الدليل من الكتاب١ أو السنة٢ دليل لفظي والقطعية فيه تكون من الجهتين: الثبوت والدلالة.
أما من جهة الدلالة فتعلق القطعية بالدليل منهما مطرد فيهما إذ قطعية العام والخاص وقطعية النص والمنطوق وقطعية المفهوم ونحوها - تتعلق بعمومهما ونصهما ومفهومهما ٣.
وأما من جهة الثبوت فليس حكم القطعية فيها متعلقا بهما بدرجة
_________________
(١) ١ أي القرآن، وهو كلام الله ﵎ لفظا ومعنى الذي نزل به جبريل ﵇ على النبي محمد ﷺ المعجز بآية منه المتعبد بتلاوته المكتوب في المصاحف الذي أوله سورة الفاتحة وآخره سورة الناس المنقول نقلا متواترا بلا شبهة. انظر أجزاء هذا التعريف في روضة الناظر للموفق ابن قدامة ٢/٨ والإحكام في أصول الأحكام للآمدي١/١٣٧ ومختصر ابن الحاجب مع بيان المختصر١/٤٥٧ وشرح مختصر الروضة للطوفي١/١٧٨-١٧٩ والإبهاج شرح المنهاج للسبكي١/١٩٠ وجمع الجوامع لابن السبكي١/٢٢٣ ونهاية السول للآسنوي٢/٣ والبحر المحيط للزركشي١/٤٤١ وشرح الكوكب المنير ٢/٧-٨ وانظر أصول البزدوي مع كشف الأسرار١/٢١-٢٢ وكشف الأسرار للنسفي١/١٧ والتحرير للكمال ابن الهمام ٣/٣ ومذكرة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في أصول الفقه ص٥٤. ٢ هي في اللغة الطريقة والسيرة، وفي اصطلاح الأصوليين هنا: تطلق على كل ما صدر عن النبي ﷺ غير القرآن من قوله وفعله وتقريره. انظر الإحكام في أصول الأحكام للآمدي ١/١٤٥ وشرح مختصر الروضة٢/٦٠ والإبهاج٢/٢٦٣ وجمع الجوامع٢/٩٤ ومنهاج الأصول ونهاية السول٣/٣-٥ والبحر المحيط٤/١٣٦ وكشف الأسرار للنسفي٢/٣ والتحرير ٣/٣٠ ومذكرة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في أصول الفقه ص٩٥. ٣ سيأتي التعريف بها في موضعها إن شاء الله تعالى في المبحث الثالث من هذا الفصل.
[ ٢٥٨ ]
واحدة، إذ لا خلاف في قطعية الدليل من القرآن من جهة الثبوت١ وكذا السنة المتواترة، وقد وقع الخلاف بين العلماء في قطعية خبر الواحد من جهة الثبوت.
المبحث الأول: الكتاب والسنة أصل الأدلة الشرعية القطعية وغيرها
كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ أصل الأدلة الشرعية كلها سواء منها ما كان قطعيا وما كان دون ذلك، والدليل على ذلك أمور:
أولا: أن الأدلة الشرعية الأخرى إنما يثبت كونها حججا شرعية بدلالة الكتاب والسنة أو أحدهما على حجيتها، فلا يعتمد على أي دليل في إثبات الأحكام الشرعية إلا إذا قامت أدلة صحة الاعتماد عليه من الكتاب والسنة، فالكتاب والسنة هما عمدة الأدلة الشرعية من وجهين:
أحدهما: جهة دلالتهما على أهم الأحكام الجزئية كأحكام الطهارة والصلاة والزكاة والحج والجهاد والصيد والذبائح وغيرها.
الثاني: جهة دلالتهما على حجية الأدلة الأخرى والقواعد الكلية التي
_________________
(١) ١ فما كان منه متواترا فهو قطعي بلا خلاف، أما القراءة الشاذة المنقولة نقلا دون التواتر فالخلاف في حجيتها وجواز الاستدلال بها، وليس في أنه يقطع بأنها قرآن.
