن عند التكرر، والفَرْض عَدَمه.
فيثبت بذلك أنَّ الطرد لا يدل على عِلية الوصف مطلقًا. وهذا أرْجَح المذاهب فيه وإنْ حصل بالمقارنة تقوية ما، وهو ما عليه الجمهور كما قاله إمام الحرمين وغيره؛ فإنه لا يُفيد عِلمًا ولا ظنًّا، فهو تَحَكُّم.
قال القاضي والأستاذ: مَن طرد عن غرر فجاهل، ومَن مارس الشريعة واستجازه فهازئ بالشريعة.
قال: ومثَّل الحليمي فساد الوضع والمخيل والطرد: الأول بِمَن تنسم نسيمًا باردًا فقال: وراءه حريق، والثاني بمن رأى دخانًا فقال: وراءه حريق، والثالث بمن رأى غبارًا فقال: وراءه حريق.
قال ابن السمعاني في "القواطع" وغيره مِن علمائنا: (قياس المعنى تحقيق، والشَّبه
[ ٥ / ٢٠٠٤ ]
تقريبٌ، والطرد تَحَكُّم) (^١).
الثاني: أنَّ الطرد حُجة مطلقًا، وتكفي المقارنة ولو في صورة واحدة كما سبق التعرض له.
والثالث: إنْ قارن في غير صورة النزاع. وهو ما سبق نقله عن الإمام الرازي والبيضاوي.
الربع: وهو قول الكرخي: أنه يفيد في المناظرة المناظِر، ولا يفيد المجتهد الناظر لنفسه.
قال إمام الحرمين في "البرهان": (وقد ناقض؛ إذ المناظرة بحث عن المآخذ الصحيحة، فإذا كان مذهبه أنه لا يَصلح مَأْخَذًا فهذا مراد خصمه في الجدل، وليس في الجدل ما يُقْبَل مع الاعتراف بأنه باطل) (^٢).
والله تعالى أعلم.
ص:
٨٤٦ - كَذَاكَ "تَنْقِيحُ الْمَنَاطِ" التَّاسِعُ بِأَنْ يَدُلَّ ظَاهِرٌ مُتَابعُ
٨٤٧ - لِمَا بِهِ قَدْ عَلَّلُوا، فَيُحْذَفَا خُصُوصُهُ، وَبِالْعُمُومِ يُكْتَفَى
٨٤٨ - أَوْ يُحْذَفَ الْبَعْضُ مِنَ الْأَوْصَافِ وَبِالَّذِي [يَبْقَى] (^٣) [نِيَاطٌ] (^٤) كَافِي
_________________
(١) قواطع الأدلة في أصول الفقه (٢/ ١٦٨).
(٢) البرهان (٢/ ٥٢١).
(٣) في (ض، ت، س): بقي.
(٤) في (ت): مناط.
[ ٥ / ٢٠٠٥ ]
الشرح:
"التنقيح" لغةً: التخليص والتهذيب، يقال: "نقحتُ العظم" إذا استخرجت مخه.
و"المناط": مفعل مِن "نَاطَ نياطًا"، أيْ: عَلق.
والمراد: أنَّ الحكم تَعَلَّق بذلك الوصف.
فمعنى "تنقيح المناط": الاجتهاد في تحصيل المناط الذي ربط به الشارع الحكم.
وهو ضربان:
أحدهما وهو الأشهر: أنْ يَرِد وصف قد علق به حُكم لكن ظهر بالاجتهاد أن خصوص ذلك الوصف لا يَصْلُح للعِلية؛ فَيَتَعَيَّن أنْ يكون ما فيه من العموم هو العلة.
فمثال ذلك: ما فعل مالك وأبو حنيفة في حديث المُجامِع في نهار رمضان، اجتهدَا فحذفَا خصوص الجماع، وأناطَا وجوب الكفارة بما فيه مِن عموم الإفطار، فإنه إذا بَطُل الخصوص، يبقى العموم.
نعم، الإلغاء قد يكون بدليل وقد يكون بنفي الفارق وهو المسمَّى بـ "الإلغاء" الآتي بيانه بأنْ يقال: لا فارِق بين الأصل والفرع إلا ذلك الخصوص، وهو لا مدْخَل له في الحكم البَتَّة إجماعًا، كقياس الأَمَة على العبد في السراية، فإنه - ﷺ - قال: "مَن أعتق شركًا له في عبد، قوّم عليه الباقي" (^١). فيقال: لا فارق بين الأَمة والعبد إلا خصوص الذكورة وهو مُلْغًى بالإجماع؛ إذْ لا مدخل له فى العِلِّية.
_________________
(١) مصنف عبد الرزاق (١٦٧١٢)، مسند أحمد (٤٩٠١)، وغيرهما، بلفظ: (مَن أعتق شركا له في عبد، أقيم ما بقي في ماله). وفي: صحيح البخاري (٢٣٨٦)، صحيح مسلم (١٥٠١) واللفظ لمسلم: (مَن أعتق شركًا له في عَبْد فكان له مال يَبلغ ثَمَن العبد، قُوّم عليه قيمة العدل، فأعطَى شركاءه حصصهم، وعتق عليه العبد، وإلَّا فَقَدْ عتق منه ما عتق).
[ ٥ / ٢٠٠٦ ]
وهذا الذي تسميه الحنفية بِـ "الاستدلال"، ويفرقون بينه وبين "القياس"، فيخصون "القياس" بما يكون فيه الإلحاق بِذِكر الجامع الذي لا يفيد إلا الظن، و"الاستدلال" بما يكون الإلحاق فيه بإلغاء الفارق الذي يفيد القَطْع، حتى أجروه مجرى القطعيات في النسخ به ونَسخه، فجوَّزوا الزيادة على النص به ولم يجوزوا نسخه بخبر الواحد. بل يقول بهذا أكثر منكري القياس أو منكره في نوع خاص كأبي حنيفة، فإنه ينكر القياس في الكفارة ومع ذلك يستعمل "تنقيح المناط" فيها؛ لأنه يسميه "استدلالًا" كما سبق. ولكن حاصله تأويل ظاهر بدليل.
قال ابن التلمساني: واعتراف مُنكرُو القياس بهذا النوع بناء على مسألة أخرى وهي أن النَّص على التعليل هل هو نَص على التعميم؟ أو لا؟
فمَن قال: نعم، اعترف بهذا وأنكر القياس.
والحقُّ أنَّ هذا كله اصطلاح، وإلا فالكل قياس، وكُل مِن النوعين قد يكون الجامع فيه قطعيًّا وظنيًّا.
نعم، القطع في نوع "لا فارِق" أكثر.
واعلم أنه قد يقال في هذا النوع من "تنقيح المناط": هذا الحكم لا بُدَّ له مِن عِلة؛ لِمَا سبق، وهي:
- إما المشترك بين الأصل والفرع، كالرق في المثال السابق.
- أو المختص بالأصل، كالذكورة.
والثاني باطل؛ لأنَّ الفارق مُلْغى؛ فتعَيَّن الأول، فيَلْزَم ثبوت حُكم الأصل في الفرع؛ لثبوت عِلَّته فيه.
ولا يكفي في إيراده: هذا الحكم لا بُدَّ له مِن مَحل، وهو إما المشترِك أو مُمَيِّز الأصل
[ ٥ / ٢٠٠٧ ]
عن الفرع، والثاني باطل؛ لأنَّ الفَرق مُلْغًى، فيلزم أنْ يكون محله المشترك؛ فيثبت الحكم في الفرع بالضرورة.
كأنْ يقول الحنفي: وجوب كفارة الإفطار له محَل، وهو إما خصوص الوقاع أو مُطْلَق المفَطِّر، والأول باطل؛ لأنَّ خصوص الوقاع مُلْغًى (كخصوص القتل بالسيف لوجوب القصاص)؛ فَتَعَيَّن الثاني؛ فتجب الكفارة على مَن أَفْطَر بالأكل.
فيُجاب بأنَّ الشارع رَتَّب على المركَّب؛ فلا يَلْزَم أنْ يثبت الحكم على الأَعَم.
وحاصله أنه لم يَقُم دليل على إلغاء الخصوص، والفرض أنَّ له مناسبة في الحكم، فلا يُلغى.
الضرب الثاني:
أنْ يدل لفظ ظاهر على التعليل بمجموع أوصاف، فيُحذف بعضها عن درجة الاعتبار إما لأنه طردي أو لثبوت الحكم على بقية الأوصاف بدونه، ويُناط بالباقي. فهو بمنزلة لفظ عام أُخرج بعضه وبُيِّن المراد به بالاجتهاد.
كَتَعَيُّن أوصاف في حديث الأعرابي: كَوْن المجامِع أعرابيًّا، وكونه زيدًا، وكون المجامَعة زوجة أو أَمة، أو في قُبُلها، وكَوْنه شَهْر تلك السَّنة. وَهِيَ كُلها مُلغاة؛ لأنها طَرْدِيَّة سِوَى الوقاع في نهار رمضان بجماع أفسد به آثمًا به لِذَاته. هذا على مذهبنا.
وأبو حنيفة ومالك يَلْغِيَان مع ذلك كَوْنه وقاعًا، ومَنَعَا إفساد صوم رمضان.
فإنْ قِيل: ما الفرق بين هذا وبين "السبر والتقسيم" وقد جعله الإمام منه؛ لكونه وُجِد منهما؟
قيل: لكن الفرق بينهما أن "السبر والتقسيم" لا بُدَّ فيه مِن تعيين الجامِع والاستدلال على العِلة، وأما هذا فلا يجب فيه تعيين العِلة، ولكن ضابطه أنه لا يحتاج إلى التعرض لِعِلة
[ ٥ / ٢٠٠٨ ]
جامعة، بل يتَعَرَّض للفارق، ويُعْلَم أنه لا فارق إلا كَذَا ولا مدْخَل له في التأثير كما سبق في "مَن أعتق شركًا له في عَبْد" (^١).
ونحوه: "أيما رجُل مات أو أفلس فصاحب المتاع أحق بمتاعه" (^٢)، فإنَّ المرأة كذلك.
﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، والعبد في معنى الأَمَة.
"مَن باع عبدًا وله مال، فماله للبائع إلا أنْ يشترط المبتاع" (^٣)، فالأَمة كالعبد.
وحديث موت الفأرة في السمن (^٤)، فغيره مِن عسل ودهن كذلك. والله أعلم.
ص:
٨٤٩ - وَمَا بـ "تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ" يُعْرَفُ أَنْ تَثْبُتَ الْعِلَّةُ فِيمَا يُوصَفُ
٨٥٠ - بِالْوَصْفِ مِنْ آحَادِهِ، كَمَا إذَا حُقِّقَ سِرْقَةٌ لِنَبْشٍ أُخِذَا
الشرح:
لَمَّا جرت عادة أهل الأصول والجدل إذا ذكروا "تنقيح المناط" أنْ يتعرضوا
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) سنن أبي داود (رقم: ٣٤٣٥)، سنن النسائي (رقم: ٤٦٣٦). قال الألباني: صحيح. (صحيح أبي داود: ٣٤٣٥). وفي: صحيح البخاري (رقم: ٢٢٥٠)، صحيح مسلم (رقم: ١٥٤٣) بلفظ: (وَمَنْ ابْتَاعَ عَبْدًا قَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ إلا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ).
(٤) صحيح البخاري (رقم: ٢٣٣).
[ ٥ / ٢٠٠٩ ]
لتفسير ما يسمى "تحقيق المناط" و"تخريج المناط" وكنتُ قد قدمتُ في المسلك الخامس - وهو "المناسبة" - تفسير "تخريج المناط" وذكرتُ آنفًا "تنقيح المناط"، فلم يَبْقَ إلا "تحقيق المناط"، فبينتُه هنا.
والحاصل في الفرق بين الأمور الثلاثة أن: "تخريج المناط": هو استخراج وصف مناسب يُحكم عليه بأنه عِلة ذلك الحكم.
و"تنقيح المناط": أنْ يُنَقَّى مِن الأوصاف ما يَصْلح ويُلْغَى بالدليل ما لا يَصْلح.
و"تحقيق المناط": أنْ تجيء إلى وصف دَلَّ على عِليته نَصٌّ أو إجماع أو غيرهما مِن الطُّرق ولكن يقع الاختلاف في وجوده في صورة النزاع، فتُحَقِّق وجودَه فيها.
مثاله: أن نقول: أَخْذ المال خفْيَة هو عِلة للقطع، فَنُحَقِّق وجود ذلك في النباش المتنازَع فيه في أنه يُقْطَع كالسارق أو لا.
ونحو ذلك: السكوت عِلة في البِكر للاكتفاء بسكوتها، فتُحَقِّق فيمن زالت بكارتها بغير نكاح.
وهذا معنى قولي: (فِيمَا يُوصَفُ بِالْوَصْفِ مِنْ آحَادهِ). أي: مِن المحل المتنازع فيه مِن الآحاد الموجود فيها ذلك الوصف عنده ونُوزع في وجودها فيه.
وقولي: (حُقِّقَ سِرْقَةٌ) أي: الأخذ خفْيَة؛ لأنه معنى السرقة.
نعم، هل يُشترط القَطعْ بتحقيق المناط؟ أَم يُكتفَى بالظن فيه؟
أقوال حكاها ابن التلمساني، ثالثها: الفَرق بين أن تكون العلة وصفا شرعيًّا فيُكتفَى فيه بالظن، أو حقيقيًّا أو عرفيًّا فيُشترط القَطعْ بوجوده. قال: وهذا أَعْدَل الأقوال.
ومناسبة التسمية في الثلاثة ظاهرة؛ لأنه أولًا استخرجها مِن منصوص في حُكم مِن غير نَص على عِلته، ثم جاء في أوصاف قد ذُكِرَت في التعليل فنَقَّح النَّص ونحوه في ذلك، وأخذ
[ ٥ / ٢٠١٠ ]
منه ما يَصْلح عِلة وألْغَى غيرَه. ثُم لَمَّا نُوزع في كَوْن العِلة ليست في المحل المتنازَع فيه، بَيَّن أنها فيه وحَقَّق ذلك. والله أعلم.
ص:
٨٥١ - وَالْعَاشِرُ: "الْإلْغَاءُ" فِيمَا يُفْرَقُ كَأَمَةٍ بِالْعَبْدِ حِينَ يُعْتَقُ
٨٥٢ - بَعْضٌ لَهُ؛ فَتَحْصُلُ السِّرَايَه وَذَا و"طَرْدٌ، دَوَرَانُ" غَايَهْ
٨٥٣ - لِذِي الثَّلاثِ شَبَة يُفِيدُ لِلظَّنّ في الْجُمْلَةِ، لَا يَزِيدُ
الشرح:
العاشر من المسالك: "الإلغاء"، والمراد به إلغاء الفارق بين الفرع والأصل فيما ذُكِر في الأصل ورُتِّب الحكم عليه. فهو بيان أنَّ الفرع لم يُفارِق الأصل إلا فيما لا تأثير له في الحكم؛ فَيَلْزَم اشتراكُهما في المؤثِّر فيه.
فَيُعَيَّن هنا فارِق ويُنْفَى، وكذا يُعَيَّن بالتقسيم والسبر ويُنْفَى.
وطريق نَفْيِه أنْ يُبين أنَّ ذلك أمر طردي لا تأثير له؛ فيجب إلغاؤه. فإنْ حصل ذلك عن دليل قاطع فالقياس قطعي، وإلا فظني.
مثال القطعي: قوله - ﷺ -: "لا يبولن أحدكم في الماء الراكد" (^١). فَصَب البول في الماء لا فارِق بَيْنه وبيْن البول في الماء، وكذا صَب غير البول مِن النجاسات.
_________________
(١) سنن النسائي (٢٢١)، سنن ابن ماجه (٣٤٤) وغيرهما. قال الألباني: صحيح. (صحيح النسائي: ٢٢١). وفي: صحيح البخاري (رقم: ٢٣٦)، صحيح مسلم (رقم: ٢٨٢) بلفظ: (لَا يَبُولَنَّ أحدكم في الْمَاءِ الدَّائِمِ ) الحديث.
[ ٥ / ٢٠١١ ]
ومثال المظنون: قوله - ﷺ -: "مَن أعتق شركًا له في عَبْد قُوم عليه" (^١). فالأَمة كذلك بلا فارِق. وإنما لم يُجعل ذلك مِن المقطوع كالذي قَبله خلافًا لمن تَخيل ذلك؛ لأنَّ الاحتمال فيه قائم، كأنْ يلاحِظ الشرع في عِتق العبد أنْ يستقل بنفسه في الجهاد والجمعة وغيرهما مما لا مدْخَل فيه للمرأة. لكن الظن القوي فيه أنْ لا فَرْق؛ لأنَّ المقصود التخلص مِن موت الرق بحياة الحرية.
والفرق بين هذا وبين "تنقيح المناط" أنَّ هذا لم يعتضد بظاهر في التعليل بمجموع أوصاف، و"تنقيح المناط" فيه ذلك.
نعم، قد يكون السبر الدال على نَفْي الفارق قاطعًا، والفارق المحقَّق طَرْدًا مَحْضًا؛ فَيَبْلُغ نَفْي الفارق رُتبة المؤثِّر بدليل قاطع، ويترقى عن المؤثِّر بدليل ظاهر كما سبق.
واعلم أنه قد سبق في "تنقيح المناط" بحث يتعلق بما ذُكر هنا، فلا حاجة إلى إعادته.
وقولي: (وَذَا و"طَرْدٌ") إلى آخِره - أي: إنَّ هذه الطُّرق الثلاث من مسالك العلة (التي هي: طريق الإلغاء، وطريق الطرد، وطريق الدوران) حيث قيل: (إنها تفيد العِلية) فإنما تفيد شبهًا للعلة، لا [عِلَّة حقيقية] (^٢)؛ لِكَونها إنما غَلَّبْت ظن العِلية في الجملة، وليس فيها تعيين حِكمة لذلك كالوصف ولا جهة المصلحة فيه، بخلاف بقية المسالك. والله أعلم.
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) كذا في (ص، ش)، لكن في (س، ت): عِلية حقيقة. وفي (ض): علية حقيقة. وفي (ق): علة حقيقة.
[ ٥ / ٢٠١٢ ]
تذنيب في قوادح [العِلّة] (^١):
٨٥٤ - مِنْ ذَلِكَ: "النَّقْضُ"، وَذَا تَخَلُّفُ حُكْمٍ عَنِ الْعِلَّةِ حَيْثُ تُعْرَفُ
٨٥٥ - وَمَانِعٌ سَمَّاهُ تَخْصِيصًا لَهَا وَ"الْكَسْرُ" إسْقَاط لِوَصْفٍ مُوِّهَا
الشرح:
قد يطرأ على مَن يُثبت عِلية الحكم اعتراض يَقدح في عِلية ما ادَّعاه عِلة، وذلك من أحد وجوه يُعبَّر عنهابِ "القوادِح"، وربما كانت قادحة لا في خصوص العلة؛ فلذلك ترجمها ابن الحاجب بِـ"الاعتراضات".
وإنما تَرجمتُ عليها بِ "قَوادِح العِلة"؛ لأنها تَرجع إلى القَدْح في العِلة كما ستعرفه، ولأنَّ أَغْلبها مُوجَّه إلى العلة بالخصوص.
قال ابن الحاجب: (وهي راجِعة إلى مَنعْ - أيْ في المقدمات - أو مُعارَضة) (^٢). أي: في الحكم.
فمِن ذلك "النَّقْض"، والكلام فيه مِن مشكلات عِلم الأصول والجدل، فلنقتصر على ما يتبين به المقصود، وهو أنَّ الوصف المُدَّعَى عِلة يوجد في بعض الصوَر وَيتخلَّف عنه الحكم؛ فيكون ذلك قادحًا في عِليته على المختار المرجَّح.
مثاله: أنْ يُقال في تعليل وجوب تبييت النية في الصوم الواجب: (صوم عَرِي أوَّلُه عن النية؛ فلا يَصِح، كالصلاة). فينقض العِلة - وهي العراء في أوله - بصوم التطوع، فإنه يصح مِن غير تبييت.
_________________
(١) في (س، ت، ض): العِلية.
(٢) مختصر المنتهى مع شرحه (٣/ ١٧٨).
