تعريف الاجتهاد والتخطئة:
الاجتهاد لغة: افتعال من الجُهد وهو الطاقة والجَهدُ بالفتح المشقة والاجتهاد: بذل الوسع والطاقة١.
أما في الاصطلاح فهو: "بذل الفقيه وسعه بالنظر في الأدلة لأجل أن يحصل له الظن أو القطع بأن حكم الله في المسألة كذا"٢.
فهو عند الإطلاق يراد به الاجتهاد في الأحكام الفقهية٣.
والتخطئة: تَفْعِلة من الخطأ وهو ضد الصواب، يقال: (خطَّأه تخطئة وتخطيئا) إذا قال له: أخطأت ونسبه إلى الخطأ٤.
_________________
(١) ١ انظر الصحاح٢/٤٦٠-٤٦١ ولسان العرب٣/١٣ والمصباح المنير للفيومي ص١١٢. ٢ مذكرة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في أصول الفقه/٣١١. وانظر تعريف الاجتهاد في الحدود للباجي ص٦٤ وشرح اللمع ٢/١٠٤٣ والمستصفى ٤/٤ والمحصول ٦/٦ وروضة الناظر للموفق ابن قدامة ٢/٤٠١ وإحكام الأحكام للآمدي ٤/٣٩٦ ومختصر ابن الحاجب مع بيان المختصر ٣/٢٨٨ ومنهاج الأصول للبيضاوي مع نهاية السول ٤/٥٢٤ شرح مختصر الروضة ٣/٥٧٥ وجمع الجوامع وشرح المحلي٢/٣٧٩ والبحر المحيط٦/١٩٧ شرح الكوكب المنير ٤/٤٥٨ وانظر التحرير (مع التيسير) للكمال ابن الهمام ٤/١٧٩ وكشف الأسرار عن أصول البزدوي لعبد العزيز البخاري٤/١٤. ٣ انظر شرح المحلي على جمع الجوامع٢/٣٧٩، والمراجع السابقة. ٤ انظر الصحاح١/٤٧ ولسان العرب١/٦٦.
[ ٢٣٩ ]
قطعية الدليل مانعة من الاجتهاد وموجبة لخطأ مخالف الدليل القطعي، لأن معنى كونه قطعيا اليقين والجزم بنسبته إلى الله تعالى أو إلى الرسول ﷺ، ولا تجوز مخالفة أمر الله ورسوله ﷺ بعد أن يتبين بيقين، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُون لَهُمُ الخِيَرَة مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فتْنةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٢.
ولذا كانت الأحكام الشرعية الثابتة بقواطع الأدلة غير قابلة للاجتهاد المؤدي إلى مخالفتها، ومن فعل ذلك فهو مخطئ في اجتهاده قطعا، فكل مسألة فيها دليل قطعي مسألةٌ قطعية، والحق فيها متعين فيما أفاده الدليل القطعي، ومخالفه مخطئ سواء أقَصّر في طلب الدليل أم لم يقصر٣.
وما يظهر من نقل بعض العلماء الخلاف في تخطئة مخالف الدليل القطعي إذا لم يقصر وأن ذلك داخل في مسألة التصويب والتخطئة٤ -
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب (٣٦) . ٢ سورة النور (٦٤) . ٣ انظر المستصفى (بولاق) ٢/٣٥٤، ٣٥٧-٣٥٨ والمحصول للرازي٦/٢٧ والإحكام للآمدي ٤/٣٩٨ وشرح مختصر الروضة للطوفي ١/٤٩٩-٥٠٠ والبحر المحيط ٦/٢٧٧ والموافقات ٤/١٥٦ وشرح الكوكب المنير٤/٤٩٠ وانظر أصول الجصاص ص١٦١-١٦٢ والثوابت والمتغيرات للدكتور صلاح الصاوي ص٥٦. ٤ مما نقل من ذلك ما ذكره الجويني في البرهان ٢/٨٨٥-٨٨٦ عن القاضي أنه يقول بالتصويب ولو في مسألة فيها نص.
