تعريف العلة ومسالكها:
المسالك جمع مسلك وهو الطريق الذي يسلكه المجتهد في إثبات العلة١، ومسالك العلة الأدلة على أن الوصف علة٢، والعلة: الوصف الظاهر المنضبط المشتمل على الحكمة الباعثة على تشريع الحكم، وهي الوصف الذي يجمع بين الأصل المقيس عليه والفرع المقيس في الحكم٣.
فمسالك العلة: الطرق الشرعية المؤدية إلى معرفة كون وصف من الأوصاف مشتملا على حكمة التشريع ليكون الجامع الرابط بين الأصل والفرع في حكم القياس.
مسالك العلة أدلة شرعية:
تقدم أن قطعية القياس تقوم على ركنين رئيسين: أولهما القطع بكون
_________________
(١) ١ انظر تيسير التحرير ٣/٣٨. ٢ انظر مفتاح الأصول إلى بناء الفروع على الأصول للشريف التلمساني ص١٤٥. ٣ انظر تعريفات العلة والكلام على تعليل أحكام الله تعالى في مذكرة الشيخ محمد الأمين ص٢٧٥ وتعليل الأحكام لمحمد مصطفى شلبي ص١١٢-١٢٥ والوصف المناسب لشيخنا أحمد محمود عبد الوهاب ص٤١-٦١ ومباحث العلة في القياس لعبد الحكيم عبد الرحمن أسعد السعدي ص١٠١ وما قبلها.
[ ٤٣٧ ]
الوصف في الأصل علة، والثاني القطع بوجود هذا الوصف في الفرع، فلكي تستقيم القطعية في القياس لا بد من الدليل القطعي على التعليل في الأصل وعلى وجود العلة في الفرع.
أما وجود العلة في الفرع يثبت بسائر الأدلة من الحس والعقل والعرف كما يجوز أن يثبت بالشرع١، فكون النبيذ مسكرا أو كون الذرة مطعوما أو الأرز مطعوما مقتاتا مدخرا يمكن إقامة الدليل القطعي عليه إما حسا أو عقلا أو غيرهما كما يمكن إثبات الوصف في الأصل بذلك، كالإسكار في الخمر والكيل أو الطعم أو الادخار مع الاقتيات في البر أو الشعير٢.
وأما كون وصف معين في الأصل علةَ الحكم فيه فهو الذي لا يمكن أن يثبت إلا بالأدلة الشرعية، لأنه دعوى بأن الشرع حَكَم في الأصل بالحكم لأجل ذلك الوصف، وذلك غير مقبول إلا بدليل من الشرع٣.
والدليل على العلية كسائر الأدلة الشرعية يختلف قوة وضعفا، بيد أن
_________________
(١) ١ انظر كشف الأسرار عن أصول البزدوي ٣/٣٥١، وانظر روضة الناظر٢/٢٥٧. ٢ وهذا غير إثبات كون ذلك الوصف علة لأن الأول مجرد إثبات وجود الوصف في الأصل والآخر ادعاء أن الوصف الموجود في الحكم علته. انظر روضة الناظر لابن قدامة مع نزهة الخاطر ٢/٣٥٣-٣٥٦. ٣ انظر المعتمد لأبي الحسين البصري ٢/٢٤٧-٢٤٨ شفاء الغليل للغزالي/٢٦ وميزان الأصول لعلاء الدين السمرقندي ص٥٩٠ وكشف الأسرار لعبد العزيز البخاري٣/٣٥١، وانظر الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي ١/٢١٠.
[ ٤٣٨ ]
القياس لا يكون قطعيا حتى يكون الدليل على علية الوصف في الأصل قطعيا وذلك ليس طريق جميع العلل، فقد لا تسهل إقامة الدليل القاطع على أن علة تحريم الربا في الأصناف الربوية الستة كونها مطعومة أو مكيلة أو مقتاتة مدخرة.
وقسم الفخر الرازي مسالك العلة إلى نقلية وعقلية ١، ولعل النظر في ذلك إلى أن في بعض المسالك قدرا من استعمال العقل أكبر من غيره كما في مسلكي الدوران والسبر والتقسيم٢، لكن ذلك لا يخرجهما عن كونهما أدلة شرعية عند إثبات علية الوصف بهما٣. والله أعلم.
فالتحقيق أن طرق إثبات علية الأوصاف في الأحكام الشرعية كلها شرعية، "لأن كون الوصف علة شرعا ودليلا على حكم الله تعالى أحدُ الأحكام الشرعية، فلا يثبت إلا بما يثبت به سائر الأحكام الشرعية"٤.
إذا ثبت أن كون الوصف الجامع بين الأصل والفرع علة لا بد من الدليل الشرعي عليه وأن الدليل عليه - في القياس القطعي - لا بد أن
_________________
(١) ١ انظر المحصول٥/٤٥٢-٤٥٣، وانظر مباحث العلة في القياس ص٣٦٩. ٢ سيأتي الكلام عليهما قريبا إن شاء الله. ٣ انظر المعتمد ٢/٢٤٩، فلا بد في تلك المسالك من الاعتماد على الشرع في بعض مقدماته، فإن إبطال الأوصاف التي لا تصلح للعلية في نظر المستدل - في السبر والتقسيم - يعتمد على اعتداد الشارع بمثل تلك الأوصاف أو طردية الوصف وغرابته عن المقاصد الشرعية في العلية. ٤ ميزان الأصول ص٥٩٠، وانظر شفاء الغليل للغزالي ص٢٦.
[ ٤٣٩ ]
يكون قطعيا، تبين أن كل دليل شرعي قطعي يمكن أن يثبت به هذا الركن من القياس القطعي إذا دَلَّ عليه، وذلك مثل النص القطعي من الكتاب أو من السنة أو الإجماع القطعي، ومثل الأدلة الشرعية التي تحتف بها قرائن القطعية في جهتي الثبوت والدلالة، فطريق قطعية العلية كطريق قطعية الأدلة الشرعية.
والمجتهد يصل إليها مباشرة بواسطة الأدلة القطعية ثبوتا ودلالة، أو بالبحث عن قرائن القطع المحتفة والشواهد المعززة حتى يقطع بأن وصفا معينا علة حكم معين.
إلا أن أهل العلم - رحمهم الله تعالى - خصوا هذا المحل بالبحث عن الطرق المؤدية إلى العلية كما قسم بعضهم تلك الطرق إلى قطعية وغير قطعية.
