المبحث الثالث: فيما يمنع القطعية عن الدليل
تقدم الكلام في المبحث السابق عن الأمور التي تضفي القطعية على دليل غير قطعي على فرض خلوه عن تلك الأمور، فهل ثمة أمور إذا كانت في الدليل غير القطعي منعته من القطعية، أو أزالت القطعية عنه إذا حلت فيه؟ وهل كون الدليل مختلفا فيه يثبت العذر، ويرفع القطعية عنه، أو يمنعه منها؟ وهل الاحتمال مخرج للدليل عن القطعية، وما حدود ذلك؟
فمدار هذا المبحث على الاختلاف والاحتمال وأثرهما في رفع القطعية عن الدليل.
المطلب الأول: أثر الخلاف في منع القطعية
المقصود من الخلاف في الدليل هنا الخلاف فيه من جهة ثبوته ومن جهة دلالته، والخلاف الذي يلزم منه ذلك كالخلاف في حجيته.
أما الخلاف في الدليل من جهة ثبوته، فكالخلاف في ثبوت إجماع الصحابة رضوان الله عليهم على العمل بالقياس١، وكالخلاف في ثبوت التواتر في الأخبار المستدل بها على حجية الإجماع٢، وأما الخلاف في الدليل
_________________
(١) ١ انظر الخلاف في ذلك في البرهان ٢/٤٩٩-٥٠٥ والمستصفى٣/٥٢٣ والإحكام للآمدي ٣-٤/٣٠٠-٣١٢ ٢ انظر مبحث قطعية الإجماع وفيه الكلام على أدلة حجيته ص (٣٨٨.) .
[ ١٦٥ ]
من جهة دلالته، فكالخلاف في دلالة قول الله ﵎: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمنينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ ١ على حجية الإجماع٢ ومن ذلك الخلاف في دلالة آيات كثيرة من الكتاب العزيز على بعض المسائل الفقهية، كدلالة قوله تعالى في آية الوضوء: ﴿يَأَيهَا الَّذِينَءَامَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلى الْمَرَافِقِ﴾ ٣ على وجوب غسل المرفق مع اليد، ودلالة قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثةَ قُرُوءٍ﴾ ٤ على أن الاعتداد بالأطهار أو بالحيض٥.
والخلاف في حجية الدليل يلزم منه الخلاف في قطعيته مطلقا، لأن القطعية فرع عن الحجية، فمن لا يرى الدليل حجة أصلا فهو لا يراه قطعيا! فيدخل ههنا بالتبع الخلافُ في حجية خبر الواحد والإجماع والقياس، فقد خالف في ذلك بعض الفرق البعيدة عن اتباع السنة٦.
_________________
(١) ١ سورة النساء (١١٥) . ٢ انظر المسألة في المحصول ٥/٣٥-٦٦ والإحكام للآمدي ١-٢/١٧٠-١٧٩،١٨٦ وروضة الناظر لابن قدامة٢/٣٣٥-٣٣٨. ٣ سورة المائدة (٦) . ٤ سورة البقرة (٢٢٨) . ٥ انظر المسألتين في بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد الحفيد١/٢٥، ٢/١٠٥. ٦ انظر الخلاف في حجية خبر الواحد في إحكام الفصول ص٣٣٤ والبرهان١/٣٨٨ وبيان المختصر ١/٦٧١. وانظر الخلاف في حجية الإجماع في إحكام الفصول ص٤٣٧ والبرهان١/٤٣٤ وبيان المختصر ١/٥٢٥. وانظر الخلاف في حجية القياس في إحكام الفصول/٥٣١ والبرهان٢/٤٩٠-٤٩٢ وبيان المختصر ٣/١٤١-١٤٢، فقد خالف في ذلك المعتزلة والروافض والنظام من المعتزلة وغيرهم.
[ ١٦٦ ]
ولكِلاَ طَرَفَي الإثبات والنفي في هذه المسألة ما يعززه من الأمارات وإشارات أهل العلم:
كون الخلاف مانعا من القطعية أو رافعا لها يدل عليه ما يلي:
أولا: أن مسائل الخلاف قد كثر فيها الخلو من الدليل القطعي، قال الزركشي: "لما غلب على مسائل الخلاف الظن ظُنَّ أن جميعها كذلك "١، لأنه لما كان وجود الدليل القطعي يجعل الباحثين في الأدلة يتفقون على القول بموجبه، ويطمئنون إليه كان خلافهم موهما بعدم وجود دليل قطعي في المسألة، وأن جميع المختلفين اعتمدوا فيما ذهبوا إليه على أدلة غير قطعية.