[ ٥ / ٢٠١٣ ]
ثُم تَخلُّف الحكم عن الوصف إما في وصف ثبتت عِليته بنص قطعي أو ظني أو باستنباط. والتخلُّف إما لمانع أو فَقْد شرط أو غيرهما. فهي تسعة؛ مِن ضرب ثلاثة في ثلاثة.
فأَرجَح المذاهب فيه أنه قادح في الأحوال التسع. وهذا مذهب الشافعي وجميع أصحابه إلا القليل منهم كما قاله ابن السمعاني في "القواطع"، (قال: وهو قول كثير من المتكلمين. وقالوا: تخصيصها نَقْضٌ لها، ونقضُها يتضمن إبطالها) (^١).
وعلى هذا فالفَرق بين هذا وبين جواز تخصيص العموم ويبقى في الباقي حُجة على المرجَّح كما سبق - أنَّ العام يجوز إطلاقه على بعض ما تَناوَله، فإذا خُصَّ فلا محذور فيه. وأما العِلة فهي المقتضية للحُكم، فلا يتخفَف مقتضاها عنها، فَشُرِط فيها الاطِّراد.
نعم، في "شفاء الغليل" للغزالي أنه لا يُعْلم للشافعي في ذلك نَص. وكأنه يريد صريحًا أو فيما اطَّلع عليه، وإلا فمناظرات الشافعي مع خصومه طافحة بذلك. وقد حفظ غيرُه عن الشافعي ذلك، بل جعلوا ذلك مِن مُرجِّحات مذهب الشافعي على غيره من المذاهب، وهو أنَّ عِلل مَذهبه لا يقع فيها نَقْض، بل هي سالمة منه.
وأطال السبكي في "شرح المختصر" في نَصْر هذا القول وأطاب واستطرد إلى ما في مذهبنا مِن القواعد التي تستثنى منها، فذكرها وأحال بسطها على كتابه في القواعد، فليراجَع ما أشار إليه في ذلك منهما.
والمذهب الثاني: أنَّ النقض لا يَقدح مطلقًا. وهو المنقول عن أكثر أصحاب أبي حنيفة ومالك وأحمد، وشهرته عن الحنفية أكثر غير أنهم ما سمحوا بتسميته "نقضًا" وسموه "تخصيص العِلة".
لكن ابن السمعاني قال: (إن هذا قول العراقيين منهم، وقال أبو زيد: إنه مذهب أبي
_________________
(١) قوطع الأدلة (٢/ ١٨٦).
[ ٥ / ٢٠١٤ ]
حنيفة وأصحابه. وأما الخراسانيون منهم فقالوا بالقول الأول، حتى قال الماتريدي منهم: تخصيص العِلة باطل).
قال: (ومَن قال بتخصيصها فقد وَصَفَ الله - ﷿ - بالسَّفَه والعبث) (^١)؛ إذْ أيُّ فائدة في وجود العِلة ولا حُكم؟ !
والثالث: لا يقدح في المنصوصة مطلقًا في صورها الست، ويقدح في المستنبطة في صوَرها الثلاث.
الرابع: عكْسه، وهو القدح في المنصوصة مطلقًا وعدم القدح في المستنبطة. كذا أَطلق حكايته ابن الحاجب، ولكن قَيده السبكي في شرحه بأنه لا يقدح في المستنبطة إذا كان بمانع أو عدم شرط، بدليل ما ذكره ابن الحاجب بعده وهو:
الخامس: أنه لا يقدح في المستنبطة ولو بلا مانع أو عدم شرط، دُون المنصوصة. خلافًا لِمَا يُطْلقه كثيرٌ مِن شراح "المختصر"، فإنه يَلْزَم منه تكرار.
والسادس: أنه إذا كان التخلُّف لمانع أو فَقْد شرط فلا يقدح مطلقًا، سواء في العلة المنصوصة والمستنبطة. واختاره البيضاوي والهندي.
السابع: يقدح مطلقًا إلا أنْ يَرِد على سبيل الاستثناء ويعترض على جميع المذاهب كالعرايا. وحكاه في "جمع الجوامع" عن الإمام الرازي.
ولكن الذي في "المحصول" أنه إنْ تَخلَّف لمانع فلا يقدح، وإلا قدح.
ثم قال: (فإنْ كان واردًا على سبيل الاستثناء فقال قوم: لا يقدح، سواء أكانت العلة معلومة أو مظنونة. أمَّا المعلومة فلأَنَّا نَعلم أنَّ مَن لم يُقْدم على جناية، لم يؤاخَذ بضمانها. ثم
_________________
(١) قواطع الأدلة (٢/ ١٨٦).
[ ٥ / ٢٠١٥ ]
هذا لا ينتقض بضرب الدية على العاقلة؛ لخروج ذلك بالدليل.
وأما المظنونة فكالتعليل بالطعم، فإنه لا ينتقض بمسألة العرايا، فإنها وَرَدَت على سبيل الاستثناء رخصةً).
ثم قال: (واعْلم أنا [لا] (^١) نَعلم ورود [التنصيص] (^٢) على سبيل الاستثناء إلا إذا كان لازمًا على جميع المذاهب، مثل مسألة العرايا، فإنها لازمة على جميع العِلل كالقوت والكيل والمال والطعم.
وإنما قلنا: إنَّ الوارد على مورد الاستثناء لا يقدح في [العلة] (^٣) لأنَّ الإجماع لما انعقد على أنَّ حُرمة الربا لا تُعَلل إلا بأحد الأمور الأربعة فإنَّ مسألة العرايا واردة على أربعتها، فكانت واردة على علة قطعنا بصحتها. فالنقض لا يقدح في مثل هذه العلة. وأما أنه هل يجب الاحتراز عنه في اللفظ؟ فقد اختلفوا فيه، والأَوْلى الاحتراز منه) (^٤). انتهى ملخصًا.
والثامن: إنْ كانت علة حظر، لم يَجُز تخصيصها، وإلا جاز. حكاه القاضي عن بعض المعتزلة.
التاسع: يقدح في المنصوصة إلا إذا كان بظاهر عام، فإنه إذا كان بقاطع، لم يتخلَّف الحكم عنه. وإذا كان خاصًّا بمحل الحكم، لم يثبت التخلُّف، وهو خِلاف الفَرْض.
وأما في المستنبطة فيجوز فيما إذا كان التخلف لماح أو انتفاء شرط، ويقدح فيما إذا كان التخلُّف دُونهما. وهو مختار ابن الحاجب.
_________________
(١) في (ص، ق): إنما.
(٢) كذا في جميع النُّسخ. والذي في المحصول (٥/ ٢٥٨): النقض. الناشر: مؤسسة الرسالة.
(٣) كذا في (ص، ق)، لكن في (س): العلية.
(٤) المحصول (٥/ ٢٥٦ - ٢٥٨). طبعة: مؤسسة الرسالة.
[ ٥ / ٢٠١٦ ]
والعاشر: إنْ كان التخلف لمانع أو فَقْد شرط أو في معرض الاستثناء أو كانت منصوصة بما لا يَقبل التأويل، لم يقدح، وإلا قدح. وهو رأي الآمدي. وإنما حكم على النص بقبول التأويل لأنَّ مراده به ما هو أعم مِن الصريح والظاهر.
تنبيهات
أحدها: قال إمام الحرمين في "البرهان" وابن الحاجب أنَّ الخلاف في هذه المسألة لفظي لا فائدة له؛ لاتفاق المجوِّز والمانع على أن اقتضاء العلة للحكم لا بُدَّ فيه مِن عدم التخصيص، وسلَّموا أنَّ المعلِّل لو ذكر القيد في ابتداء التعليل لاستقامت العلة. فرجع الخلاف إلى أن ذلك القيد العدمي هل يسمى جزء العلة؟ أو لا؟
لكن رد ذلك في "المحصول" (^١) بأنَّا إذا فسرنا العلة بالداعِي أو الموجِب، لم يجعل العدم جزءًا مِن العلة، بل كاشفًا عن حدوث جزء العلة. ومَن جوَّز التخصيص لا يقول بذلك. وإنْ فسرنا العلة بالأمارة، ظهر الخلاف في المعنى أيضًا؛ لأنَّ مَن يثبت العلة بالمناسبة يبحث عن ذلك القيد العدمي، فإنْ وجد فيه مناسبة، صحح العلة وإلا أَبطلها. ومَن يجوِّز التخصيص لا يطلب المناسبة أصلًا مِن هذا القيد العدمي.
وأما نَفْي الفائدة فمردود بأنَّ للخلاف فوائد:
منها: جواز التعليل بِعِلتين، وقد سبق بيان ذلك.
ومنها: انقطاع الخصم. وإذا ادَّعى بَعد ذلك أنه أراد بالعموم الخصوص وباللفظ المطلق ما وراء محل النقض، لا يُسْمَع دَعْواه؛ لأنه يُشبه الدعوى بعد الإقرار، فلا يُسمع إلا ممن له
_________________
(١) المحصول في أصول الفقه (٥/ ٢٤٢)، الناشر: مؤسسة الرسالة.
[ ٥ / ٢٠١٧ ]
قدرة على الإنشاء.
والقائلون بجواز التخصيص يقبلون دعواه، لكن الإمام في "البرهان" قال: (إذا ذكر لفظًا مقتضاه عموم العلة فورد نقضٌ فقال: "أُخَصِّص لفظي"، نُظِر: فإنْ كان النقض مُبْطِلًا، لم يُقْبَل منه التخصيص. وإنْ كان غير مُبْطِل فمِن الجدليين مَن جعله منقطعًا؛ إذْ لَمْ يَفِ بظاهر لفظه).
قال: (والمختار لا يكون منقطعًا، لكنه خالف الأحسن؛ إذْ كان ينبغي له أن يشير إليه فيقول: هذه [علته] (^١) فيما لا يُسْتَثْنَى) (^٢).
الثْاني: إذا اعتُرض بالنقض على المستدِل فلا بُدَّ له من الجواب عنه وإلا انقطع. فينبغي أن يذكر جوابه، وكذا فيما سيأتي مِن القوادح.
فأما جواب النقض:
- فإما يَمْنَع (^٣) وجود العلة في محل النقض؛ لأنه قيد مناسب أو مؤثِّر في العلة. كما لو قيل في الحلي: (مال مُعَد لاستعمال مباح؛ فلا زكاة فيه، كثياب البذلة). فإذا نُقِض بالمُعَد لاستعمال مُحَرَّم أو مكروه، فيجاب بإخلاله بقيد الإباحة.
- وإما أنْ يجيب بمنع انتفاء الحكم عن الصورة المنقوض بها إذا لم يكن انتفاؤه مذهب المستدِل؛ لأنه إذا كان مذهبه فقط أو مذهبه ومذهب المعترِض، لم يتمكن مِن ذلك.
- وإمَّا أنْ يذكر مانِعًا في صورة النّقض عند مَن يرى بأنَّ النقض لِمانِع غير قادح.
فلو أراد المعترِض -لَمَّا مَنَع المستدِل وجود العلة في صورة النقض- أنْ يستدل على
_________________
(١) في (س، ت، ض): علة.
(٢) البرهان في أصول الفقه (٢/ ٦٥١).
(٣) يعني: المستدِل يمنع وجود العلة في محل النقض.
[ ٥ / ٢٠١٨ ]
وجودها، لَمْ يُمَكَّن مِن ذلك عند الأكثر؛ لأنه انتقال.
وثانيها: يُمَكَّن؛ لأنَّ فيه تحقيق اعتراضه بالنقض، فهو مِن تمامه.
وثالثها وبه قال الآمدي: يُمَكَّن ما لم يكن للمعترِض دليل أَوْلى بالقدح مِن النقض. فإنْ أمكنه القدح بطريق آخَر هو أَفْضَى إلى المقصود فلا.
ورابعها حكاه ابن الحاجب: يمكَّن ما لم يكن حُكمًا شرعيًّا. وحكاه أيضًا البروي تلميذ محمد بن يحيى في كتاب "المقترح" ولم يَحْكِ غيره.
ومَثَّله بما لو علل الحنفي وجوب المضمضة في الغسل بأنه عضو يجب غسله عن الخبث؛ فيجب في الجنابة. فإذَا نُقِضَ بالعَيْن، فله المنع في أنَّ العَيْن يجب غسلها عن الخبث، فليس للمعترِض أنْ يثبت عِلية وجوب غسل العَيْن مِن الخبث؛ فإنه وَضْع للكلام في مسألة أخرى والاستدلال عليها مِن الابتداء.
أما إذا كان المعلَّل به وصفًا حقيقيًّا، فله ذلك، كما لو عَلل الحنفي مسألة الأجرة بأنه عقد على منفعة؛ فلا يملك عوضه بنفس العقد، كالمضاربة. فإذا نُقِض بالنكاح [فمنعَ] (^١) ورود النكاح على المنفعة، فله إثباته بالدليل. انتهى
وجرى عليه شارحه أبو العز جد ابن دقيق العيد لأمه، قال: لأنَّ الأمر الحقيقي يمكن الاستدلال عليه؛ لِقُرْبِه، والأحكام الشرعية إذا كانت مختلفة فهي في مظنة تَشَعُّب الظنون. والوصف الحقيقي يكون في الغالب مِن جهة عدم تَصَوُّر حقيقته، فلو دل المستدِل على وجود العلة في محل التعليل بدليل موجود في محل النقض ثم منع بعد ذلك وجودها في صورة النقض فقال المعترِض: ينقض دليلك على العلة، لم يُسْمع منه عند الجدليين؛ لأنه انتقال مِن نقض العلة نفسها إلى نقض دليلها.
_________________
(١) كذا في (س، ت)، لكن في (ق، ش): بمنع.
[ ٥ / ٢٠١٩ ]
كقول الحنفي في التبييت: أتى بمسمَّى الصوم؛ فصحَّ، كما في النَّفل. واستدل على وجود العلة بالإمساك مع النية.
فيقال: فتنتقض العلة بما لو نوى بعد الزوال.
فيقول: لا نُسَلِّم وجود العلة فيه.
فنقول: ينتقض دليلك الذي استدللت به على وجود العلة في محل التعليل. هذا هو الصواب، ولابن الحاجب احتمال بالجواز؛ لأنَّ المعترِض في مقام دَفْع العلة، فليكن له القدح فيها تارة وفي دليلها أخرى، ولا يكون انتقالًا ممنوعًا.
الثالث:
يجب على المستدِل المناظر -عند الأكثرين- الاحتراز مِن النقض إذا قُلنا: قادح. وكذا على الناظر، إلا فيما اشتهر مِن المستثنيات وصار كالمذكور.
وقيل: يجب الاحتراز عنه مطلقًا.
وقيل: إلا في المستثنيات مطلقًا. والله أعلم.
وقولي: (وَ"الْكَسْرُ" إسْقَاطٌ لِوَصْفٍ مُوِّهَا) تمامه قولي بعده:
ص:
٨٥٦ - في عِلَّةٍ، أُبْدِلَ أَوْ لَمْ يُبْدَلِ وَ"عَدَمُ الْعَكْسِ" بِأَنْ لَا يَخْتَلِي
٨٥٧ - حُكْمٌ لِفَقْدِ عِلَّةٍ إنْ عُلِمَا أَوْ ظُنَّ، وَالْإبْدَالُ أَوْلَى، فَاعْلَمَا
٨٥٨ - وَقَدْحُ ذَا يُبْنَى عَلَى امْتِنَاعِ تَعَدُّدِ الْعِلَّةِ، لَا اجْتِمَاعِ
الشرح: ومضمون ذلك نوعان من القوادح في العلة: الكسر، وعدم العكس.
فأما "الكسر": فقال أكثر الأصوليين والجدليين: إنه إسقاط وصف من أوصاف العلة
[ ٥ / ٢٠٢٠ ]
المركَّبة وإخراجه مِن الاعتبار ببيان أنه لا أثر له.
وقولي فيه: (أُبْدِلَ أَوْ لَمْ يُبْدَلِ) إشارة إلى أن له صورتين:
إحداهما: أن يبدل ذلك الوصف الخاص الذي بُيِّن أنه لَغْو لا أثر له بوصف أَعَم منه، ثم ينقضه على المستدِل.
كأنْ يقول شافعي في إثبات صلاة الخوف: صلاة يجب قضاؤها؛ فيجب أداؤها، كصلاة الأمن.
فيقول المعترِض: خصوص كونها صلاة مُلغًى لا أثر له؛ لأنَّ الحج والصوم كذلك، فلم يَبْقَ إلا الوصف العام وهو كونها عبادة، فننقضه عليه بصوم الحائض، فإنه عبادة يجب قضاؤها ولا يجب أداؤها، بل يَحْرُم.
والثانية: أنْ لا يبدله، فلا يبقى إلا: وجب قضاؤها، فلا يجب أداؤها.
فيقال: ليس كل ما يجب قضاؤه يجب أداؤه؛ بدليل صوم الحائض. فقد أَعْرَض عن ذلك الوصف بالكُلية، وذكر صورة النقض.
قال الشيخ أبو إسحاق في "الملخص": (وهو سؤال مليح، والاشتغال به ينتهي إلى بيان الفقه وتصحيح العلة. وقد اتفق أكثر أهل العلم على صحته وإفساد العلة به، ويسمونه "النقض" مِن طريق المعنى و"الإلزام" مِن طريق الفقه. وأنكر ذلك طائفة من الخراسانيين). انتهى
ومن أمثلة ذلك -كما ذكره الشيخ أبو إسحاق وابن السمعاني وغيرهما ومثَّل به أيضًا الآمدي وابن الحاجب- أنْ يقول شافعي في بَيعْ ما لم يَرَه المشتري: مبيع مجهول الصفة عند العاقد؛ فلا يصح، كما لو قال: بِعتُك عبدًا.
فيقول المعترِض: ينكسر بما إذا نكح امرأة لم يَرَهَا، فإنه يَصِح مع كونها مجهولة الصفة
[ ٥ / ٢٠٢١ ]
عند العاقِد. فهذا كَسْر؛ لأنه نقض مِن جهة المعنى؛ إذِ النكاح في الجهالة كالبيع، بدليل أن الجهل بالعيْن في كل منهما يوجِب الفساد، فَوَصْف كَوْنه مبيعًا مُلْغًى، بدليل أن الرهن ونحوه كذلك. ويبقى عدم الرؤية، فينتقض بنكاح مَن لم يرها.
وإنْ نزلته على الصورة الأُولى -وهي الإبدال بالأَعم- فنقول: عقد على ما لم يره العاقد؛ فينتقد بالنكاح.
ومثاله أيضًا أنْ يقول شافعي في كفارة العمد: قتل مَن يُضْمن بِدِيَة أو قصاص بغير إذْن شرعي؛ فتجب كفارته، كالخطأ.
فيُعترَض بأنَّ خصوص كونه يُضمن بالدية أو القصاص مُلْغًى؛ لأنها تجب على السيد في قتل عَبْده، فيبقى كونه آدميًّا أو يسقط القيد بالكُلية ويبقى ما عداه، وهو منقوض بالحربي والمرتد وقاطع الطريق والزاني المحصن.
ومن أمثلة هذا أيضًا لو قال شافعي: صلاة الجمعة صلاة مفروضة؛ فَلَمْ تفتقر إقامتها لإذن السلطان، كالظهر.
فيقول المعترِض: خصوص كونها مفروضة مُلْغًى؛ لأنَّ التطوع كذلك، فيبقى كونها صلاة مطلوبة، وهو منقوض بصلاة الاستسقاء.
ومن استعمال ذلك في الجدال ما أورده الشيخ في "المهذب" في "باب الزكاة" فيما نتج مِن النصاب في أثناء الحول وماتت [الأُمَّات] (^١) قبل الحول فتبقى الزكاة في النتاج عند حولان حول الأمَّات، خلافًا لأبي القاسم بن بشار الأنماطي، فقال أبو القاسم: لأنَّ السخال يجري في حول الأمهات بشرط أن تكون الأمهات نصابًا، وقد زال هذا الشرط؛ فوجب أن ينقطع الحول.
_________________
(١) "الأُمَّهات" في الآدميات، و"الأُمَّات" في غَيْر الآدميات.