وما تجمعه حدود هذا البحث من مسالك العلة هو المتعلق منها بالكتاب والسنة والإجماع١، وذلك مسلكا النص والإجماع.
_________________
(١) ١ وقد ذكر العلماء رحمهم من المسالك القطعية غير ما يدخل في هذا المبحث مسلكين آخران: أحدهما: السبر والتقسيم وهو حصر الأوصاف الصالحة للعلية وحذف ما سوى الوصف المدعى عليته فيتعين الوصف المدعى، فمتى كان الحصر والحذف قطعيين كان هذا المسلك قطعيا. انظر البحر المحيط ٥/٢٢٤ ومسلم الثبوت مع فواتح الرحموت ٢/٢٩٩-٣٠٠. ولم ينقل خلاف في قطعية هذا المسلك، لكن لم أقف له على مثال شرعي فقهي بل ذكر الفتوحي في شرح الكوكب المنير (٤/١٤٦) أنه قليل في الشرعيات، وقال الشيخ عيسى منون
[ ٤٤٠ ]
_________________
(١) في نبراس العقول (ص٣٧٣) إشارة إلى مسلك السبر والتقسيم: "ثم إن القطعي من هذا المسلك حجة في العِلميات والعَمليات بالاتفاق وإن كان حصوله في الشرعيات عسِرا جدا". والمسلك الثاني: الدوران (ويسمى بالدوران الوجودي والعدمي وبالطرد والعكس) وهو: أن يوجد الحكم عند وجود الوصف وينعدم عند عدمه، والجمهور على أنه ليس من المسالك القطعية ويُنقل عن قوم من المعتزلة أنهم يقولون بقطعيته. انظر المحصول٥/٢٠٧ والإحكام للآمدي٣/٢٦٠ والتحصيل للأرموي٢/٢٠٣ والبحر المحيط٥/٢٤٦ والإبهاج لابن السبكي١/١٤٧ والتحرير والتيسير للكمال ابن الهمام٣/٤٩ ومذكرة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في أصول الفقه ص٢٦٠. لكن أبا الحسين البصري ذكر الدوران في (المعتمد) في جملة المسالك الظنية المستنبطة ولم يذكر في العلل القطعية إلا ما كان طريقها "نصا من الله أو من رسوله ﷺ أو من الأمة متواترا"المعتمد٢/٢٥٠. وانظر المعتمد ٢/٥٢٠-٢٥١،٢٥٧-٢٥٨، وانظر كتاب القياس الشرعي الملحق بالمعتمد ٢/٤٩٩. والظاهر من المعتمد كما سبق ومن العمد وشرحه٢/٧٧-٨٤: أن الدوران عندهم قطعي في إثبات العلل العقلية وأنه ظني في إثبات العلل الشرعية، فنسبة قطعية مسلك الدوران إلى بعض المعتزلة مقيَّدة بالعلل العقلية دون العلل الشرعية، والله تعالى أعلم. ووجَّه بعض العلماء القول بالقطعية في مسلك الدوران بأنه حيث انضم إلى الدوران المناسبة أو كثرة التكرار أو انتفى المزاحم بالسبر والتقسيم. انظر كتاب الرد على المنطقيين لابن تيمية ص٩٣ والبحر المحيط ٥/٢٤٦ وشرح المحلي على جمع الجوامع ٢/٢٨٩ وشرح الكوكب المنير ٤/١٩٣-١٩٤ وانظر التحرير مع التيسير ٣/٤٩ ونبراس العقول ص٢٥٨. فهذان المسلكان أهميتهما ضعيفة بالنظر إلى القطعية، لأن الأول وهو السبر والتقسيم يعسر الإتيان فيه بمثال شرعي فقهي، والثاني وهو الدوران منازع في قطعيته منفردا، ولعل الراجح عدم قطعيته إلا مع ضميمة قرائن القطعية، فبقيت العمدة في المسالك القطعية على الكتاب والسنة والإجماع، أما غيرها فالأمر فيه راجع إلى النظر والبحث وقد يقطع الناظر بضميمة جمع من الأدلة غير القطعية، وذلك باب واسع من مآخذ القطعية. والله أعلم.
[ ٤٤١ ]
مسلك النص:
وهو النص القاطع من الكتاب والسنة على علية الوصف الجامع.
والمراد بالنص عند العلماء - ﵏ - في باب مسالك العلة لفظ الكتاب أو السنة، فيشمل القطعي وغيره، ومن ثم يصفونه بالقطعية أو بالصراحة إذا أرادوا تقييده فيقولون (نص قاطع) أو (نص صريح) ١.
وهذا أشرف المسالك وأولى طرق العلة بالتقديم، لتعلقه بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم٢.
وبحث القطعية فيه من جهة الدلالة أي دلالة اللفظ من الكتاب أو السنة على أن الوصف الجامع هو علة حكم الأصل قطعا، أما من جهة الثبوت فالبحث في ذلك يدخل في عموم البحث في قطعية الثبوت فما كان من تلك الألفاظ في القرآن الكريم أو في السنة المتواترة فقطعي وكذلك ما كان من أخبار الآحاد قد احتف به من القرائن ما يفيده القطعية على ما سبق تقريره في مطلع هذا الباب.
_________________
(١) ١ انظر المحصول ٥/١٣٩-١٤٠ والإبهاج لابن السبكي ٣/٤٦ والبحر المحيط ٥/١٤٨ ونبراس العقول ص٢٢٩. ٢ قال إمام الحرمين عند كلامه على مسالك العلماء في إثبات العلة: "وأما ما اعتمده الشافعي وارتضاه ولا معدل عنه ما وجد إليه سبيل فهو دلالة كلام الشارع في نصبه الأدلة والأعلام، فإذا وجدنا ذلك ابتدرناه ورأيناه أولى ما يُسلك"البرهان٢/٥٢٩. وانظر نبراس العقول للشيخ عيسى منون ص٢٧٧.
[ ٤٤٢ ]
النص القاطع والنص الصريح:
المراد بالنص القاطع من طرق العلة عند فخر الدين الرازي: ما كان من الألفاظ موضوعا للتعليل بحيث لا يحتمل غير العلية لا حقيقة ولا مجازا١، وذلك عنده أربعة ألفاظ أو ثلاثة وهي (لعلة كذا) و(لسبب كذا) و(لأجل كذا) و(لموجب كذا) ٢، وما عدا هذه الألفاظ فليس من النص القاطع.
