الميحث الثاني: فيما يفيد القطعية في الدليل
قد يكون الدليل قطعيا بدون انضمام أمر آخر إليه، كأن يكون نصا من كتاب الله ﷿ لا يحتمل إلا وجها واحدا، أو خبرا متواترا، أو إجماعا مستكمل الشروط، أو قياسا قطع فيه بالتعليل ثم قطع بوجود العلة في الفرع.
وقد يكون الدليل غير قطعي بالنظر إليه مجردا لكن تنضم إليه أمور أخرى تفيد القطعية فيه، فخبر الواحد المجرد قد لا يفيد القطع، وقد ينضم إليه إجماع العلماء عليه وتلقيهم له بالقبول، أو تحتف به من القرائن فيصير بما انضم إليه قطعيا١.
المطلب الأول: إفادة الإجماع القطعية في الدليل
الإجماع المفيد القطعية في الدليل هو ما كان قطعيا٢، إذ ما لا يكون من الإجماع قطعيا لا يتصور أن يُكسب غيرَه قطعيةً!
والإجماع على الدليل يمكن أن يكون إجماعا عليه من حيث الثبوت أو من حيث الدلالة، فالإجماع على الدليل من حيث الثبوت مثل الإجماع على ثبوت خبر الواحد والإجماع على ثبوت إجماع المتقدمين على أمر.
_________________
(١) ١ سيأتي إن شاء الله تعالى في الباب الثاني الكلام على قطعية الخبر المتواتر والإجماع والقياس. ٢ انظر ص (خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.) فما بعدها في الإجماع القطعي وهو المستجمع لشروط القطعية، ويجمعها عند بعض العلماء أن يكون الإجماع قوليا مشاهدا أو منقولا بالتواتر.
[ ١٤٣ ]
والإجماع على خبر الواحد متصور في ثلاث حالات:
الحالة الأولى: الإجماع على أن الخبر صدق وصحيح.
الحالة الثانية: الإجماع على العمل بالخبر.
الحالة الثالثة: الإجماع على حكم موافق لخبر لم يعلم أن الإجماع وقع عليه.
أما الحالة الأولى: وهي ما إذا أجمعت الأمة على تصديق الخبر فلم أطلع على من أنكر أن يكون ذلك الخبر صدقا قطعا ممن يرى أن الإجماع حجة قطعية، وإلا لكان الإجماع على أمر باطل، وهو تصديق ما ليس بصدق، وذلك يخالف قول كل من جعل الإجماع حجة قطعية، وقد صرح في تلخيص التقريب بكون مثل هذا الخبر صدقا قطعا١.
أما الحالة الثانية: وهي الإجماع على العمل بالخبر، وإن لم يقطع كل المجمعين بصدق الخبر فمنها٢: قول الرسول ﷺ: "إن الله قد أعطى لكل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث "٣، ومنها: نهيه ﷺ أن تنكح المرأة على عمتها أو
_________________
(١) ١ انظر المصدر المذكور٢/٧٢٥. ٢ انظر البحر المحيط ٦/٢٤٣-٢٤٤، وغيره من المراجع المذكورة في هذا المبحث. ٣ رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه والنسائي. انظر سنن الترمذي مع تحفة الأحوذي٦/٣٠٩-٣١٤ وسنن أبي داود مع عون المعبود٨/٧٢ وسنن ابن ماجه٢/٩٠٥ وسنن النسائي٦/٢٤٧. وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح"، وقال الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير (٣/١٠٦): "وهو حسن الإسناد"، وانظر صحيح سنن أبي داود٢/٥٥٤.
[ ١٤٤ ]
خالتها١، ومنها الخبر المروي عن المغيرة بن شعبة٢ ومحمد بن مسلمة٣ أن رسول الله ﷺ ورّث الجدة السدس٤.
ومن ذلك الأحاديث المتفق عليها في صحيح البخاري وصحيح مسلم عند ابن الصلاح٥ وجماعة من العلماء، لأن الأمة قد تلقت أحاديثهما بالقبول إلا أحرفا يسيرة تكلم فيها بعض النقاد٦.
