إذا كان الراجح من أقوال أهل العلم أن القياس الشرعي يكون قطعيا فليس كل قياس فُرض يكون قطعيا بل قد يكون القياس فاسدا باطلا، فكان لزاما بيان القياس القطعي ليزداد مبحث قطعية القياس وضوحا.
وقد ذكر العلماء - ﵏ - أنواعا من الأقيسة القطعية، والذي وقفت عليه من ذلك يرجع إلى أربعة أنواع:
النوع الأول: وهو أشرفها وأولاها بالتقديم القياسُ الصادر عن رسول الله ﷺ، فإنه مقطوع به لعدم تطرق الاحتمال إلى شيء مما ينبني عليه القطعية في القياس، فإنه ﷺ أعلم بعلل الأحكام الشرعية وأحكامها، وأعلم بوجود تلك العلل في الفروع على الوجه الذي يوجب تسويتها بالأصول المقيس عليها في تلك الأحكام، وإذا عُلم ذلك كان القياس الصادر عن النبي ﷺ قياسا قطعيا١.
وقد ورد عن النبي ﷺ أقيسة كثيرة٢ منها:
_________________
(١) ١ انظر المستصفى للغزالي ٢/٣٨٠ والتمهيد لأبي الخطاب ٣/٤١٣-٤١٥ ونفائس الأصول شرح المحصول ق٤٤/ب والبحر المحيط٥/١٦. ٢ صنف ناصح الدين الحنبلي - ﵀ - كتابا في ذلك أسماه: أقيسة رسول الله ﷺ، جمع فيه جملة كبيرة منها.
[ ٤٢٢ ]
١- قياسه ﷺ قُبلة الصائم على مضمضته في عدم إفساد الصوم، وذلك في الحديث الذي رواه عمر ﵁ قال: هششت١ يوما فقبَّلت وأنا صائم فأتيت النبي ﷺ فقلت: إني صنعت اليوم أمرا عظيما فقبلت وأنا صائم، فقال رسول الله ﷺ: "أرأيت لو تمضمضت وأنت صائم؟ "، قلت: لا بأس، فقال رسول الله ﷺ: "ففيم؟ "٢٣.
٢- قياسه الخالة على الأم في أحقية الحضانة، وذلك في حديث البراء٤ في قصة اختصام علي وجعفر٥ ابْنَي أبي طالب وزيد٦ أيهم يحضن
_________________
(١) ١ هش للأمر يَهِش هشاشة: إذا فرح به واستبشر فارتاح له وخفَّ. انظر النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير٥/٢٦٤. ومعناه فرحت بالنظر إلى امرأتي. انظر عون المعبود للعظيم آبادي٧/١١-١٢. ٢ رواه الإمام أحمد في المسند١/٢١،٥٢ وأبو داود في السنن (مع عون المعبود) ٧/١١-١٢. وصححه الشيخ ناصر الدين الألباني. انظر صحيح سنن أبي داود ٢/٤٥٣. ٣ انظر كتاب أقيسة الرسول ﷺ ص١٩١-١٩٢. ٤ هو البراء بن عازب بن الحارث بن عدي أبو عمارة أو أبو عمرو، الأنصاري الأوسي، توفي سنة (٧٢) هـ. انظر الإصابة ١/١٤٧. ٥ هو جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم أبو عبد الله القرشي الهاشمي، ابن عم رسول لله ﷺ، وشقيق علي ﵄، كان يشبه رسول الله ﷺ في الخَلق والخُلق، وكان يكنيه ﷺ أبا المساكين لحبه إياهم، استشهد في غزوة مؤتة سنة ثمان من الهجرة. انظر الإصابة ١/٢٤٨-٢٤٩وأسد الغابة ١/٣٤١-٣٤٤. ٦ هو زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي، من السابقين إلى الإسلام، حِبُّ رسول الله ﷺ ومولاه ثم أعتقه وتبناه حتى دعي (زيد بن محمد) إلى أن نزل قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لابَائِهِمْ﴾ النور (٥) . انظر الإصابة ٣/٢٤-٢٦.