ودون النص القاطع عنده الألفاظ التي تكون (ظاهرة جدا) كالتي تكون موضوعة حقيقة للتعليل ويكون استعمالها في غير العلية محمولا على المجاز، وذلك كاللام والباء و(إنّ) ٣.
فمرتبة (الظاهر جدا) في جهة الدلالة هنا هي مرتبة الظني القريب أو المقارب للقطعي كما سبق نقله عن بعض من توسع في اعتبار مطلق الاحتمال في إزالة القطعية٤.
_________________
(١) ١ انظر المحصول ٥/١٣٩-١٤٠، ٤٥٢-٤٥٣، وقد أشار غير الرازيّ إلى تقسيم مسلك النص من طرق العلة إلى قطعي وغير قطعي، كأبي الحسين البصري في المعتمد (٢/٢٥٠) لكنه ذكر في (النص الصريح): اللام و(كي)، وأشار إلى ذلك علاء الدين السمرقندي في ميزان الأصول (ص٥٩٠ فما بعدها) حيث ذكر أن طرق العلة أُسوةٌ في ذلك بطرق سائر الأحكام الشرعية، لكنه عند الكلام على المسلك الخاص بـ (النص) ذكر من أنواعه: اللام و(إن) والباء والفاء. ٢ انظر المحصول في الموضعين السابقين، وسبب الترديد بأو بين الأربعة والثلاثة، أنه ذكر في الموضع الأول الأربعة الألفاظ وفي الموضع الثاني الثلاثة الأول، ومثل هذه الألفاظ لفظ (لمؤثر كذا)، انظر نهاية السول ٤/٦٠-٦٢. ٣ انظر المحصول كما سبق. ٤ انظر ص (خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.) في الظني المقارب للقطعي، وص (خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.)، نُقض مذهب الحنفية في التفريق بالقطعية بين الفرض والواجب بأحكام سميت فرضا ولم تثبت بدليل قاطع، فحمل الشيخ ابن عابدين ذلك على أن تلك الأحكام ثبتت بدليل من مرتبة الظني القوي المقارب للقطعي. فحاصل ما ذكر في هذه الرتبة ثلاثة أمور: أولها أنه دليل بين الظني المطلق والقطعي المطلق قريبا من القطعية، وثانيها أنه يثبت به الفرض العملي عند الحنفية على ما ذكره الشيخ ابن عابدين، وثالثها أنه يثبت به عند فخر الدين الرازي مسلك (النص الظاهر جدا)، من مسالك العلة، وقد يكون منها الخبر المشهور على ما حمله عليه بعض أهل العلم ﵏، والله تعالى أعلم.
[ ٤٤٣ ]
وأضاف البيضاوي١ في المنهاج لفظ (كي) على ما ذكره الرازي فجعله من (النص القاطع) ٢.
وذكر بعض العلماء أن (النص القاطع) عند الرازي هو (النص الصريح) ٣ عند الآمدي.
والذي يؤخد من الإحكام والمحصول أن (النص الصريح) عند الآمدي أعم من (النص القاطع) عند الرازي وأوسع منه وأشمل، لما يأتي:
أولا: أن الآمدي ذكر من أقسام (النص الصريح): اللام و(إنّ) والباء٤، وهذه عند الرازي من (النص الظاهر) قسيم (النص القاطع) كما
_________________
(١) ١ هو عبد الله بن عمر بن محمد، القاضي ناصر الدين أبو الخير البيضاوي، أصولي، مفسر، متكلم، من تصانيفه: منهاج الوصول إلى علم الأصول، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، المعروف بـ (تفسير البيضاوي)، وطوالع الأنوار في أصول الدين، توفي (٦٨٥) هـ. انظر طبقات الشافعية لابن السبكي ٧/١٥٧-١٥٨ والفتح المبين ٢/٨٨ والأعلام ٤/٢٤٨-٢٤٩. ٢ انظر منهاج الأصول مع نهاية السول ٤/٥٩-٦٢. ٣ انظر الإبهاج لابن السبكي ٣/٤٦ ونهاية السول ٤/٥٩. ٤ الإحكام ٣/٢٢٢-٢٢٤.
[ ٤٤٤ ]
يؤخذ من صريح كلامه.
ثانيا: أن الآمدي قال بعد أن ذكر الألفاظ الداخلة تحت قسم (النص الصريح): "فهذه الصيغ الصريحة في التعليل، وعند ورودها يجب اعتقاد التعليل إلا أن يدل الدليل على أنها لم يقصد بها التعليل، فتكون مجازا فيما يقصد بها"١، مع أن الرازي عدّ ما كان خلاف التعليل فيه مجازا من الظاهر دون (النص القاطع)، كما سبق من صريح كلامه في (اللام) آنفا.
ثالثا: أن الآمدي لم يقسم النص إلى صريح وظاهر كما قسم الرازي النص إلى قاطع و، وإنما ذكر الآمدي بعد مسلك (النص الصريح) مسلك الإيماء والتنبيه٢وذلك يؤكد أن (النص الظاهر) عند الرازي يدخل في
_________________
(١) ١ المرجع السابق. ٢ المرجع السابق، ويدل على هذا أيضًا فعله في منتهى السول القسم الثالث ص١٧، جعل من (صريح النص) اللام وإن والباء. ومسلك الإيماء والتنبيه هو "اقتران الوصف بحكم لو لم يكن ذلك الوصف أو نظيره علة للحكم لكان بعيدا من الشارع"، ومثاله قوله ﷺ لما سئل عن بيع الرطب بالتمر: فقال: أينقص الرطب إذا جف، قالوا نعم قال: فلا إذا، فتبين أن نقصان الرطب بالجفاف علة النهي. انظر بيان المختصر ٢/٩٢. وقد عطف الآمدي في الإحكام والمنتهى بـ (أو) بين أمثلة هذا المسلك، فقد يفهم من ذلك أن (النص الصريح) ينقسم إلى قسمين: أولهما يشتمل على ما اقتصر عليه الرازي في (النص القاطع) وثانيهما يشتمل على ما ذكره الرازي في (الظاهر)، ولعل في ذلك ما يوجه قول من ذكر أن (النص الصريح) عند الآمدي هو (النص القاطع) عند الآمدي، لكن يبقى أن كلا القسمين معدود في (النص الصريح) عند الآمدي، وذلك حقيقة الفرق.
[ ٤٤٥ ]
(النص الصريح) عند الآمدي.
فقِسْم (النص الصريح) عند الآمدي في هذا الباب غير (النص القاطع) عند الرازي، إذ لم يكن احتمال استعمال اللفظ في غير التعليل ولو مجازا - مانعا من دخوله في النص الصريح عند الآمدي، وذلك مانع من دخوله في النص القاطع عند الرازي. والله أعلم.