ثانيا: أن في عبارة كثير من أهل العلم ما يشير إلى ذلك:
- قال الشافعي - إشارة إلى القسم القطعي من الحجج -: هو "ما كان نص كتاب بيِّن أو سنة مجتمع عليها "، وقال في القسم غير القطعي منها: هو "ما كان من سنة من خبر الخاصة الذي قد يختلف الخبر فيه"٢،
_________________
(١) ١ البحر المحيط١/٤٧٣. ٢ الرسالة ص٤٦٠-٤٦١، وانظر ص٥٩٨-٦٠٠.
[ ١٦٧ ]
فما ذكره - ﵀ - يحتمل أن يكون معناه أن اجتماع الخبر مظنة القطعية واختلافه مظنة عدمها.
- وفرق أبو الحسين البصري بين ما هو من مسائل الاجتهاد وما ليس منها بقوله: "إن مسائل الاجتهاد التي لا لوم على المخطئ فيها هي ما اختلف فيه أهل الاجتهاد من الأحكام الشرعية"١.
- وقال الغزالي - إشارة إلى مسألة هل البسملة آية من القرآن -: "الإنصاف أنها ليست قطعية بل هي اجتهادية، ودليل جواز الاجتهاد فيها وقوع الخلاف فيها في زمان الصحابة ﵃"٢.
- وقال الرازي: "إنا نجد الناس مختلفين في معاني الألفاظ التي هي أكثر الألفاظ دورانا على ألسنة المسلمين اختلافا لا يمكن القطع فيه بما هو الحق"٣.
- وقال الطوفي - إشارة إلى مسألة الحقيقة الشرعية -: "والدليل على أنها ليست قطعية أنها لو كانت قطعية لنصب عليها دليل قاطع لكن الدليل القاطع منتف قطعا وإلا لما وقع هذا النزاع"٤.
_________________
(١) ١ المعتمد٢/٣٩٧-٣٩٨. ٢ المستصفى٢/٢٠-٢١. ٣ المحصول١/٢٠٤-٢٠٥. ٤ شرح مختصر الروضة١/٥٠٠.
[ ١٦٨ ]
- ويقول ابن السبكي١ - إشارة إلى مسألة جواز النسخ بمفهوم الموافقة -: "والمسألة خلافية ولا قاطع مع الخلاف"٢.
- ومن ذلك أن الإجماع القطعي عند بعض العلماء هو الإجماع الذي لا يختلف فيه أحد من القائلين بحجية الإجماع٣، فكان الخلاف في الإجماع على هذا رافعا أو مانعا من كونه قطعيا.
- ومن ذلك أن الواقفية في صيغ العموم والأمر٤ يستدلون على نفي وجود دليل قطعي على حجية تلك الصيغ بدليل مشهور لهم، وهو أنه لو وجد دليل قطعي لما خالفوا، فيجعلون خلافهم دليلا على عدم القطعية في جميع ما استدل به الجمهور على حجية تلك الصيغ٥.
_________________
(١) ١ هو عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي أبو نصر تاج الدين ابن تقي الدين السبكي، فقيه أصولي مؤرخ، من تصانيفه: جمع الجوامع في أصول الفقه، رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب، طبقات الشافعية الكبرى، الأشباه والنظائر في الفقه. توفي سنة (٧٧١) هـ. انظر الدر الكامنة في أعيان المائة الثامنة ٣/٣٩ الفتح المبين٢/١٨٤-١٨٥ الأعلام٤/٣٣٥. ٢ الإبهاج شرح المنهاج٢/٢٨٢. ٣ انظر الكلام على الإجماع القطعي ومسالك العلماء في تحديده ص (خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.) . ٤ هم الذين يتوقفون في تلك الصيغ فلا يحكمون فيها بالأمور التي تذكر هناك كالعموم وأقل الجمع وكالوجوب والندب وغيرها، ولمذهبهم تفصيل ينظر فيه ما ذكر من المراجع. ٥ انظر هذا الدليل في الوصول إلى الوصول لابن برهان١/١٣٧-١٣٨ وبيان المختصر٢/٣١ والإبهاج شرح المنهاج٢/٤٢، وانظر قريبا منه في شرح العمد١/٣٢٣-٣٢٥.