[ ٥ / ٢٠٢٢ ]
فقال الشيخ: (وما قاله أبو القاسم ينكسر بولد أُم الولد، فإنه ثبت له حق الحرية بثبوته للأم، ثم يسقط حق الأم بالموت ولا يسقط حق الولد) (^١). انتهى
وتقرير الكسر أن الأنماطي لما كان معنى دليله أن هذه السخال مال زكوي تابع للأُم، فيجب سقوط التبعية بموت الأُم، فَيَرِد الكسر بالإلغاء في وصف الزكوي:
- إما بالإبدال كأولاد تبعت الأُم في حُكمها إلى آخِره، فينتقض بولد أم الولد.
- وإما بلا إبدال فيبقى [بنعت] (^٢) الأمهات في حُكمها، فيسقط بموت الأمهات، فينتقض بولد أم الولد.
هذا تمام تقرير الكسر، وقد وضح أنه نقض وارد على المعنى كما ذكره أستاذ أهل الجدل الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، وتبعه ابن السمعاني وغيره.
تنبيهات
الأول: تفسير البيضاوي "الكسر" بأنه "عدم تأثير أحد الجزئين ونَقْض الآخَر" كما سبق تمثيل ذلك بصلاة الخوف -راجع إلى تفسيرنا المذكور، خلافًا لمن زعم أنه غيره.
الثاني: فسره ابن الحاجب -تبعًا للآمدي- بأنه: (وجود الحكمة المقصودة مع تَخَلُّف الحكم).
ثم قال: (والمختار أنه لا يبطل، كقول الحنفي في العاصي بِسَفَره: مسافر؛ فيترخص، كغير العاصي؛ للمشقة فيهما. فيُعترَض بالصنعة الشاقة في الحضر) (^٣). كنحو الحمالين، فإنها
_________________
(١) المهذب في الفقه الشافعي (١/ ١٤٤).
(٢) لَعَلَّها: تبعية. وبعض النسخ كأنها: تبعت.
(٣) مختصر منتهى السؤل والأمل (٢/ ١٠٥٠ - ١٠٥١).
[ ٥ / ٢٠٢٣ ]
موجودة ولا تَرَخُّص.
ثم ساق ابن الحاجب دليل ذلك والاعتراض عليه والجواب.
وأما تفسير "الكسر" الذي ذكرناه فسماه -تبعًا للآمدي- بـ "النقض المكسور"، وهو تسمية لا يعرفها الجدليون. وزعم أن هذا لا يقدح في العلية، فقال: (وفي النقض المكسور -وهو نقض بعض الأوصاف- المختار: لا يبطل. كقول الشافعي في بيع الغائب: مبيع مجهول الصفة) إلى آخِر ما سبق تقريره في هذا المثال.
لكنه احتج على مختاره بما يقتضي أنه لا يخالف قول الأكثرين بأنَّ الكسر قادح، فقال: (لنا: إنَّ العلة المجموع، فلا نقض). أيْ: لأنه لم يتخلف الحكم عن المجموع، بل عن بعض الأوصاف.
ثم قال: (فإن بيَّن -أيِ المستدِل- عدم تأثير كونه مبيعًا، كان -أيْ ذلك القيد- كالعدم، فيصح النقض، ولا يفيد مجرد ذِكره دَفْع النقض) (^١).
فيقال: الكسر إنما هو إذا بيَّن المستدِل إلغاء بعض الأوصاف كما قيدناه، فإذا لم يُبيِّن، فلا يُسمى "كسرًا"؛ لأنه لم يأت به على وجهه.
ولا يختص هذا بالكسر، بل كل اعتراض لم يُؤتَ به على وَجْهِه كان غير مقبول.
وإنما أَحْوَجَه أنْ يقول: (وإن بيَّن) كَوْنه لم يأتِ بذكر معنى "الكسر" على اصطلاحهم، فثبت بذلك أنه لا يخالف الأكثر إذا أُتِي بالكسر على الوجه الذي ذكروه.
وأيضًا: فإذا رجع إلى النقض (والنقض قد سبق فيه المذاهب واختياره تفصيلًا فيه) فلا يَسَعه أنْ يطلق اختيار أنه غير قادح، فإنهما مِن هذه الجهة سواء.
_________________
(١) مختصر منتهى السؤل والأمل في علمي الأصول والجدل (٢/ ١٠٥٣).
[ ٥ / ٢٠٢٤ ]
وأما قول الآمدي: (إنَّ الأكثرين على أنَّ الكسر ليس بقادح) فمردود بنقل الشيخ أبي إسحاق أنَّ الأكثرين على أنه قادح.
وكذا قول الهندي: (إنَّ الكسر نقض يَرِد على بعض أوصاف العلة، وهو مردود عند الجماهير إلا إذا بيَّن الخصم إلغاء القيد) (^١).
فيقال له: إنما نسميه "كسرًا" إذا بيَّن كما سبق تقريره في كلام ابن الحاجب.
وأما "عدم العكس" فالمراد به: أنْ لا ينتفي الحكم بانتفاء المدَّعَى أنه علة. فهو مقابل للطرد، وهو: أنْ يوجد بوجوده.
فالعلة إنْ كانت مُطَّردة منعكسة فواضح، أو غير مُطَّردة فهو الاعتراض بالنقض، أو غير منعكسة فهو المراد هنا.
وفي القدح به خلاف مُرتَّب على جواز تَعدُّد العلة ومنعه. فإنَّ الحكم إذا وُجِد والعِلة منتفية فقدْ يَكون لِعِلة أخرى. فمَن منع تَعدُّد العِلة جَعَل ذلك قادحًا؛ لانتفاء الحكم عند انتفاء دليله. ومَن أجاز، لا يجعله قادحًا.
وإليه أشرتُ في النَّظم بقولي: (وَقَدْحُ ذَا) البيت. أي: إنَّ المانع مِن تَعدُّد العِلَل لا يريد به اجتماع أوصاف يكون مجموعها عِلة، بل يكون كُلٌّ علة بانفراده، وسبق الخلاف في ذلك مُبيَّنًا.
وربما عُبِر عن الاعتراض بِـ "عدم العكس" بأنه هل يُشترط في العلة الانعكاس كما يشترط الاطِّراد؟ أو لا كما هو عبارة ابن الحاجب؟
فقد تَحرر مِن ذلك أن الذي يُعَد مِن القوادح "عدم العكس". فتسمية صاحب
_________________
(١) نهاية الوصول (٨/ ٣٤٢٧).
[ ٥ / ٢٠٢٥ ]
"المحصول" ذلك بِـ "العكس" -وعليها جَرَى في "جمع الجوامع"- فيها نظر، إلا أنْ يُؤَوَّل؛ ولذلك عَبَّرتُ عنه في النَّظم بقولي: (وَ"عَدَمُ الْعَكْسِ" بِأَنْ لَا يَخْتَلِي حُكْمٌ لخلو عِلته)، وهو بالخاء المعجمة من "الخلو".
ومرادي أنْ لا ينتفي بانتفاء العلة؛ لأنَّ هذا معنى عدم الخلو مِن الحكم ووجود الخلو مِن العلة.
قال الهندي: (ولا يقال: "أنْ لا ينتفي عند انتفاء علته"؛ لأنه يقتضي أنْ يكون قد خَلَا مِن العِلل كلها) (^١).
وهذا قادح قطعًا؛ لأنه لم يسلم له عِلة.
واعْلَم أنه يدخل تحت قولنا: (أنْ لا ينتفي الحكم لانتفاء عِلته) صورتان:
إحداهما: أن ينتفي في ذلك الأصل، مثل أن يقول شافعي في منع بيع الغائب: مبيع غير مرئي؛ فلا يصح، كبيع الطير في الهواء.
فيُعترض عليه بأنَّ عدم الرؤية قد ينتفي بأنْ يكون رأَى الطير في الهواء ومع ذلك البيع باطل لِعِلة أخرى وهي عدم القُدرة عليه. فوُجِد حُكم الأصل المعَيَّن بشخصه لِعِلة غير المنتفية.
الثانية: أن يوجد الحكم مع انتفاء الوصف في صورة أخرى، كما لو استدل حنفي على منع تقديم أذان الصبح بقوله: صلاة لا تقصر؛ فلا يُقَدَّم أذانها على وقتها، كالمغرب.
فيقول الشافعي: قد انتفى الوصف في صورة أخرى مع وجود الحكم، كالظهر، فإنه يُقْصر ولا يُقَدَّم أذانه على وقته.
_________________
(١) نهاية الوصول (٨/ ٣٤٤٢).
[ ٥ / ٢٠٢٦ ]
وقد جمع البيضاوي "عدم التأثير" و"عدم العكس" في قادح واحد؛ لِتَقارُب معنييهما عنده؛ لأنَّ "عدم التأثير" أنْ [يبقى] (^١) الحكم بعد انتفاء الوصف في ذلك الأصل، و"عدم العكس" أنْ يثبت الحكم في صورة أخرى بِعِلة أخرى، ومثّلَهما بالمثالين السابقين، فلَم يجعلهما معًا مِن "عدم العكس" كما ذكرناه.
ولهذا تعقب الهندي مَن غاير بينهما، وقال: إنَّ كُلًّا منهما داخِل في مسمَّى "عدم العكس".
ثم قال البيضاوي: (إنَّ الَأوَّل يَقْدَحُ إِنْ مَنَعْنَا تَعْلِيلَ الوَاحِدِ بِالشَّخْصِ بِعِلَّتَين، وإنَّ الثاني يقدح إنْ منعنا تَعْلِيلَ الوَاحِد بِالنَّوْعِ بعِلتَّين) (^٢).
وهو ظاهر؛ لأنَّ الذي في أصل واحد تَعددت العِلة فيه في مُعَيَّن مُشَخَّص، والذي في صورة أخرى تَعددت العلة فيه في نوع؛ لأنَّ المنع في التقديم في الرباعية غير المنع في التقديم في غير الرباعية، ونوعهما واحد وهو منع التقديم على الوقت.
وجعل ابن الحاجب الصورتين معًا مِن أقسام "عدم التأثير"، وسيأتي بيانه [هناك] (^٣)، وكأنَّ ذلك لأنَّ ادِّعَاء عدم الوصف المعلَّل به وأنَّ الحكم وُجِد -طريقُه أنَّ الوصف إذا أُلغِي بعدم تأثيره، كان عَدَمًا.
واعلم أن قولنا: (ينتفي الحكم بانتفاء الوصف) [المراد] (^٤) انتفاء عِلمه أو الظن به كما أشار إليه ابن الحاجب وغيره، لا انتفاء نفس الحكم؛ لأنه لا يَلزم مِن انتفاء الدليل على
_________________
(١) كذا في (ص)، لكن في (ت): ينفى.
(٢) منهاج الوصول (ص ٢١٦) بتحقيقي.
(٣) كذا في (ص، ق)، لكن في سائر النسخ: في مثال.
(٤) كذا في (ص، ق، ش). لكن في (ت): معناه.
[ ٥ / ٢٠٢٧ ]
الصانع انتفاؤه، بل انتفاء العلم به فقط. وهو معنى قولي في النَّظم: (إنْ عُلِمَا أَوْ ظُنَّ). أي: عُلم ذلك الانتفاء أو ظُن، لا انتفاء نفس الحكم.
ثُمَّ إذا انتفى الحكم -أَيِ العِلم به أو الظن- فإما بأنْ لا يكون له حُكم أو بأنْ يكون بإبدال حُكم بضده.
والثاني أبلغ، وإليه أشرتُ بقولي في النَّظم: (وَالْإبْدَالُ أَوْلَى)، وشاهده حديث: "أيأتي أحدنا شهوته وله فيها أجر؟ فقال النبي - ﷺ -: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فقالوا: نعم. قال: فكذلك إذا وضعها في حلال، يؤجَر" (^١). فجعل النبي - ﷺ - ضد حُكم الوطء المباح -وهو الإثم- في الوطء الحرام الذي هو ضد الوطء المباح، [لافتراقهما] (^٢) في عِلة الحكم وهو كون هذا مباحًا وذلك حرامًا.
ويدخل مثل هذا فيما يُسمى بـ "قياس العكس" كما سبق بيانه في تعريف القياس في باب الأدلة وأمثلة ذلك والاختلاف في كونه قياسًا أو مِن قبيل التلازم، فليراجَع.
ومما يمثَّل به أيضًا أنْ يقول الحنفي في القتل بالمُثقل: لَمَّا لم يجب القتل بصغير المثقل، لَمْ يجب بكبيره؛ بدليل عكسه، فإنه لَمَّا وجب القصاص بكبير الجارح، وجب بصغيره.
فالعكس بهذا المعنى لا يُشترط اتفاقًا؛ لجواز أنْ يوجب الشارع القصاص بكل جارح ويَخُص القصاص في المثقل بالكبير.
تنبيه:
قال إمام الحرمين في التدريس: إنَّ الذين يشترطون العكس في العلة اختلفوا: فمنهم مَن
_________________
(١) صحيح مسلم (رقم: ١٠٠٦).
(٢) كذا في (ص) وهو الصواب، لكن في (ش، ت، س، ض): لاقترانهما.
[ ٥ / ٢٠٢٨ ]
قال: لا بُد مِن عكس على العموم كما شرطنا الاطِّراد عمومًا.
وقال الأستاذ أبو إسحاق: يُكتفى بالعكس ولو في صورة واحدة.
قلتُ: ولكن الأول هو الأظهر. والله أعلم.
ص:
٨٥٩ - وَ"عَدَمُ التَّاْثِيرِ": كَوْنُ الْوَصْفِ غَيْرَ مُنَاسِبٍ؛ فَلَيْسَ يَكْفِي
٨٦٠ - لِذَاكَ خُصَّ بِقِيَاسِ الْمَعْنَى وَمَا لَهُ اسْتِنْبَاطُ وَصْفٍ يُعْنَى
٨٦١ - عِنْدَ اخْتِلَافٍ، وَلَهُ أَقْسَامُ وَمُثُلٌ يُدْرَى بِهَا الْمَرَامُ
الشرح:
أيْ: ومن القوادح في العلة "عدم التأثير"، كأنْ يقول المعترِض: هذا الوصف الذي عُلِّل به غير مناسب للتعليل؛ لكونه طرديًّا، أو لاختلال شرط من شروط العِلة فيه؛ فلا يُكتفَى به في التعليل.
ووجْه تسميته بذلك أن المراد بالتأثير هنا اقتضاؤه ذلك إما بمعنى المُعَرِّف أو المؤثِّر على ما سبق مِن الخلاف. فإذا لم يُفِد أثرًا، فلا تأثير له.
وسبق أنَّ البيضاوي عرَّفه -تبعًا لإمامه- بثبوت الحكم بدون الوصف في ذلك الأصل بخصوصه، بخلاف "عدم العكس"، فإنه في صورة أخرى.
لكن تعريفه بما ذكرناه أَعَم مِن هذا التفسير؛ لأنَّ تفسيرنا أنْ يوجد الوصف ولكنه غير مناسب، سواء وُجِد الحكم أو لم يوجد. مع أنَّ الحكم إذا وُجِد، قد لا يوجد معه الوصف.
وينبني على التعريفين بيان ما يقدح فيه مِن العلل. فَعَلى تفسيرنا لا يكون قادحًا إلا في قياس المعنى دُون الشبه والطرد، وأنْ لا يكون إلا في العلة المستنبَطة المختلَف فيها دُون
[ ٥ / ٢٠٢٩ ]
المنصوصة أو المستنبطة المُجْمَع عليها.
نعم، سيأتي في أقسامه ما له فائدة في الجملة، فلا يكون "عدم التأثير" في أصل الحكم فيه قادحًا. ويأتي بيان ذلك موضحًا، وإلى ذلك أشرتُ بقولي: (لَهُ أَقْسَامُ وَمُثُلٌ يُدْرَى بِهَا الْمَرَامُ)، أي: المقصود. وإنما لم أذكرها في النَّظم لقصد الاختصار.
فأقسام "عدم التأثير" أربعة:
- ما لا تأثير له أصلًا.
- وما لا تأثير له في حُكم ذلك الأصل.
- وما اشتمل على قيد لا تأثير له.
- وما لا يظهر فيه شيء مِن ذلك ولكن لا يطرد في محل النزاع؛ فيُعْلَم مِن ذلك عدم تأثيره.
ولكل قِسم اسم يُعْرَف به.
فالأول: عدم التأثير في [ذات] (^١) الوصف. أي: لا تأثير له أصلًا؛ بِكونه طَرْدِيَّا كما سبق في مثال: (الصبح صلاة لا تُقصر؛ فلا يُقَدَّم أذانها). ويرجع حاصله إلى المطالبة بصلاحية كَوْنه عِلة.
الثاني: له تأثير لكن لا في [حُكم] (^٢) الأصل، كما سبق في مثال بيع الغائب: مبيع غير مرئي؛ فلا يصح، كالطير في الهواء.
فيعارَض بأنَّ العلة العجز عن التسليم.
_________________
(١) في (ص، ق): ذلك.
(٢) كذا في (ص، ق، س)، لكن في (ت): محل حكم.
[ ٥ / ٢٠٣٠ ]
وَيرجع حاصله إلى معارَضة بِعِلة أخرى.
نعم، هذا المثال قرره القاضي أبو الطيب في "تعليقته" في الكلام على بيع الغائب بتقرير آخَر.
فقال: لنا: أنه باع عَيْنًا لَمْ يَرَ منها شيئًا؛ فلا يصح، كما لو باع النوى في التمر.
قال: فإنْ قيل: قولكم: "لم ير منها شيئًا" لا تأثير له في الأصل؛ لأنَّ بعض النوى إذا كان ظاهرًا نراه وبعضه غير ظاهر فإنَّ البيع لا يصح.
فالجواب: أنه ليس مِن شرط التأثير أن يكون موجودًا في كل موضع، وإنما يكون وجود التأثير في موضع واحد، وتأثيره في بيع البطيخ واللوز، فإنه يرى بعضها ويكون بيعها صحيحًا.
وقال الإمام في "البرهان": (عدم التأثير في الأصل هو تقييد عِلة الأصل بوصف لا أثَر لأجله في الأصل. كقول الشافعي في منع نكاح الأَمة الكتابية: أَمة كافرة؛ فلا تُنكح، كالأَمة المجوسية. فلا أثر للرق في الأصل).
قال: (والمحققون على فساد العلة بذلك، وقيل بصحتها؛ إذْ للرق على الجملة أثر للمنع، وشبهه بالشاهد الثالث المستظهَر به. وهو ضعيف؛ إذِ الثالث متهيئ لوقوعه ركنًا عند تَعذُّر أحد الشاهدين، بخلاف الرق).
ثم قال الإمام: (إنَّ ذلك الوصف إذا لم يكن له أثر ولا غرض فيه، فهو لَغْو، ولا تبطل العلة؛ لاستقلالها مع حذف القيد) (^١).
الثالث: أنْ يكون في جملة ما عُلِّل به قيد لا تأثير له في حُكم الأصل الذي قد عُلِّل به،
_________________
(١) البرهان في أصول الفقه (٢/ ٦٦٣ - ٦٦٦).
[ ٥ / ٢٠٣١ ]
وهو على ثلاثة أقسام:
أحدها: أنْ لا فائدة لِذِكره أصلًا، كقولهم في المرتدين: مشركون أتلفوا مالًا في دار الحرب، فلا ضمان عليهم، كالحربي. فقَيْد "دار الحرب" طَرْدي لا فائدة في ذِكره؛ فإنَّ مَن أَوْجَب الضمان أوجَبه مطلقًا، ومَن نفاه نفاه مطلقًا. فيرجع إلى ما رجع إليه القِسم الأول، وهو المطالبة بتأثير كَوْنه في دار الحرب.
ثانيها: لا تأثير لذلك القيد، ولكن له فائدة في القياس، كما يقال في اشتراط العَدد في الحجر المُسْتَنْجَى به: عبادة متعلقة بالأحجار لم يتقدمها معصية؛ فاعتُبِر فيها العَدد، كرمي الجِمار. فقَيْد: "لم يتقدمها معصية" لا تأثير له، لكن لِذكره فائدة؛ إذْ لو حذفه لانتقضت عِلته بالرجم. وهذا أيضًا راجع للأول كالذي قبله.
ثالثها: له فائدة لكن المعَلِّل لا يضطر إليه في ذلك القياس؛ ولهذا يُسمى "الحشو". كما لو قيل في أن الجمعة تصح بغير إذن الإمام: (صلاة مفروضة؛ فلم تفتقر إقامتها إلى إذنه، كالظهر). فذِكر الفَرْض لا فائدة فيه؛ لأنَّ النفل كذلك. وإنما ذكر لتقريب الفرع مِن الأصل وتقوية الشَّبه بينهما؛ إذ الفرض بالفرض أَشْبَه مِن غيره.