_________________
(١) ١ وهو متفق عليه. انظر صحيح البخاري مع فتح الباري٩/١٦٠ وصحيح مسلم ٢/١٠٢٨-١٠٢٩. ٢ هو المغيرة بن شعبة بن أبي عامر أبو عيسى (أو أبو محمد) الثقفي، أسلم قبل عمرة الحديبية، توفي سنة (٥٠) هـ. انظر الإصابة في تمييز الصحابة٦/١٣١-١٣٢. ٣ هو محمد بن مسلمة بن خالد أبو عبد الرحمن الأنصاري الأوسي الحارثي، ولد قبل البعثة باثنتين وعشرين سنة، وتوفي سنة (٤٣) أو (٤٦) هـ. انظر الإصابة ٦/٦٣-٦٤. ٤ رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه. انظر سنن أبي داود مع عون المعبود٨/١٠٠-١٠١ وسنن الترمذي مع تحفة الأحوذي٦/٢٧٧-٢٧٨ وسنن ابن ماجه٢/٩٠٩-٩١٠. قال ابن حجر في تلخيص الحبير٣/٩٥: "إسناده صحيح لثقة رجاله إلا أن صورته مرسل"، وضعفه الألباني وتعقب الحافظَ ابن حجر والحاكم والذهبي في تصحيحهم، انظر إرواء الغليل٦/١٢٤. وعليه العمل كما نقل أهل العلم. ٥ هو عثمان بن عبد الرحمن بن موسى أبو عمرو بن الصلاح، محدث فقيه، من تصانيفه: معرفة أنواع علوم الحديث، وله فتاوى، توفي سنة (٦٤٣) هـ. انظر سير أعلام النبلاء للذهبي ٢٣/١٤٠-١٤٤ وطبقات الشافعية لابن السبكي٨/٣٢٦-٣٣٦ والفتح المبين في طبقات الأصوليين للمراغي٢/٦٣-٦٤. ٦ انظر مقدمة ابن الصلاح/١٠١ ومجموع فتاوى ابن تيمية ١٣/٣٥٠-٣٥١ واختصار علوم الحديث لابن كثير تحقيق وشرح أحمد شاكر ص٣٣.
[ ١٤٥ ]
ومن ذلك - أيضا - الحديث المشهور على اصطلاح بعض الحنفية١.
واختلف أهل العلم في قطعية مثل هذا الخبر على قولين:
القول الأول: أن خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول وأجمعت على العمل به يكون قطعيا في الثبوت، وهذا القول نسبه غير واحد إلى جمهور الفقهاء والأصوليين٢، وذكره ابن حزم٣ وأبو الحسين البصري٤.
ومن أدلة هذا المذهب ما يلي:
أولا: أن ظن من هو معصوم من الخطأ لا يكون إلا صوابا، والأمة المجتمعة على العمل بالخبر معصومة من الخطأ، فإذا أجمعت على العمل بالخبر وظنت صحته وصدقه كان كما ظنت، وإلا كانت قد أجمعت على أمر باطل٥.
ثانيا: القياس على الإجماع على حكم مستند إلى ظاهر أو قياس غير قطعي، فكما يجعل الإجماع ذلك الحكم قطعيا وإن لم يكن مستنده قطعيا
_________________
(١) ١ انظر ميزان العقول لعلاء الدين السمرقندي ص٤٢٨-٤٢٩. ٢ انظر مجموع الفتاوى١٣/٣٥١-٣٥٢، ١٨/٤١ والمسودة/٢٤٣ والبحر المحيط١/٤٦٦، ٤/٢٤٣-٢٤٤. ٣ انظر إحكام الأحكام لابن حزم٢/٢٤٣. ٤ انظر المعتمد٢/٨٤. ٥ انظر مقدمة ابن الصلاح/١٠١ ومجموع الفتاوى١٣/٣٥٠-٣٥١، ١٨/٤٤-٤٥ والبحر المحيط ٤/٢٤٥، ٤٥٢ وفواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت٢/١٢٥/١٢٦.
[ ١٤٦ ]
القول الثاني: أن الإجماع على تلقي الخبر بالقبول والعمل به لا يجعله قطعيا.
وهذا قول القاضي أبي بكر الباقلاني٣، لكن نقل الزركشي عن ابن القشيري٤ أنه حكى عن القاضي أبي بكر الباقلاني أن ذلك يكون دليلا على الصحة٥.
ومنع القطعية في هذه الصورة هو قول الآمدي٦.
_________________
(١) ١ انظر مجموع الفتاوى١٨/٤١. ٢ انظر خلاف أهل العلم ﵏ في جواز استناد الإجماع إلى دليل قطعي في إحكام الأحكام للآمدي١/٢٢٦ والبحر المحيط للزركشي٤/٤٥٢ وأصول السرخسي١/٣٠٢. ٣ انظر تلخيص التقريب٢/٧٢٦-٧٢٧ وانظر البرهان لإمام الحرمين١/٣٧٩ والبحر المحيط٤/٢٤٣-٢٤٤ ومجموع الفتاوى١٣/٣٥١-٣٥٢. ٤ هو عبد الرحيم بن عبد الكريم بن هوازن أبو نصر ابن أبي القاسم القشيري، من علماء الأشاعرة، لازم إمام الحرمين، من تصانيفه: التيسير في التفسير، توفي سنة (٥١٤) هـ. انظر سير أعلام النبلاء للذهبي١٩/٤٢٤-٤٢٦ وطبقات الشافعية لابن السبكي ٧/١٥٩-١٦٦ وطبقات المفسرين للداودي١/٢٩١-٢٩٣. ٥ انظر البحر المحيط للزركشي٤/٢٤٥-٢٤٦. ٦ انظر إحكام الأحكام١-٢/٢٨٢. وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية والزركشي أن الجويني والغزالي تبعا القاضي أبا بكر الباقلاني في هذا، وذكره ابن تيمية عن ابن عقيل وابن الجوزي والرازي، وذكره الزركشي عن إلكيا الطبري. انظر مجموع الفتاوى١٣/٣٥١-٣٥٢ والبحر المحيط ٤/٢٤٣-٢٤٤. وفي البرهان نفى إمام الحرمين الجويني أن يكون اتفاق "أئمة الحديث" على الحديث يجعله قطعيا، فقيده بأئمة الحديث (انظر البرهان١/٣٧٨-٣٧٩)، وفي المحصول نفى الرازي أن يكون الخبر الذي وافق الإجماع مقتضاه قطعيا، لكن هذه هي الصورة الثالثة وهي تختلف عن الصورة الثانية. انظر المحصول٤/١٩٣. والله تعالى أعلم.