[ ١٦٩ ]
كون الخلاف لا يمنع القطعية ولا يرفعها يدل عليه ما يلي:
أولا: أن المعول عليه في إثبات الأحكام الشرعية ونفيها هو الدليل وما يفيده وليس موقف الناظرين في ذلك الدليل، إلا أن يدل دليل شرعي على ذلك كما في الإجماع، فقد ثبت بالأدلة القاطعة أن إجماع الأمة على أمر يجعل ذلك الأمر صوابا وينقطع فيه احتمال الخطأ، ومن ذلك إجماع جميع المجتهدين على قبول الدليل، أما الخلاف فليس كذلك إذ ليس الخلاف حجة١، فلا يرفع القطعية ولا يمنعها.
ثانيا: أن كثيرا من الأدلة والمسائل القطعية عند جمهور المسلمين قد خالف فيها مخالفون، كحجية الإجماع وقطعيته وحجية خبر الواحد وجواز قطعيته وحجية القياس، ومن ذلك ما ينقل من خلاف السمنية٢ في قطعية الخبر المتواتر، ولو كان الخلاف رافعا للقطعية لما وقع القطع من الأئمة بأن
_________________
(١) ١ وذكر الزركشي مواضع يكون الخلاف فيها حجة: منها أن الخلاف حجة في منع الخروج من الأقوال التي انحصر فيها، وأنه يسوغ الذهاب إلى أي قول من تلك الأقوال، وأنه حجة على أن جميع الأقوال صواب على القول بالتصويب. انظر البحر المحيط٤/٥٤٩. والخلاف في كل هذا أمارة على الدليل لا أنه حجة بنفسه، أما الأول فإن انحصار الخلاف دليل على انحصار الحق والصواب فيما انحصر فيه، وذلك يمنع من الخروج من تلك الأقوال وقد تعين الصواب فيها، أما تسويغ الأخذ بأي من الأقوال وكونها صوابا كلها فدليله أدلة المصوبة في مسألة هل كل مجتهد مصيب. انظر المسألة في البحر المحيط ٦/٢٣٦-٢٤١. ٢ انظر الترجمة لهم والكلام على مذهبهم في قطعية المتواتر ص (٢٦٧) .
[ ١٧٠ ]
هذه أدلة وحجج على الأحكام الشرعية١.
ثالثا: أن من الخلاف ما لا يعتد به لبعده وكونه مبنيا على مخالفة الصريح الصحيح، فكيف يكون مثل ذلك مانعا من القطعية!
قال الشاطبي: "إن كل خلاف واقع لا يستمر أن يعد في الخلاف ، لأن الفرق الخارجة عن السنة حين لم تَجمع بين أطراف الأدلة تشابهت عليها المآخذ فضلت، وما ضلت إلا وهي غير معتبرة القول فيما ضلت فيه فخلافها لا يعد خلافا، وهكذا ما جرى مجراها من الخروج عن الجادة"٢، وقال في موضع آخر: "إن المخالفة للأدلة الشرعية على مراتب: فمن الأقوال ما يكون خلافا لدليل قطعي من نص متواتر أو إجماع قطعي في حكم كلي فأما المخالف للقطعي فلا إشكال في اطراحه، ولكن العلماء ربما ذكروه للتنبيه عليه وعلى ما فيه دون الاعتداد به"٣.
وقال إمام الحرمين مشيرا إلى من خالف في بعض أنواع القياس القوية
_________________
(١) ١ انظر تلخيص التقريب٣/٢١٦ والبرهان١/٢١٦،٢٨٦،٣٩٦، ٢/٧٥٥ والمستصفى ٢/١٣٣ والإحكام للآمدي ١/٢١١ والبحر المحيط١/٤٧٣ وكشف الأسرار عن أصول البزدوي ٣/٢٥٤-٢٥٥ ومسلم الثبوت مع فواتح الرحموت١/١٢،٣٤٧،٣٧٧، ٢/٢١٣،٢٤٥. وكذلك الأدلة العقلية قد وقع التنازع فيها بين أذكياء العقلاء كلٌ يدعي أن ما عنده دليل عقلي قطعي وأن ما عند خصمه باطل، وكذلك يدعي خصمه. انظر درء تعارض العقل والنقل١/١٨٣ وانظر ٥/٣٤٥-٣٤٦. ٢ الموافقات٣/٩٥. ٣ المرجع السابق٤/١٧٣، وانظر المسودة/٤٩٧.