الرابع: ما له تأثير لكن لا يطرد في ذلك الفرع ونحوه مِن محال النزاع. كقولنا في ولاية المرأة: زوَّجَت نفسها مِن غير كُفء؛ فلا يصح، كما لو زُوِّجَت مِن غير كُفء.
فالتزويج مِن غير كفء -وإنْ ناسب البطلان- إلا أنه لا اطراد له في صورة النزاع التي هي تزويجها نفسها مطلقًا؛ فبَانَ أنَّ الوصف لا أثر له في الفرع المتنازَع فيه.
وحاصل هذا أنه كالثاني مِن حيث إنَّ حُكم الفرع هنا مضاف إلى غير الوصف المذكور. كذا قاله ابن الحاجب في "مختصره" الصغير، وتبعه في "جمع الجوامع"، لكنه قال في الكبير: إنه كالثالث. وقيل: إنه الصواب.
[ ٥ / ٢٠٣٢ ]
واعْلَم أنَّ هذا القسم كيف كان مبني على قبول الفرض، مَن قبله رَدَّ هذا، ومَن منعه قَبِل هذا. كما لو قال المسئول عن [نفود] (^١) عتق الراهن: (أفرض الكلام في المعسِر)، أو عن مَن زوجت نفسها: (أفرض فيمن [زوجت] (^٢) مِن غير كُفء).
فإذا خَصَّ المستدِل تزويجها نفسها مِن غير الكُفء بالدليل، فقد فرض دليله في بعض صوَر النزاع.
وحاصل الخلاف في الفرض مذاهب:
أحدها: المنع. وبه قال ابن فورك بشرط أن يكون الدليل عامًّا لجميع مواقع النزاع؛ ليكون دفعًا لاعتراض الخصم مطابقًا للسؤال.
الثاني: وبه قال الجمهور: الجواز؛ لأنه قد لا يساعده الدليل على الكل، أو يساعده غَيْر أنه لا يَقْدر على دَفْع كلام الخصم، بأنْ يكون كلامه في بعض الصوَر أشكل، فيستفيد بالفرض غرضًا صحيحًا. ولا يفسد بذلك جوابه؛ لأنَّ مَن سأل عن الكل فَقَدْ سأل عن البعض.
الثالث: وبه قال ابن الحاجب: إنْ كان الوصف المجعول في الفرض طردًا فمردود، وإلا فمقبول.
وقال ابن التلمساني: الوجه أنْ يقال: قد يستفاد بالفرض تضييق مجاري الاعتراض على الخصم -وهو مِن مقصود الجدل- أو وضوح التقرير. ولهذا المعنى عدل الخليل -﵊- في تقرير الاستدلال على النمرود بالأثَر على المؤثِّر إلى الأوضح عند النمرود بقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] الآية.
_________________
(١) في (ش): تفرد. وفي (ت): نفود. وسائر النسخ غير واضحة.
(٢) كذا في (س، ض، ش)، لكن في (ص، ق): زوجته.
[ ٥ / ٢٠٣٣ ]
والرابع: أنه يجوز بشرط البناء. أي: بناء ما خرج عن محل الفرض [على] (^١) محل الفرض.
ثُم اختُلف في طريق البناء، فقيل: يكفي أن يقول: ثبت الحكم في بعض الصوَر؛ فيَلزم القول بثبوته في الباقي؛ ضرورة أنْ لا قائل بالفَرْق.
وقيل: لا يكفيه ذلك، بل يحتاج إلى رد ما خرج عن محل الفرض إلى محل الفرض بجامع صحيح كما هو قاعدة القياس.
وقيل: إنْ كان الفرض في صورة السؤال فلا يحتاج إلى البناء. وإنْ عدل [في] (^٢) الفرض إلى غير محل السؤال فلا بُدَّ حينئذٍ من بناء السؤال على محل الفرض بطريق القياس. والله أعلم.
ص:
٨٦٢ - وَ"الْقَلْبُ": دَعْوَى مَا بِهِ اسْتُدِلَّا عَلَيْهِ أَوْ لنَا مَعًا قَدْ دَلَّا
٨٦٣ - إمَّا بِتَصْحِيحِ مَقُولِ الْمُعْتَرِضْ أَوْ لَا، بَلِ الْإبْطَالُ فِيهِ يَعْتَرِضْ
٨٦٤ - وَمنْهُ مَا "قَلْبَ الْمُسَاوِي" يُسْمَى يُنْفَى بِهِ مَعَ اسْتِوَاءٍ حُكْمَا
الشرح:
أي: مِن القوادح أيضًا "القَلْب"، وهو:
- إمَّا الخاص بباب القياس، وهو الذي تعرَّض له البيضاوي وغيره هنا؛ لأنَّ كلامهم
_________________
(١) كذا في (س)، لكن في سائر النُّسخ: إلى.
(٢) في (ص، ق): عن.
[ ٥ / ٢٠٣٤ ]
في القياس، فعرَّفوه بِـ "أنْ يربط المعترض خِلاف قول المستدل على عِلَّته التي ذكرها إلحاقًا بالأصل الذي جعله مَقِيسًا عليه".
- وإمَّا الأَعَم مما يُعترض به على القياس وعلى غيره مِن الأدلة، وهو ما ذكرته في النَّظم: أنْ يدَّعي المعترِض أنَّ ما استدل به في المسألة على ذلك الوجه دليلٌ عليه لا في غير تلك المسألة ولا مِن غير ذلك الوجه.
وذلك مفهوم من قولي: (مَا بِهِ اسْتُدِلَّا)، فيخرج عنه ما لو كان ذلك في مسألة أخرى أو في المسألة لكنِ من غير ذلك الوجه، كأنْ يكون للمستدل مِن طريق الحقيقة فيستدل به المعترِض مِن طريق المجاز.
وهو ضربان؛ لأنَّ ما يأتي به المعترِض إما أن يكون دليلًا على المستدِل، لا لَهُ، وإما أنْ يدل لكل منهما، لا للمستدِل وحده.
وهو معنى قولي: (عَلَيْهِ أَوْ لَنَا مَعًا). أي: أو يقول المعترِض: هذا دليل لي ولك، فهو لنا معًا.
قال الآمدي: والأول قَلَّ ما يتفق له مثال في الأقيسة.
ومثاله من النصوص: استدلال الحنفي في توريث الخال بقوله - ﷺ -: "الخال وارث مَن لا وارث له" (^١). فيقول المعترِض: هذا يدل عليك، لا لك؛ إذ معناه نَفْي توريث الخال بطريق المبالغة، أي: الخال لا يرث. كما يقال: الجوع زاد مَن لا زاد له، والصبر حيلة مَن لا حيلة له. أي: ليس الجوع زادًا ولا الصبر حيلةً.
ثم ينقسم "القلب" مِن وَجْه آخَر إلى ثلاثة أقسام:
_________________
(١) سنن أبي داود (رقم: ٢٨٩٩)، سنن الترمذي (رقم: ٢١٠٣) وغيرهما. قال الألباني: صحيح. (صحيح الترمذي: ٢١٠٣).
[ ٥ / ٢٠٣٥ ]
أحدها: أن يدل على تصحيح مذهب المعترِض مِن غير تَعَرُّض لإبطال مذهب المستدِل.
والثاني: أن يكون لإبطال قول المستدِل صريحًا.
والثالث: أن يكون لإبطاله ضمنًا، لا صريحًا.
فأما الأول: فكاستدلال الحنفية على اشتراط الصوم في صحة الاعتكاف بقولهم: الاعتكاف لبث مخصوص؛ فلا يكون مُجَرَّده قُربة، كالوقوف بعرفة، فإنه إنما صار قُربة بانضمام عبادة أخرى إليه وهو الإحرام.
فيقول الشافعي: لبث مخصوص؛ فلا يشترط فيه الصوم، كالوقوف بعرفة.
وأما الثاني: فكما يقولون: مسح الرأس ركن مِن أركان الوضوء؛ فلا يكفي فيه أَقل ما ينطلق عليه الاسم؛ قياسًا على الوجه.
فيقول الشافعي: مسح الرأس ركن مِن أركان الوضوء؛ فلا يُقَدَّر بالربع، كالوجه.
ففيه نفى مذهب المستدِل صريحًا، ولم يُثْبت مذهبه؛ لاحتمال أنْ يكون الحقُّ هو الاستيعاب كما هو قول مالك.
وأما الثالث: فكقولهم في بيع الغائب: عقد معاوضة؛ فيصح مع عدم الرؤية للمعقود عليه، قياسًا على النكاح.
فيقول الشافعي: عقد معاوضة؛ فلا يثبت فيه خيار الرؤية، كالنكاح.
فثبوت خيار الرؤية لازِم لصحة بيع الغائب عندهم، وإذا انتفى اللازم، انتفى الملزوم.
وهذان داخلان في قولي: (أَوْ لَا، بَلِ الْإبْطَالُ فِيهِ يَعْتَرِضْ)، فإنه يشمل الإبطال بالتصريح وبالتضمن.
وقولي: (وَمِنْهُ مَا "قَلْبَ الْمُسَاوِي" يُسْمَى) هو بنَصب "قلب" مفعولا ثانيًا لِـ "يُسمى"، قُدِّم على العامل. والإشارة بذلك إلى أن مِن "القلب" نوعًا يسمى "قلب المساواة"، وهو أنْ
[ ٥ / ٢٠٣٦ ]
يَكون في الأصل قِسمان:
أحدهما: مُنْتَفٍ في الفرع باتفاق الخصمين.
والآخَر: متنازَع فيه بينهما. فإذا أراد أنْ يثبته في الفرع قياسًا على الأصل، فيقول المعترِض في التسوية بينهما في الفرع؛ بالقياس على الأصل. ويَلْزَم مِن وجود التسوية في الفرع عدمُ ثبوته فيه. وهو معنى قولي: (يُنْفَى بِهِ مَعَ اسْتِوَاءٍ حُكْمَا).
وذلك كقولهم في نية الوضوء: طهارة بالماء؛ فلا يفتقر إلى النية، كإزالة النجاسة.
تنبيهات
الأول: "القلب" يتضمن أن دليل المستدِل صح ولكنه دليل عليه كما قررناه، لكن صحته إنما هي على تقدير التسليم، وهذا مأخوذ من تسمية "القلب" معارضة، فإنَّ المعارَضة لا تُفْسِد العلة، بل تمنع مِن التعلق بها إلى أنْ يثبت رجحانها مِن خارج.
وفي قول: إنَّ "القلب" تسليم للصحة مطلقًا. وهذا مأخوذ مِن قول بعض أصحابنا: القلب شاهد زور، كما يشهد لك يشهد عليك. وهذا نظير قول ابن السمعاني في توجيه سؤال القلب: (إنه يُعَلق على العلة ضد ما عَلَّقه المستدل مِن الحكم، فلا يكون أحد الحكمين أَوْلى مِن الآخَر، ويبطل تعلقهما بها). كذا قرره السبكي، وأنَّ الأقوال مستخرجة مِن ذلك.
لكن قال الإمام في "البرهان": (ذهب ذاهبون إلى رَدِّه؛ لكون ما جاء به القالب ليس مناقضًا لِما صرَّح به المعلِّل، بل هو كالمعارضة [الحائدة] (^١). وذهب ذاهبون إلى قبوله؛
_________________
(١) كذا في (ص، ت، ض)، وفي (ق، ش): الجائزة. وفي (س): الجامدة. وعبارته في (البرهان، ٢/ ٦٧٠): (فالقلب إذًا حائد عن مقصد المعلِّل ومحل العلة، وهو في حكم معارضة في غير محل التعليل).
[ ٥ / ٢٠٣٧ ]
[لكون] (^١) العلة وقلبها يشتمل على حُكمين يستحيل الجمع بينهما، فهو مناقض للمقصود) (^٢).
قال: ولا يمكن القالب أن يعتقد صحة قلبه لكون قياس [المعلل] (^٣) قلبًا له، بل هو عنده من باب معارضة الفاسد بالفاسد، بخلاف المعارضة، إذ قد تكون صحيحة؛ لترجيحها على قياس المعلل.
نعم، نازعه بعضهم في ذلك، وقال: ربما كان القلب أرجح من قياس المعلل، فيكون صحيحا، فهو كالمعارضة. وقد أشار الإمام فيما بعد إلى ذلك.
وقال النيلي في "جدله": (القسم الأول من "القلب" -وهو ما يدل على المستدِل لا لَهُ- مِن قبيل الاعتراضات، ولا يتجه في قبوله خلاف. وأما الثاني: وهو ما يدل على المستدِل مِن وَجْه آخَر -كمثال الاعتكاف ومسح الرأس وبيع الغائب- فاختلفوا فيه هل هو اعتراض؟ أو معارضة موجودة فيه؟ وذكر لهذا الخلاف فوائد، منها: إذا قيل: معارضة، جازت الزيادة في علته، كقوله في بيع الغائب: عقد معاوضة مقتضاه التأبيد؛ فلا ينعقد؛ قياسًا على خيار الرؤية، كالنكاح. وإنْ قيل: اعتراض، لَمْ تَجُز الزيادة). انتهى
والفرق بين "المعارضة" و"الاعتراض" أنَّ "المعارضة" كدليل مستقل، فلا يتقدر بدليل المستدِل. و"الاعتراض" مَنعٌ، فتمتنع الزيادة عليه؛ لئلَّا يكون كذبًا على المستدِل؛ حيث يُقَوِّله ما لم يَقُل.
_________________
(١) كذا في (ق) ويوافقه كلام الجويني في "البرهان"، لكن في (ص، س، ض): وثبوت.
(٢) البرهان (٢/ ٦٧٠).
(٣) كذا في (س، ت)، وفي سائر النسخ: العلل.
[ ٥ / ٢٠٣٨ ]
ومنها: إنْ قلنا: معارضة، جاز قَلْبه مِن المستدِل كما تُعارِض العلة كما سبق في مثال بيع الفضولي. ومَن قال: إنه اعتراض، لَمْ يُجِز ذلك؛ لأنه منع، والمنع لا يمنع.
ومنها: إنْ قُلنا: معارضة، جاز أنْ يتأخر عن المعارضة؛ لأنه كالجزء منها. وإنْ قُلنا: اعتراض، لَمْ يَجُز، ووجب تقديمه عليها؛ لأنَّ المنع مُقَدَّم على المعارَضة.
ومنها: إنْ قُلنا: معارضة، قَبِلْنا منه الترجيح. وإنْ قلنا: اعتراض، فلا؛ لأنَّ المعارضة تَقبل الترجيح كالدليل المبتدأ، والمنع لا يَقبل الترجيح.
الثاني:
أنَّ قلب المساواة قد اختلف في قبوله بالخصوص. فقال بقبوله الأكثرون، كالأستاذ وإمام الحرمين والشيخ أبي إسحاق. وقال بردِّه القاضي وابن السمعاني وطائفة ممن قبل أصل القلب لأنه لا يمكن التصريح فيه بحكم العلة، فإنَّ الحاصل في الأصل نَفْي وفي الفرع إثبات؛ ولهذا المستدِل يعتبر الوصفين في الأصل، والمعترِض لا [يعتبرهما] (^١) بمقتضَى القلب.
وُيرجِّح قول الأكثر أنَّ القياس على الأصل إنما هو عند عدم الاختلاف، وهو ثابت فيه، فلا يضر كونه في الأصل الصحة وفي الفرع عدمها؛ إذ هذا الاختلاف غير مناف لأصل الاستواء الذي جُعِل جامِعًا.
هذا ما حرره شيخنا أبو عبد الله الزركشي في "شرح جمع الجوامع"، وهو نفيس؛ فلذلك اقتصرتُ على ذِكره.
_________________
(١) في (ص): يعترضهما.
[ ٥ / ٢٠٣٩ ]
الثالث:
جعل بعضهم مِن أقسام "القلب" ما يكون فيه تصحيح مذهب المعترِض مع إبطال مذهب المستدِل تصريحًا أو بغير تصريح.
فالأول: كما يقال في بيع الفضولي: عقد في حق الغير بلا ولاية؛ فلا يصح، كالشراء له.
فيقول المعترِض: تَصرُّف في مال الغير بلا ولاية؛ فيصح، كالشراء للغير، فإنه يصح للمشترِي وإنْ لم يصح لمن اشترى له.
والثاني: كقول الحنفي في الصوم في الاعتكاف: لبث في محل مخصوص؛ فلا يكون قُربة بنفسه، كالوقوف بعرفة. وغرضه التعرض لاشتراط الصوم فيه، ولكن لم يتمكن مِن التصريح به؛ لأنه لا أصل له يقيسه عليه.
فيقول الشافعي للمعترض: لبث في محل مخصوص؛ فلا يشترط فيه الصوم، كالوقوف بعرفة.
فقد تَعرَّض للعلة بتصريحه بنقيض المقصود.
نعم، قال إمام الحرمين في هذا المثال: إن الصوم عبادة مستقلة، فكونه شرطًا بعيد.
وانتُقِد عليه بأنه لا بُعد؛ فإنَّ الإيمان عبادة في نفسه، وهو شرط في العبادات.
والفرق بين هذين القِسمين والقِسمين السابقين مِن الثلاثة المذكورة قبل التنبيهات: أنَّ ذينك قصد فيهما إبطال مذهب المستدِل تصريحًا أو ضمنًا فقط، وهذان قصد فيهما تصحيح مذهب المعترِض ومعه إبطال مذهب المستدِل تصريحًا أو بلا تصريح كما هو ظاهر لمن تأمله؛ فلذلك جمع في "جمع الجوامع" الأقسام الأربعة كما ذكرناه. والله أعلم.
[ ٥ / ٢٠٤٠ ]
ص:
٨٦٥ - وَ"الْقَوْلُ بِالْمُوجَبِ": أَنْ يُسَلَّمَا دَلِيلُهُ، وَمَا النِّزَاعُ انْعَدَمَا
الشرح:
أي: ومن القوادح "القول بالموجَب" بفتح الجيم، وهو تسليم الدليل (أي: مُقتضَى الدليل) مع بقاء النزاع. ولا يختص بالقياس كما يوهمه تفسير الإمام الرازي بأنه: "تسليم ما جعله المستدِل موجَب العِلة". فلذلك فسرته بهذا المعنى العام الذي يشمل القياس وغيره.
وشاهِد ذلك مِن القرآن قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] جوابًا لقول عبد الله بن أبي سلول أو غيره ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨]. فإنه لَمَّا ذكر صفة -وهي العزة- وأثبت بها حُكمًا وهو الإخراج مِن المدينة، ردَّ عليه بأنَّ تلك الصفة ثابتة لكن لغير مَن أراد ثبوتها له، فإنها ثابتة لغيره، باقية على اقتضائها للحُكم وهو الإخراج، فالعزة موجودة لكن لا له، بل لله ولرسوله وللمؤمنين.
ومن أمثلته أيضًا قول بعضهم:
وإخوان حَسبْتُهُم درُوعا فكانُوها ولكن لِلأَعَادِي
وخِلْتُهم سهامًا صائبات فكانُوها ولكن في فؤادِي
وقالوا: قد صَفَتْ مِنَّا قلوب لقد صدقوا ولكن مِن ودادِي
وقول الآخر:
قلتُ: ثَقلتُ إذْ أتيتُ مرارا قال: ثقلتَ كاهلي بالأيادي
وهو نوع مِن بديع الكلام.
[ ٥ / ٢٠٤١ ]
ووروده في الأدلة على ثلاثة أقسام:
أحدها:
أن يستنتج من الدليل ما يتوهم أنه محل النزاع أو ملازمه.
مثل أنْ يقول في المثقل: قتل بما يَقْتل غالبًا؛ فلا ينافي وجوب القصاص، كالإحراق.
فيقول المعترِض: عدم المنافاة ليس محل النزاع ولا يقتضيه، وأنا أقول بذلك أيضًا، ولا يكون ذلك دليلًا عَلَيَّ في محل النزاع الذي هو وجوب القصاص وهو ليس عدم المنافاة ولا ملازمه.