[ ٤٢٣ ]
ابنة حمزة١ بن عبد المطلب ﵃ جميعا، وفيه: "فاختصم فيها علي وزيد وجعفر فقال علي: أنا أخذتها وهي بنت عمي، وقال جعفر: ابنة عمي وخالتها تحتي، وقال زيد: ابنة أخي، فقضى بها النبي ﷺ لخالتها وهي زوجة جعفر٢ وقال ﷺ: "الخالة بمنزلة الأم"الحديث٣٤.
٣- القياس الذي ورد في حديث ابن عباس ﵁، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها؟ فقال: "لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها؟ "قال: نعم، قال: "فدين الله أحق أن يقضى"٥٦.
٤- ما ورد في حديث أبي هريرة ﵁ أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ولد لي غلام أسود، فقال: " هل لك من إبل؟ "قال: نعم، قال: "ما ألوانها؟ "قال: حُمر، قال: "هل فيها من أورق٧؟ "قال:
_________________
(١) ١ اسمها عمارة وقيل غير ذلك، انظر فتح الباري لابن حجر العسقلاني ٧/٥٠٦. ٢ هي أسماء بنت عميس ﵂. انظر الفتح كما سبق. ٣ أخرجه البخاري. انظر صحيح البخاري مع فتح الباري ٧/٤٩٩. ٤ انظر كتاب أقيسة الرسول ﷺ ص١١٧. ٥ أخرجه البخاري ومسلم. انظر صحيح البخاري مع الفتح ٤/١٩٢ وصحيح مسلم٢/٨٠٤. ٦ انظر كتاب أقيسة الرسول ﷺ ص٧٩. ٧ الأورق - بوزن الأحمر -: الأسمر وهو الذي فيه سواد ليس بحالك بل يميل إلى الغبرة ومنه قيل للحمامة (ورقاء) . انظر النهاية لابن الأثير ٥/١٧٥ وفتح الباري ٩/٤٤٢.
[ ٤٢٤ ]
نعم، قال: "فأنى ذلك؟ "قال: لعله نزعه عرق١، قال: "فلعل ابنك هذا نزعه عرق "٢٣.
٥- قول رسول الله ﷺ: "العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه"٤٥.
٦- حديث أبي ذر٦ ﵁ أن ناسا من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله ذهب أهل الدُّثور بالأجور، يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم، قال: "أو ليس قد جعل الله لكم ما تصّدّقون؟ إن كل تسبيحة صدقة وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة وأمر بمعروف صدقة ونهي عن منكر صدقة وفي بضع أحدكم صدقة"، قالوا: يا رسول أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: "أرأيتم لو وضعها في حرام أكان يكون عليه وزر؟ "قالوا: نعم، قال: "فكذلك إذا وضعها في الحلال يكون
_________________
(١) ١ "المراد بالعرق: الأصل من النسب شبّهه بعرق الشجرة، ومنه قولهم (فلان عريق في الأصالة) وأصل النزع الجذب وقد يطلق على الميل"الفتح ٩/٤٤٤. ٢ رواه البخاري ومسلم. انظر الصحيح مع الفتح ٩/٤٤٢ وانظر صحيح مسلم ٢/١١٣٧. ٣ انظر كتاب أقيسة الرسول ﷺ ص٨٠. ٤ رواه البخاري ومسلم. انظر الصحيح مع الفتح ٦/١٣٩-١٤٠ وصحيح مسلم ٣/١٢٤١. ٥ انظر كتاب أقيسة الرسول ﷺ ص١٠٣. ٦ هو جندب بن جنادة بن سكن (وقيل غير ذلك في اسمه واسم أبيه) أبو ذر الغفاري، الزاهد الصادق اللهجة، من السابقين إلى الإسلام، توفي بالربذة سنة (٣٢) هـ على قول الأكثر، أو (٣١) . انظر الإصابة ٧/٦٠-٦٣.
[ ٤٢٥ ]
له أجر" ١، قال ابن القيم: "فهذا من قياس العكس الجلي البين، وهو إثبات نقيض حكم الأصل في الفرع لثبوت ضد علته فيه"٢.
ففي جميع هذه الأقيسة يعلم بأن أحكام الفروع المقيسة مساوية لأحكام الأصول المقيسة عليها، من الوجه الذي أراده النبي ﷺ، وذلك على سبيل القطع واليقين في الدلالة. وهذا النوع راجع إلى السنة النبوية٣.