والذي يظهر من كتب بعض العلماء مثل كتاب تلخيص التقريب١ والمعتمد لأبي الحسين البصري٢ والمستصفى وشفاء الغليل كليهما لأبي حامد الغزالي٣ ومختصر ابن الحاجب٤ وما نقله الزركشي عن الأبياري
_________________
(١) ١ فإنه ذكر في قسم (المصرح به في الكتاب): (كي) و(من أجل) والباء، ثم قال: "فهذه الظواهر وأمثالها من السنة مصرحة بإثبات الأوصاف المذكورة فيها عللا" تلخيص التقريب للقاضي للباقلاني لخصه الجويني ٣/٢٣١. ٢ ٢/٢٥٠، فذكر في الصريح لفظ العلة أو ما يقوم مقامه كاللام وكي ولأجل. ٣ انظر المستصفى (بولاق) ٢/٢٨٨-٢٨٩ فذكر: (لعلة) واللام و(لأجل) و(لكي) "وما يجري مجراه من صيغ التعليل"ثم قال: "فهذه صيغ التعليل إلا إذا دل دليل على أنه ما قصد التعليل فيكون مجازا". وانظر مثل ذلك في شفاء الغليل ص٢٣-٢٤: فذكر من النص الصريح في التعليل (إن) . ٤ انظره مع بيان المختصر٣/٨٧-٩٠ بل أدخل في (النص الصريح) الإيماء والتنبيه، وصرح به الأصفهاني في بيان المختصر ٣/٨٨ فقال: "المسلك الثاني: النص وهو مراتب: المرتبة الأول الصريح وهو ما يدل بالوضع على العلية، وهو إما أن لا يحتمل غير العلية أو يحتمل غيرها احتمالا مرجوحا"فذكر من (النص الصريح) ما احتمل احتمالا مرجوحا. وانظر الإبهاج لابن السبكي ٣/٥١. وانظر مثل ذلك في مفتاح الوصول للشريف التلمساني ص١٤٥.
[ ٤٤٦ ]
وغيره١ - أن المراد بـ (النص الصريح) فيها موافق لطريقة الآمدي في كونه أعم من المراد بـ (النص القاطع) عند الفخر الرازي، فعمل هؤلاء الأصوليين في مسلك (النص) مخالف لما ذهب إليه الرازي ومن تبعه في تقسيم هذا المسلك إلى (القاطع) و(الظاهر)، على ما هو المعروف من معنى القاطع عنده في الأدلة الشرعية اللفظية، والله تعالى أعلم.
هل قطعية هذا المسلك ترد نقضا على الرازي:
المذاهب في القطعية تستصحب ههنا، فمن كان لا يرى قطعيا إلا ما كان متجردا عن كل احتمال قريب وبعيد فقياس مذهبه أن يكون القاطع من هذا المسلك كذلك، ومن كان يرى القطعية مع الاحتمال البعيد الغريب عن العرف والمقاصد الشرعية في استعمال الألفاظ فكذلك قياس مذهبه أن يكون القاطع عنده ههنا مثل ذلك.
ومن ثم اعترض القرافي وغيره٢ على الرازي في عده بعض الألفاظ في هذا المسلك قطعيا، فإن مذهبه في الألفاظ عدم قطعيتها مطلقا أو عدم
_________________
(١) ١ انظر البحر المحيط ٥/١٨٧. ٢ انظر نفائس الأصول في شرح المحصول ٣/ق٥٧-أ، وانظر نهاية السول٤/٥٩، وفي التحصيل اختصار المحصول للأرموي ٢/١٧٨ جعل المسلك الأول (النص) ولم يذكر (النص القاطع) مخالفا لتقسيم الرازي.
[ ٤٤٧ ]
قطعيتها إلا باحتفاف القرائن بها، فطرد مذهبه أن لا يرى أيًّا من الألفاظ المذكورة قطعيا مطلقا أو لا يرى منها قطعيا إلا لفظا احتف به من القرائن ما أزال عنه الاحتمالات العشرة التي ذكر أنها ترد على الأدلة اللفظية١.
ورُدّ هذا الاعتراض بوجهين:
الوجه الأول: أن مراد الرازي من (النص القاطع) في مسالك العلة الصريحُ في دلالته على العلية، ولا يقصد الذي لا يحتمل إلا معنى واحدا٢.
١ على ما يبدو من مذهبه في القطعية في بعض المواضع، فقد اختلف العلماء في تقرير مذهب الرازي في القطعية في الألفاظ، فمنهم من رأى أنه ينفي القطعية عنها مطلقا ومنهم من حمل مذهبه على أنه ينفي القطعية عند عدم القرائن. انظر ص (خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.) فما بعد.
والأصفهاني في شرحه للمحصول (الكاشف قسم القياس ص١٧١-١٧٢) بعد أن أبطل الاعتراض المذكور ذكر أنه يرد على كلام الرازي في تقسيم هذا المسلك "إشكال متجه"، وذلك أنه فسر القاطع بالصريح (المحصول٥/١٣٩) فيكون القسم المقابل للقاطع (وهو النص الظاهر) غير صريح مع أنه قال بعد أن ذكر اللام في ذلك القسم المقابل للقاطع: "فإن قلت: اللام ليست صريحة في العلية قلت: أهل اللغة صرحوا بأن اللام للتعليل وقولهم حجة"فظاهر هذا أنه عدّ اللام من (الصريح)، فكانت اللام غير صريحة في أول كلامه صريحة في آخره.
لكن الرازي بيان مراده بـ (النص القاطع) في موضع آخر من المحصول (٥/٤٥٢) بأنه ما كان "لا يحتمل غير العلية"، وعلى هذا يكون (النص القاطع) عنده: الصريح الذي لا يحتمل غير العلية حقيقة أو مجازا، أما اللام فذكر أن استعماله في غير العلية - مع ثبوت تصريح أهل اللغة بأنه للتعليل - يكون من المجاز (المحصول٥/١٤٠، ٤٥٢)، وهذا يحقق الاعتراض الذي ذكره القرافي وغيره على الرازي. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) ٢ انظر الكاشف عن المحصول لمحمد بن محمود الأصفهاني، قسم القياس ص١٧١. وانظر نبراس العقول ص٢٢٩.
