المطلب الأول: قطعية الخبر المتواتر
تعريف (الخبر) و(المتواتر):
الخبر بتحريك الباء: واحد الأخبار، وهو النبأ١.
أما تعريفه عند علماء الشريعة فذكر فخر الدين الرازي أنه غني عن الحد والرسم لكونه ضروريا٢، وعرفه غيره من علماء أصول الفقه، فذكر إمام الحرمين أنه: "الذي يدخله الصدق والكذب"٣، وقال الغزالي: إنه "القول الذي يتطرق إليه التصديق والتكذيب"٤، وقال الآمدي: هو "عبارة عن اللفظ الدال بالوضع على نسبة معلوم إلى معلوم أو سلبها على وجه يحسن السكوت عليه من غير حاجة إلى تمام مع قصد المتكلم الدلالة على النسبة أو سلبها"٥.
والخبر عند علماء الحديث مرادف للحديث٦، وقيل الحديث ما جاء
_________________
(١) ١ انظر الصحاح للجوهري٢/٦٤١ ولسان العرب٤/٢٢٧ والقاموس المحيط٢/١٧. ٢ انظر المحصول٤/٢٢١-٢٢٢. ٣ البرهان١/٣٦٧. ٤ المستصفى٢/١٣١. ٥ الإحكام١-٢/٣٥٣. ٦ وذلك موافق لما جاء من تفسير الحديث بالخبر عند أهل اللغة. انظر اللسان ٢/١٣١-١٣٣ والصحاح ١/٢٧٨ والقاموس المحيط ١/١٧٠.
[ ٢٦٤ ]
عن النبي ﷺ والخبر ما جاء عن غيره، ومن ثم سمي المشتغل بالتواريخ بالاخباري والمشتغل بالسنة النبوية بالمحدث، وقيل كل حديث خبر من غير عكس، فيكون بينهما عموم وخصوص مطلق١.
وأما المتواتر فهو في اللغة: اسم فاعِل من التواتر وهو التتابع مطلقا أو التتابع إذا كان بين الأمور المتتابعة فترات، ومن أصله (تترى) في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ ٢ أي واحدا بعد واحد٣.
ومن تعريفات الأصوليين للخبر المتواتر:
- أنه "خبر أقوام بلغوا في الكثرة إلى حيث حصل العلم بقولهم"٤.
- أنه "عبارة عن خبر مفيد بنفسه العلم بمخبره"٥.
- أنه "خبر عدد يمتنع معه لكثرته تواطؤ على كذب عن محسوس"٦.
_________________
(١) ١ انظر نزهة النظر للحافظ ابن حجر٢/٥٢-٥٣. ٢ سورة المؤمنون (٤٤) . ٣ انظر الصحاح٢/٨٤٣ ومعجم مقاييس اللغة٦/٨٤ ولسان العرب٥/٢٧٥-٢٧٦ والقاموس المحيط ٢/١٥٧. ٤ المحصول٤/٢٢٧. ٥ الإحكام في أصول الأحكام للآمدي١-٢/٢٥٨. ٦ شرح الكوكب المنير٢/٣٢٤.
[ ٢٦٥ ]
وعرف الحافظ ابن حجر العسقلاني١ الخبر المتواتر بأنه في اصطلاح المحدثين الخبر الجامع لأمور أربعة:
أحدها: عدد كثير أحالت العادة تواطؤهم على الكذب.
الثاني: روايتهم ذلك عن مثلهم من الابتداء إلى الانتهاء.
الثالث: كون مستند انتهائهم الحس.
الرابع: أن يصحب خبرهم العلم لسامعه٢.