النوع الثاني: إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق من طريق الأولى٤.
فقد ذهب بعض العلماء إلى أن مثل ذلك من القياس، وهو اختيار إمام الحرمين٥ والرازي٦ وبعض الحنفية٧.
ومذهب الحنفية أنه من دلالة النص٨، وهو منسوب إلى المالكية٩
_________________
(١) ١ رواه مسلم في الصحيح ٢/٦٩٨. ٢ اعلام الموقعين١/١٩٩، وانظر الثبات والشمول في الشريعة ص٣٦٨. ٣ كما سبق في ص (خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.) من هذا البحث. ٤ وهو ما سبق في بحث (المفهوم القطعي) انظر ص (خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.) . ٥ انظر البرهان ٢/٥١٦-٥١٧. ٦ انظر المحصول للرازي ٥/١٢١. ٧ انظر كشف الأسرار عن أصول البزدوي ١/٧٣-٧٤. ٨ أي من نظم اللفظ. انظر المرجع السابق، ومسلم الثبوت١/٧٣-٧٤. ٩ انظر إحكام الفصول للباجي ص٥٠٩، قال: "هذا الذي عليه جمهور المتكلمين والفقهاء من أصحابنا وغيرهم"وسماه (فحوى الخطاب)، مع أنه ذكر في موضع آخر أن القياس الجلي: "ما علمت علته قطعا إما بنص أو فحوى خطاب أو إجماع". إحكام الفصول/٦٢٧. فجعل هنا ما علمت علة الإلحاق فيه بفحوى الخطاب من القياس.
[ ٤٢٦ ]
والحنابلة١، واختاره الغزالي٢ والآمدي٣.
والقطعية متحققة على كلا القولين، فالخلاف لفظي بالنظر إلى القطعية، قال إمام الحرمين وهو ممن اختار كونه من القياس: "وهذه
_________________
(١) ١ انظر العدة لأبي يعلى ٤/١٣٣٣ وشرح الكوكب المنير ٣/٤٨٣-٤٨٤. ٢ انظر المستصفى (بولاق) ١/٣٣٥-٣٣٦ (بولاق) ٢/١٩١،٢٨١-٢٨٢ هذا في المستصفى، أما في شفاء الغليل (ص٥٤-٥٩) فذهب إلى أن دلالة تحريم الضرب من تحريم التأفيف قياسية. ٣ انظر الإحكام ٣-٤/٦٦. وحجة القائل إنه قياس: أن المسكوت عنه لا يشعر به اللفظ وضعا ولا عرفا لأن التأفيف في قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ غير الضرب في وضع اللغة، ولو كان دالًاّ على فهم منع الضرب لما حَسُن مثلا من الملك إذا استولى على عدوٍّ له أن يأمر الجلاد بقتله ويمنعه من الاستخفاف به ولو بالتأفيف، فلما لم يدل الوضع ولا العرف على الضرب من التأفيف كان إلحاقه به بطريق فهم معنى تحريم التأفيف وهو الأذى ثم إلحاق الضرب به من باب أولى. انظر البرهان ٢/٥١٦-٥١٧ وشفاء الغليل للغزالي ص٥٤-٥٩ والمحصول ٥/١٢١. وحجة القائل إنه مدلول عليه باللفظ: أن المسكوت عنه يفهم من المنطوق باللغة دون الحاجة إلى فكر وتأمل، وأنه يستوي في فهمه العالم بالقياس والقائل به والجاهل به والمنكر لحجيته، وأن الأصل قد يكون في هذا الباب جزءا من الفرع مندرجا تحته والقياس لا يكون الأصل فيه كذلك، وأن القياس ليس من شرطه أن يكون المعنى أشد مناسبة في الفرع من الأصل وذلك شرط في مثل هذا الإلحاق، وأنه لا يسلّم كون المعنى الموجود في الحكم هو الموجب لإلحاق الفرع بالأصل (الضرب بالتأفيف) وإنما يلاحظ المعنى لكونه بمنزلة العنوان. انظر المستصفى والإحكام في أصول الأحكام للآمدي وكشف الأسرار كما سبقت، وانظر فواتح الرحموت مع مسلم الثبوت ١/٤١١. وفي المسألة أدلة أخرى ومناقشات واعتراضات، اكتفيت بهذا القدر هنا لكون الخلاف في المسألة لا يؤثر على القطعية.