[ ٤٤٨ ]
ويُشكل على هذا ما سبق من أن مراد الرازي من (النص القاطع) يخالف مراد كثير من العلماء بـ (الصريح) في مسالك العلة، وأن ظاهر كلامه في المحصول أنه يعني بـ (النص القاطع) من طرق العلة ما يعني بالقطعي في غير هذا الموضع، وهو الذي لا يحتمل غير الظاهر منه ولو احتمالا بعيدا لا حقيقة ولا مجازا١، يؤيده أنه لم يذكر في (النص القاطع) إلا ما جاء فيه ذكر لفظ (العلة) أو ما يرادفه، وجعل سائر ما يذكره العلماء في (الصريح) من اللام والباء ونحوهما في قسم (النص الظاهر) .
الوجه الثاني: أن المراد بالقاطع في باب المسالك ما لم يوضع إلا
١ قال في المحصول في باب الترجيح ٥/٤٥٢: "وقد ذكرنا في كتاب القياس أن الطرق الدالة على علية الوصف في الأصل إما الدليل النقلي أو العقلي، أما الدليل العقلي فإما أن يكون نصا أو إيماء، أما النص فقد يكون بحيث لا يحتمل غير العلية وهو ألفاظ ثلاثة وهي قوله: (لعلة كذا أو لسبب كذا أو لأجل كذا".
أما ما يدل على أن الرازي لا يَعُد من (النص القاطع) الظاهرَ الصريح الذي يكون غير التعليل فيه مجازا فهو أنه لم يعد اللام من (النص القاطع) مع أنه قال فيها: "أهل اللغة صرحوا بأن اللام للتعليل وقولهم حجة، وإذا ثبت ذلك وجب القول بأنها مجاز في هذه الصور"، إشارة إلى الصور التي اعترض بها على كون اللام من المسالك الصريحة للعلة (المحصول٥/١٣٩-١٤٠)، فأثبت أنها صريحة في العلية مجاز فيما عداها ولم يعدها من (النص القاطع)، فكان (النص القاطع) من مسالك العلة عند فخر الدين الرازي - على ما يؤخذ من الموضعين السابقين - اللفظ الصريح في العلية الذي لا يحتمل غير العلية فيما سبق من الاستعمال ولو مجازا.
[ ٤٤٩ ]
للتعليل ولم يسبق استعماله في غير التعليل ولو مجازا ولا مانع من الاستعمال اللاحق مجازا، أما الاحتمال والتجويز العقلي في غير التعليل فلا يمنع من إطلاق القاطع في هذا الباب١.
وعلى هذا يكون القطعي في باب المسالك عند الرازي ومن تبعه غير ما طوّل الكلام في تأصيله في قطعية الأدلة المعتمدة على الألفاظ، فإنه صرح بأن كل دليل لفظي لا يكون قطعيا حتى تندفع عنه عشرة احتمالات وأن مطلق الاحتمال ولو على أبعد الوجوه يدفع القطعية٢، ومسلك النص من الأدلة اللفظية فيرد فيه احتمال عدم الوضع على أقل تقدير.
والظاهر مما ذكر من الاعتراض ووجهي دفعه أنه إذا أريد حمل ما ذكره الرازي في قطعية بعض طرق العلة على وجه لا يناقض المعروف من مذهبه في القطعية - فالمراد بالقطعية عنده في باب مسالك العلة أن الدليل اللفظي قد يكون بحيث ينتفي فيه احتمال عدم التعليل خاصة ولا يلزم من ذلك القطع بعدم الاحتمالات الأخرى فيكون إطلاق القطع مقيدا بقطع احتمال عدم التعليل، ولا يتوجه على ذلك إيراد الاحتمالات الأخرى، إذ نفي احتمال معين لا يلزم منه نفي مطلق الاحتمال.
_________________
(١) وليس ببعيد أنّ كون القطعية مقيدة في هذا الباب بقطع احتمال غير ١ انظر نبراس العقول ص٢٢٩، وتعليل الأحكام لمحمد مصطفى شلبي ص١٥٦. ٢ انظر المحصول ١/٢١٥-٢١٧، ٤٠٨، ٣/٢١٤، ٥/٤٠٠.
[ ٤٥٠ ]
التعليل خاصة مما يرجح التعبير بـ (النص الصريح) دون (النص القاطع)، كما عبر به من سبق الرازي وبعض من جاء بعده لأن التعبير الثاني موهم بإطلاق القطعية لكل الاحتمالات. والله تعالى أعلم.
ولا يقال في دفع الاعتراض إن مذهبه في القطعية - على ما حمله عليه بعض العلماء - القول بالقطعية عند احتفاف القرائن، فيجعل مراده بالقاطع ها هنا اللفظ الذي احتفت به قرائن القطعية، من باب حمل المطلق من كلامه على المقيد منه.
فإنه يبعد أن يكون ذلك هو مراده، إذ على ذلك يدخل في القاطع الألفاظ التي أخرجها من (النص القاطع) إلى (النص الظاهر) كاللام والباء و(إنّ)، لأن كل ذلك مما يمكن احتفاف قرائن القطعية به. والله تعالى أعلم.
ألفاظ هذا المسلك:
وقد ذكر العلماء ﵏ جملة من الألفاظ في قسم (النص القاطع) أو (النص الصريح):
الأول: (لعلة كذا) أو (لسبب كذا) أو (لموجب كذا) أو نحو ذلك.
ولم أقف على مثال شرعي لذلك فيما اطلعت عليه من كتب أهل العلم، بل صرح علاء الدين السمرقندي أن النص بالتصريح على اسم العلة - مثل (لعلة كذا) - غير وارد من جهة الشارع، وإن كان مستعملا في
[ ٤٥١ ]
اللغة١، وذكر أن الوارد من جهة الشرع مما يرادف ذلك هو لفظ (معنى)، ومثّل لذلك بما روي من قوله ﷺ: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بأحد ثلاثة معان "٢.
الثاني: (من أجل) أو (لأجل) .
ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائيلَ أَنهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ في الأَرْضِ فَكَأَنمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ ٣.