قطعية الخبر المتواتر:
والخبر المتواتر يفيد العلم القطعي واليقين بما تضمنه عند جميع
_________________
(١) ١ هو أحمد بن علي بن محمد أبو الفضل شهاب الدين ابن حجر العسقلاني، من الأئمة المتبحرين في علم الحديث، وهو مؤرخ، من تصانيفه: فتح الباري في شرح صحيح البخاري، الإصابة في تمييز الصحابة، نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في اصطلاح أهل الحديث، والدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، توفي سنة ٨٥٢. انظر البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع للشوكاني ١/٨٧-٩٢ والأعلام للزركلي١/١٧٨-١٧٩. ٢ انظر نزهة النظر/٥٦-٥٧. وعرف الماوردي - ﵀ - الخبر المتواتر تعريفا غريبا فقال: "هو ما ابتدأ به الواحد بعد الواحد حتى يكثر عددهم ويبلغوا قدرا ينتفي عن مثله التواطؤ والغلط ولا يعترض في خبرهم تشكك ولا ارتياب، فيكون في أوله من أخبار الآحاد وفي آخره من أخبار التواتر"، وذكر في تعريف الخبر المستفيض مثل الذي ذكره العلماء هنا في تعريف الخبر المتواتر. انظر أدب القاضي ١/٣٧١-٣٧٢ وانظره بنصه في الحاوي الكبير (أدب القاضي) ١٦/٨٥-٨٦، وانظر ما ذكره الزركشي عن تقسيم الماوردي هذا في البحر المحيط٤/٢٤٩-٢٥٠.
[ ٢٦٦ ]
المسلمين، قال ابن حزم - ﵀ - عن الخبر المتواتر: "وهو ما نقلته الكافة بعد الكافة حتى تبلغ النبي ﷺ، وهذا خبر لم يختلف مسلمان في وجوب الأخذ به وفي أنه مقطوع على مغيبه١، لأنه بمثله عرفنا أن القرآن هو الذي أتى به محمد ﷺ"٢، وقال الآمدي رحمه الله٣: "اتفق الكل على أن خبر التواتر مفيد العلم بمخبره، خلافا للسمنية٤ والبراهمة٥".
_________________
(١) ١ أي يقطع المبلَّغ بسماعه الخبر على مدلوله الغائب. ٢ إحكام الأحكام لابن حزم ١/١١٦-١١٧. ٣ الإحكام في أصول الأحكام للآمدي ١-٢/٢٥٨ وانظر جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ١/٣٣-٣٤ وقواطع الأدلة لابن السمعاني/ق١٠٣-ب. ٤ السمنية بضم السين وفتح الميم: فرقة من عبدة الأصنام تقول بالتناسخ وتنكر وقوع العلم بالأخبار. انظر الصحاح ٥/٢١٣٨. ٥ البراهمة: ذكر الشهرستاني أنهم قوم من طوائف الهند ينفون النبوات أصلا، نسبة إلى رجل منهم يسمى براهم، وهم أصناف وفرق. انظر الملل والنحل٣/٩٥-١٠٠. والسبب في خلافهم أنهم حصروا مدارك القطع غير الضرورية في المحسوسات، فما ليس محسوسا كالأخبار لا يكون قطعيا مفيدا العلم. انظر المستصفى للغزالي٢/١٣٢-١٣٣ والإحكام للآمدي٢/٢٥٩ وشرح مختصر الروضة للطوفي٢/٧٦. أما إمام الحرمين فقد نقل في البرهان١/١٠٢-١٠٣ القول بقطعية الخبر المتواتر عن السمنية فقال: "حكى أصحاب المقالات عن بعض الأوائل حصرهم مدارك العلوم في الحواس ونقلوا عن طائفة يعرفون بالسمنية أنهم ضموا إلى الحواس أخبار التواتر ونفوا ما عداها"، فنقل هنا نفي القطعية في غير المحسوسات عن غير السمنية، ثم