[ ٤٢٧ ]
مسألة لفظية ليس وراءها فائدة معنوية"١، وقال الغزالي بعد أن اختار كونه من اللفظ دون القياس: "ومن سماه قياسا اعترف بأنه مقطوع به ولا مشاحة في الأسامي، فمن كان القياس عنده عبارة عن نوع من الإلحاق يشمل هذه الصورة فإنما مخالفته في عبارة"٢.
وذكر عبد العزيز البخاري أن من سماه من الحنفية قياسا لم يثبت به الحدود والكفارات، ومن لم يسمه كذلك بل كان عنده كالنص أثبت به ذلك، ثم نقل أن من سماه قياسا قد يثبت الحدود بهذا النوع من الأقيسة٣، فالخلاف على نقله الثاني لفظي عند الحنفية، معنوي على الأول.
ولفظية الخلاف هي الأولى بالنظر إلى قطعية القياس أو الدلالة اللفظية. والله تعالى أعلم.
النوع الثالث: القياس الذي يقطع فيه بعدم الفارق المؤثر بين الأصل والفرع، وهو قياس المساوي أي الذي يقطع فيه بمساواة الفرع للأصل في مناسبة الحكم٤.
"وضابط هذا النوع أن لا يحتاج إلى التعرض للعلة الجامعة بل يتعرض للفارق ويعلم أنه لا فارق إلا كذا ولا مدخل له في التأثير قطعا"٥، ولا بد من القطع بهذين الأمرين وهما: عدم وجود فارق إلا فارقا معينا وعدم تأثير ذلك الفارق المعين في الحكم، فإن تطرق الاحتمال إلى أحد هذين الأمرين لم يكن القياس قطعيا.
ويتطرق الاحتمال إلى الأمر الأول بإمكان أن يكون ثَمّ فارق آخر غير الذي عيّنه المجتهد القائس فلا يقطع بقوله: (لا فارق إلا كذا)، كما يتطرق الاحتمال إلى الأمر الثاني بإمكان أن يكون للفارق المعين مدخل في التأثير في الحكم فلا يقطع بقوله: (لا مدخل لهذا الفارق في التأثير في الحكم) ٦.
_________________
(١) ١ البرهان ٢/٥١٦-٥١٧. ٢ المستصفى ٢/٢٨١-٢٨٢. ٣ انظر كشف الأسرار ١/٧٤. ٤ انظر البرهان٢/٥٧٥ والمستصفى٢/٢٨٣-٣٨٤ وشرح مختصر الروضة٣/٣٥٢ والاستقامة لابن تيمية١/٦٩ وشرح الكوكب المنير ٤/٢٠٧. ٥ المستصفى٢/٢٨٣-٢٨٤. ٦ المرجع السابق.
[ ٤٢٨ ]
مسألة لفظية ليس وراءها فائدة معنوية"١، وقال الغزالي بعد أن اختار كونه من اللفظ دون القياس: "ومن سماه قياسا اعترف بأنه مقطوع به ولا مشاحة في الأسامي، فمن كان القياس عنده عبارة عن نوع من الإلحاق يشمل هذه الصورة فإنما مخالفته في عبارة"٢.
وذكر عبد العزيز البخاري أن من سماه من الحنفية قياسا لم يثبت به الحدود والكفارات، ومن لم يسمه كذلك بل كان عنده كالنص أثبت به ذلك، ثم نقل أن من سماه قياسا قد يثبت الحدود بهذا النوع من الأقيسة٣، فالخلاف على نقله الثاني لفظي عند الحنفية، معنوي على الأول.
ولفظية الخلاف هي الأولى بالنظر إلى قطعية القياس أو الدلالة اللفظية. والله تعالى أعلم.
النوع الثالث: القياس الذي يقطع فيه بعدم الفارق المؤثر بين الأصل والفرع، وهو قياس المساوي أي الذي يقطع فيه بمساواة الفرع للأصل في مناسبة الحكم٤.
