تعريف التعارض والترجيح:
ذكر الفَيّومي١ في المصباح المنير أن الاعتراض معناه: المنع، قال: "ومنه تعارض البينات، لأن كل واحدة تعترض الأخرى وتمنع نفوذها"٢.
وقال الزركشي: "التعارض حقيقته: تفاعل من العُرض (بضم العين) وهو الناحية والجهة، وكأن الكلام المتعارض يقف بعضه في عرض بعض أي في ناحيته، فيمنعه من النفوذ إلى حيث وجِّه"٣.
_________________
(١) ١ هو أحمد بن محمد بن علي أبو العباس الفيومي، لغوي فقيه، أشهر تصانيفه: المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، ومنها: نثر الجمان في تراجم الأعيان، توفي حوالي سنة (٧٧٠) هـ. انظر الدرر الكامنة ١/٣٣٤ والأعلام ١/٢٢٤. ٢ المصباح المنير/٤٠٣. ٣ البحر المحيط٦/١٠٩، وانظر (العرض) بمعنى الناحية والجانب في المحكم لابن سيدة١/٢٤٦. ولم أجد فيما رجعت له من كتب اللغة اشتقاقَ (التفاعل) من مادة (عرض) أي (تعارض) في المحكم لابن سيدة١/٢٤٦ والصحاح٣/١٠٨٢-١٠٩٢ ولسان العرب٧/١٦٥-١٨٧ والقاموس المحيط ٣/٣٤٦-٣٤٨. والتعارض مرادف للتعادل في عبارات كثير من علماء الأصول. انظر المحصول٥/٣٧٩ جمع الجوامع لابن السبكي٢/٣٥٧ والبحر المحيط ٦/١٠٨-١٠٩ وسلاسل الذهب للزركشي مع تعليقات د. محمد المختار الشنقيطي عليه ص٤٣١ والتحصيل للأرموي ٢/٢٥٣، وانظر ما عرف به الفتوحي لكل منهما في شرح الكوكب المنير٤/٦٠٥-٦٠٦.
[ ٢٤٦ ]
أما التعارض اصطلاحا: فهو تقابل الدليلين على سبيل الممانعة.
وذلك بأن يقتضي كل منهما عدم مقتضى الآخر١، مثل أن يكون أحد الدليلين يدل على الجواز والآخر يدل على التحريم، فدليل الجواز يمانع دليل التحريم ودليل التحريم يمانع دليل الجواز٢.
أما الترجيح فهو لغة تفعيل من الرجحان وهو جعل شيءٍ راجحا، وأصل الرجحان الزيادة والميلان، ومنه (رجحان الميزان) إذا مال إلى جانب الزيادة٣.
والترجيح في الاصطلاح: تقوية أحد الدليلين المتعارضين على الآخر٤.
وذلك لمعرفة أقواهما للعمل به واطراح الآخر٥.
_________________
(١) ١ انظر التحرير مع التيسير٣/١٣٦ والبحر المحيط٦/١٠٩ شرح الكوكب المنير٤/٦٠٥. ٢ انظر تحقيق د. محمد المختار لسلاسل الذهب للزركشي ص٤٣١ حاشية رقم (١) . ٣ انظر الصحاح١/٣٦٤ ومعجم مقاييس اللغة٢/٤٨٩ ولسان العرب٢/٤٤٥ والمصباح المنير للفيومي ص٢١٩. ٤ انظر تعريف الترجيح في الحدود للباجي ص٧٩ والبرهان١/٧٤١ والمحصول٥/٣٩٧ وإحكام الأحكام للآمدي٤/٤٦٠ والتحصيل للأرموي٢/٢٥٧ ومختصر ابن الحاجب مع بيان المختصر ٣/٣٧١ وشرح مختصر الروضة٣/٦٧٣ والبحر المحيط ٦/١٣٠ وشرح الكوكب المنير٤/٦١٦ ومذكرة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في أصول الفقه ص٣١٧. ٥ انظر المراجع السابقة.