الثاني:
أنْ يستنتج منه إبطال ما يتوهم أنه مَأْخَذ مذهب الخصم.
كقولنا في القتل بالمثقل أيضًا: التفاوت في الوسيلة لا يمنع وجوب القصاص، كالتفاوت في المتوَسَّل إليه.
فيقول الخصم: أنا أقول بموجَب ذلك وهو التفاوت في الوسيلة، ولكن لا يَلْزَم مِن ذلك وجوب القصاص الذي هو محل النزاع؛ إذ لا يَلزم مِن إبطال كَوْن التفاوت في الوسيلة مانعًا انتفاءُ كل مانع ووجود الشرائط، فيجوز أنْ لا يجب القصاص؛ لِمانع آخَر أو لِفوات شرط أو لِعدم المقتضِي.
والصحيح أنَّ المعترض إذا قال: ليس هذا مَأْخَذِي، يُصَدَّق؛ لأنه أَعْرَف بمذهبه.
وقيل: لا يُصَدق إلا ببيان مَأْخَذ آخَر؛ إذ ربما كان ذلك مأخذه ولكنه مُعانِد.
ورُدَّ بأنه لو أوجبنا عليه ذِكر المأخذ فإنْ مَكَنَّا المستدِل من إبطاله، لَزِمَ قَلْبُ المستدِل معترِضًا والمعترض مستدِلًّا. وإنْ لم نمكنه فلا فائدة في إبداء المأخذ؛ لإمكان ادِّعائه ما لا
[ ٥ / ٢٠٤٢ ]
يَصْلُح؛ ترويجًا لكلامه.
قال ابن الحاجب: (وأكثر القول بالموجَب هذا القِسم) (^١).
أي: الذي يستنتج فيه إبطال ما يتوهم أنه مأخذ الخصم ولم يكن كذلك. وإنما كان هذا أكثر لخفاء المآخِذ وقلَّة العارفين بها والمطَّلِعين على أسرارها، بخلاف محَالّ الخلاف، فإنَّ ذلك مشهور، فكَم مَن يَعرف محل الخلاف ولكن لا يَعْرف المأخذ.
وهذان المثالان فيما إذا كان ذلك في جانب النفي، ولكن قد يكون ذلك في إثبات، نحو: الخيل يُسابَق عليها؛ فتجب فيها الزكاة، كالإبل.
فنقول بالموجَب لكن زكاة التجارة، والنزاع في زكاة العين. ودليلكم إنما أنتج الزكاة في الجملة.
فإنِ ادَّعى أنه إنما أراد زكاة العين، فليس هذا قولًا بالموجَب.
فيقال: العبرة بدلالة اللفظ، لا بقرينته. كذا أجاب الهندي.
ولكن قد يقال: إذا كانت اللام للعهد، فالعهد مُقَدَّم على الجنس والعموم.
ثُم العلة ليست مناسبة لزكاة التجارة، إنما المناسب المقتضي هو النماء الحاصل.
الثالث:
أن يكون دليل المستدِل مقتصرًا فيه على المقدمة الكبرى مسكوتًا عن الصغرى. فيرد القول بالموجب من أجل حذفها.
مثل أنْ يقول الشافعي في وجوب نية الوضوء: كُلما ثبت أنه قُربة، اشتُرِط فيه النية، كالصلاة. وَيسكت عن قوله: الوضوء قُربة.
_________________
(١) مختصر منتهى السؤل والأمل في علمي الأصول والجدل (٢/ ١١٦٦)، الناشر: دار ابن حزم.
[ ٥ / ٢٠٤٣ ]
فإذا اعتُرض بالقول بالموجب، يقال: هذا مُسلَّم، ولكن مِن أين يَلزم اشتراط النية في الوضوء؟
وإنما ورد هذا لكون الصغرى محذوفة. فلو ذُكِرَت، لَمْ يَتَوَجَّه له اعتراض بالقول بالموجَب، وإنما يَرِد الاعتراض بالمنع للصغرى، بأنْ يقال: لا نُسلِّم أن الوضوء قُربة.
نعم، يُشترط في الصغرى أن تكون غير مشهورة. أما لو كانت مشهورة فإنها تكون كالمذكورة، فيُمنَع ولا يؤتَى بالقول بالموجَب.
تنبيهات
الأول: قال الجدليون: إنَّ في القول بالموجَب انقطاعًا لأحد المتناظرين؛ لأنَّ المستدِل إنْ أثبت ما ادَّعاه، انقطع المعترِض.
وما قالوه صحيح في القِسمين الأولَين كما عُرف، وبعيد في القسم الثالث؛ لاختلاف المرادين؛ لأنَّ مُراد المستدِل أنَّ الصغرى وإنْ كانت محذوفة لفظًا فإنها مذكورة تقديرًا، والمجموع يفيد المطلوب. ومراد المعترض أن المذكور لمَّا كان الكبرى وحدها وهِيَ لا تفيد المطلوب، تَوَجَّه الاعتراض.
الثاني: جواب القِسم الأول بأنه محل النزاع أو مُستلزِم لمحل النزاع.
كما لو قال شافعي: لا يجوز قتل المسلم بالذمي؛ قياسًا على الحربي.
فيقال بالموجَب؛ لأنه يجب قتله به. وقولكم: (لا يجوز) نفي للإباحة التي معناها استواء الطرفين، ونفيُها ليس نَفْيًا للوجوب ولا مُستلزِمًا له.
فيقول الشافعي: المَعْنِي بِـ "لا يجوز" تحريمه، ويَلْزم مِن ثبوت التحريم نفيُ الوجوب؛ لاستحالة الجمع بين الوجوب والتحريم.
[ ٥ / ٢٠٤٤ ]
وعن الثاني: بأنْ يبين في المستنتج أنه المأخذ بالنقل عن أئمة المذهب.
وعن الثالث: بأنَّ الحذف لإحدى المقدمتين سائغٌ عند العِلم بالمحذوف، والمحذوف مراد ومعلوم؛ فلا يضر حذفُه. والدليل هو المجموع، لا المذكور وحده. وكُتب الفقه مشحونة بذلك، بل لا يكاد يوجد ذِكر المقدمتين في قياس إلا نادرًا؛ قَصْدًا للاختصار [أو] (^١) للاشتهار أو للقرينة.
الثالث: كون القول بالموجَب قادحًا في العِلة ذكره الآمدي والهندي، ووجَّهوه بأنه إذا كان فيه تسليم موجَب ما ذكره المستدِل مِن الدليل وأنه لا يرفع الخلاف، عَلِمْنَا أنَّ ما ذكره ليس بدليل للحكم.
ونازع القاضي تاج الدين السبكي في ذلك في "شرح المنهاج"، وقال: (إنَّ هذا يُخرج لفظ "القول بالموجَب" عن إجرائه على قضيته، بل الحق أنَّ القول بالموجَب تسليمٌ له، وهذا ما اقتضاه كلام الجدليين، وإليهم المرجع في ذلك. وحينئذٍ لا يتجه عَدُّه مِن مُبْطِلات العِلة) (^٢). انتهى
وبذلك صرح أيضًا إمام الحرمين في "البرهان"، فقال: متى تحقق، انقطع المستدِل. وليس اعتراضًا في الحقيقة؛ لاتفاق الخصمين فيه على صحة العِلة.
وقد سبق في التنبيه الأول أن الجدليين يقولون بأنَّ فيه انقطاعًا لأحد المتناظرين، فليراجَع. والله أعلم.
_________________
(١) ليس في (س، ش، ت، ق).
(٢) الإبهاج في شرح المنهاج (٣/ ١٣٢).
[ ٥ / ٢٠٤٥ ]
ص:
٨٦٦ - وَ"الْقَدْحُ": أَنْ يُخْدَشَ في الْمُنَاسَبَهْ أَوْ كَوْنهِ أَفْضي إلَى مَا نَاسَبَهْ
٨٦٧ - أَوْ في انْضِبَاطٍ أَوْ ظُهُورٍ يُدَّعَى جَوَابُ كُلٍّ بِبيانِ الْمُدَّعَى
الشرح:
مِن القوادح في العِلِّيَّة أيضًا ما اشتهر بِاسْم "القدح"، وذكرت منه أربعة أنواع:
أحدها: القدح في مناسَبة الوصف للحكم المستدَل عليه؛ لِمَا يَلْزَم فيه مِن مفسدة راجحة على المصلحة التي مِن أَجْلها قُضِيَ عليه بالمناسبة أو مساوية لها؛ وذلك لِمَا سبق مِن أنَّ المناسبة تنخرم بالمعارضة.
وإنما أُعِيد ذلك هنا لأجْل التقسيم وبيان أن ذلك من جملة القوادح الواردة على المستدِل حتى يحتاج للجواب عنها بما سيأتي.
الثاني: القدح في صلاحية إفضاء الحكم إلى المقصود، وهو المصلحة المقصودة مِن شَرْع الحكم.
كما لو عَلل المستدِل حُرمة المصاهرة على التأبيد في حق المحارم بالحاجة إلى ارتفاع الحجاب بين الرجال والنساء المؤدِّي إلى الفجور، فإذا تَأبَّد التحريم، انسَدَّ باب الطمع المفْضِي إلى مقدِّمات الهَمِّ والنظر المفْضِي إلى ذلك الفجور.
فيقول المعترِض: بل سد باب النكاح أفْضَى إلى الفجور؛ لأنَّ النفس تميل إلى الممنوع، كما قال:
والقلب يطلب من يجوز ويعتدي والنفس مائلة إلى الممنوع
ولكل شيء تشتهيه طلاوة مدفوعة إلا عن المدفوع
[ ٥ / ٢٠٤٦ ]
الثالث: القدح في أنَّ الوصف منضبط، بل هو مضطرب، كالتعليل بالحكمة.
كالمشقة في القَصْر، والزَّجْر في التعزير، والحرج في الفطر، فإنها لا تتميز، وتختلف بالأشخاص والأحوال والزمان؛ فلا يمكن تعيين القَدْر المقصود منها.
الرابع: القدح في كون الوصف ظاهرًا، بل هو خفي.
كالرضا في العقود، والقصد في الأفعال الدالة على الإزهاق في وجوب القصاص؛ فإنَّ الحكم الشرعي خفي، والخفي لا يُعَرِّف الخفي.
قولي: (جَوَابُ كُلٍّ بِبَيَانِ الْمُدَّعَى) إشارة إلى أنَّ طريق المستدِل في دفع كل واحد مِن هذه الأربعة ببيان ما ادَّعاه في كل منها.
فأما الأول: فجوابه ببيان ترجيح تلك المصلحة التي في العِلة على تلك المفسدة التي يُعترَض بها تفصيلًا وإجمالًا.
وأما الثاني: فجوابه تبيين أنَّ التأبيد يمنع عادةً مِن ذلك بانسداد باب الطمع؛ فيصير بتطاوُل الأمر وتماديه كالطبيعي بحيث لا يبقى المَحل مُشْتَهى، كالأُمهات.
وأما الثالث: فجوابه ببيان أنه منضبط:
- إما بنفسه، كما تقول في المشقة والمضرة: إنه منضبط عُرفًا؛ بِناء على جواز التعليل بالحكمة إذا انضبطت، وقد سبق بيان ذلك.
- وإما بوصفه، بأنْ تكون العلة هي الوصف المنضبط المشتمل على الحكمة، كالمشقة في السفر، والزجر بالحد في الزنا بمائة جلدة والقذف بثمانين، ونحو ذلك.
وأما الرابع: فجوابه بأنْ يُبين ظهوره بصفة ظاهرة، كضبط "الرِّضَا" بما يدل عليه مِن الصّيَغ، وضبط "العَمْد" بفعل يدل عليه عادةً، كاستعمال الجارح والمثقل أو غير ذلك مما هو مبسوط في محله من الفقه. والله أعلم.
[ ٥ / ٢٠٤٧ ]
ص:
٨٦٨ - وَ"الْفَرْقُ": رَاجِعٌ إلَى مُعَارَضهْ في الْأَصْلِ أَوْ في الْفَرْعِ فِيمَا عَارَضَهْ
٨٦٩ - وَذَا بِإبْدَاءٍ لِمَعْنًى فَارِقِ بَيْنَهُمَا مُبَيِّنَ التَّفَارُقِ
الشرح:
أي: ومن القوادح أيضًا "الفرق"، وهو: إبداء المعترِض معنى يحصل به الفرق بين الأصل والفرع حتى لا يلحق به في حُكمه. وذلك بأحد طريقين:
الأولى: أنْ يجعل المعترِض تَعَيُّن صورة الأصل المقِيس عليها هو العلة في الحكم.
كقول شافعي في وجوب النية في الوضوء: طهارة عن حدث؛ فاعتُبرت فيه النية، كالتيمم. كما قال الشافعي - ﵁ -: طهارتان، فأنَّى تفترقان؟ !
فيقول المعترِض بِالفَرْق: العِلة في الأصل كَوْن الطهارة بتراب، لا مُطلَق الطهارة.
فذكر له خصوصية لا تعدوه، وهذا أَصْوب مِن قول بعضهم: إنَّ خصوصية كونها طهارة ضعيفة، فإنه يُرَدُّ بمشاركة وضوء دائم الحدث -كسلس البول والمذي- له في ذلك.
وأيضًا: فضَعْف الطهارة ليس هو المقتضِي لوجوب النية؛ فإنَّ القائل بالنية في الوضوء يوجبها في هذا الوضوء وغيره.
ونحو ذلك في قول الحنفي في التبييت: صوم عين؛ فيتأدَّى بالنية قبل الزوال، كالنفل.
فيقال: صوم نفل؛ فيبنى على السهولة؛ فجازَ بِنِيَّة متأخرة، بخلاف الفرض.
وبالجملة فهذا القسم راجع إلى مُعارَضة في الأصل، أي: معارَضة عِلة المستدِل فيه بعِلة أخرى، ولهذا بناه الجمهور -وجَرى عليه البيضاوي وغيرُه- على تعليل الحكم بِعِلَّتين فصاعدًا.
[ ٥ / ٢٠٤٨ ]
ووجه البناء: أنَّ المعترِض عارَضَ عِلة المستدِل بِعِلة أخرى. فمَن منع التعليل بعلتين، رآه اعتراضًا؛ لِما يَلزم منه مِن تَعدُّد العِلل، وهو ممتنع عنده. ومَن لم يمنع، لم يَره سؤالًا قادحًا؛ لجواز كون الحكم له علتان.
قال ابن السبكي: (وعندي أنه يبنى قبل ذلك على جواز التعليل [بالعلة القاصرة] (^١)، فإنْ منع، فالفَرْق مردود. وكأنهم سكتوا عن هذا البناء؛ لضعف القول بمنع القاصرة. ثم إذا جَوَّزناه، احتمل أنْ يمنع هذا؛ لتغايُرهما قصورًا وتَعَدِّيًا، واحتمل أن يكون جائزًا؛ إذْ لا تنافي بينهما، وهذا أرجَح. وهو مقتضى كلام ابن السمعاني وغيره) (^٢).
الطريق الثاني: أن يجعل تَعَيُّن الفرع مانعًا مِن ثبوت حُكم الأصل فيه.
كقولهم: يُقاد المسلم بالذمي، قياسًا على غير المسلم، بجامع القتل العمد المحض العدوان.
فيقول المعترِض: إنَّ تَعَيُّن الفرع -وهو الإسلام- مانع مِن وجوب القصاص عليه.
ولعله أيضًا مبني على جواز التعليل بالقاصرة، لكن بناه البيضاوي وغيره على أن النقض مع المانع هل يقدح؟ وقد سبقت المسألة.
_________________
(١) كذا في (ص)، لكن في (س، ق): بالقاصرة.
(٢) الإبهاج في شرح المنهاج (٣/ ١٣٥).
[ ٥ / ٢٠٤٩ ]
تنبيهات
الأول:
ذهب كثير من المتقدمين إلى أنه معارضة في الأصل والفرع معًا، حتى لو اقتصر على أحدهما لا يكون فرقًا. وذكر إمام الحرمين أنه وإن اشتمل على معارضة لكن ليس المقصود منه المعارضة، وإنما الغرض منه المناقضة للجمع.
فالكلام في الفرق وراء المعارضة، وخاصته وسِره [فِقْه] (^١) [يناقِض] (^٢) أصل الجَمْع. وقد رده مَن يقبل المعارضة.
وبالجملة ففي قبوله مذهبان:
أحدهما: أنه مردود، فلا يكون قادحًا. وعزاه ابن السمعاني للمحققين، وقال: إنه ليس مما تمس العلة التي نَصبها المعلِّل بوجه ما.
ووجَّهه غيره بأنَّ الوصف الواقع فرقًا إنِ استقل بالمناسَبة فهو عِلة أخرى، ولا تناقض بينهما. وإنْ لم يستقل بل كان يُكمل المصلحة، فلا حاجة إلى هذه الزيادة، بل المستقل هو المعتبر.
وأصحهما أنه مقبول؛ لأنه على أي وَجْه وَرَد يُوهن غرض المستدل مِن الجمع ويُبْطِل مقصوده. حتى إنَّ الشيخ أبا إسحاق ذكر في "الملخص" أنه أفقه شيء يجري في النظر، وبه يعرف فقه المسألة.
_________________
(١) في (ق): فقد.
(٢) كذا في (ش)، لكن في (ت): تناقض.
[ ٥ / ٢٠٥٠ ]
وذكر إمام الحرمين أنه الذي عليه جماهير الفقهاء؛ لأنَّ شرط علة الخصم خلُوها مِن المعارِض.
وزعم ابن السمعاني أنه عند المحققين أَضْعَف سؤال يُذكر، وليس مما تمس العلة التي نصبها العلل بوجه ما. وبالغ في الرد على الإمام.
ولخص ذلك ابن السبكي في "شرح المختصر" بما فيه مقنع، فليراجَع منه.
والحقُّ ما سبق أنه إذا كان معارَضة في الفرع فهو قادح؛ تفريعًا على سماع النقض وقَدْحه مطلقًا، وإنْ كان في الأصل فمبني على تَعدُّد العِلل.
الثاني:
اختُلف في أنه سؤال واحد؟ أو سؤالان؟
فقيل: واحد؛ لاتحاد المقصود منه وهو قطع الجمْع. فعَلَى هذا هو مقبول قطعًا.
وقال ابن سريج: سؤالان؛ لاشتماله على معارضه عِلة الأصل بِعِلة، ثم على معارضة الفرع بِعلة مستنبطة في جانب الفرع. وحينئذٍ ففي قبوله خلاف، فالمنع؛ لجمعه بين أسئلة مختلفة المراتب، فإنه ينبغي أن يكون كل سؤال على حياله، والقبول وهو الأصح ولو كان فيه جمع سؤالين؛ لأنه اضبط للغرض وأَجْمَع لشعث الكلام.
قال إمام الحرمين: (حاصل مذاهب الجدليين فيه ثلاثة: ردَّه؛ تفريعًا على رد المعارضة، وهو مذهب ساقط. وقول ابن سريج واختاره الأستاذ أبو إسحاق: أنه ليس سؤالًا، واحدًا، إنما هو معارضة معنى الأصل بمعنى، ومعارضة الفرع بِعلة مستقلة، ومعارضة العلة بِعلة [مقبول]) (^١).
_________________
(١) كذا في (ص، ق، ش، ض)، لكن في (س): مقبولة.
[ ٥ / ٢٠٥١ ]
قال: (والثالث المختار أنه مقبول مطلقًا، هو ما ارتضاه كلُّ مَن ينتمي إلى التحقيق) (^١).
فعُلم أنَّ القائل بأنه سؤالان لم يَقبله على أنه فرق، بل معارضة.
الثالث:
إذا قلنا: قادح، فقيل: يجب على الفارق نفيه عن الفرع؛ لأنَّ قصده افتراق صورتين.
وقيل: لا يجب.
وقيل بالتفصيل بين أن يصرح في أفراد الفرق بالافتراق بين الأصل والفرع فلا بُد من نفيه عنه، وإنْ لم يصرح بل قصد المعارضة ودليله غير تام فلا.
وقال المقترح: إنه أقرب إلى الصواب.
هذا إذا كان المقيس عليه واحدًا، فإنْ تَعدَّد، فقيل بالمنع؛ لإفضائه للانتشار مع إمكان حصول المقصود بواحد منها. وهو المختار ولو جاز تَعدُّد العِلل.