[ ١٧١ ]
كإلحاق صب البول في الماء الراكد بالبول فيه: "وقد قال القاضي لا يعتد بخلاف هؤلاء ولا ينخرق الإجماع بخروجهم عنه، وليسوا معدودين من علماء الشريعة"١.
وذلك أن الخلاف قد يكون عن عناد أو عن خلل، كخلاف السمنية في قطعية الخبر المتواتر، فكيف يكون مثل هذا الخلاف رافعا للقطعية أو مانعا لها٢! بل قد يكون الخلاف بسبب الجهل وعدم الاطلاع على الدليل أو على القرائن المعززة له التي ترفعه عن الظهور إلى اليقين والقطع٣، أو يكون الخلاف عند التحقيق راجعا إلى الاتفاق، "وأكثر ما يقع ذلك في تفسير الكتاب والسنة، فتجد المفسرين ينقلون عن السلف في معاني ألفاظ الكتاب أقوالا مختلفة في الظاهر، فإذا اعتبرتها وجدتها تتلاقى على العبارة كالمعنى الواحد"٤.
رابعا: أن كثيرا من المسائل يقع فيها الخلاف، ثم إن كل فريق من
_________________
(١) ١ البرهان ٢/٥١٥، وممن خالف في ذلك ابن حزم وقد قال فيه الذهبي في السير ١٨/١٨٧: "كان ينهض بعلوم جمة ويجيد النقل ويحسن النظم والنثر وفيه دين وخير فلا نغلو فيه ولا نجفو عليه وقد أثنى عليه قبلنا الكبار". ٢ انظر المستصفى٢/١٣٣. ٣ انظر الإحكام ٢/٢٦١،٣٧١-٣٧٢ والمسودة ص٤٩٦ والاستقامة ١/٦٨-٦٩ وفواتح الرحموت مع مسلم الثبوت ١/٣٤٧. ٤ الموافقات٤/٢١٤.
[ ١٧٢ ]
المختلفين يذهب إلى القطع في المسألة ويرى أن دليله قطعي فيما ذهب إليه وأن مخالفه مخطئ قطعا١، لذا يتطرق أهل العلم عقب بعض المسائل الخلافية إلى النظر في كونها من مسائل القطع أم لا، بمعنى أن الأدلة فيها قطعية أم أنها متقاربة غير بالغة مبلغ القطع٢.
خامسا: أن القطعية في الدليل ليست صفة لازمة ومطردة حتى يكون عدم قطع بعض من نظر فيه رافعا القطعية عنه بالنسبة لغيره، فليس كل دليل قطعي يجب أن يشترك جميع الناظرين في القطع به، فلا يكون خلاف زيد من المستدلين يزيل القطعية عن الدليل بالنسبة لعمرو منهم، قال ابن القيم: "إن كون الدليل من الأمور الظنية أو القطعية أمر نسبي يختلف باختلاف المدرك المستدل، ليس صفة للدليل في نفسه ، فقد يكون قطعيا عند زيد ما هو ظني عند عمرو"٣، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن العلوم على اختلافها وتباين صفاتها لا توجب اشتراك العقلاء فيها لا سيما السمعيات والخبريات، وإن زعم أقوام من أولي الجدال أن الضروريات يجب الاشتراك فيها، فإن هذا حق في بعض الضروريات لا في جميعها، مع تجويزنا
_________________
(١) ١ انظر المعتمد لأبي الحسين البصري٢/٣٩٧-٣٩٨ وتعليقات الشيخ عبد الله دراز على الموافقات ٤/٣٢٨. ٢ انظر التلخيص١/٤٦٦ والمستصفى١/٢٥٩. ٣ مختصر الصواعق المرسلة٢/٤٣٢-٤٣٣ وانظر الصواعق المرسلة٢/٦٦٠-٦٦١.