[ ٢٤٧ ]
أثر القطعية في التعارض والترجيح:
مذهب أكثر أهل العلم أن القطعية مانعة من التعارض بين الأدلة القطعية، وأنها لامتناع التعارض بينها لا يتأتى الترجيح بينها١، بل نقل غير واحد من العلماء اتفاق العقلاء على عدم جواز تعارض الدليلين القطعيين٢ أو تعادلهما٣.
أما امتناع التعارض بين دليلين قطعيين فلأمور منها:
أولا: أن قطعية الدليل تنبني على أمور يستحيل حصولها في موضعين متعارضين، لأن القطعية لا تتأتى إلا عند اجتماع أربعة علوم: أحدها العلم الضروري بحقيقة المقدمات المتركب منها الدليل القطعي، إما ابتداء أو إسنادا٤، ثانيها: العلم الضروري بصحة تركيبها، ثالثها العلم الضروري بلزوم النتيجة عن تلك المقدمات، رابعها العلم الضروري بأن ما لزم من
_________________
(١) ١ انظر تلخيص التقريب ٢/٨١٨ والبرهان ٢/٧٤٢ والمستصفى ٢/١٩٢ والمحصول ٥/٤٠٠ والإحكام للآمدي ٤/٤٦٢ وشرح مختصر الروضة ٣/٦٨٦،٦٨٧ والصواعق المرسلة٣/٧٩٧ شرح الكوكب المنير٤/٦٠٧-٦٠٨، وانظر أصول الجصاص ص١٦٨ وميزان الأصول لعلاء الدين السمرقندي ص٧٣٠. ٢ انظر درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ١/٧٩ والصواعق المرسلة لابن القيم ٣/٧٩٧. ٣ انظر شرح العضد على مختصر ابن الحاجب٢/٢٩٨. ٤ ذكر القرافي في نفائس الأصول شرح المحصول للرازي٣/ق١٣٧-ب: أن قوله (ابتداء) قصد به أن تكون المقدمات بديهية، وقوله (إسنادا) بمعنى أن تكون المقدمات نظرية.
[ ٢٤٨ ]
الضروري لزوما ضروريا فهو ضروري١، ويستحيل حصول هذه العلوم في موضعين متعارضين.
ثانيا: أن الدليل القطعي إذا عارض دليلا آخر قطعيا لزم من ذلك أمور كلها باطلة: فإما أن يُعمل بهما معا وذلك باطل لأنه جمع بين النقيضين في الإثبات، أو يُمتنع عن العمل بهما معا وذلك باطل لأنه جمع بين النقيضين في النفي، أو يعمل بأحدهما دون الآخر وهو باطل أيضًا لأنه لا أولوية لأحدهما مع كونهما متساويين في القطعية، فهو ترجيح بلا مرجح٢.
ثالثا: أن التعارض بين الدليلين القطعيين يؤدي إلى أن يكون أحدهما كذبا قطعا وذلك غير جائز، فإن الأدلة الشرعية كلها صدق وعدل٣.
وأما امتناع الترجيح بين الدليلين القطعيين:
- فلأن الترجيح إنما يتأتى بين الدليلين المتعارضين٤، والتعارض غير جائز بينهما٥.
_________________
(١) ١ انظر المحصول للرازي٥/٤٠٠. ٢ انظر الإحكام للآمدي ٤/٤٦٢ وشرح العضد على مختصر ابن الحاجب ٢/٣١٠ وانظر درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية١/٧٩ والصواعق المرسلة لابن القيم٣/٧٩٧ وشرح الكوكب المنير ٤/٦٠٧-٦٠٨. ٣ انظر شرح مختصر الروضة٣/٦٨٢. ٤ انظر شرح الكوكب المنير٤/٦١٦. ٥ انظر المحصول والإحكام كما سبقا، وانظر البرهان ٢/٧٥٩-٧٦٠ والمستصفى (بولاق) ٢/١٩٢ والإبهاج لابن السبكي٣/٢٢٤.