"وضابط هذا النوع أن لا يحتاج إلى التعرض للعلة الجامعة بل يتعرض للفارق ويعلم أنه لا فارق إلا كذا ولا مدخل له في التأثير قطعا"٥، ولا بد من القطع بهذين الأمرين وهما: عدم وجود فارق إلا فارقا معينا وعدم تأثير ذلك الفارق المعين في الحكم، فإن تطرق الاحتمال إلى أحد هذين الأمرين لم يكن القياس قطعيا.
ويتطرق الاحتمال إلى الأمر الأول بإمكان أن يكون ثَمّ فارق آخر غير الذي عيّنه المجتهد القائس فلا يقطع بقوله: (لا فارق إلا كذا)، كما يتطرق الاحتمال إلى الأمر الثاني بإمكان أن يكون للفارق المعين مدخل في التأثير في الحكم فلا يقطع بقوله: (لا مدخل لهذا الفارق في التأثير في الحكم) ٦.
من أمثلة هذا النوع من القياس٧:
١- قياس الأمة على العبد في سراية العتق٨، وذلك في قوله ﷺ:
_________________
(١) ١ البرهان ٢/٥١٦-٥١٧. ٢ المستصفى ٢/٢٨١-٢٨٢. ٣ انظر كشف الأسرار ١/٧٤. ٤ انظر البرهان٢/٥٧٥ والمستصفى٢/٢٨٣-٣٨٤ وشرح مختصر الروضة٣/٣٥٢ والاستقامة لابن تيمية١/٦٩ وشرح الكوكب المنير ٤/٢٠٧. ٥ المستصفى٢/٢٨٣-٢٨٤. ٦ المرجع السابق. ٧ انظر الأمثلة في المراجع السابقة. ٨ إذا أعتق أحد الشريكين في مملوكٍ نصيبَه فإن كان موسرا عتق عليه الباقي بقيمته من ماله لشريكه، وإن كان معسرا فقد عتق من المملوك ما عتق وبقي باقيه من نصيب الشريك الآخر على الرق، هذا عند الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة، أما عند الحنفية فإن كان المعتِق موسرا فشريكه الذي لم يعتق نصيبه بالخيار بين العتق أو أن يضمن له شريكُه المعتِق قيمة نصيبه أو أن يستسعي الذي لم يعتق نصيبه العبدَ في طلب ما يؤدي به ما بقي فيه من الرق أو يصالحه أو يدبره أو يكاتبه، وإن كان معسرا فليس على الشريك المعتِق ضمان نصيب الآخر ويبقى للشريك الآخر باقي الخيارات. انظر الكافي في فقه أهل المدينة المالكي لابن عبد البر ٢/٩٦٣ وروضة الطالبين للنووي ٨/٣٨٦ ومختصر الخرقي مع شرح الزركشي عليه ٧/٤٢٨-٤٢٩ وفتح القدير للكمال ابن الهمام ٤/٢٥٩-٢٦٠ وحاشية ابن عابدين على الدر المختار ٣/٦٥٧-٦٥٩. فسراية العتق عند الجمهور حيث كان المعتِق موسرا ولا سراية مع إعساره، وفي كلتا الحالين عند الحنفية نوع سراية، والقياس في كل مذهب بحسبه، والله تعالى أعلم.
[ ٤٢٩ ]
"من أعتق شقصا له في عبد - أو شِرْكا أو قال: نصيبا - وكان له ما يبلغ بقيمة العدل فهو عتيق، وإلا فقد عتق منه ما عتق"، وفي لفظ آخر: "فإن لم يكن له مال استسعي العبد غيرَ مشقوق عليه"١.
فيقاس الأمة على العبد، إذ لا فارق بينهما إلا الذكورة والأنوثة ولا تأثير لذلك في اختلاف أحكام العتق في عرف الشارع وتصرفاته، فهما وصفان طرديان في باب العتق كالسواد والبياض والطول والقصر في سائر الأبواب.