[ ٢٥٩ ]
تستند إليها بعض الأحكام الجزئية، كدلالتهما على حجية الإجماع١ ودلالتهما على حجية القياس٢ وعلى قاعدة (الضرر يزال) ٣ وغيرها٤، فهما عمدة الأحكام الشرعية بدرجة أو بأكثر.
ثانيا: أن الأدلة الشرعية هي حجج الله تعالى التي يثبت بها أحكامه على المكلفين، والحكم كله من الله وحده كما قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ﴾ ٥، فكان أصل ما يُثبِت حكم الله تعالى الوحي المتلو في كتاب الله
_________________
(١) ١ فإن دليل حجيته قوله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ سورة النساء (١١٥)، وما جاء عن الرسول ﷺ من تعظيم أمر هذه الأمة ونفي الخطأ عما اجتمعت عليه. ٢ فإن مما يستدل به على حجيته آيات من القرآن وأحاديث من السنة ومنها أقيسة الرسول ﷺ وإجماع الصحابة وهو - أي الإجماع - حجة بدلالة الكتاب والسنة كما سبق. انظر الإحكام في أصول الأحكام للآمدي٣/٢٨٦ فما بعدها، واعلام الموقعين١/٢٠٠ فما بعدها. ٣ أصل هذه القاعدة الفقهية قوله ﷺ: "لا ضرر ولا ضرار"، رواه الإمام أحمد في المسند ٥/٣٢٧ وابن ماجه في سننه ٢/٧٨٤ وغيرهما. انظر الأشباه والنظائر للسيوطي ص٨٣-٨٨ وإرواء الغليل للشيخ ناصر الدين الألباني٣/٤٠٨ فما بعدها، وقد صحح الشيخ الألباني الحديث بمجموع طرقه، على أن دفع الضرر معلوم من أدلة كثيرة في الكتاب والسنة. ٤ انظر الموافقات٣/٤٢ وانظر التقريب والإرشاد للباقلاني١/٣١١-٣١٤ وشرح اللمع للشيرازي١/١٦٣ وأصول السرخسي١/٢٧٩ وكشف الأسرار عن أصول البزدوي١/٣٠ وانظر تفسير النصوص لمحمد أديب صالح ١/٥٠-٥١. ٥ سورة الأنعام (٥٧) .
[ ٢٦٠ ]
العزيز والوحي غير المتلو من سنة رسول الله ﷺ كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ ١، وما عدا هذا لا يكون حجة إلا حيث كان مستندا إليهما، فالقياس مثلا لابد فيه من أصل ثبت حكمه بالكتاب أو بالسنة أو بالإجماع الذي ثبتت حجيته فيهما٢.
ثالثا: قول الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ باللهِ وَالْيَوْمِ الآخر ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ ٣، قال ابن كثير ﵀: "قال مجاهد٤ وغير واحد من السلف: أي كتاب الله وسنة رسوله"قال: "وهذا أمر من الله ﷿ بأن كل شيء تنازع فيه الناس من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة كما قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُم فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلى اللهِ﴾ ٥، فما حكم به الكتاب والسنة
_________________
(١) ١ سورة النجم (٣، ٤) . ٢ انظر المستصفى للغزالي٢/٢-٣ والبرهان١/١١٩-١٢٠ والبحر المحيط١/١٧-١٨. ٣ سورة النساء (٥٩) . ٤ هو مجاهد بن جَبْر أبو الحجاج المكي المخزومي (مولاهم)، من مشاهير مفسري التابعين، أكثرَ من الرواية عن ابن عباس -﵄ - في التفسير وفي الفقه، توفي بين عامي (١٠٠) و(١٠٨) هـ على اختلاف بين أهل العلم ﵏. انظر سير أعلام النبلاء للذهبي ٤/٤٤٩-٤٥٧ وتهذيب التهذيب١٠/٤٢-٤٤. ٥ سورة الشورى (١٠) .
[ ٢٦١ ]
وشهدا له بالصحة فهو الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال"١.