[ ٢٤٩ ]
- ولأن المقصود من الترجيح جلب زيادة قوة وغلبة ظهور لأحد الدليلين المتعارضين على الآخر، والدليل القطعي قد بلغ غاية القوة والظهور حتى انفصل منه كل احتمال فهو لا يقبل الزيادة إذ لا غاية وراء اليقين١، قال الطوفي: "وهذا كمن يمشي على جبل أو سطح، فلا يزال المشي مُمْكِنا منه حتى ينتهي إلى حافته فيستحل منه لانتهاء غاية المشي، فلو زاد بعد انتهائه إلى الطرف خطوة لصار مشيه في الهواء وهو محال، بل يقع الماشي فيهلك أو يتأذّى"٢.
وذهب بعض العلماء إلى جواز وقوع التعارض بين الأدلة القطعية، وأنه يتأتى الترجيح بينها.
وعللوا ذلك بأمور منها:
أولا: أنه إذا كان المراد من التعارض والترجيح وقوعهما في حقيقة الأمر فالأدلة الشرعية كلها سواء في امتناع ذلك فيها، لأن وقوع ذلك في أي دليل شرعي قطعيا كان أم غير قطعي يلزم منه التناقض إذا كان في حقيقة الأمر، وذلك غير جائز، وأما إذا كان المراد من ذلك وقوع ذلك في ذهن المجتهد أو في ظاهر الأمر فذلك واقع بين الأدلة الشرعية القطعية، فقد
_________________
(١) ١ انظر تلخيص التقريب٢/٨١٨ والبرهان لإمام الحرمين ٢/٧٤٢ والمحصول ٥/٤٠٠ وإحكام الأحكام للآمدي٤/٤٦٢ وميزان الأصول للسمرقندي ص٧٣٠. ٢ شرح مختصر الروضة٣/٦٨٦-٦٨٧.
[ ٢٥٠ ]
يتعارض عند المجتهد قطعيان بحيث يعجز عن القدح في أحدهما١.
ثانيا: أن عدم جواز الترجيح بين الأدلة القطعية مبني على القول بمنع وقوع التفاوت في القطعيات، وذلك مسألة خلافية:
- فمذهب فريق من العلماء جواز وقوع التفاوت في القطعيات، قال الزركشي: "إنه أصح الوجهين عن الشافعية"قال: "ولذا فرق بعضهم بين علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين"، وعليه حديث "ليس الخبر كالمعاينة" ٢ فإن موسى ﵇ لم يلق الألواح لما سمع عن قومه وألقاها لما رآهم، ويؤيده أن علم الأنبياء أقوى من علم أممهم.
- وذهب آخرون إلى عدم التفاوت في القطعيات وأن القطع واليقين إذا استقر تساوى ولم يكن لبعضه فضل قوة على بعض، ونسب ابن السبكي هذا القول إلى المحققين، وأن معنى ذلك أن بعضها ليس أقوى من بعض في الجزم، وعلى هذا المذهب فما يظهر من تفاوت بين القطعيات فبكثرة المتعلقات أو بسبب أن النفس قد ألِفت أحد المعلومين دون الآخر٣.
_________________
(١) ١ انظر البحر المحيط٦/١١٣، ١٣٢ والتحرير مع التقرير والتحبير٣/٣ ومسلم الثبوت مع فواتح الرحموت ٢/١٨٩. ٢ رواه الإمام أحمد في المسند١/٢٧١ والحاكم في المستدرك٢/٣٢١ وغيرهما. وانظر تخريجه أوفى ص (خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.) من هذا البحث. ٣ انظر المسألة في إحكام الأحكام ١-٢/٢٧٦ وجمع الجوامع مع شرح المحلي ١/١٦٠-١٦١ والبحر المحيط ١/٥٥-٥٨، ٦/١١٣،١٣٢ وانظر الفقيه والمتفقه مجلد١/٢١٥.