حمل قول من نُقل عنهم نفي القطعية في غير الحواس على وهم النقلة عنهم لسوء فهمهم اصطلاحَهم في ذلك، قال: "وأنا أُنَبِّه على وجه الغلط، قال الأوائل: العلوم كل ما تشكل في الحواس وما يفضي إليه نظر العقل مما لا يتشكل فهو معقول، فنظر الناقلون إلى ذلك ولم يحيطوا باصطلاح القوم" البرهان كما سبق، وقال في موضع آخر: "نقل النقلة عن السمنية أنهم قالوا: لا ينتهي الخبر إلى منتهى يفضي إلى العلم بالصدق"قال: "وهو محمول على أن العدد وإن كثر فلا يكتفى به حتى ينضم إليه ما يجري مجرى القرينة" البرهان١/٣٧٥. وانظر البحر المحيط للزركشي ٤/٢٣٩. فالسمنية - على ما نقله إمام الحرمين - يذهبون إلى قطعية المتواتر، ومستند القطعية في الخبر المتواتر عندهم ليس كثرة العدد فقط، بل انضمام أمور أخرى كالقرائن إلى العدد، وسيأتي قريبا نقل مثل هذا عن أبي إسحاق النظام المعتزلي. ونُقل عن السمنية أيضا أن منهم من يسلّم بقطعية الخبر المتواتر في الأمور الماضية إذا تواتر الخبر فيها في الحال. انظر المحصول٤/٢٨٨ والبحر المحيط٤/٢٣٨.
[ ٢٦٧ ]
أما الخلاف في كون العلم القطعي المستفاد من الخبر المتواتر ضروريا أو نظريا ١ فليس خلافا في أصل القطعية، لأن الضرورية والنظرية من أوصاف القطعية، فهما زائدتان على أصل القطعية.
وكذا ما ينقل عن النظَّام٢ من أن قطعية المتواتر هي بسبب قرائن فيها، خلافا لما عليه الجمهور من أن قطعية المتواتر بسبب العدد الكثير الذي
_________________
(١) ١ انظر الخلاف في ذلك في المصادر المذكورة في هذا المبحث. ٢ هو إبراهيم بن سيار بن هانئ أبو إسحاق النظام، متكلم، شيخ طائفة (النظامية) من المعتزلة، وله آراء شاذة في علم الكلام والفقه وفي أصول الفقه كإنكاره حجية الإجماع والقياس، من تصانيفه: كتاب النكت، وكتاب الطفرة، توفي سنة (٢٢١) . انظر سير أعلام النبلاء١٠/٥٤١-٥٤٢ والفتح المبين في طبقات الأصوليين١/١٤١-١٤٢ ومعجم المؤلفين لعمر رضا كحالة ١/٣٧.
[ ٢٦٨ ]
يحيل عادة تواطؤ المخبرين على الكذب١، فأصل القطعية هنا أيضا ثابت، والخلاف في سبب القطعية أهو العدد أم القرائن، بل ذكر أبو الحسين البصري أن مراد النظام بذلك القرائن اللازمة للخبر كامتناع اتفاق الكذب منهم ونحوه، فإن مثل ذلك لازم لكل خبر متواتر، كما أن قرائن أخرى تجعل حصول القطعية أسرع في حال دون حال: كالأحوال الراجعة إلى المخبر المتكلم والمخبر السامع ونحوها٢.
وحمل أبو المعالي الجويني قول نفاة قطعية المتواتر من السمنية على أنهم نفوا حصول القطع من العدد وجعلوا القطع من أمور أخرى كالقرائن٣.
وجعل السرخسي إنكار قطعية مطلق الخبر قول فريق ممن ينكر رسالة المرسلين٤.
وجعل شيخ الإسلام ابن تيمية التفريق بين المعلوم بالتواتر والمعلوم عن طريق الحس - من أصول الإلحاد والكفر، لأنه سبيل إلى إنكار المنقول عن الأنبياء بالتواتر من المعجزات وغيرها٥.