وأصلية الكتاب والسنة هي في التقديم على غيرهما في الجملة للوصول إلى الحكم الشرعي، وهي في القوة كذلك من حيث بناء غيرهما عليهما وعدم بنائهما على غيرهما.
وأما العقل المجرد فليس من أدلة الفقه وطرق الأحكام الشرعية، فإنه إنما يستعمل معينا في طرق الأدلة الشرعية أو محققا لمناطها أو ما أشبه ذلك كأن يدل على نفي الحكم لانتفاء الأدلة لكون الثمر معدوما لعدم المثمِر، وإن الأحكام الشرعية إنما تعلم بالسمع والنقل وأصله الكتاب والسنة٢.
ويذكر بعض العلماء أن العقل أصل النقل من حيث إن النقل يثبت صحته بالعقل، فهو أصله الذي يقدم عليه إذا عارضه٣.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في رد ذلك: "إن أردت أنه أي العقل أصل في ثبوته أي النقل في نفس الأمر فلا يقوله عاقل، فإن ما هو ثابت في نفس الأمر بالسمع أو بغيره هو ثابت سواء علمنا ثبوته أم لم نعلم ثبوته لا بعقل ولا بغيره، إذ عدم العلم ليس علما بالعدم، وعدم علمنا بالحقائق لا
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير١/٥٣١. ٢ انظر المستصفى ١/٤٠٦ والقواطع لابن السمعاني ق٢/أ-ب، والموافقات للشاطبي ١/٣٥. ٣ انظر هذا القول في المحصل للرازي١/٤٠٦-٤٠٧ والمواقف لعضد الدين الإيجي ص٤٠. وما سبق نقله عن المستصفى والموافقات يدل مع هذا القول على أن المراد بأصلية العقل للنقل عند من يقول به أن ذلك في غير الأحكام الشرعية التي أدلتها موضوع أصول الفقه، ولعلها في الأمور المتعلقة بما هو عندهم من أصول الدين، والله تعالى أعلم.
[ ٢٦٢ ]
ينفي ثبوتها وإن أردت أن العقل أصل في معرفتنا بالسمع ودليل على صحته - وهو ما أراده - فيقال: أتعني بالعقل هنا الغريزة التي فينا أم العلوم التي استفدناها بتلك الغريزة؟ فالأول لم ترده لأن تلك الغريزة ليست علما يتصور أن يعارض النقل وإن أردت بالعقل الذي هو دليل السمع وأصله المعرفةَ الحاصلة بالعقل فيقال لك: من المعلوم أنه ليس كل ما يعرف بالعقل يكون أصلا للسمع ودليلا على صحته فإن المعارف العقلية أكثر من أن تحصر، والعلم بصحة السمع غايته أن يتوقف على ما به يعلم صدق الرسول ﷺ، وليس كل العلوم العقلية يعلم بها صدق الرسول ﷺ، بل ذلك يعلم بما يعلم به أن الله تعالى أرسله فليس جميع المعقولات أصلا للنقل"١.
فالكتاب والسنة أصل الأدلة السمعية والنقلية الموصلة إلى الأحكام الشرعية مطلقا، وأما العقل فإنه وإن كان آلة في معرفة صدق الرسالة فذلك ليس دليلا على إطلاق القول بأنه أصل ثم إطلاق القول بتقديم العقل عند التعارض على الأدلة السمعية النقلية التي أصلها الكتاب والسنة، لأن قدرا فقط من العلوم العقلية هو المستعمل في الاستدلال على صدق الرسالة، وذلك لا يجعل العقل أصلها مطلقا، مع أنه لا يسلم جواز التعارض بينهما أصلا أي بين الدليل النقلي الصحيح الصريح والعقل السليم٢.
_________________
(١) ١ درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية١/٧٨-٩٠. ٢ ودَفعُ هذا التجويز موضوع كتاب درء تعارض النقل والعقل، وأطال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - في بيان استحالة التعارض بين العقل السليم والنص الصريح الصحيح.
[ ٢٦٣ ]