وقيل: يجوز؛ لِما فيه من تكثير الأدلة، وهو أقوى في إفادة الظن.
نعم، إذا فرَّعنا على جواز التعدد إذا فرق المعترض بين أصل واحد وبين الفرع، هل يكفيه ذلك؟ الأصح كما قاله الهندي: نعم؛ لأنَّ غرض المستدِل الإلحاق بالأصول كلها وإلا لم يعدده.
والثاني: يحتاج أن يفرق بين الفرع وبين كل واحد.
وقال الهندي: (المختار إنْ كان غرض المستدل مِن الأقيسة المتعددة إثبات المطلوب بصفة الرجحان وغلبة الظن المخصوص، فالفرق المذكور قادح في غرضه ومُحَصِّل لغرض المعترِض. وإنْ كان غرضه إثبات أصل المطلوب أو إثباته برجحان فمهما بقي قياس واحد
_________________
(١) البرهان في أصول الفقه (٢/ ٦٩٠ - ٦٩١).
[ ٥ / ٢٠٥٢ ]
أو التزمه سليمًا عن الفرق لم يقدح ذلك في غرضه، ولا يحصل به غرض المستدِل) (^١).
الرابع:
قال الشيخ أبو محمد الجويني في كتاب "الفروق": (الفرق قسمان، أحدهما: بظاهر كتاب أو سُّنة، فيستغنى حينئذٍ عن المعنى، فلو كشف عن ذلك وفرق بالمعنى، كان زيادة بيان، وإنْ لم يوجد ذلك فلا يحتاج إليه. والثاني: الفرق بالمعنى إما فرق فصل أو فرق جمع) (^٢).
ثم مثَّل الفرق بالنَّص بالفرق بين تحريم المخابرة وجواز المساقاة بما قال الشافعي من أنَّ الفرق بينهما أنَّ النبي - ﷺ - نهي عن المخابرة وجوز المساقاة لأهل خيبر.
قال: (ويمكن أن الإجارة أغنت عن المخابرة، وأما إجارة الأرض بما تقتضيه المساقاة فغير جائزة؛ فلهذا دعت الضرورة إلى المساقاة) (^٣). انتهى
فعُلِم منه أنه يجوز الفرق بالنص وأنَّ الشافعي - ﵁ - فرق به. والله تعالى أعلم.
ص:
٨٧٠ - ثُمَّ "فَسَادُ الْوَضْعِ": أَنْ يُبَيَّنَا أَنَّ الدَّلِيلَ لَيْسَ مِمَّا أُتْقِنَا
٨٧١ - بِوَضْعِهِ بِهَيْئةٍ صَالِحَةِ لِأَنْ يَكُونَ مُوجِبًا لِلْمُثْبَتِ
٨٧٢ - كَالْأَخْذِ لِلتَّخْفِيفِ مِنْ تَغْلِيظِ وَوَاسعٍ مِنْ ضَيِّقٍ حَفِيظِ
٨٧٣ - وَمنْهُ مَا الْجَامِعُ فِيهِ اعْتُبِرَا بِنَصٍّ أوْ إجْمَاعٍ أنْ قَدْ أَثَّرَا
_________________
(١) نهاية الوصول (٨/ ٣٤٨٤).
(٢) الجمع والفرق (١/ ٤٢)، الناشر: دار الجيل.
(٣) الجمع والفرق (١/ ٤٢)، الناشر: دار الجيل.
[ ٥ / ٢٠٥٣ ]
الشرح:
أي: ومن القوادح "فساد الوضع"، أي: بيان أن الدليل موضوع على غير هيئته التي يجب اعتبارها في ترتيب الحكم عليه واستنتاجه منه، وهذا ليس خاصًّا بالعلة، بل ولا بالقياس؛ فلذلك قلتُ: (أَنْ يُبَيّنا أَنَّ الدَّلِيلَ لَيْسَ مِمَّا أُتْقِنَا) إلى آخره. أي: أُحْكِمَ. يقال: أتقن الشيء إتقانًا، أي: أَحْكَمَه. ورجل تِقْن -بكسر التاء وإسكان القاف- أي: حاذق. حتى يجري مثل ذلك في القياس المنطقي كما أشرنا إليه في المقدمة.
والقصد هنا ما يتعلق بالقياس.
وقولي: (كَالْأَخْذِ) إلى آخِره - مثالان لذلك:
أحدهما: أنْ يؤخَذ التخفيف مِن محل التغليظ، كقول الحنفي: القتل العمد جناية عظيمة؛ فلا كفارة فيها، كسائر الكبائر مِن سُكْر وفِرار من الزحف ونحو ذلك.
فيقول المعترِض: كَوْنه جناية عظيمة يناسب أنْ تجب الكفارة تغليظًا، لا تخفيفًا بإسقاطها.
ثانيهما: أنْ يؤخذ التوسيع مِن التضييق، كقولهم في أنَّ الزكاة على التراخي: مال وجب لدفع الحاجة؛ فكان على التراخي، كالدية على العاقلة.
فإنَّ كَوْنه لدفع الحاجة يناسب أنه على الفور، لا على التراخي.
ونحو ذلك أن يؤخذ الإثبات مما يقتضي النفي، كأنْ يقال في المعاطاة في المحقرات: بيع لم يوجد فيه سوى الرضا؛ فوجب أن لا ينعقد، كما في غير المحقرات.
فيُقال: حصول الرضا يناسب الانعقاد لا نَفْي الانعقاد؛ لقوله - ﷺ -: "إنما البيع عن
[ ٥ / ٢٠٥٤ ]
تراض" (^١).
ومن "فساد الوضع" نوع آخَر وهو ما اقتصر عليه ابن الحاجب، وهو كون الجامع ثبت اعتباره بنَص أو إجماع في نقيض الحكم، كقول الحنفي في تنجيس سؤر السباع: سبع ذو ناب؛ فكان سؤره نجسًا، كالكلب.
فيقول المعترِض: علقت على العلة نقيض مقتضاها؛ لأنَّ كَوْنه سبعًا عِلة للطهارة؛ بدليل: أنه - ﷺ - دُعِي إلى دار قوم، فأجاب دُون دار آخَرين، فقال: "إن في دارهم كلبًا". فقيل له: وفي دار الذين أجبتهم هرة. فقال: "الهرة سبع" (^٢).
فكان نَصًّا على أنَّ كونه سبعًا عِلةٌ للطهارة، فكيف يعلل به النجاسة؟ !
كذا مثَّل به الشيخ أبو إسحاق في "الملخص"، ومثَّله ابن الحاجب على وَفْق مذهب المالكية في مسح الرأس في الوضوء ثلاثًا، فقال: (مسح؛ فيُسَن فيه التكرار، كالاستطابة).
أي: كالاستنجاء بالحجر؛ لأنَّ التثليث فيه عندهم سُنة، وهو وَجْه عندنا.
قال: (فيرد أنَّ المسح معتبر في كراهة التكرار على الخف).
_________________
(١) سنن ابن ماجه (رقم: ٢١٨٥)، صحيح ابن حبان (٤٩٦٧)، وغيرهما. قال الألباني: صحيح. (إرواء الغليل: ١٢٨٣).
(٢) مسند أحمد (٨٣٢٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَأْتِي دَارَ قَوْمٍ مِنَ الْأنصَارِ وَدُونَهمْ دَارٌ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله، سُبْحَانَ الله! تَأْتِي دَارَ فُلَانٍ وَلَا تَأْتِي دَارَنَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: "لَأَنَّ فِي دَارِكُمْ كَلْبًا". قَالُوا: فَإِنَّ فِي دَارِهِمْ سِنَّوْرًا. فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: "إِنَّ السِّنَوْرَ سَبعٌ". وفيه أيضًا (٩٧٠٦) عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "الْهِرُّ سَبعٌ". وضعفه الشيخ الألباني أثناء كلامه في (سلسلة الأحاديث الضعيفة، حديث رقم: ١٥١٢)؛ فاللفظان من طريق عيسى بن المسيب، وقد ضَعَّفه جماعة من أئمة الحديث.
[ ٥ / ٢٠٥٥ ]
أي: فهو نقيض الحكم؛ إذْ لو كان المسح عليه لاستحباب التكرار، لَمَا علل به كراهة التكرار في الخف.
وفيه نظر؛ لأنَّ [علة] (^١) كراهة التكرار في الخف إنما هي الإتلاف، لا المسح.
وأيضًا: فإنما كَوْنه عِلة لضد الحكم بالمناسبة، لا بالنَّص ولا بالإجماع.
نعم، لم يمثل لصورة ثبوت الضد بالإجماع؛ ولذلك جعل الشيخ أبو إسحاق بدل الإجماع كَوْن الأصول تشهد لضد الحكم، وكذا إمام الحرمين كما مثَّلنا به في الكفارة في العمد، فرجع الكل إلى أمرين: أن يدل نَص على ترتيب ضد الحكم على ذلك الوصف، أو تدل الأصول بالمناسبة عليه.
تنبيه: جواب هذا الاعتراض بتقرير المُدَّعَى، كأنْ يُقَرر في مثال التغليظ أنَّ للوصف جهتين، يناسب بإحداهما التغليظ وبالأخرى التخفيف، أو يبين أن الوصف ليس مُشْعرًا بنقيض الحكم المطلوب، أو يُسَلِّم ذلك ولكن يبين وجود مانع في أصل المعترِض. والله أعلم.
ص:
٨٧٤ - أَيْ في نَقِيضِ الْحُكْمِ، أَمَّا الْمُسْمَى "فَسَادَ الِاعْتِبَارِ" فَهْوَ عَمَّا
٨٧٥ - مَا قَبْلَهُ؛ لِأنهُ مُخَالَفَهْ لِلنَّصِّ أَوْ إجْمَاعِهِمْ إذْ خَالَفَهْ
الشرح: قولي: (أَيْ في نَقِيضِ الْحُكْمِ) متعلق بما قبله، أي: إنَّ [النص] (^٢) والإجماع أثَّر في نقيض الحكم، وقد سبق تقرير ذلك.
_________________
(١) كذا في (س، ت)، وفي سائر النسخ: علية.
(٢) في (ت): للنص.
[ ٥ / ٢٠٥٦ ]
وقولي: (أَمَّا الْمُسْمَى) إلى أخِره فهو نوع آخَر مِن القوادح، وهو المسمى بِـ "فساد الاعتبار"، وهو كَوْن القياس مخالفًا للنص أو للإجماع، فإنَّ ذلك يدل على فساده كما سبق، سواء كان النص:
- نَص القرآن، كما يقال في التبييت: صوم مفروض؛ فلا يصح بِنية من النهار، كالقضاء. فيقال: هذا فاسد الاعتبار؛ لمخالفة قوله تعالى: ﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]، فإنه يدل على أنَّ كلَّ صائم يحصل له أجر عظيم، وذلك يَستلزم الصحة.
- أو كان النص سُنَّة، كما يقال: لا يصح السلم في الحيوان؛ لأنه عقد مشتمل على غرر، فلا يصح، كالسلم في المختلط. فيُقال: هذا فاسد الاعتبار؛ لمخالفة ما في السُّنة أنَّ رسول الله - ﷺ - رخص في السلم (^١).
أما مخالفة الإجماع فكقول الحنفي: لا يجوز للرجل أن يُغسِّل امرأته؛ لأنه يَحْرُم النظر إليها، كالأجنبية.
فيقال: هذا فاسد الاعتبار؛ لمخالفته الإجماع السكوتي، وهو أنَّ عليًّا غَسَّل فاطمة.
وفي حُكم مخالفة النص والإجماع أن يكون إحدى مقدمات القياس هي المخالِفة للنص أو الإجماع، ويُدَّعَى دخوله في إطلاق مخالفة النص أو الإجماع كما اكتفيتُ بذلك في النَّظم.
وفي معنى ذلك أن يكون الحكم مما لا يمكن إثباته بالقياس، كإلحاق المصرَّاة بغيرها مِن العيب في حُكم الردِّ وعدمه ووجوب بدل لبنها الموجود في الضرع؛ لأنَّ هذا القياس مخالف
_________________
(١) صحيح البخاري (رقم: ٢١٢٥) بلفظ: (من أَسْلَفَ في شَيْءٍ فَفِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إلى أَجَلٍ مَعْلُومٍ)، صحيح مسلم (رقم: ١٦٠٤). قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري، ٤/ ٤٢٨): ("السَّلَمُ" بِفَتْحَتَيْنِ: السَّلَفُ وَزْنًا وَمَعْنًى ..، وَ"السَّلَمُ" شَرْعًا: بَيْعُ مَوْصُوفٍ فِي الذمَّةِ).
[ ٥ / ٢٠٥٧ ]
لصريح النَّص الوارد فيها، أو كان تركيبه مُشعرًا بنقيض الحكم المطلوب.
وإنما سُمي هذا النوع بذلك لأنَّ اعتبارَ القياس مع النَّص أو الإجماع اعتبار له مع دليل أقوى منه، وهو اعتبار فاسد؛ لحديث معاذ، فإنه أخَّر الاجتهاد عن النص.
فإنْ قيل: هذا النوع يؤول إلى الذي قبله؛ لأنَّ كُلًّا منهما اجتهاد في مقابلة النص، فما وَجْه تمييزه عنه؟ ولذلك جعلهما الشيخ أبو إسحاق واحدًا.
فالجواب: أنَّ مِن أنواع فساد الاعتبار كَوْن تركيبه مُشْعِرًا بنقيض الحكم المطلوب، فهو أَعَم مِن فساد الوضع.
فلذلك قال الجدليون في ترتيب الأسئلة: إنَّ فساد الاعتبار مقدَّم على فساد الوضع؛ لأنَّ فساد الاعتبار نَظَر في فساد القياس مِن حيث الجملة، وفساد الوضع أَخَص باعتبار لأنه يَستلزم عدم اعتبار القياس؛ لأنه قد يكون بالنظر إلى أمر خارج عنه.
وممن قال: (إنَّ فساد الاعتبار أعم) الهندي، لكن هذا لا يتأتى على تفسيرهما بما سبق.
نعم، للمستدل تقديم هذا السؤال على سؤال المنوعات؛ لأنه لَمَّا كان فاسد الاعتبار، أَغْنَى ذلك عن منع مقدماته، وله أنْ يؤخره؛ لأنَّ المستدِل يُطالَب أولًا بتصحيح مُقدِّمات ما ادَّعاه مِن صحة القياس، فإذا قام بذلك فإنْ أَمْكَن إثبات مقتضاه أثبت، وإلا رُدَّ؛ لعدم اعتباره.
تنبيه:
جواب هذا السؤال بأحد وجوه:
منها: الطعن في النَّص الذي ادُّعِي أنَّ القياس على خِلافه، إما بمنع صحته؛ لضعف إسناده، أو منع دلالته، أو غير ذلك.
ومنها: المعارَضة بنص آخَر؛ فيسلم القياس حينئذٍ.
[ ٥ / ٢٠٥٨ ]
ومنها: أنْ يُبين المستدِل رجحان قياسه على النَّص الذي ذُكِر أنه معارض بما ذكر في خبر الواحد.
كقولنا في متروك التسمية: ذَبْح صَدَر مِن أَهله في محله؛ فيحل، كذبح ناسي التسمية.
فيورد المعترِض: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]، ويقول: قياسك فاسد الاعتبار؛ لمعارضة هذا النَّص.
فيقول المستدِل: هذا محمول على تحريم مذبوح عَبَدة الأوثان، فإنَّ عدم ذِكر الله أمر غالب على أهل الشرك. فإذا انقدح هذا الاحتمال، صير إليه؛ بدليل الحديث الصحيح: "أنَّ قومًا قالوا: يا رسول الله، إن قومًا يأتوننا باللحم ما ندري أَذَكروا اسم الله عليه؟ أم لا؟ فقال رسول الله - ﷺ -: سموا عليه وكلوا" (^١).
ومنها: منع ظهور دلالته على ما يَلزم منه فساد القياس.
ومنها: أنْ يُدَّعَى أن النَّص المعارَض به [مُؤَوَّل] (^٢) بدليل يرجحه على الظاهر.
ومنها: أنْ يقول بموجَبه، أي: يُبْقِيه على ظاهره، وَيدَّعِي أنَّ مدلوله لا ينافي القياس. إلى غير ذلك من الطرق.
ومما يمثَّل به في كثير مِن الأجوبة قياسنا المثقل على المحدد، فيعارَض بما رواه علي- كرم الله وجهه- من قوله - ﷺ -: "لا قود في النفس وغيرها إلا بحديدة" (^٣). فيطعن المستدِل في سنده بأنَّ في رواته مُعلَّى بن هلال، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي. ومُعلَّى قال ابن معين: (كان يضع الحديث).
_________________
(١) صحيح البخاري (رقم: ١٩٥٢).
(٢) كذا في (ق)، لكن في سائر النسخ: ما دل.
(٣) سنن الدارقطني (٣/ ٨٧)، وفي إسناده معلى بن هلال، قال الدارقطني: (مُعلَّى بن هلال متروك).
[ ٥ / ٢٠٥٩ ]
ويمنع ظهوره في مقصدهم بأنْ يقول: مِن محتملاته الظاهرة أنه لا يمنع الاستيفاء إلا بحديدة كما ذهب إليه بعض العلماء وتأوله بأن لا قود يَعُم النفس وغيرها إلا بحديدة بخلاف المثقل، إذ ليس فيه من النكاية في الباطن ما في المحدد، فليس عمومه كعموم المحدد. ألا ترى أنَّ الضرب بِعَصا خفيفة لا يوجِب القصاص، والجرح اليسير يوجب؟
ويقول بموجَبه، وذلك إذا قتل بحديدة فلا يُقاد منه إلا بحديدة. ويعارضه بما في "الصحيحين" من أنَّ: "يهوديًّا رض رأس امرأة بين حجرين، فقتلها؛ فرضخ رسول الله - ﷺ - رأسه بين حجرين" (^١). ويرجح قياسنا باعتضاده بالحديث وغير ذلك من المرجِّحات. والله أعلم.
ص:
٨٧٦ - وَ"الْمَنع" قَدْ يَكُونُ لِلْعِلِّيَّهْ وَطَلَبِ التَّصْحِيحِ بِالْجَلِيَّهْ
٨٧٧ - أَوْ مَنْعُ كَوْنِ الْوَصْفِ فِيهَا يُعْتَبَرْ أَوْ كَوْنِ حُكْمِ الْأَصْلِ ثَابِتًا يُقَرْ
الشرح:
من القوادح: "المنع"، وهو: منع العِلية في الوصف الذي عَلَّل به المستدِل، والمطالبة بتصحيح ذلك.
قال ابن الحاجب: (وهو مِن أعظم الأسئلة؛ لعمومه و[تَشعُّب] (^٢) مسالكه).
أي: إنه يَعُم كل ما يُدَّعَى أنه عِلة، وطُرقه كثيرة مختلفة، ويقال له: "سؤال المطالبة".
_________________
(١) صحيح البخاري (رقم: ٢٢٨٢)، صحيح مسلم (١٦٧٢).
(٢) في (ص): تشعث. وفي (ق): تشعيث.
[ ٥ / ٢٠٦٠ ]
وحيث أُطلقت المطالبة فلا يقصد في العُرف سوى ذلك. ومتى أُريدَ غيره ذُكِر مُقَيَّدًا، فيقال: المطالبة بكذا.
وفي قبوله خلاف، والأصح المختار قبوله، وإلا لأدَّى الحال إلى اللعب مِن التمسك بكل طرد من الأوصاف، كالطول والقصر، فإنَّ المستدِل يَأْمَن المنع ويتعلق بما شاء مِن الأوصاف.
وقيل: لا يُقبل؛ لأنَّ القياس رَدُّ فرع إلى أصلٍ بجاِمع، وقد وُجِد، فَفِيمَ المنع؟
ورُدَّ بأنَّ ذلك [بظن] (^١) الصحة، والوصف الطردي مظنون الفساد.
وجواب سؤال المنع بأنْ يُثبت المستدِل عِلية الوصف بأحد الطُّرق المفيدة للعلة من إجماع أو نَص أو مناسبة أو سبر أو غير ذلك مما سبق.
وقولي: (أَوْ مَنع) إلى آخِره -أي: إنَّ المنع إما أنْ يُطْلق أو يُقَيّد، كمنع كون الوصف الذي عَلل به المستدل معتبَرًا في ذلك الحكم بخصوصه، بل في أعم منه.