ويمكن أن يقال: إن فارق الذكورة والأنوثة يحتمل أن يكون له تأثير في سراية العتق والاستسعاء، لأنه يحتمل أن يكون للعبد خصوصية بعد العتق وهي أنه إذا عتق استحق أن يزاول من مناصب الرجال ما لا تزاوله الأنثى ولو كانت حرة، ولأن الأمة ربما لا تكون كالعبد في القدرة على الاستسعاء والكسب، فيحتمل قصر الحكم على الذكر دون الأنثى.
_________________
(١) ١ رواه البخاري ومسلم. انظر الصحيح مع فتح الباري ٥/١٣٢ وصحيح مسلم ٢/١١٤٠.
[ ٤٣٠ ]
فمن ورد عنده هذا الاحتمال وكان له وجه يعتضد به لم يقطع بالقياس، ومن كان لا يرد عنده الاحتمال أو كان بعيدا غريبا على المقاصد الشرعية في باب العتق قَطَع بالقياس.
وترجم البخاري - رحمه الله تعالى - لهذا الحديث وغيره بقوله: "باب إذا أعتق عبدا بين اثنين أو أمة بين الشركاء"وروى عن ابن عمر أنه كان يفتي في العبد والأمة بذلك.
ونقل ابن حجر عن بعض العلماء أنه كان يفرق بين العبد والأمة ويجعل الحكم مختصا بالذكور، وذكر الحافظ أن لفظ (الأمة) قد ورد في بعض الطرق١.
والفرق بين هذا القول وبين ما تقدم من ذكر الاحتمال أن الحكم يثبت للأمة بدون قطع على ما سبق، وعلى هذا القول لا يثبت الحكم للأمة. والله أعلم.
٢- قياس الأمة على العبد في أن ماله لبائعه إلا أن يشترطه المبتاع، قال رسول الله ﷺ: "من باع عبدا وله مال فماله للذي باعه إلا أن يشترطه المبتاع"٢.
_________________
(١) ١ انظر صحيح البخاري مع فتح الباري ٥/١٥٠-١٥٢ ومذكرة الشيخ محمد الأمين في أصول الفقه ص٢٥٠-٢٥١. ٢ رواه البخاري ومسلم. انظر الصحيح مع فتح الباري ٥/٤٩ وصحيح مسلم ٣/١١٧٣.
[ ٤٣١ ]
٣- قياس العبد على الأمة في تنصيف حد الزنا، كما في قوله سبحانه: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ ١.
٤- قياس الزيت على السمن في أن موت الفأرة فيه يوجب إلقاء ما حوله وإباحة أكل ما وراء ذلك، "إذ لا أثر للفارق بكون هذا سمنا أو زيتا لأنه فرق لفظي غير مناسب"٢.
_________________
(١) ١ سورة النساء (٢٥) . ٢ وحكم أصل القياس - وهو وجوب إلقاء ما حول الفأرة الميتة في السمن - ورد في حديث ميمونة أم المؤمنين - ﵂ - أن فأرة وقعت في سمن فماتت، فسئل النبي ﷺ عنها فقال: "ألقوها وما حولها وكلوه". انظر صحيح البخاري مع فتح الباري٩/٦٦٨. وترجم البخاري - رحمه الله تعالى - لهذا الحديث بقوله: "باب إذا وقعت الفأرة في السمن الجامد أو الذائب" إشارة إلى مذهبه في عدم التفريق بين المائع والجامد من السمن، خلافا لمذهب الجمهور بالتفريق بينهما وأن المائع يفسد كله للزيادة الواردة في بعض طرق الحديث وهي: "إن كان جامدا فألقوه وما حوله وكلوه وإن كان ذائبا فلا تقربوه"، وهي زيادة فيها مقال. انظر فتح الباري ٩/٦٦٩-٦٧٠. ولأجل ما في الزيادة الدالة على التفريق بين الجامد والمائع عدلتُ عن عين القياس الوارد في شرح مختصر الروضة للطوفي ٣/٣٥٢ وهو قياس الزيت على السمن المائع في أن موت الحيوان فيه ينجسه بجامع الميعان الموجب سريان النجاسة، فإن ظاهره أنه يلقى كله لسريان النجاسة فيه وذلك مبني على القول بالتفريق، أما قياس الزيت على السمن مطلقا فيستقيم ولو على عدم التفريق، وقد روى البخاري عن الزهري أنه سئل "عن الدابة تموت في الزيت والسمن وهو جامد أو غير جامد الفأرة وغيرها، قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ أمر بفأرة ماتت في سمن فأمر بما قرب منها فطرح ثم أكل". صحيح البخاري٩/٦٦٩، وفيه زيادةً على قياس الزيت على السمن قياسُ غير الفأرة من الحيوان عليها. وضرب القاضي أبو يعلى هذا القياس مثالا لمفهوم الموافقة (مفهوم الخطاب وفحواه) . انظر العدة ٤/١٣٣٥-١٣٣٦.