[ ٢٤٠ ]
ليس كما يظهر، بل الصحيح أنه لا خلاف في تخطئة مخالف الدليل القطعي بمعنى أن ما أفاده الدليل القطعي هو الصواب والحق، وأنما الخلاف في تأثيم المخطئ في المسألة التي فيها دليل قطعي إذا لم يقصر في طلب الدليل، بكونه أدى ما عليه من الاجتهاد١، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن الأحكام الشرعية التي نصبت عليها أدلة قطعية معلومة - مثل الكتاب والسنة المتواترة والإجماع الظاهر كوجوب الصلاة والزكاة والصيام وتحريم الزنا والخمر والربا - إذا بلغت هذه الأدلة المكلف بلاغا يمكنه من اتباعها فخالفه تفريطا في جنب الله وتعديا لحدوده فلا ريب أنه مخطئ آثم وأن هذا الفعل سبب لعقوبة الله في الدنيا والآخرة، فإن الله أقام حجته بالرسل الذين بعثهم ﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُون لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ٢ "٣.
الاجتهاد والقطعية النسبية:
خالف أبو الحسين البصري في تعريف المسألة الاجتهادية بأنها التي ليس فيها دلالة قاطعة، واختار أن المسألة الاجتهادية هي كل مسألة خلافية، فقال: "إن مسائل الاجتهاد التي لا لوم على المخطئ فيها هي ما اختلف فيها أهل الاجتهاد من الأحكام الشرعية"٤، فأدخل في
_________________
(١) ١ انظر جمع الجوامع مع شرح المحلي٢/٣٩٠ وحاشية المطيعي على نهاية السول ٤/٥٦٥. ٢ سورة النساء (١٦٥) . ٣ مجموع الفتاوى١٩/١٤٢-١٤٣ وانظر المسودة ص٥٠٤. ٤ المعتمد٢/٣٩٦.
[ ٢٤١ ]
الاجتهاديات المسائل الخلافية مطلقا سواء أكان فيها دليل قاطع أم لم يكن فيها دليل قاطع، وهو يثبت مع ذلك جواز الخطأ، أي أن الذي يرتفع عنده عن المجتهد في المسائل الخلافية هو اللوم دون جواز الخطأ.
ومن نوع ما ذكره أبو الحسين البصري عدم تسليم شيخ الإسلام ابن تيمية تعريف المسألة الاجتهادية بأنها المسألة التي ليس فيها دليل قاطع، وقال إشارة إلى تعريف الاجتهاد بذلك: "تضمن هذا أن ما يعلم بالاجتهاد لا يكون قطعيا قط، وليس الأمر كذلك فرب دليل خفي قطعي"١، وفي كلامه أمر آخر: وهو أن كون قطعية الدليل مانعة من الاجتهاد وموجبة للتخطئة لا يعني الاجتهاد وبذل الوسع في الوصول إلى الدليل القطعي، فإن القطعية ربما كانت مستندة إلى قرائن يستدعي تحصيلها استقراءً وبذلَ جهد في الوقوف عليها٢.
والتحقيق أن معنى كون القطعية مانعا للاجتهاد أن الدليل القطعي إذا أثبت حكما معينا في مسألة لم يجز الاجتهاد في طلب حكم آخر فيها، فالقطعية إنما تمنع الاجتهاد بعد تحققها، أما الاجتهاد للوصول إلى الدليل القطعي الخفي فهو اجتهاد قبل تحقق القطعية عند الناظر المستدل فلا يكون ممنوعا.
_________________
(١) ١ المسودة/٤٩٦. ٢ انظر حاشية المطيعي على نهاية السول٤/٥٣٩.
[ ٢٤٢ ]
ولعل هذا هو مراد من عرّف المسائل الجائز فيها الاجتهاد بما ليس فيه دليل قطعي، أي دليل تحققت عند الناظر قطعيته، وإلا فكيف تمنع القطعية وهي لم تثبت بعدُ!. والله تعالى أعلم.