[ ٢٥١ ]
وعلى القول بجواز التفاوت في القطعيات يتفرع جواز الترجيح في القواطع، قال الزركشي في البحر المحيط١: "ولهذا يجد الإنسان تفرقة بين علمه بأن الواحد نصف الاثنين وأن الكل أعظم من الجزء وبين علمه ثبوت الجوهر الفرد والخلاء٢ وغيرها من المسائل النظرية اليقينية مع أن كل واحد يقين".
والذي يظهر أنه لا يمكن أن تتعارض القواطع ويكون تعارضهما في واقع الأمر، أما ما كان من القواطع مبنيا على نظر المستدل في قرائن القطعية
_________________
(١) ١ ١/٦٥. ٢ أما الجوهر الفرد فقال الشهرستاني في نهاية الإقدام ص٥٠٥-٥١١: "الجسم ينتهي بالتجزئة إلى حد لا يقبل الوصف بالتَجَزِّئ، ويسميه المتكلمون جوهرا فردا، وصارت الفلاسفة إلى أنه لا ينتهي إلى حد لا يقبل الوصف بالتجزئ". وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل (١/١٥٨-١٥٩): "وحتى أذكياء الطوائف كأبي الحسين البصري وأبي المعالي الجويني وأبي عبد الله بن الخطيب حاروا في مسألة الجوهر الفرد فتوقفوا تارة، وإن كانوا قد يجزمون بها أخرى ". وعلى هذا فربما لا يسلم أن ثبوت الجوهر الفرد أمر قطعي، فلا يكون التفاوت بينه وبين القطعيات وجها لجواز التعارض بين القطعيات. أما الخلاء فقال الجرجاني في تعريفاته (ص١٠٠): "هو البعد المفطور عند أفلاطون، والفضاء الموهوم عند المتكلمين"، أي هو ما إذا قُدِّر أن الكأس - مثلا - فارغ من شغل أي جسم له من ماء أو هواء أو غير ذلك، فالخلاء هو هذا الفراغ مع قيد ألا يشغله شاغل من الأجسام، وذكر أن الفلاسفة يقولون بامتناعه والمتكلمون يقولون بإمكانه، وانظر تعريفه في تحقيق د. حمزة زهير حافظ للمستصفى ١/١٤٥.
[ ٢٥٢ ]
واستقراءات الشواهد فيمكن أن ينظر المستدل في دليلين مع قرائنهما وشواهدهما ويتقويان في نظره حتى يبلغا القطع أو قريبا منه مع تعارضها في الظاهر عنده، ويكون واقع الأمر إما أن أحدهما ليس قطعيا وإما أنه لا تعارض بينهما إلا في نظر المستدل في ظاهر الأمر، قال ابن تيمية بعد نفى جواز تعارض القطعيات: "وحينئذ، فلو تعارض دليلان قطعيان وأحدهما يناقض مدلول الآخر فلا بد من أن يكون الدليلان أو أحدهما غير قطعي أو أن لا يكون مدلولهما متناقضين"١.
وهذا الأمر يتأتى في النوع الثاني من القطعيات وهو المبني على النظر في قرائن القطعية، أما النوع الأول منها - وهو ما كان من القطعيات قريبا سببه واضحا مأخذه ولا يحتاج إلى كبير نظر واستقراء - فلا يتصور فيه ذلك، ومن هذا ما يُذكر من التفاوت بين قطعية خبر الواحد وقطعية غيره من الأدلة بأن القطعية في خبر الواحد المحتف بقرائن القطعية لا يمنع من الترجيح بين أخبار الآحاد المفيدة للعلم إذا تعارضت، أما القسم الآخر من القطعيات فلا يبقى فيه مسلك للترجيح٢.
_________________
(١) ١ درء تعارض العقل والنقل١/٧٩. ٢ انظر النكت على مقدمة ابن الصلاح لابن حجر١/٣٧٩ وانظر نزهة النظر له ص٧٣، وانظر ص (٣٢٧) من هذا البحث.
[ ٢٥٣ ]