[ ٤٣٢ ]
وذكر إمام الحرمين والغزالي أن هذا النوع من القياس قد يختلف العلماء أيضا في تسميته قياسا١.
وهو قطعي على كل تقدير، فلم يضر الاختلاف في تسميته، كما سبق في النوع الثاني.
النوع الرابع: القياس الذي قطع فيه بأمرين: أن وصفا معينا في الحكم هو علته قطعا، وأن ذلك الوصف موجود في الفرع قطعا٢.
_________________
(١) أما الأمر الأول فيكون السبيل إليه الاستدلال على العلية بأحد المسالك ١ انظر البرهان ٢/٢٧٥ والمستصفى ٢/٢٨٣-٢٨٤، وذكر الزركشي عن إمام الحرمين التفصيل بأنه "إن كان في اللفظ إشعار به فلا نسميه قياسا كقوله ﷺ: "من أعتق شركا له في عبد "الحديث. فهذا وإن كان في ذَكَرٍ فالعبودية مستعملة في الأمة أيضا وقد قيل: (عبدة)، وأما إذا لم يكن لفظ الشارع مشعرا به فهو قياس قطعي كإلحاق الشافعي - ﵀ - عرق الكلب بلعابه في العدد والتعفير"، وتعقبه الزركشي فقال: "وفي دعوى القطع في الثاني نظر"البحر المحيط٥/٥٠. ونقل عن الغزالي والحنفية تسمية هذا النوع استدلالا بناء على أن القياس لا يكون قطعيا مع أن هذا قطعي ففُرق بينهما. انظر البحر المحيط ٥/٥٠،٢٥٥-٢٥٦. ٢ انظر البرهان ٢/٥٧٥ والمستصفى ٢/١١١ والمحصول ٤/٤٣١-٤٣٢، ٥/١٩-٢٠ وشرح مختصر الروضة ٣/٣٢٠ والبحر المحيط للزركشي ٥/٢٦ والاستقامة لابن تيمية ١/٦٩ ونبراس العقول للشيخ عيسى منون ص١٨٠.
[ ٤٣٣ ]
القطعية كالنص القطعي والإجماع القطعي١، وأما الأمر الثاني فيكون السبيل إليه الحس أو العقل ٢
وهذا النوع كالضابط للقياس القطعي، ويمكن أن تندرج الأنواع الأخرى تحته ولو بشيء من البعد في بعضها٣، لكن اختص كل نوع بما أوجب التنويع إلى ما سبق. والله تعالى أعلم.
هل القطع بحكم الأصل شرط في قطعية القياس:
معنى قطعية القياس القطع بمساواة الفرع للأصل في حكمه مطلقا، أي سواء أكان حكم الأصل إيجابا أم تحريما أم كراهة وسواء أكان حكمه قطعيا أم غير قطعي٤.
_________________
(١) ١ انظر المسالك القطعية في المبحث اللاحق. ٢ سيأتي إن شاء الله تعالى في المبحث اللاحق أن الاستدلال على وجود العلة في الأصل لا بد أن يكون بدليل شرعي، أما الاستدلال على وجودها في الفرع فيمكن أن يثبت بالحس والعقل ٣ فالنوع الأول - وهو قياس الرسول ﷺ - يقطع فيه بالعلة الجامعة وبوجودها في الفرع، فيقطع - مثلا - أن المعنى الذي أوجب الحضانة للأم من الشفقة والحنان وعمل ما يصلح الولد موجودٌ قطعا في الخالة عند فقد الأم والأَولى، وقياس الأولى راجع إلى القطع بالمعنى وبأنه أولى في المسكوت عنه، أما الإلحاق بنفي الفارق فالقطع بنفي الفارق المؤثر يقتضي القطع بجامع آخر غير هذا الذي ألغي هو المؤثر شرعا. والله تعالى أعلم. ٤ انظر المستصفى ٢/١٥٩-١٦٠ والمحصول ٤/٤٣١-٤٣٢،٤٣٥ والإبهاج ٣/٢٧-٢٨ ونهاية السول ٤/٢٦-٢٨.