[ ١٧٣ ]
عدم الاشتراك في شيء من الضروريات، لكن جرت سنة الله بوقوع الاشتراك في بعضها فغلط أقوام فجعلوا وجوب الاشتراك في جميعها فجحدوا كثيرا من العلم الذي اختص به غيرهم ١. يبين ذلك أن القطع وعدمه ربما كان بحسب ما وصل إلى الإنسان من الأدلة وبحسب قدرته على الاستدلال، والناس يختلفون في هذا وذاك"٢.
فقد لا يقطع مستدل ناظر في الدليل لأنه لم يصله ما يكفي من ذلك للقطع أو يصله ما يكفي ولا يكون عنده القدرة على استنباط القطع من الأدلة، فكيف يكون خلافه مانعا لغيره من القطع!.
ومما يشير إلى هذا الطرف ما ذكره الغزالي في مسألة الصلاة في الدار المغصوبة مشيرا إلى القول بعدم صحة الصلاة فيها، قال: "وكل من غلب عليه الكلام قطع بهذا نظرا إلى اتحاد أكوانه في كل حالة من أحواله وأن الحادث منه أكوان اختيارية هو معاقب عليها عاص بها فكيف يكون متقربا بما هو معاقب عليه ومطيعا بما هو به عاص"٣، فالذي غلب عليه علم الكلام يقطع بهذا لما اعتاده من مباحث وحقائق في العلم الغالب عليه، ولا
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى٤/٣٧٠-٣٧١ وانظر ٢/٤٧-٤٩. ٢ المرجع السابق ١٩/٢١١، وانظر شرح تنقيح الفصول/١٢٨، ١٩٢، ٣٤٠ والمقاصد الشرعية للشيخ الطاهر بن عاشور ص٢٧،٤٠. ٣ المستصفى ١/٢٥٤.
[ ١٧٤ ]
يقطع به غيره ممن لم يمارس الكلام ١.
قطعية الدليل بالنسبة للخلاف نوعان:
ويستخلص مما ذكر في هذا المطلب أن القطعية في الأدلة نوعان:
النوع الأول: القطعية المطلقة، وهي: ما يكون سبب القطع فيها واضحا صريحا، كأن يكون الدليل نصا من كتاب الله تعالى لا شبهة فيه، ثم يجمع عليه المسلمون عامتهم وخاصتهم، فهذا لا يتصور فيه خلاف معتد به، إلا مع فرض كونه عن عناد أو اتباع هوى، لأن الكتاب العزيز قطعي من جهة الثبوت، وكون الدليل فيه نصا يجعله قطعيا من جهة الدلالة أيضا، فيقطع به وبما يدل عليه كل من عرف لغة العرب.
ولا يمكن أن يقال في مثل هذا النوع من القطعية إنه نسبي! إذ لا يمكن أن يوجد من هو أهلٌ للنظر في الأدلة الشرعية وطَلَبِ الأحكام منها يجهل دليلا هو نص في كتاب الله تعالى مثبت لحكم شرعي مجمع عليه!.
ولعل هذا النوع هو ما يفيد العلم القطعي الذي ذكر الإمام الشافعي - ﵀ - أنه عِلْمُ عامّةٍ المسلمين الذي لا يَسَعُ بالغا غيرَ مغلوبٍ على عقله جهلُه٢.
_________________
(١) ١ والمسألة المذكورة خلافية، الجمهور على صحة الصلاة، وهو اختيار الغزالي نفسه (انظر المرجع السابق) . ٢ انظر الرسالة للإمام الشافعي ص٣٥٧.
[ ١٧٥ ]
النوع الثاني: القطعية المقيدة، وهي: ما يكون سبب القطع فيها غير قريب، معتمدا على قرائن متفرقة يحتاج الناظر للوقوف عليها إلى استقراء وتتبع ونظرٍ في وجه استنباط القطع منها، ثم يوفق في النظر في ذلك حتى يحصل له القطع واليقين منة من الله وفضلا، يرفعه بذلك درجات بما أوتي من اليقين، وقد لا يطلع غيره من المستدلين الناظرين على كل تلك القرائن أو يطلع عليها ولا يوفَّق في الاستنباط فيقف دون اليقين عند حد الرجحان.