كقولنا في إفساد الصوم بغير الجماع من أكل وشرب: لا تجب الكفارة؛ لأنها شُرعت زَجْرًا عن ارتكاب الجماع الذي هو محذور الصوم؛ فاختص به، كالحد.
فيقول المعترِض: لا نُسَلم ذلك، بل شُرعت زجرًا عن مُطْلق محذور الإفطار، وذلك شامل للجماع وغيره.
فيجيب المستدِل عن ذلك بأنَّ الشارع إنما رَتَّب الكفارة على خصوص الإفطار بالجماع، وليس غَيْرُه في معناه؛ فوجب أن تكون العلة هي الجماع فقط.
وكأنَّ المعترِض يُنَقِّح المناط بحذف خصوص الجماع، فإنه لا أثر له، ويُبْقِي مُطْلَق
_________________
(١) كذا في (ض)، لكن في (ص): يظن.
[ ٥ / ٢٠٦١ ]
الإفطار؛ لأنه المناسب، فيحقق المستدِل المناط بأنَّ ذلك الوصف الذي طرحه المعترِض ملائم مؤثِّر؛ فلا يُطرح، فيُقدَّم برجحانه؛ لأنَّ التحقيق يرفع النزاع.
ومن المقيد أيضًا أنْ يمنع كون حُكم الأصل ثابتًا.
كما لو قال شافعي: الخل مائع لا يرفع الحدث؛ فلا يزيل حكم النجاسة، كالدهن.
فيقول الحنفي: لا أُسَلم الحكم في الأصل؛ فإنَّ الدهن عندي مزيل لحكم النجاسة.
وقد اختُلِف في سماع هذا الاعتراض، فنقل عن الشيخ أبي إسحاق أنه لا يُسْمَع ولا يجب على المستدِل ذِكر الدلالة على الحكم، بل له أنْ يقول: إنما قِستُ على أصلي.
وهو بعيد؛ لأنَّ القياس على أصل غير ثابت حُكمه عند الخصم -لا بطريق الاعتبار ولا بطريق الدلالة على عِلته- لا ينتهض دليلًا على الخصم.
نعم، يستقيم ذلك إذا فرّع على مذهب نفسه، لكن لا يتصور في ذلك منع ولا تسليم.
كذا نقل ابن الحاجب وغيرُه ذلك عن الشيخ أبي إسحاق، والموجود في "الملخص" له سماع المنع في ذلك.
ثم إذا قُلنا بسماعه، فهل ينقطع المستدِل بذلك؟ فيه مذاهب:
أصحها: لا؛ لأنه منع مقدمة مِن [جملة] (^١) مقدمات القياس، فليُمَكَّن من إثباته كسائر المقدمات.
الثاني: نعم؛ لأنه انتقال مِن حُكم الفرع إلى حُكم الأصل.
والثالث: إنْ كان جليًّا يَعرفه أكثر الفقهاء، انقطع، أو خفيًّا لا يَعرفه إلا الخواص فلا. وهو اختيار الأستاذ أبي إسحاق. ونقل ابن برهان في "الأوسط" عنه أنه استثنى مِن الجلي ما
_________________
(١) كذا في (ت)، لكن ليس في (ص، ق، ش). وفي (س): جمل.
[ ٥ / ٢٠٦٢ ]
إذا تَقدم منه في صَدْر الاستدلال هذا الشرط بأنْ يقول: (إنْ سَلَّمْتَ وإلا نقلتُ الكلام إليه)، فلا يُعَد منقطعًا.
والرابع: يتبع في ذلك عُرف المكان، فإنَّ للجدل عُرفًا ومراسم في كل مكان. فإنْ عَدَّ أهل المكان ذلك انقطاعًا، انقطع، وإلا فلا.
ثم إذا قُلنا بأنَّ المنع يُسْمَع وعلق المستدِل إقامة الدليل عليه، فإذا أقام الدليل، فهل ينقطع المعترِض بمجرد الدلالة؛ لأنَّ اشتغاله بالاعتراض على دليل المنع خارج عن المقصود الأصلي؟ أو لا؟
المختار: أنه لا ينقطع، بل للمعترِض أنْ يعود ويعترض على دليل محل المنع، إذْ لا يَلزم مِن وجود صورته دليلُ صحته.
وبالجملة فيتوجه للمعترِض سبعة منوع مُرَتَّبة:
ثلاثة تتعلق بالأصل، وثلاثة بالعلة، وواحد بالفرع.
بأنْ يقول أولًا: لا نُسَلِّم حُكم الأصل.
سلَّمْنا، ولكن لا نُسَلِّم أنه مما يُقاس عليه.
سلَّمْنا، ولكن لا نُسَلم أنه مُعَلَّل.
سلَّمنا، ولكن لا نُسلم أن هذا الوصف [عِلته] (^١)؛ لعدم ظهوره أو عدم انضباطه أو نحو ذلك.
سلَّمنا، ولكن لا نُسلم وجُوده فيه.
سلَّمنا، ولكن لا نُسلم أنه مُتَعَد.
_________________
(١) كذا في (ص، س، ت)، لكن في (ق، ش): علة.
[ ٥ / ٢٠٦٣ ]
سلمنا، ولكن لا نُسلم وجوده في الفرع.
وسيأتي لنا خلاف في إيراد الاعتراضات هذه وغيرها والترتيب فيها.
تنبيه:
إذا توجه المنع على إثبات العلة بشيء مِن طُرقه فوَجْه تَوَجُّه الاعتراض فيما أثبت بطريق النص أن يَدَّعي المعترِض الإجمال في ذلك النص وأنه متردد بين أمرين، إذْ شَرْطه الظهور في المقصود، أو يَدَّعي أنه مُؤَوَّل بدليل آخَر، أو يَدعي القول فيه بالموجَب. ولا يلزم ما ذكره المستدِل.
وإنْ كان النَّص مِن السُّنة فيورد الطعن في سندها ونحوه، حيث توجه له الطعن بأنَّ الحديث مرسَل أو موقوف أو في سنده مَن لا يُقْبَل أو أنَّ بعض شيوخه قال فيمن رواه عنه: لم يَرْوِه عني.
وفي بقية الطُّرق ما سبق في الاعتراضات. والله أعلم.
ص:
٨٧٨ - كَذَا "اخْتِلَافُ الضَّابِطِ" الْمُعْتَبر نَفْيُ وُثُوقِ جَامِعٍ مُصَوَّرِ
الشرح:
من الاعتراضات أيضًا أن يقول المعترِض: إنَّ في قياسك اختلاف الضابط، (أي: بين الأصل والفرع)، فليس ضابط الأصل فيه هو ضابط الفرع، فلا وثوق بما ادَّعَيْته جامعًا بينهما.
مثاله: قولنا في شهادة الزور بالقتل: تسببوا بالشهادة إلى القتل عمدًا، فعليهم القصاص، كالمُكْرَه.
[ ٥ / ٢٠٦٤ ]
فيقول المعترض: الضابط في الفرعِ الشهادةُ، وفي الأصلِ الإكراه؛ فلا يتحقق التساوي بينهما.
وحاصل هذا السؤال يرجع إلى منع وجود عِلة الأصل في الفرع.
وفي "شرح المقترح" لأبي العز حكاية قولين في قبوله، قال: ومدار الكلام فيه ينبني على شيء واحد، وهو أنَّ المعتبَر في القياس القَطعْ بالجامع؟ أو ظن وجود الجامع كاف؟ وينبني على ذلك القياس في الأسباب، فمَن اعتبر القَطعْ، منع القياس فيها؛ إذْ لا يُتصور عادةً القَطعْ بتساوي المصلحتين، فلا يتحقق جامِع بين الوصفين باعتبار يثبت حُكم السببية لكل واحد منهما. ومَن اكتفى بالظن، صحح ذلك؛ إذ يجوز تَساوي المصلحتين، فيتحقق الجامِع، ولا يمتنع القياس.
تنبيه:
إنما لم أذكر مِن القوادح ما ذكره ابن الحاجب وغيرُه: اختلاف جنس [المصلحة] (^١)؛ اكتفاء باختلاف الضابط؛ لأنَّ تَعدُّد الضابط في الأصل والفرع تارةً يكون مع اتحاد المصلحة وتارةً يكون مع اختلافها، فإذا قدح مع الاتحاد فلأَنْ يقدح مع اختلاف الجنس في التأثير أَوْلى، فإنه يحصل جهتين في التفاوت: جهة في كمية المصلحة ومقدارها، وجهة في إفضاء ضابطها إليها؛ فالتساوي يكون أَبْعَد.
وبالجملة فجواب اعتراض اختلاف الضابط أنْ يُبين أنَّ الجامع هو عموم ما اشترك فيه الضابطان، أو يُبين أنَّ إفضاء الضابط في الفرع إلى المقصود مثل إفضاء ضابط الأصل إليه أو أَرْجح.
_________________
(١) في (ص): الوصفين.
[ ٥ / ٢٠٦٥ ]
أما لو بَيَّن إلغاء التفاوت في الصورتين فإنه لا يفيد، كما لو ألغى التفاوت بين قطع الأنملة إذا سرى إلى النفس وقطع الرقبة في وجوب القصاص بحفظ النسب وإنْ كان قطع الرقبة أشد إفضاءً. فإنما لم يُفدْه ذلك؛ لأنه لا يَلزم مِن إلغاء تَفاوُت القاتل إلغاء كل تفاوت. والله أعلم.
ص:
٨٧٩ - جَوَابُ كُلِّهَا بيانُ ضِدِّهِ بِحُجَّةٍ قَامَتْ لَهُ بِقَصْدِهِ
الشرح:
أي: كل ما ذكرناه من القوادح يكون جواب المستدِل فيه بإثبات ضد ما قاله المعترِض، ويقيم الدليل على ما يثبته مِن ذلك بحيث يحصل له قصده وينفي ما قاله المعترِض.
وقد بينتُ في الشرح فيما سبق جواب كل واحد واحد على التفصيل.
والجميع راجع إلى ما ذكرته هنا في النَّظم، فإنَّ كل واحد فيه إثبات ضد الاعتراض بشرط إقامة حجته عليه. والله أعلم.
فائدة:
٨٨٠ - مِنَ السُّؤَالَاتِ الَّتِي تَعُمُّ سُؤَالُ الِاسْتِفْسَارِ، ذَا أَهَمُّ
٨٨١ - بِأَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ ذَا غَرَابَهْ أَوْ مُجْمَلًا؛ لِطَلَبِ الْإجَابَهْ
الشرح:
لَمَّا انتهى القول في السؤالات المتعلقة بالقياس وكان كثير منها يجري في غير القياس كما سبق، بيَّنا هنا أنَّ مِن الأسئلة التي هي عامة في القياس وغيره سؤال الاستفسار، وهو الذي
[ ٥ / ٢٠٦٦ ]
بدأ به ابن الحاجب الاعتراضات؛ لأنه المتقدم على كل اعتراض. وهو: طلب معنى اللفظ؛ إما لإجمال - كالقرء - أو غرابة.
كما إذا قال في الكلب الذي لم يعلم: خِراش لم يُبْل؛ فلا يطلق فريسته، كالسيد.
فَـ "الخراش" بكسر الخاء المعجمة وقبل الألف راء وبعدها شين معجمة هو الكلب. ومعنى (لم يبل): لم يختبر.
قال الجوهري: (بلاه الله وأبلاه الله بلاء حسنًا، وابتلاه: اختبره) (^١).
والفريسة. الصيد، مِن "فرس الأسد فريسته": إذا دقَّ عنقها. ثم كَثُر حتى أُطلِق على كل قتل "فرسًا". والسيد: الذئب.
وقولي: (لِطَلَبِ الْإجَابَهْ) أي: يدَّعي المعترِض ذلك؛ ليطلب إجابة المستدِل عنه. لكن "بيان كونه مجملًا أو غريبًا حتى يحتاج إلى التفسير" على المعترِض على الأصح؛ لأنَّ الأصل عدم الإجمال وعدم الغرابة، فيُبَيِّن أن اللفظ لمتعددٍ، ولا يُكَلَّف بيان التساوي لِغيره. فإنْ قال: (إنَّ الأصل عدم رجحان بعضها) فهو جيد، ويكون ذلك تبرعًا مِن المعترِض.
نعم، "بيان أنه ليس بمجمل ولا غريب" على المستدِل؛ لأنَّ شرط الدلالة على المراد عدم إجماله أو غرابته، وبيان شَرْط الدليل على المستدِل.
وجواب هذا الاعتراض بضد ما اذُعِي كما سبق في جواب الأسئلة المذكورة من قبل، وكما أشعر به قولي هنا: (لِطَلَبِ الْإجَابَهْ).
فيقول المستدِل في جوابه: هذا ظاهر في مقصودي. ويبين ذلك:
- إما بنقل مِن اللغة، كما إذا اعترضه في قوله: (الوضوء قُربة؛ فتجب فيه النية) بقوله:
_________________
(١) الصحاح (٦/ ٢٢٨٥).
[ ٥ / ٢٠٦٧ ]
الوضوء يُطلق على النظافة وعلى الأفعال المخصوصة، فما الذي تريد بالذي تجب فيه النية؟ فيقول: حقيقته الشرعية الأفعال المخصوصة.
- أو مِن العُرف، كالدابة.
- أو يقول: ظاهر بقرينة معه، مثل قوله: (قُرء تحرم فيه الصلاة؛ فيحرم الصوم). فقرينة تحريم الصلاة فيه تدل على أن المراد به الحيض.
وفي الغرابة مثل: (ظلمة زوجت نفسها؛ فلا يصح). فالظُّلمة: المرأة؛ بدليل قوله: (زوجت نفسها).
- أو بتفسير مقصوده، بأنْ يقول: مرادي المعنى الفلاني. لكن لا بُدَّ أنْ يفسره بما يحتمله اللفظ وإنْ بَعُد، كما يقول: (يخرج في الفطرة التَّور). ويفسره بالقطعة مِن الأقط.
فلو قال المستدِل: (هو غير ظاهر في غير مرادي باتفاق مني ومنك؛ فيكون ظاهرًا في مرادي؛ لئلا يَلزم الإجمال).
فمنهم مَن ردَّه؛ لرجوعه إلى قوله: (إنَّ الأصل عدم الإجمال) والفرض أنَّ المعترِض يُبين أنه مجمل.
وأيضًا: فلا يَلزم مِن عدم ظهورِه في الآخَر ظهورُه في مقصوده؛ لجواز عدم الظهور فيهما جميعًا.
وصَوَّبه بعضهم؛ دَفْعًا لمحذور الإجمال، وذلك حيث لا يكون اللفظ مشهورًا بالإجمال. أما إذا اشتهر بالإجمال - كالعين والقرء والجون - فلا يصح فيه دَعْوَى الظهور أصلًا.
أما إذا فسره بما لا يحتمل، فلعب؛ فلا يُسمع؛ لأنَّ غايته أنه نطق بِلُغَةٍ غير معروفةٍ.
[ ٥ / ٢٠٦٨ ]
قال [الخوارزمي] (^١): وهو الحقُّ.
وقال [العَميدي] (^٢): لا يَلزمه التفسير أصلًا.
لكن هذا كله إذا لم يكن اللفظ مشهورًا. فإنْ كان مشهورًا، فالجزم تبكيت المعترِض. وفي مِثْله يُقال: "مُر فتعَلَّم، ثُمَّ ارْجِع فَتكلم".
تنبيهان
الأول: الاستفسار: استفعال مِن "الفسر"، وهو لُغة: طلب الكشف والإظهار، ومنه "التفسير".
ومن الغرابة خلط اصطلاح باصطلاح كما يقال في القياسات الفقهية لفظ "الدور" أو "التسلسل" أو "الهيولا" أو "المادة" أو "المبدأ" أو "الغاية". نحو أن يقال في شهود القتل إذا رجعوا: لا يجب القصاص؛ لأنَّ وجوب القصاص تَجَرَّد مبدؤه عن غاية مقصودة، فوجب أنْ لا يثبت.
وكذا ما أشبه ذلك من اصطلاح المتكلمين، إلا أنْ يعلم مِن حال خصمه أنه يَعرف ذلك، فلا غرابة حينئذٍ.
الثاني: إنما كان الاستفسار مقدم الاعتراضات؛ لأنه إذا لم يعرف مدلول اللفظ، استحال فيه تَوجُّه المنع أو المعارضة. وهُما مردُّ الاعتراضات كلها كما سيأتي.
وكان الشيخ عماد الدين الإسنائي يقول: في عَدِّ "الاستفسار" من الاعتراضات نظر؛
_________________
(١) كذا في (ت)، لكن في (ص): الجوادي. في (ق، ش): الخوَّاري.
(٢) كذا في (ق)، لكن في (ت، ش، س): العبدي، وفي (ص): الهندي.
[ ٥ / ٢٠٦٩ ]
لأنه طليعة جيش الاعتراضات، لا منها؛ لأنها خدش كلام المستدِل، و"الاستفسار" ليس فيه خدش، بل تَعَرُّف للمراد وتَبَيُّن للمطلوب؛ لِيَتَوَجَّه عليه السؤال.
وَيقْرُب مِن هذا حكاية الهندي عن بعض مُتأخِّري أهل الجدل أنه أنكر هذا السؤال. وهذا واضح؛ لأنَّ غايته استفهام، لا اعتراض.
وقد نقل ابن الحاجب في "مختصره الكبير" عن القاضي أبي بكر أنه قال: ما ثبت فيه الاستبهام، جاز فيه الاستفهام. والله أعلم.
ص:
٨٨٢ - كَذَلِكَ "التَّقْسِيمُ": أنْ يُرَدَّدَا بَيْنَ الَّذِي مَمْنُوعُ بَعْضٍ عُدِّدَا
٨٨٣ - جَوَابُهُ بِالْحَمْلِ لِلْمَذْكُورِ بِلُغَةٍ أَوْ عُرْفٍ اوْ ظُهُورِ
الشرح:
من الأسئلة العامة في الأدلة سؤال "التقسيم"، وهو كون لفظ المستدِل في دليله مترددًا بين معنيين فأكثر، المسلَّم منها لا يُحَصِّل المقصود، والممنوع هو المحصِّل له، لا إنْ كانا يحصلانه معًا أو لا يحصلانه معًا، فإنَّ التقسيم حينئذٍ لا معنى له؛ لأنَّ المقصود إما حاصل على التقديرين أو ليس بحاصل على التقديرين.
نعم، لو كانَا يُحصِّلان المقصود لكن البعض يَرِد عليه من القوادح ما لا يَرِفى على الآخَر، كان ذلك من التقسيم؛ لأنَّ فيه غرضًا صالحًا.
مثاله: أنْ يقال في ثبوت الملك في زمن خيار الشرط: وُجِد سبب الملك للمشترِي؛ فوجب أنْ يثبت. ويُبين وجود السبب بأنه بَيعْ صَدَر مِن أَهْله في محَله.
فيعترَض بأنَّ السبب إما مُطْلق البيع أو البيع الذي لا شرط فيه، والأول ممنوع، والثاني
[ ٥ / ٢٠٧٠ ]
مُسلَّم لكنه مفقود في صورة النزاع؛ لأنه مشروط بالخيار.
ومثاله في أكثر من اثنين:
لو قيل: المرأة بالغة عاقلة؛ فيصح منها النكاح، كالرجُل.
فيقول المعترِض: العاقلة إما بمعنى لها تجربة، أو لها حُسن رأي وتدبير، أو لها عقل غريزي. والأول والثاني ممنوعان، والثالث مُسلَّم لكن لا يكفي؛ لأنَّ الصغيرة لها عقل غريزي ولا يصح منها النكاح.
واختُلف في قبول هذا السؤال، فقيل: إنَّ سؤال الاستفسار يُغْني عنه، فلا حاجة إليه. والمختار أنه يُقبل لكن بَعْد ما يُبَيِّن المعترِض محَل التردد.
وقولي: (جَوَابُهُ) إلى آخِره - أيْ: جواب هذا الاعتراض أنْ يقول المستدِل: (لفظي الذي ذكرتُه محمول على المعنى الذي يؤدي للدلالة، والدال لي على حمله على ذلك اللغة أو العُرف الشرعي أو العُرف العام أو كونه مجازًا راجحًا بِعُرف الاستعمال).