[ ٤٣٤ ]
وقال الأصفهاني١ في شرح مختصر ابن الحاجب: "اعلم أن القياس المقطوع هو ما كان حكم أصله والعلة ووجودها في الفرع قطعيا"٢، فاشترط لقطعية القياس قطعية حكم الأصل.
وهذا مخالف لما سبق، لأن التقرير الأول شرط قطعية القياس فيه أمران: قطعية التعليل في الأصل وقطعية وجود العلة في الفرع، وما ذكره الأصفهاني فيه إضافة شرط ثالث وهو قطعية الحكم في الأصل المقيس عليه.
ولكلا القولين وجه، لأن القياس القطعي:
- قد يكون قياسا يقطع فيه بحكم الفرع إضافة إلى القطع بمساواته لأصله، وذلك في قياس قطعي حكمُ الأصل فيه قطعي أيضا.
- وقد يكون قياسا يقطع فيه بمساواة الفرع للأصل دون القطع بحكم الفرع، بأن يكون الحكم في الأصل المقيس عليه ظنيا ثم يقطع بأن الفرع مثل الأصل، فيثبت الحكم ظنيا في الفرع كما في الأصل مع القطع بالتسوية بين الحكمين.
_________________
(١) ١ هو محمود بن عبد الرحمن بن أحمد، شمس الدين أبو الثناء الأصفهاني، أصولي أديب مفسر، من تصانيفه: بيان المختصر (وهو شرح مختصر ابن الحاجب)، وشرح منهاج البيضاوي في الأصول، وشرح كافية ابن الحاجب في النحو، وله كتاب في التفسير لم يتم، وهو أنوار الحقائق الربانية، توفي سنة (٧٤٩) هـ. انظر الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة ٥/٩٥-٩٦ والفتح المبين ٢/١٥٨ ومقدمة محقق بيان المختصر د. محمد مظهر بقا ١/١٥-٢٥. ٢ بيان المختصر ٢/٥٥٨ وانظر نهاية السول ٤/٢٨ وكتاب موازنة بين دلالة النص والقياس الأصولي ٢/٥٠٤-٥٠٨.
[ ٤٣٥ ]
والظاهر أن القطع بحكم الأصل ليس شرطا في قطعية القياس، إذ حقيقة القطعية في القياس القطع بالمساواة، أما قوة الفرع المساوي أو ضعفه فذلك تابع لقوة الأصل المساوي وضعفه، ولا مدخل لذلك في عملية القياس، لأن القياس يؤخذ فيه الأصل على حاله قوة وضعفا.
بيان ذلك: أن قياس الخالة على الخال في حكم الميراث قياس قطعي، لكن حكم الأصل ثابت بقول رسول الله ﷺ: "من ترك كَلًاّ فإلي - وربما قال فإلينا - ومن ترك مالا فلوارثه، والخال وارث من لا وارث له " ١، فحكم الأصل وهو ميراث الخال ثابت بخبر واحد، فلا يكون قطعيا عند من لا يرى قطعية الآحاد مطلقا أو عند عدم قرائن القطعية، ولا يمنع عدم قطعية خبر الواحد من القطع بأن الخالة مثل الخال في الميراث٢.
_________________
(١) ١ رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه. انظر المسند٤/١٢١ وسنن أبي داود مع عون المعبود ٨/١٠٦ وسنن الترمذي مع تحفة الأحوذي٦/٢٨١ وسنن ابن ماجه ٢/٩١٤-٩١٥. وصححه الشيخ ناصر الدين الباني وجمع طرقه من حديث عمر وعائشة والمقدام بن معديكرب ﵃ جميعا. انظر إرواء الغليل ٦/١٣٧-١٤١. ٢ انظر نهاية السول ٢/٢٨.
[ ٤٣٦ ]