فخلاصة ما سبق أن من جوّز الاجتهاد فيما فيه قاطع فمراده القطعية المقيدة، أي يجوز الاجتهاد في مسألة فيها دليل قطعي لمن لم تتحقق عنده القطعية، ومن أطلق القول بمنع الاجتهاد للقطعية فمراده القطعية المطلقة أو المقيدة بالنسبة لمن تحققت عنده القطعية، أما القطعية من حيث هي فلا يلحقها الاجتهاد عند ناظر واحد. والله تعالى أعلم
ومن هذا الباب أنه يشترط لصحة القياس شرعا ألا يوجد نص في المسألة، فإذا وجد لم يجز القياس، ويكون إذا خالفه خطأ قطعا١، والقياس من أنواع الاجتهاد، بل "هما اسمان لمعنى واحد"٢ كما ذكره الإمام الشافعي ﵀.
الجهتان في منع القطعية للاجتهاد وفي التخطئة:
إذا كان الدليل قطعيا من جهة الثبوت والدلالة فمنعه الاجتهاد منع
_________________
(١) ١ وهو القياس الموصوف بأنه فاسد الاعتبار. انظر إحكام الأحكام للآمدي ٤/٣٢٦ وشرح مختصر الروضة للطوفي ٣/٤٦٨ وشرح الكوكب المنير ٤/٢٣٦، وانظر أصول السرخسي ٢/١٥٠-١٥١. ٢ الرسالة/٤٧٧.
[ ٢٤٣ ]
مطلق، أما إذا كان الدليل قطعيا من جهة دون أخرى فمنع القطعية للاجتهاد يكون في الجهة التي الدليل مقطوع به فيها دون الأخرى.
ومثال ذلك كما سبق: أن يكون الدليل من القرآن فيكون قطعيا من جهة الثبوت ولا يكون قطعيا من جهة الدلالة، فيجوز الاجتهاد فيه من جهة الدلالة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثةَ قُرُوءٍ﴾ ١، فقد اجتهد العلماء - رحمهم الله تعالى - في هذه الآية من جهة دلالتها على ما فيه يكون التربص أفي الأطهار أم في الحيض، إذ كانت الآية وحدها غير قطعية الدلالة على شيء من ذلك، وهي قطعية الثبوت اتفاقا٢.
وكذلك التخطئة، فإن الذي يخطئ في مسألة التربص أيكون بالحيض أو بالأطهار لا يوصف بأنه أخطأ في الآية من جهة الثبوت بل من جهة الدلالة. والله تعالى أعلم.
نوعا القطعية في منع الاجتهاد وفي التخطئة:
إذا كان الدليل قطعيا مطلقا فمنع القطعية الاجتهاد فيه يكون لجميع الناظرين المستدلين، أما إذا كان الدليل من القواطع المقيدة - أي التي يمكن ألا يطلع عليها بعض الناظرين في الدليل٣- فمنع القطعية للاجتهاد في مثل
_________________
(١) ١ سورة البقرة (٢٢٨) . ٢ انظر الكلام على جهتي القطعية مع التمثيل ص (١٢٨) . ٣ انظر الكلام على نوعي القطعية هذين في مبحث أثر الخلاف في منع القطعية ص (١٧٥) .
[ ٢٤٤ ]
ذلك يكون في حق من تحققت قطعية الدليل عنده، بل إن المطلوب من الذي لا يقطع الاجتهادُ وبذل الوسع في النظر في الدليل ليقف على مسببات القطعية وقرائنها فيصير الدليل قطعيا عنده١.
أما التخطئة فالظاهر أن من ثبتت عنده قطعية الدليل كان كل من خالفه مخطئا عنده، لأنه على يقين بالصواب بالدليل القطعي، فإذا احتمل أن يكون الصواب مع مخالفه لم يجتمع مثل هذا الاحتمال مع قطعية دليله، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) ١ وقد سبق ذلك قريبا في هذا المبحث.
[ ٢٤٥ ]