[ ١٤٧ ]
وحجة هذا القول: "أن تصحيح الأئمة للخبر مجرى على حكم الظاهر، فإذا استجمع خبرٌ مِن ظاهره عدالةَ الراوي وثبوت الثقة به وغيرهما مما يرعاه المحدثون فإنهم يطلقون فيه الصحة، ولا وجه إذًا للقطع بالصحة والحالة هذه فإنهم لا يتوصلون إلى العلم بصدقه ولو قطعوا لكانوا مجازفين وأهل الإجماع لا يجتمعون على باطل"١.
أما الحالة الثالثة: وهي الإجماع على حكم هو مقتضى خبر غير قطعي ولم يعلم أن الإجماع حصل من أجله - فالظاهر أنه لا يفيده القطعية، لأن ما ذكره الجمهور هو أن الإجماع على الخبر وتلقي الأمة له بالقبول مفيد القطعية فيه، وذلك فيما لو وقع الإجماع على العمل بالخبر وعلم ذلك، وفي هذا الصورة لم يعلم أن الإجماع وقع عليه فيحتمل أن يكون للإجماع مستند آخر غير ذلك الخبر٢!
_________________
(١) ١ انظر البرهان للجويني١/٣٧٩ والبحر المحيط٤/٢٤٣-٢٤٤ والإحكام للآمدي١-٢/٢٨٢. ٢ انظر تلخيص التقريب٢/٧٢٥ والمحصول للرازي٤/١٩٣.
[ ١٤٨ ]
والظاهر - والله أعلم - أن الإجماع في الحالتين الأولى والثانية مفيد للقطعية في الدليل، أما في الحالة الأولى فلأن الإجماع على تصديق الخبر لا يمكن أن يكون خطأ فيجب أن يكون الخبر كما أجمعوا عليه، وأما في الحالة الثانية فلأن الإجماع على تصحيح الخبر يجعله قطعيا، وإن كان تصحيح كل واحد له هو بحسب ظنه، وقطعيته لذلك الإجماع لا لنفس الخبر، فهو أمر ظني أجمع عليه فارتفع بكونه سبيل المؤمنين إلى اليقين وعدم جواز الخُلف، أما الحالة الثالثة فالظاهر أن الخبر فيها غير قطعي، لأنه خبر لم يعلم أن الإجماع وقع عليه. والله أعلم.
وأما كون الإجماع مفيدا القطعية في الدليل من حيث الدلالة فذلك فيما كان من الأدلة غير قطعي الدلالة واحتمل أن يراد منه غير ظاهره من حيث اللفظ فوقع الإجماع على المراد منه، فيصير الدليل قطعيا في أن المراد منه هو ذاك الذي وقع عليه الإجماع.
ومن ذلك الإجماع على القياس١، فإنه يجعله قطعيا وإن لم يكن كذلك بالنظر إليه مجردا، وقد ذكر أهل العلم جملة من الأقيسة التي أجمع
_________________
(١) ١ مذهب الجمهور: جواز استناد الإجماع إلى قياس، ومنعه الشيعة وداود الظاهري وابن جرير الطبري، وفصل فيه بعضهم فجوز ذلك في القياس الجلي دون الخفي، وأدلة المخالف يظهر منها أن خلافه من أجل عدم إمكان تصور ذلك لا في أنه لو وقع لكان قطعيا، وما ذكر هنا مبني على إمكان التصور وعلى الوقوع. انظر المسألة في إحكام الأحكام للآمدي١-٢/٢٢٤ والبحر المحيط ٤/٤٥٢-٤٥٣.
[ ١٤٩ ]
عليها العلماء ﵏، منها: إجماع الصحابة على إمامة أبي بكر الصديق ﵁ قياسا للإمامة الكبرى على الإمامة الصغرى في الصلاة، ومنها: الإجماع على قتال مانعي الزكاة قياسا لها على الصلاة، والإجماع على تحريم شحم الخنزير، قياسا على لحمه، والإجماع على وجوب الزكاة في الجواميس قياسا على البقر١.
_________________
(١) ١ انظر إحكام الأحكام للآمدي١-٢/٢٢٤ والبحر المحيط٤/٤٥٣.
[ ١٥٠ ]