_________________
(١) ١ ميزان الأصول ص٥٩٠. ٢ بهذا اللفظ (معان) لم أجده في أي من المراجع التي أخرجت الحديث وإنما الوارد من ألفاظ الحديث: " إلا بإحدى ثلاث" أو " إلا أحد ثلاثة نفر" أو " إلا من استحل ثلاثة أشياء" (ابن أبي شيبة ٩/٤١٤) أو " إلا في ثلاثة خصال" (سنن الدرقطني ١/٨٢) ولفظ (خصال) هو الذي ذكره شراح الحديث تمييزا للفظ (ثلاث) حيث ورد مطلقا. ينظر الحديث في صحيح البخاري مع فتح الباري١٢/٢٠١ وصحيح مسلم٣/١٣٠٢ ومسند الإمام أحمد ١/٣٨٢،٤٢٨،٤٤٤،٤٦٥ وسنن الترمذي مع تحفة الأحوذي ٤/٦٥٨ وسنن أبي داود مع عون المعبود ١٢/٥ وسنن النسائي ٨/١٣ وسنن ابن ماجه ٢/٨٤٧ وسنن الدارمي ٢/٢١٨ وسنن الدارقطني ١/٨١،٨٢ وسنن البيهقي ٨/١٩ ومسند أبي داود الطيالسي ص١٣،٢١٦ ومصنف عبد الرزاق ١٠/١٦٧ ومصنف ابن أبي شيبة ٩/٤١٣-٤١٤ والمستدرك للحاكم ٤/٣٥٠ وشرح معاني الآثار للطحاوي ٣/١٥٩-١٦٠ وشرح السنة للبغوي ١٠/١٤٧-١٤٨ والمنتقى من السنن المسندة لابن الجارود ص٣٠٧. وانظر تخريج الحديث في إرواء الغليل ٧/٢٥٣-٢٥٥ وتحقيق الشيخ عبد الله بن جبرين لشرح الزركشي على مختصر الخرقي ١/٧٧٢. ٣ سورة المائدة (٣٢) .
[ ٤٥٢ ]
وقول النبي ﷺ: "إنما جعل الإذن من أجل البصر" ١، وقوله ﷺ لما قيل له: نهيتَ أن تؤكل لحوم الضحايا بعد ثلاث، فقال ﷺ: "إنما نهيتكم من أجل الدافَّة التي دَفَّت، فكلوا وادخروا وتصدقوا"٢.
الثالث: (كي) .
ومنه قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَللرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْلاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ ٤.
الرابع: (إذن) .
ومنه قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا. إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيِاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ الآية٥.
وقوله ﷺ لأُبَيّ بن كعب ﵁ لما قال له أبيّ: أجعل لك صلاتي
_________________
(١) ١ رواه البخاري ومسلم. انظر الصحيح مع فتح الباري ١١/٢٤ وصحيح مسلم ٣/١٦٩٨. ٢ رواه مسلم٣/١٥٦١، والدفيف الدبيب، والدافة القوم يسيرون جماعة سيرا ليس بالشديد، والمراد بهم قوم من الأعراب قدموا المدينة عند الأضحى، انظر الصحاح ٤/١٣٦٠ والنهاية لابن الأثير ٢/١٢٤. ٣ سورة الحشر (٧) . ٤ سورة القصص (١٣) . ٥ سورة الإسراء (٧٤-٧٥) .
[ ٤٥٣ ]
كلها، قال ﷺ: "إذًا تُكفى همَّك، ويُغفَر لك ذنبك"١، وقوله ﷺ لما سئل عن بيع التمر بالرطب: "أينقص الرطب إذا جف؟ "، قالوا: نعم، قال: "فلا إذا "٢.
الخامس: بناء المفعول لأجله.
ومنه قول الله ﵎: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشِرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ ٣ وقوله ﷿: ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ ٤ أي من أجل الإعذار والإنذار٥.
السادس: عَدَّ الزركشي من الصريح: التصريح بلفظ (الحكم)، وذكر أنه - مع إهمال الأصوليين له - أعلى المسالك رتبة٦.
_________________
(١) ١ رواه الترمذي. انظر سنن الترمذي مع تحفة الأحوذي ٧/١٥٢-١٥٣. وحسنه الألباني. انظر صحيح سنن الترمذي٢/٢٩٩. ٢ رواه بهذا اللفظ "إذًا" الإمام أحمد في المسند ٣/٥٠ والحاكم في المستدرك ٢/٣٨ وهو الشاهد. أما أصحاب السنن الأربعة فقد رووه بلفظ "فنهى عن ذلك". انظر سنن أبي داود ٩/٢١١-٢١٢ وسنن الترمذي مع تحفة الأحوذي٤/٤١٨ وسنن النسائي ٧/٢٦٨-٢٦٩ وسنن ابن ماجه٢/٢٦١. ٣ سورة النحل (٨٩)، وجاءت اللام مصرحة في قوله تعالى من السورة نفسها (٤٤): ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ . ٤ سورة المرسلات (٥-٦) . ٥ انظر البحر المحيط ٥/١٨٩. ٦ البحر المحيط٥/١٨٧-١٨٩.
[ ٤٥٤ ]
ومثَّل له بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّنَ الأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ ١، قال ابن كثير في تفسيرها: " ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ أي في هدايته تعالى لمن هداه وإضلاله لمن أضله وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ٢٣.
واعتُرض على الزركشي في ذلك بأن الكلام في هذه الآية بعيد عن التعليل، إذ ليس فيها حكم حتى يعلل بلفظ الحكمة، وإنما فيها ذكر حال المنكرين وعاقبتهم ثم وصف ذلك بأنه حكمة قد بلغت غايتها، إلا أن يكون مراد الزركشي مما ذكر أن لفظ (الحكمة) إذا ورد في مقام التعليل فإنه يكون من الطرق القطعية على العلية لا أنه في الآية للتعليل٤.
ولعل فيما ذكره الزركشي في كتابه (البرهان في علوم القرآن) ما يبين ما
_________________
(١) ١ سورة القمر (٤، ٥) . ٢ سورة الأنعام (١٤٩)، وتقدم (صخطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.) عن الطبري القرطبي - رحمة الله عليهما - أن الحجة البالغة هي القاطعة للعذر. ٣ تفسير ابن كثير ٤/٢٨٢، وذكر كثير من المفسرين أن المراد بالحكمة القرآن الكريم أي هذا القرآن حكمة بالغة فهو يشتمل من الحكمة البالغة غايتها ليس فيه نقص ولا خلل، وقيل ويحتمل أن يكون المراد إرسال الرسول ﷺ والإنذار به أو الساعة المقتربة والآية الدالة عليها. انظر تفسير الطبري ٢٧/٥٣ وتفسير القرطبي١٧/١٢٨ والتفسير الكبير للرازي ٢٩/٣٢ فتح القدير للشوكاني ٥/١٢١ المفردات للراغب ص١٨٢. ٤ انظر تعليل الأحكام لمحمد مصطفى شلبي ص١٥٨ ومباحث العلة في القياس عند الأصوليين ص٣٤٨-٣٤٩.
