اعْلَم أَن دَرَجَات الْجنَّة مُخْتَلفَة باخْتلَاف الْأَعْمَال
فَلَيْسَ من عبد الله مُقَدرا أَنه يرى الله كمن عبد الله مُقَدرا أَن الله تَعَالَى يرَاهُ
وَلَيْسَ من عبد الله على خلاف ذَلِك كمن عبد الله كَأَن الله يرَاهُ
وَلِلْمُؤْمنِينَ دَرَجَات فِي الْإِيمَان عليات ودنيات ومتوسطات
وللمجاهدين مئة دَرَجَة فِي الْجنَّة مترتب أَعْلَاهَا على أَعلَى رتب الْجِهَاد وَأَدْنَاهَا على أدناها
[ ١٥٣ ]
وَكَذَلِكَ رتب الْمُصَلِّين والصائمين والولاة المقسطين وَالشُّهُود الصَّادِقين وَالصَّابِرِينَ على الطَّاعَات والبليات وَعَن الْمعاصِي والمخالفات وعَلى بر الْآبَاء والأمهات والبنين وَالْبَنَات وعَلى هَذِه الدَّرَجَات يَتَرَتَّب سبقهمْ إِلَى الْجنان
فَإِذا تساوى اثْنَان فِي الْإِيمَان والعرفان فَإِن اسْتَويَا فِي مقادير الْإِيمَان الْحَقِيقِيّ أَو الْحكمِي فدرجتهما وَاحِدَة فِيمَا اسْتَويَا فِيهِ وَإِن تَفَاوتا فِي الْكَثْرَة والقلة كَانَت دَرَجَة ذِي الْكَثْرَة من دَرَجَة ذِي الْقلَّة
وَلَو اسْتَوَى اثْنَان فِي عدد الصَّلَاة فَإِن اسْتَويَا فِي كمالها بسننها وآدابها وخضوعها وخشوعها وَفهم أذكارها وقراءتها فهما فِي دَرَجَة وَاحِدَة وَإِن تَفَاوتا فِي ذَلِك كَانَ أكملهما أَعلَى دَرَجَة من أنقصهما
وَإِن اسْتَوَى اثْنَان فِي جِهَاد الدّفع فَإِن اسْتَويَا فِي الْإِخْلَاص وَإِرَادَة إعلاء كلمة الله تَعَالَى وَفِي الْمَدْفُوع عَنهُ فدرجتهما وَاحِدَة وَإِن تَفَاوتا فِي النِّيَّة وَكَثْرَة من قتل أَو فِي شرف الْمَدْفُوع عَنهُ كالدفع عَن الْأَنْبِيَاء
[ ١٥٤ ]
والأولياء كَانَ أشرفهما فِي الدرجَة الْعليا وَالْآخر فِي الدرجَة الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ جَمِيع مَا يتَقرَّب بِهِ إِلَى الله ﷿
وَمعنى تفَاوت الدَّرَجَات أَن يكون لكل وَاحِد من العاملين نصِيبه من الْجنَّة دَرَجَات مرتبات على رتب أَعماله عاليات ودانيات ومتوسطات يتَرَدَّد بَينهَا على مَا تشْتَهى نَفسه وتلتذ عينه وَقد صَحَّ أَن الله ﷿ أعد للمجاهدين فِي سَبيله مئة دَرَجَة بَين كل دَرَجَتَيْنِ مئة عَام
وَلَو آمن إِنْسَان قبل مَوته بلحظة لم يكن أجره كَأَجر إِيمَان من آمن قبل مَوته بِيَوْم وَلَا أجر من آمن قبل مَوته بِيَوْم كَأَجر من آمن قبل مَوته بِشَهْر وَلَا أجر من آمن قبل مَوته بِشَهْر كَأَجر من آمن قبل مَوته بعام فَلَيْسَ من طَال عمره فِي الطَّاعَات وَالْإِيمَان كمن قصر عمره وَلِهَذَا قَالَ ﷺ خَيركُمْ من طَال عمره وَحسن عمله
[ ١٥٥ ]
وَقَالَ ﷺ لَا يتمنين أحدكُم الْمَوْت لضر نزل بِهِ فَإِنَّهُ لَا يزِيد أحدكُم عمره إِلَّا خيرا إِمَّا محسن فَيَزْدَاد وَإِمَّا مسيء فيستعتب
ولمثل هَذَا شح الْأَوْلِيَاء على الْأَوْقَات أَن يصرفوها فِي غير الطَّاعَات
وَكَذَلِكَ يَتَرَتَّب عَذَاب جَهَنَّم على ترَتّب هَذِه الْمَفَاسِد وَكَثْرَتهَا وقلتها فالعذاب على الزِّنَا دون الْعَذَاب على الْقَتْل وَالْعَذَاب على أكبر الْكَبَائِر دون الْعَذَاب على الْكفْر وَلَيْسَ من كفر قبل مَوته بلحظة كمن أَقَامَ على الْكفْر يَوْمًا أَو شهرا أَو مئة عَام وَالله أعلم
[ ١٥٦ ]