أو يقول: (أحد الاحتمالات - وهو ما يدل لي - ظاهر)؛ بسبب ما انضم إليه مِن القرينة في لفظ المستدِل إنْ كان هناك قرينة لفظية أو عقلية أو حالية بحيث لا يحتاج إلى إثباته لغةً ولا عُرفًا. وهو معنى قولي: (أوْ ظُهُورِ).
تنبيه:
لم أذكر في الاعتراضات ما أشار إليه ابن الحاجب من التركيب؛ لأنه قد تَقدم في شروط حُكم الأصل، وقد أحاله هو أيضًا على ما ذكره هناك. فسبق أنه راجع إلى منع حُكم الأصل أو منع العلة أو وجودها.
ولذلك لم أذكر منها سؤال التعدية ولا سؤال تعدد الوضع؛ لرجوعها إلى المعارضة، فإنها معارضة خاصة.
[ ٥ / ٢٠٧١ ]
ولم أذكر أيضًا سؤال اختلاف جنس المصلحة؛ لِمَا سبق آنفًا مِن الجواب عنه.
وأما سؤال المعارضة فَلِمَا سبق أيضًا في شروط العلة مِن اشتراط عدم المعارِض المُنافي.
فقول ابن الحاجب في الاعتراضات: (إنها خمسة وعشرون) قد عَلِمْتَ تَداخُلها مما سبق في تقريرها. والله أعلم.
ص:
٨٨٤ - وَالِاعْتِرَاضَاتُ الْجَمِيعُ رَاجِعَهْ لِلْمَنْعِ أَوْ مُعَارَضَاتٍ [وَاقِعَهْ] (^١)
الشرح:
قال الجدليون: الاعتراضات راجِعة إما إلى مَنعْ في مقدمة من المقدمات أو معارَضة في الحكم، فمتى حصل الجواب عنهما فقد تم الدليل، ولم يَبْقَ للمعترِض مجال، فيكون ما سوى ذلك من الأسئلة باطلًا؛ فلا يُسْمَع.
وقال بعض الجدليين وتبعهم ابن السبكي في "شرح المختصر": إنها كلها ترجع إلى المنع فقط؛ لأنَّ المعارَضة منع للعلة عن الجريان.
نعم، قال بعضهم: إلا الاستفسار؛ لأنه طلب بيان المراد من اللفظ.
قيل: بل يمكن رجوعه أيضًا إلى المنع؛ لأنَّ الكلام إذا كان مُجْمَلًا لا يحصل غرض المستدِل بتفسيره، فالمطالبة بتفسيره تستلزم منع تحقق الوصف ومنع لزوم الحكم عنه.
_________________
(١) في (ن ١، ن ٥): دافعة.
[ ٥ / ٢٠٧٢ ]
تنبيهان
الأول: في ترتيب الاعتراضات:
فهي إما أنْ تكون من جنس واحد (كالنقوض والمعارضات في الأصل والفرع) أو من أجناس مختلفة (كالمنع والمطالبة والنقض والمعارضة).
فإنْ كانت مِن جنس واحد، جاز إيرادها معًا اتفاقًا، ولا يَلزم منه تَناقُض ولا انتقال مِن سؤال إلى آخَر.
وإنْ كانت من أجناس:
فإنْ كانت غير مُرتبة، فقدْ منع أهل سمرقند التعدد فيها؛ لِلْخَبْط اللازم منها والانتشار، وأوجبوا الاقتصار على سؤال واحد؛ حرصًا على الضبط.
قالوا: ولا يَرِد علينا إذا كانت مِن جنس؛ فإنَّا جَوَّزنا تَعدُّدها وإنْ أَدَّت إلى النشر؛ لأنَّ النشر في المختلِفة أكثر منه في المتفقة.
وجَوَّز الجمهور الجمع بينها، وهو الحقُّ.
وإنْ كانت مترتبة طبعًا مثل حُكم الأصل ومنع العِلية، فإنْ منع الحكم بَعد ثبوته طبعًا فقدْ أساء.
[فيقول] (^١): لا نُسلِّم ثبوت الحكم في الأصل. ولئن سلَّمنا فلا نُسلِّم أن العلة فيه ما ذكرت.
ففي الأخير تسليم للأول؛ فَيَتَعَيَّن الأخير للجواب؛ فلا يستحق ما قَبْله الجواب.
_________________
(١) كذا في (ص)، لكن في (ش، ت): فنقول.
[ ٥ / ٢٠٧٣ ]
قال ابن الحاجب: (والمختار جوازه؛ لأنَّ التسليم ليس بتحقيقي، وإنما هو تقديري).
قال الهندي: وهو الحق، وعليه العمل في المصنفات.
وإذا كان كذلك، [فَتُرَتَّب] (^١) الأسئلة، وإلا لكان إيرادها بلا ترتيب منعًا بعد تسليم. فإنك لو قلت: (لا نُسلم أن الأصل مُعلَّل بكذا)، فقدْ سلَّمتَ ضمنًا ثبوت الحكم، فكيف تمنعه بعد ذلك؟ !
وقد يقال: إذا كان التسليم تقديريًّا، فلا يضر ذلك.
قال ابن السبكي في "شرح المختصر": (ولم لا يَرقى المستدِل؟ فيقول: "لا أُسلِّم أنَّ الأصل معلَّل بكذا، بل لا أُسلم ثبوت الحكم فيه" كما يقول: "لا أُسلِّم الحكم، وإنْ سلَّمته فلا أُسلِّم العِلة"، فيكون الأظهر تجويز ذلك) (^٢). نعم، إذا ثبت الترتُّب في إيرادها، فيقدم ما يتعلق بالأصل ثم بالعلة ثم بالفرع كما بيَّناه قريبًا.
الثاني: في ضابط لأهل الجدل:
وهو أن المنع في الدليل إما أن يكون لمقدمة من مقدماته قبل التمام أو بَعْده.
والأول: إما أن يكون مجردًا عن المستند أو مع المستند وهو "المناقضة"، فهي منع مقدمة مِن الدليل سواء ذُكر معها مستند أو لا.
قال الجدليون: ومستند المنع هو ما يكون المنع مَبنيًّا عليه، نحو: لا نُسلم كذا، أو: لِمَ لا يكون كذا؟ ولا نُسلم لزوم كذا، وإنما يَلْزَم هذا أنْ لو كان كذا.
ثم إنِ احتيج لانتفاء المقدمة، فيسمى عندهم "الغصب"، أي: غصب منصب التعليل.
_________________
(١) كذا في (ص، ت، س)، لكن في (ق): فتترتَّب. وفي (ض، ش): فلترتب
(٢) رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب (٤/ ٤٧٩).
[ ٥ / ٢٠٧٤ ]
فهو أن يتصدى المعترِض لإقامة الدليل على فساد مقدمة من مقدمات الدليل.
وهو غير مسموع عند النُظَّار؛ لاستلزامه الخبط في البحث.
نعم، يتوجه ذلك مِن المعترِض بعد إقامة المستدِل الدليل على تلك المقدمة.
وأما الثاني وهو المنع بعد تمامه:
فإما أنْ يكون مع مَنعْ الدليل بناء على تخلُّف حُكمه، فيُسمى "النقض الإجمالي"؛ لأنَّ "النقض التفصيلي" هو تخلُّف الحكم عن الدليل للقدح في مقدمة مُعيَّنة من مقدماته، بخلاف الإجمالي، فإنه تخلُّف الحكم عن الدليل بالقدح في مقدمة من مقدماته لا عَلى التعيين.
وإما أن يكون مع تسليم الدليل والاستدلال بما ينافي ثبوت المدلول، فهو "المعارضة"، فهي تسليم للدليل؛ فلا يُسْمع منه بَعْدها مَنْعٌ فضلًا عن سؤال الاستفسار.
فيقول المعترِض: (ما ذكرتَ مِن الدليل وإنْ دلَّ على ما تَدَّعِيه فعندي ما ينفيه أو يدل على نقيضه). ويُثبته بطريقة، فهو ينقلب مُستدِلًّا؛ فلهذا لم يَقبله بعضهم؛ لِمَا فيه مِن انقلاب دست المناظرة، إذ يَصِير المستدِل مُعترِضًا والمعترض مستدِلًّا.
لكن الصحيح القبول؛ لأنَّ ذلك بناءٌ بالعَرَض هدمٌ بالذات، فالمستدِل مُدَّعٍ بالذات مُعترِضٌ بالعَرَض، والمعترِضُ بالعكس، فصارا كالمتخالفين.
مثاله: المسح ركن في الوضوء؛ فيُسن تثليثه، كالوجه.
فيعارضه بأنه مسحٌ؛ فلا يُسَن تثليثه، كالمسح على الخفين.
نعم، على المعَلِّل دَفْع الاعتراض عنه بدليل، ولا يكفيه المنع المُجَرَّد. فإنْ ذكر دليله ومنع ثانيًا فكما سبق، وهكذا حتى ينتهي الأمر إما إلى الإفحام أو الإلزام.
فَـ "الإفحام" عندهم: انقطاع المستدِل بالمنع أو بالمعارَضة.
و"الإلزام": انتهاء دليل المستدِل إلى مقدمات ضرورية أو يقينية مشهورة يَلزم المعترِض
[ ٥ / ٢٠٧٥ ]
الاعتراف بها، ولا يمكنه الجحد؛ فينقطع بذلك.
فإذَن "الإلزام" مِن المستدِل للمعترِض، و"الإفحام" مِن المعترِض للمستدِل. والله أعلم.
تنبيه:
٨٨٥ - مِنَ الْقِيَاسِ مَا هُوَ "الْجَلِيُّ" [ذَا] (^١) النَّفْيُ في فَارِقِهِ قَطْعِيُّ
٨٨٦ - أَوْ ذُو احْتِمَالٍ ضَعْفُهُ قَوِيُّ فَغَيْرُ هَذَيْنِ هُوَ "الْخَفِيُّ"
الشرح: ذكرت في هذا التنبيه تقسيمين للقياس:
أحدهما: من حيث القوة والضعف.
وثانيهما: من حيث المعنى المشترك بين الأصل والفرع.
وأخرت التنبيه على التقسيمين عن تمهيد القياس وأنواعه وأنواع عِلله؛ لتوقُّف فَهْمها على ذلك.
فالتقسيم الأول - وهو ما اشتمل عليه هذان البيتان - انقسام القياس إلى جَلِي وخَفِي.
فالجلي: ما قُطِع بنَفْي الفارق فيه، كقياس الأَمة على العبد في سراية العتق في قوله - ﷺ -: "مَن أعتق شركًا له في عبد وكان له مال يبلغ ثمن العبد، قوم عليه قيمة عدل" (^٢). الحديث. فإنَّا نقطَع بعدم اعتبار الشارع الذكورة والأنوثة فيه.
ونحوه: قياس الصبية على الصبي في حديث: "مروهم بالصلاة لسبع، واضربوهم على
_________________
(١) في (ض، ص، ت): و.
(٢) سبق تخريجه.
[ ٥ / ٢٠٧٦ ]
تركها وهُم أبناء عشر" (^١). فإنَّا نَقطع أيضًا بعدم اعتبار الشرع الذكورة والأنوثة فيه، ونَقطع بأنْ لا فارِق بينهما في الموضعين سوى ذلك.
وكذا إذا لم يُقْطَع بنفي الفارق ولكن احتمال الفارق يكون ضعيفًا جدًّا، فإنه مُلْحَق بالقَطْع بنفيه.
مثاله: إلحاق العمياء بالعوراء في حديث المنع من التضحية بالعوراء (^٢) مع أنه قد يُتخيَّل - على بُعْد - افتراقهما مِن حيث إنَّ العمياء تُرشد إلى مكان الرعي الجيد؛ فترعى؛ فتسمن، والعوراء توكل إلى نفسها وهي ناقصة عن البصيرة؛ فلا ترعى حق الرعي؛ فتكون مظنة للهزال.
فغير هذين المذكورين في "الجلي" مِن الأقيسة يكون خَفيًّا.
تنبيهات
أحدها: أنَّ من الأصحاب مَن يقسم ذلك إلى ثلاثة أقسام: جلي، وواضح، وخفي.
فالجلي ما ذُكِر.
والخفي: قياس الشَّبه.
والواضح: ما بينهما.
_________________
(١) مسند الإمام أحمد بن حنبل (رقم: ٦٧٥٦)، سنن أبي داود (٤٩٤)، سنن الترمذي (٤٠٧)، وغيرها. قال الألباني: حسن صحيح. (صحيح الترمذي: ٤٠٧).
(٢) سنن أبي داود (رقم: ٢٨٠٢)، سنن الترمذي (رقم: ١٤٩٧) وغيرهما. قال الألباني: صحيح. (صحيح أبي داود: ٢٨٠٢).
[ ٥ / ٢٠٧٧ ]
وقيل: "الجلي" ما كان ثبوت الحكم في الفرع فيه أَوْلى مِن الأصل.
و"الواضح": ما كان مساويًا لثبوته في الأصل، كالنبيذ مع الخمر.
و"الخفي": ما كان دُونه، كقياس اللينوفر على الأرز بجامع الطعم وكونه ينبتُ في الماء.
وقيل غير ذلك، وكُلها أمور اصطلاحية لا مشاححة فيها.
الثاني: عبَّر الإمام في "المحصول" وأتباعه عن تقسيمه باعتبار القوة والضعف بأنه إما قطعي أو ظني.
فالقطعي: ما تَوقَّف على العِلم بِعلة الحكم في الأصل، ثم العلم بحصول مِثلها في الفرع. فحينئذٍ يقع تَيَقُّن الإلحاق ولو كان نَفْس الحكم ظنيًّا. ألا ترى إلى قياس الضرب على التأفيف؟ فإنَّ الإلحاق فيه قطعي - لِمَا ذكرنا - والحكم ظني لأنه مستفاد من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] ودلالة اللفظ ظنية كما تَقرر؛ لِمَا فيه من الاحتمالات المشهورة.
فإنْ فقد أحد العِلمين السابقين، فالقياس ظني، كقياس التفاح على البُر في الربا، فإنَّ كَوْن العلة هي الطعم ليس بقطعي؛ لاحتمال أن تكون هي الكيل أو القوت.
نعم، ثبوت الحكم في الفرع قد يكون أقوى مِن ثبوته في الأصل، كما في قياس الضرب على التأفيف، وما دُون القنطار على القنطار في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥].
وقد يكون مساويًا، كما سبق في قياس الأَمة على العبد في السراية، والصبيَّة على الصبي في الأمر بالصلاة لسبع.
وهذان النوعان هُما المسمى بِـ "القياس في مَعْنى الأصل" كما سيأتي في النَّظم، وبِـ "القياس الجلي"؛ لوجود القَطْع فيهما بِنَفْي الفارق.
[ ٥ / ٢٠٧٨ ]
وقد يكون أَدْوَن، وذلك كسائر الأقيسة التي يتمسك بها الفقهاء في مباحثهم كما قاله الإمام الرازي.
قال: (وأما مراتب التفاوت فهي بحسب مراتب الظنون، فلا تنحصر) (^١).
وهذا التقسيم واضح فيما إذا كان الحكم في القياس ظنيًّا.
فإنْ كان قطعيًّا، قال الإمام: (فيستحيل أن يكون الحكم في الفرع أقوى منه؛ لأنه ليس فوق اليقين درجة) (^٢).
واعترضه النقشواني بأنَّ اليقين قابل للاشتداد والضعف.
وما اعترض به مَبْنِي على أنَّ [العلوم] (^٣) تتفاوت.
واعْلَم أنه قد ظهر أنه لا منافاة بين كون القياس قطعيًّا ويين كون الحكم فيه ظنيًّا، خلافًا لمن وهم في ذلك.
الثالث:
قد سبق في تقسيم الألفاظ أن ما كان حُكم الفرع فيه أَولى مِن الأصل أو مساويًا فيه مذاهب:
أحدها: أنه مفهوم موافقة، ويسمى "فحوى الخطاب" إنْ كان أَولى، و"لحنه" إنْ كان مساويًا، وهو على ما هو الغالب في كلام الأصوليين والفقهاء.
_________________
(١) انظر: المحصول في أصول الفقه (٥/ ١٢٤)، لكنه قال: (وأما مراتب التفاوت فهي بحسب مراتب الظنون، ولما كانت مراتب الظنون محصورة فكذا القول في مراتب هذا التفاوت).
(٢) المحصول في أصول الفقه (٥/ ١٢٣).
(٣) في (ق، ص): المعلوم.
[ ٥ / ٢٠٧٩ ]
وأنَّ الشافعي - ﵁ - وإمام الحرمين والإمام الرازي وجَمعًا يجعلونه من باب القياس. وقد نصب الإمام في "المحصول" وأتباعه أدلة ذلك هنا. والله أعلم.
ص:
٨٨٧ - وَمنْهُ مَا يُسْمَى "قِيَاسَ الْعِلَّةِ" أَيِ: الَّذِي فِيهِ صَرِيحًا أَتَتِ
٨٨٨ - أَمَّا الَّذِي يُعْرَفُ بِـ "الدّلَالَةِ" أَيْ: بإضَافَةٍ لَهُ في الجمْلَةِ
٨٨٩ - فَهْوَ بِلَازِمٍ لَهَا، فَالَاثَرِ فَمَا بِحُكْمٍ أَلْحَقُوا مُعْتَبَرِ
٨٩٠ - وَالْجَمْعُ إنْ يَكُنْ بِنَفْيِ الْفَارِقِ "قِيَاسُ مَعْنَى الْأَصْلِ"، ذَا لِلْحَاذِقِ
الشرح:
هذا هو التقسيم الثاني للقياس باعتبار المعنى الجامع فيه، وهو انقسامه إلى: قياس عِلة، وقياس دلالة، وقياس في معنى الأصل.
وذلك لأنه إما أن يكون بِذِكر الجامع أو بإلغاء الفارق.
فإنْ كان بذكر الجامع، فذلك الجامع إنْ كان هو العلة فهو "قياس العلة". وهو معنى قولي: (الَّذِي فِيهِ صَرِيحًا أَتَتِ).
وذلك كقولنا في القتل بالمثقل: قَتْل عمد عدوان؛ فيجب فيه القصاص، كالجارح.
وإنْ لم يكن الجامع نفس العلة وإنما هو وصف لازِم للعلة أو أثَر مِن آثارها أو حُكم مِن أحكامها، فهو "قياس الدلالة". وإليه أشرت بقولي: (أَيْ: بإضَافَةٍ لَهُ). أي: بإضافة لفظ "قياس" إلى لفظ "دلالة"، فيقال: "قياس الدلالة". سُمي بذلك لكون المذكور في الجامع بينهما دليل العِلة، لا نَفْسها.
[ ٥ / ٢٠٨٠ ]
ومَثَّل ابن الحاجب ما يكون الجامع فيه [يلازِم العلة] (^١) بقياس قَطْع الجماعة بالواحد على قَتْلهم بالواحد بواسطة اشتراكهما في وجوب الدية على الجميع، فإنَّ الجامع الذي هو وجوب الدية على الجماعة [يُلازِم] (^٢) العِلة في الأصل وهي "القتل العمد العدوان". ووجوب الدية عليهم إنما هو أحد مُوجَبَي العلة الذي هو وجوب الدية ليستدل به على مَوجَبها الآخَر وهو وجوب القصاص عليهم.
والأَوْلى أنْ يجعل هذا مثالًا لكون الجامع حُكمًا مِن أحكام العلة، ويمثل للجامع بما يُلازِم العلة بقياس النبيذ على الخمر بجامع الرائحة الملازمة للسُّكْر.
وأما مثال كون الجامع أثرًا مِن آثار العلة فكقولنا في المثقل: قَتْل أَثمِ به صاحبُه مِن حيث كونه قتلًا؛ فأوجَبَ القصاص، كالجارح.
وأما إلغاء الفارق وهو المسمى بِـ "القياس في معنى الأصل" فقد سبق بيانه. فالحاذق يميز بين هذه الحقائق. والله أعلم.
_________________
(١) كذا في (ص، ق)، لكن في (ش، ت، س): ملازم للعلة. وفي (ض): بلازم للعلة.
(٢) في (س، ت، ض): ملازم.
[ ٥ / ٢٠٨١ ]