[ ٤٥٥ ]
ههنا، فإنه ذكر التعليل في القرآن الكريم وعرفه بأنه: ذِكر الشيء معللا، وأنه يكون أبلغ في الاعتبار من ذكره غير معلل، ثم ذكر أن غالب التعليل في القرآن يكون على تقدير جواب سؤال عن العلة اقتضته الجملة السابقة، ثم بدأ في ذكر الطرق الدالة على العلة فيه فقال: "الأول التصريح بلفظ الحكم، كقوله تعالى: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَنزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ ١، قال: "والحكمة العلم النافع والعمل الصالح"٢.
فيمكن حمل كلامه - من مجموع ما سبق عنه ومما ذكر في تفسير تلك الآيات - على أن الآية على تقدير سؤال عن العلة بعد قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّنَ الأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ أي ما الحكمة من إنزال هذا القرآن المشتمل على أنباء الأولين وقصص المكذبين برسلهم وما حلّ بهم من العقاب، أو من إنزال الآية الكونية في انشقاق القمر؟ فجاء بيان الحكمة وأن في ذلك تحقيقا للحكم الكوني القاطع بهدايته تعالى لمن هداه وإضلاله لمن أضله، بما يؤدي إلى العلم النافع والعمل الصالح. والله تعالى أعلم.
أثر القرائن في قطعية هذا المسلك:
والطريق إلى القطع بكون وصف من الأوصاف هو علة الحكم أعم من
_________________
(١) ١ سورة النساء (١١٣) . ٢ انظر البرهان في علوم القرآن ٣/٩١.
[ ٤٥٦ ]
كل هذا، لأنه عين الطرق المؤدية إلى القطع في الأحكام الشرعية، وهي كثيرة، وإن كان المذكور ها هنا الطرق القريبة المعتمدة على اللفظ المجرد وما قرب من القرائن.
فأدلة الكتاب والسنة والإجماع تفيد القطعية إما مباشرة وذلك أن يدل لفظ على التعليل وضعا على سبيل القطع كما هنا، وقد تفيد القطعيةَ بتتبع العُرف الاستعمالي والمقاصد الشرعية في علل الأحكام في مظانها وغير مظانها والوقوف على القرائن والشواهد وسائر ما يعين المستدل الناظر في أن وصفا من الأوصاف هو مناط الحكم الشرعي حتى يقطع بذلك، وقد لا يقطع غيره ممن لم يقف على مثل ما وقف.
فالتنويع في القطعية هنا يوافق ما تقرر غير مرة في هذا البحث من خصائص القطعية في الأدلة الشرعية، وأن أوسع مصدر للقطعية في الأدلة الشرعية هو ما يؤخذ من تتبع القرائن المعززة والشواهد المعِينة والنظر في وراثة النبي ﷺ من أقواله وأفعاله وشئونه في أمور الدين والدنيا مع آثار الصحابة رضوان الله عليهم ونهج السلف الماضين في الاستدلال واستنباط اليقين من كل ذلك، ففي ذلك لمن انتهج غُنيةٌ عن السبل الأخرى، وفيه لمن نظر وتحقق بلاغٌ إلى الطمأنينة والأمان بإذن الحكيم القدير. وهو تعالى أعلم.
[ ٤٥٧ ]
مسلك الإجماع على العلة:
وهو أن يثبت اتفاق علماء الأمة في بعض العصور على كون وصف معين هو علة حكم الأصل١، فإن ذلك يكون دليلا قاطعا على أن ذلك الوصف هو علة الحكم قطعا.
ومما نقل من الإجماع على العلية:
- الإجماع على كون الصغر علة ثبوت ولاية المال على الصغير.
- الإجماع على أن علة تقديم الأخ من الأبوين في الإرث على الذي من أب - وجودُ النسبين في الأخ الشقيق٢.
- الإجماع على أن علة منع القاضي من القضاء وهو غضبان التشويشُ المانع من استيفاء النظر في القضايا٣.
اعتراض القاضي على قطعية هذا المسلك:
والإجماع الذي يفيد ههنا هو الإجماع القطعي على ما سبق٤، فإذا كان الإجماع ظنيا لم تكن دلالته على العلية قطعية، وذلك ظاهر.
_________________
(١) ١ انظر اللمع للشيرازي٢/٨٠١ والإحكام للآمدي٣/٢٢٢ ومفتاح الوصول للتلمساني ص١٤٨ وشرح الكوكب المنير ٤/١١٦. ٢ انظر الإحكام ومفتاح الوصول وشرح الكوكب المنير كما سبقت، وانظر كشف الأسرار للبخاري ٣/٣٥١. ٣ انظر العدة لأبي يعلى٥/١٤٣٠ والبحر المحيط٥/١٤٨. ٤ انظر أقوال العلماء في تحديد الإجماع القطعي من ص (خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.) .
[ ٤٥٨ ]
ومن ثم اعترض القاضي أبو بكر الباقلاني على هذا المسلك ونفى صحة كونه من المسالك القطعية على العلة، وذهب إلى أنه لا يعدو أن يكون من المسالك الظنية لأن القائلين بالقياس ليسوا كل الأمة فلا يكون إجماعهم قطعيا، إلا إذا قدر رجوع المانعين لحجية القياس عن إنكارهم فيكون الإجماع عندئذ إجماع الكافة وتتحقق قطعيته١.
فمن كان عنده الإجماع قطعيا دون اتفاق منكري القياس كان الإجماع على العلة دونهم قطعيا، وصح عدُّه من المسالك القطعية، ولذا رُدَّ هذا الاعتراض بنفي كون منكري القياس من علماء الأمة الذين يعتد بخلافهم في الإجماع٢.
_________________
(١) ١ انظر تلخيص التقريب للقاضي لخصه الجويني ٣/٢١٥ والبحر المحيط ٥/٦٥٨. ٢ انظر البحر المحيط ٥/٦٨٥.
[ ٤٥٩ ]
الخاتمة
الحمد لله على ما منَّ به من التمام وعلى ما تفضَّل به من الختام، وله الشكر على نعمه وآلائه الظاهرة والباطنة، شكرا يوجبه مزيد نعمه وآلائه، ويحضرني حين الختام أمور وصل إليها البحث وتعلقت لظهورها بالذهن أُجملها فيما يلي:
١- أصالة التعبير عن اليقين في الأدلة الشرعية بـ (القطع) و(القطعية) ونحوهما من العبارات المشتقة منهما في كلام أهل العلم بأصول الفقه وغيرهم.
