لما علم الرب ﷿ احْتِيَاج النَّاس إِلَى الْمَنَافِع والأعيان والمآكل والمشارب والملابس والمراكب والمساكن أَبَاحَ الْبياعَات والإجارات وَسَائِر الْمُعَامَلَات على الْمَنَافِع والأعيان النافعات
وَلما علم أَن فيهم المحتاجين العجزة عَن دفع الْحَاجَات شرع الزكوات وَالصَّدقَات
وَلما علم أَن فيهم من لَا يزجره الْوَعيد والتهديد شرع الْحُدُود والتعزيرات دفعا لمفاسد أَسبَابهَا
[ ١٤١ ]
وَلما علم أَن أَكْثَرهم لَا ينصفون وَأَن فيهم العجزة عَن الانتصاف لأَنْفُسِهِمْ نصب الْحُكَّام وولاة أُمُور الْإِسْلَام لإنصاف المظلومين من الظَّالِمين وَحفظ الْحُقُوق عَن الصّبيان والمجانين والعاجزين والغائبين
وَكَذَلِكَ نصب الْحجَج الشَّرْعِيَّة كالأقارير والبينات وتحليف من رجح جَانِبه بِظَاهِر يَد أَو أصل أَو حلف بعد نُكُول
وَلما علم الِاحْتِيَاج إِلَى الْأَنْكِحَة شرعها تحصيلا لمصالحها
وَلما علم الِاحْتِيَاج إِلَى الْجِهَاد شرع جِهَاد الدّفع وَجِهَاد الطّلب وَجِهَاد الدّفع أفضل من جِهَاد الطّلب
وَلما علم أَن الْوُلَاة والقضاة لَا يقدرُونَ على الْقيام بِمَا ولوه أوجب على أهل الْكِفَايَة مساعدتهم على مصَالح ولايتهم ودرء مفاسدها
وَلما علم أَن الآراء تخْتَلف فِي معرفَة الصَّالح والأصلح وَالْفَاسِد والأفسد وَفِي معرفَة خير الخيرين وَشر الشرين حصر الْإِمَامَة الْعُظْمَى فِي وَاحِد كَيْلا يتعطل جلب الْمصَالح ودرء الْمَفَاسِد بِسَبَب اخْتِلَاف الْوُلَاة فِي الصَّالح والأصلح وَالْفَاسِد والأفسد
[ ١٤٢ ]
وَشرط فِي الْأَئِمَّة أَن يَكُونُوا أفضل الْأمة لِأَن ذَلِك أقرب إِلَى طواعيتهم على المساعدة فِي جلب الْمصَالح ودرء الْمَفَاسِد
ولقرب طواعية الأفاضل شَرط أَن يكون الْأَئِمَّة من قُرَيْش لِأَن النَّاس يبادرون إِلَى طواعية الأفاضل ويتقاعدون عَن طواعية الأراذل بل يتقاعدون عَن طواعية أمثالهم فَمَا الظَّن بِمن هُوَ دونهم
وَلذَلِك قدم فِي كل ولَايَة أعرف الْخلق بمصالحها ومفاسدها وأعرفهم بأحكامها وَإِن كَانَ قاصرا فِي معرفَة أَحْكَام غَيرهَا وجاهلا بهَا إِذْ لَا يضرّهُ ذَلِك فِي ولَايَته
وَمن رَحمته بعباده أَن نفذ تصرف أَئِمَّة الْجور والبغاة فِيمَا وَافق الشَّرْع جلبا لمصَالح الرعايا ودفعا للمفاسد عَنْهُم