فمثل هذا الاختلاف يرفع صفة الاطراد واللزوم عن القطعية في الدليل حتى يكون دليلا قاطعا في حق من وُفِّق إلى الوصول إلى اليقين، وغير قاطع في حق غيره ممن لم يصل إلى ذلك، ولا يكون عدم القطعية بالنسبة إلى من لم يقطع في هذا يمنع القطعية بالنسبة إلى غيره، بل تكون القطعية نسبية.
وكون الغالب في مسائل الخلاف بين أهل العلم عدم القطعية المراد به القطعية بالمعنى الأول، وإلا فلا يبعد أن يكون الغالب فيها القطع واليقين عند الأئمة الأعلام الجامعين لشتات الأدلة الواقفين على قرائنها في مظانها وغير مظانها١.
وعلى هذا يكون الدليل القطعي نوعين:
النوع الأول: دليل قطعي قطعا مطلقا، وهذا قطعية الدليل بالنسبة
_________________
(١) ١ انظر الاستقامة لشيخ الإسلام ابن تيمية١/٥٥-٥٦،٦٨-٦٩.
[ ١٧٦ ]
للناظر المحتج لنفسه وللمناظر١ المحتج به على غيره، لكون الدليل قطعيا لذاته.
والنوع الثاني: دليل قطعي قطعا نسبيا: أي بالنسبة لمن حصَّل أسباب القطعية وحققها٢، وهذه قطعية الدليل بالنسبة للناظر دون المناظر، لأن قرائن القطعية واختلاف نظر المجتهدين في الدليل سبب في القطعية، فهو قطعي لغيره.
والقطعية في هذا النوع تحصل بالبحث عن الأدلة في الكتاب والسنة واستقراء قرائنها من النصوص وعمل الصحابة ومن تبعهم وتتبع ما ورثوا من
_________________
(١) ١ الناظر فاعل من النظر وهو الفكر المؤدي إلى علم أو غلبة ظن، والفكر حركة النفس في المعقولات، والمناظِر مفاعِل من المناظرة وهي المحاورة في الكلام بين شخصين مختلفين يقصد كل واحد منهما تصحيح قوله وإبطال قول الآخر مع رغبة كل منهما في ظهور الحق، فهي مشاركة بين اثنين في النظر. انظر آداب البحث والمناظرة للشيخ محمد الأمين الشنقيطي القسم الأول/١١، والقسم الثاني/٣. فالناظر ينظر في الدليل لنفسه، والمناظر ينظر فيه ليصحح مذهبه على خصمه، فإذا كان الدليل قطعيا مطلقا نفعه في إلزام خصمه أما النوع الآخر فإن خصمه ربما خالفه في قطعيته وكان عنده ظنيا فيصار إلى الترجيح بين الظنون. ٢ قارن بين هذا وبين تقسيم الدكتور عابد بن محمد السفياني صفة الثبات في الشريعة قسمين: ثبات مطلق من حيث الزمان والمكان ولزومه لجميع الأمة، وهذا ثبات الحكم المعصوم المستند إلى نص أو إجماع (أي إلى دليل قطعي)، وثبات مقيد أي بالنسبة للمجتهد حين يراه ولم يظهر له بطلانه، وهذا ثبات الحكم المختلف فيه، أو "الثبات النسبي". انظر الثبات والشمول في الشريعة لمحمد عابد السفياني ص٥٧٦-٥٧٧.
[ ١٧٧ ]
ذلك عن النبي ﷺ في مظانها وغير مظانها والنظر فيها بما يؤدي إلى العلم بمقاصد الشريعة والقطع بثبوت الدليل وبمراد النبي ﷺ به١.
وما سبق نقله من بعض العلماء من جعل الخلاف رافعا للقطعية فذلك حيث كان مرادهم القطعية المطلقة المطردة التي لا يعذر من يخالفها ويقع اللوم والإثم عليه، ولا يكون ذلك إلا فيما كان قريبا متناولا لكل المستدلين حتى يعد خلافه عن هوى أو عناد.