٢- القطع في اصطلاح الأصوليين يطلق على ما لا احتمال فيه مطلقا وعلى ما فيه احتمال صار لبعده كلا احتمال، ومعنى القطع في الدليل مفرع عن ذلك.
٣- مذهب عامة أهل العلم والذي يدل عليه واقع الشريعة أن الأدلة الشرعية منها أدلة قطعية وفيها دون ذلك أدلة راجحة مع احتمال مرجوح فيها.
٤- الأدلة الشرعية إذا اتُّبِع فيها منهج الأخذ بالقرائن المبينة سَلِمت مما يطرق إليها من احتمال معارضة العقل وغيرها من الاحتمالات العشرة.
٥- كل دليل شرعي ثبتت حجيته يجب العمل به قطعيا كان أو غير قطعي.
[ ٤٦٣ ]
٦- أهمية الدليل القطعي في إضفاء الأمن على الأحكام وفي حفظ قواعد الشريعة من أن يتلاعب بها مؤول أو يثير فيها من الشبهات معاند.
٧- أصول الفقه لا يلزم الاستدلال على مسائله بالدليل القطعي، لكن غالب قواعدها وأمهاتها ثبتت عند المحققين من العلماء بالقواطع.
٨- للقطعية في الأدلة جهتان متكافئتان غير متلازمتين: جهة ثبوت الدليل وسنده وجهة دلالته على المراد من متنه، وأعلى الأدلة بالنسبة للقطعية الدليلُ القطعي الثبوت والدلالة.
٩- مما يضفي القطعيةَ على الدليل كونه مجمَعا عليه أو احتفافُ قرائن القطعية به من حال أو لفظ أو سياق، فلا يزال الدليل يَقْوَى بذلك حتى يصل إلى درجة القطعية.
- وأَحكم مصادر القطعية في الأدلة الشرعية وأوسعها النظرُ مع الأدلة الشرعية المشهورة في علم وراثة النبوة وآثار الصحابة ومن تبعهم ممن جاء بعدهم - في الاستدلال على المطالب والمسائل الشرعية.
١٠- الخلاف الصحيح في الدليل يمنع كون الدليل مطردا في القطعية لعموم الناظرين، لكن لا يلزم منه منع أصل القطعية، فتصح القطعية في دليل مختلف فيه وذلك لبعض الناظرين.
- والدليل القطعي بالنظر إلى ذلك نوعان: قطعي مطلقا وقطعي بالنسبة لمن حقَّق أسبابها.
[ ٤٦٤ ]
١١- من القواعد المعمول بها عند عامة العلماء أن الاحتمال إذا ورد على الدليل من وجه صحيح أنه يمنعه من القطعية، فإذا كان الاحتمال مع ذلك مرجوحا فإن الدليل يبقى حجة راجحة غير قطعية.
- لكن يجب الحذر من كثرة إيراد الاحتمالات على الأدلة الشرعية.
- ولا يمنع القطعَ شرعا الاحتمالُ العقلي المجرد الذي لا يستند إلى شرع أو عادة.
١٢- من آثار نظر أهل العلم في القطعية تفريق بعضهم في الاصطلاح بين الدليل والأمارة، وبين الفرض والواجب.
١٣- من أثر كون الدليل قطعيا أنه يمنع الاجتهاد بما يؤدي إلى مخالفته، وذلك بعد تحقق القطعية، وأنه يوجب خطأ من خالفه.
١٤- يمتنع وقوع التعارض حقيقة بين دليلين تحققت فيهما القطعية، وأنه لذلك لا يتأتى الترجيح فيها.
١٥- الكتاب والسنة أصل الأدلة القطعية وغيرها.
١٦- الخبر المتواتر لفظه أو معناه لازم القطعية فيما تواتر فيه عند جميع المسلمين.
١٧- خبر الواحد جائز القطعية في قول عامة أهل العلم بعد التحقيق، وذلك باحتفاف ما من شأنه أن يحتف بالخبر الذي هو حجة شرعا من قرائن القطعية.
[ ٤٦٥ ]
١٨- القطعي المطلق من أدلة الكتاب والسنة بالنظر إلى جهة الدلالة منهما هو (النص المطلق)، في اصطلاح من يستعمله فيما لا احتمال فيه من الجمهور، وكذلك (المفسّر) في اصطلاح الحنفية.
- ومفهوم الموافقة (أو دلالة النص) جائز القطعية.
- والعام المطلق جائز القطعية عند الحنفية وهو غير قطعي عند غيرهم.
- وإذا نُظر في اللفظ العام إلى عرف أهل اللغة ومقاصد الشريعة في استعمال الألفاظ كان جائز القطعية عند من حصّل ذلك.
١٩- الإجماع حجة قطعا والحكم الثابت به قطعي وصواب، لكن مسالك العلماء مختلفة في تحديد القطعي منه، وأولى ما ذكر فيه أنه الإجماع القولي المشاهد أو المنقول تواترا.
٢٠- القياس جائز القطعية، والقطعي منه أنواع يجمعها أن يكون التعليل ووجود العلة في الفرع قطعيين.
٢١- من الطرق المثبتة للعلية مسالك تدل على التعليل قطعا كالنص والإجماع.
هذا، وباب القطعية أوسع مما وقع في هذا البحث، فإنه إنما كان البحث فيه فيما يتعلق منها بالأدلة الأربعة، بل إن بعض جزئيات هذا الموضوع تحتمل ببعض النظر بسطا أوسع.
[ ٤٦٦ ]
فهل هناك أدلة شرعية أخرى قطعية؟ وما ضابط القطعية فيها؟
وما حقيقة القطعية في عموم الشريعة؟
وما أثر القرائن والاحتمال في المسائل الأصولية مسألة مسألة؟
وما أثر الاحتمال العقلي في القواطع الشرعية في واقع الفقه وأصوله؟
وما القواعد الأصولية التي قامت عليها أدلة قطعية مطلقة؟
فهذه بعض الأسئلة التي بقيت عالقة بأنها لا يجمعها حَدُّ هذا البحث.
أسأل الله العلي القدير أن يوفقنا لصالح الأعمال، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه، وأن يعلمنا علما نافعا، وأن ينفعنا بما علمنا، إنه مجيب قريب، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم، وعمل بسنته إلى، يوم الدين، آمين والله تعالى أعلم.
[ ٤٦٧ ]