_________________
(١) ١ انظر المعتمد لأبي الحسين البصري٢/٩٣، ونقل البزدوي عنه إنكار قطعية الخبر المتواتر، ولم يشر إلى أثر القرائن في ذلك، انظر أصول الدين للبزدوي ص٩-١٠. ٢ انظر المعتمد٢/٩٣. ٣ البرهان١/٣٧٥. ٤ انظر أصول السرخسي١/٢٨٣. ٥ انظر كتاب الرد على المنطقيين ص٩٨-٩٩.
[ ٢٦٩ ]
والقول بنفي القطعية عن الخبر المتواتر أيا كان قائله وحقيقة قوله ومحل النزاع معه - قول مردود وباطل، والتحقيق في الرد على منكر ذلك أن يقال: إنا نجد نفوسنا قاطعة ومتيقنة بما يخبر به أهل التواتر كعلمنا وجزمنا بما نحسه ولا سبيل إلى دفع ما نجده، فرجعت حقيقة الاحتجاج على هؤلاء المنكرين في قطعية المتواتر إلى وجدان السامعين للخبر المتواتر - وهم جميع المسلمين - بالقطعية، ولا سبيل للمنكر في دفع ما يجدونه بإنكاره١.
قال أبو الحسين البصري في إبطال قول منكري قطعية الخبر المتواتر: "والذي يبطل قولَهم وِجدانُنا أنفسَنا معتقدة وجود مصر وخراسان ساكنة إلى غير ذلك، عند تواتر الأخبار علينا بها، فجرى مجرى المعرفة بالمشاهدات ومن خالف في أنا معتقدون لذلك واثقون به فقد دفع ما نجده فلا وجه لمكالمته"٢.
وقال الآمدي مستدلا على قطعية المتواتر: "ودليل ذلك ما يجده كل عاقل من نفسه من العلم الضروري بالبلاد النائية والأمم السالفة والقرون الخالية والملوك والأنبياء والأئمة والفضلاء المشهورين والوقائع الجارية بين السلف الماضين - بما يرد علينا من الأخبار حسب وجداننا كالعلم بالمحسوسات عند إدراكنا لها بالحواس، ومن أنكر ذلك فقد سقطت
_________________
(١) ١ انظر نقض المنطق لابن تيمية ص٢٨. ٢ المعتمد لأبي الحسين البصري ٢/٨١.
[ ٢٧٠ ]
مكالمته وظهر جنونه أو مجاحدته"١.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن معرفة الإنسان بكونه يعلم أو لا يعلم مرجعه إلى وجود نفسه عالمة، ولهذا لا يحتج على منكر العلم إلا بوجود أنفسنا عالمة كما احتجوا على منكري الأخبار المتواترة٢ بأنا نجد نفوسنا عالمة بذلك جازمة به كعلمنا وجزمنا بما أحسسناه"٣.
ومن الشبه التي تمسك بها المنكرون:
١- أنه لو أفاد الخبر المتواتر العلم القطعي لاشترك الجميع في العلم به ولما خالف من نُقل خلافه في ذلك.
والجواب: أنه لو كان خلافهم مزيلا للقطعية عن الخبر المتواتر لأزال خلاف السوفسطائية٤ القطعية عن المحسوسات وذلك باطل، بل إن مجرد الخلاف لا يزيل القطعية ولا يمنعها٥، كيف والخلاف في قطعية المتواتر لا يتصور - عند من يجدها - إلا عن جاحد معاند أو عن مختل العقل ساقط
_________________
(١) ١ الإحكام في أصول الأحكام٢/٢٥٩، وانظر الاستدلال على قطعية المتواتر بالوجدان في الأحكام لابن حزم١/١١٦-١١٧ والعدة لأبي يعلى٣/٨٤١-٨٤٢ وإحكام الفصول للباجي ص٣١٩ وشرح تنقيح الفصول ص٣٥٠. ٢ أي منكري وقوع العلم القطعي بالأخبار المتواترة. ٣ نقض المنطق ص٢٨. ٤ سبق التعريف بهم انظر ص (خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.) . ٥ انظر أثر الخلاف في منع القطعية ص (خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.) .