- قال الشافعي عند كلامه على قسمي الحجة: "أما ما كان نص كتاب بين أو سنة مجتمع عليها فالعذر فيها مقطوع ولا يسع الشك في واحد منهما ومن امتنع عن قبوله استتيب، فأما ما كان من سنة من خبر الخاصة الذي قد يختلف الخبر فيه فيكون الخبر محتملا للتأويل وجاء الخبر فيه من طريق الانفراد فالحجة فيه عندي أن يلزم العالمين حتى لا يكون لهم ردُّ ما كان منصوصا منه كما يلزمهم أن يقبلوا شهادة العدول، لا أن ذلك إحاطة كما يكون نص الكتاب وخبر العامة عن رسول الله"٢.
فهذا ظاهر أن الإمام الشافعي يريد القطعي المطلق، على أن المراد بالاجتماع والاختلاف هنا: اجتماع الرواة على رواية الخبر واختلافهم،
_________________
(١) ١ انظر درء تعارض العقل والنقل١/٧٥، ١٩٥-١٩٦ حيث ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية نحو هذا في أدلة (أصول الدين) وأنها قطعية يعلمها أهل العناية بوراثة النبوة. ٢ الرسالة ص٤٦٠-٤٦١، وانظر ص٥٩٨-٦٠٠.
[ ١٧٨ ]
أي أن يرويه بعض دون بعض. والله تعالى أعلم.
- ويحمل ما ذكره أبو الحسين البصري على أن الخلاف السائغ المعتد به يرفع اللوم عن المخالف في الدليل القطعي النسبي، ولا يرفع أصل القطعية بالنسبة إلى غيره١.
- وقال الغزالي بعد مسألة (هل الشيء الواحد يكون طاعة ومعصية): "فإن قيل هذه المسألة اجتهادية أم قطعية، قلنا هي قطعية والمصيب فيها واحد"٢، فأثبت القطعية مع التصريح بالخلاف.
- وقال الرازي بعد ذكر الخلاف في الألفاظ اللغوية: "ومن تأمل أدلتهم علم أنها متعارضة وأن شيئا منها لا يفيد الظن الغالب فضلا عن اليقين"٣، فعوّل في نفي القطعية وما دونها على الأدلة دون مجرد الخلاف.
- وقال الطوفي بعد تقسيمه المسائل إلى قطعية واجتهادية: "والظن والقطع فيهما تابع للدليل"٤، فعوّل أيضا على الدليل.
فمن عوّل من العلماء على الدليل كان ذلك إشارة إلى أن حقيقة نفي القطعية راجعة إلى النظر في الدليل، ومن كان منهم أثبت القطعية مع وجود
_________________
(١) ١ انظر المعتمد٢/٣٩٧-٣٩٨. ٢ المستصفى١/٢٥٩، وانظر (بولاق) ٢/٣٥٧-٣٥٨، أثبت القطعية مع الخلاف والإنكار. ٣ المحصول١/٢٠٤-٢٠٥. ٤ شرح مختصر الروضة١/٤٩٩-٥٠٠، وانظر٢/٤٨٤، ٣/٦٠١.
[ ١٧٩ ]
الخلاف دل على أن منعه للقطعية حيث منع ليس لمجرد الخلاف، فوجب حمل ذلك على نفي القطعية المطلقة التي يجب أن يستوي فيها الناظرون، وكل ذلك راجع إلى الدليل دون مجرد الخلاف. والله أعلم.
وكذلك من أثبت القطعية مع الخلاف ذكر أن سببها أمور ربما خفيت على من لم يقطع أو لم تكن عنده المقدرة على الاستنباط المؤدي إلى القطع، مع أن كل دليل قطعي ليست هذه صفته.
فما يجتمع عليه أكثر أقوال العلماء هو أن الخلاف المعتد به يرفع الإطلاق واللزوم والاطراد عن القطعية، ولا يلزم منه رفع أصل القطعية١.
_________________
(١) ١ وانظر ما ذكره الدكتور صلاح الصاوي في كتابه "الثوابت والمتغيرات في مسيرة العمل الإسلامي المعاصر"، فإنه قصد بالثوابت القطعيات التي لا يحل فيها الخلاف خاصة (انظر منه ص٣٣) والتي يمكن أن تكون أساسا يُتفق عليه وأصلا يُرجع إليه عند الاختلاف في مجال الدعوة الإسلامية، وذلك بالنظر إلى ما ههنا أحد نوعي القطعيات وهو القطعي المطلق. والله أعلم.
[ ١٨٠ ]