[ ٢٧١ ]
المكالمة كما ذكره أهل العلم ﵏.
٢- أن الخبر إذا جاز أن يكون كذبا حالة الانفراد بنقل الآحاد جاز أن يكون كذلك حالة التواتر باجتماع عدد كثير في نقله، لأن الاجتماع من الانفراد.
والجواب: أن للاجتماع ما ليس للانفراد كما هو مشاهد في المحسوس، فرب شيء ثقيل لا يقدر الواحد على حمله فإذا اجتمع عليه مع غيره يحمله، فلا يقال إن عدم قدرته على الحمل منفردا يلزم منه عدم قدرته على ذلك مع غيره، فقد يدعوه إلى الكذب في حالة الانفراد داع، ولكن يستحيل اتفاق الدواعي على الكذب عند اجتماع عدد التواتر مع الكثرة واختلاف الهمم.
٣- أن الجم الغفير قد يجتمع على الكذب في الأمور المدركة بالاجتهاد كالفلاسفة١ وغيرهم، فكذا في الأمور المدركة بالحس كالمتواتر.
والجواب: أن الاجتهاد مظنة الخطأ بخلاف المدرك بالحس كالخبر المتواتر، فإنه يدرك بالسماع أو المشاهدة.
_________________
(١) ١ أي علماء الفلسفة، وهي كلمة يونانية ويعرفونها بأنها: "البحث عن طبائع الأشياء وحقائق الموجودات"، أو هي: "استكمال النفس الإنسانية بتصور الأمور والتصديق بالحقائق النظرية والعلمية على قدر الطاقة الإنسانية". انظر الفلسفة في الإسلام للدكتور عرفان عبد الحميد ص٤٢-٤٤، وانظر ما عرف به الجرجاني الفلسفة في التعريفات/١٦٩.
[ ٢٧٢ ]
٤- أن الكذب مع التواتر واقع في اجتماع الجمع الكثير من اليهود والنصارى على الكذب على أنبيائهم.
والجواب: أن شرط المتواتر وقوع الكثرة المذكورة في الخبر من أوله إلى آخره، وذلك غير متحقق في ما ذكر فإن أول ذلك أخبار منقولة بعدد يسير غير متواتر١.
قطعية المتواتر المعنوي:
الخبر المتواتر إذا كان لفظيا فما يفيده اللفظ هو القطعي، وأما المتواتر المعنوي٢ فالمقطوع به فيه القدر المشترك بين الأخبار المتواترة في ذلك المعنى لا فيما انفرد به كل خبر عن بقية الأخبار المتواترة، فإن ذلك غير متواتر٣.
وربما كانت قطعية المتواتر اللفظي أسرع لاتحاد لفظه ومعناه من قطعية المتواتر المعنوي لاختلاف ألفاظه وما طابقها من المعاني وإن اتضح
_________________
(١) ١ انظر العدة لأبي يعلى ٣/٨٤٣-٨٤٥ وشرح اللمع للشيرازي ٢/٥٧٠-٥٧١ والتنقيح للتبريزي٢/٣٧٣ والوصول إلى الأصول لابن برهان٢/١٣٩ فما بعدها. ٢ التواتر المعنوي: أن يروي جماعة كثيرون يقع العلم بخبرهم كل واحد منهم يروي حكما غير الذي يرويه صاحبه إلا أن الجميع يتضمن معنى واحدا فيكون ذلك المعنى بمنزلة ما تواتر به الخبر لفظا، ومثل الخطيب البغدادي للتواتر المعنوي بما روي في عمل الصحابة بخبر الواحد وذلك في وقائع وأحداث متغايرة يشترك جميعها في أن فيها عمل الصحابة بخبر الواحد. انظر الفقيه والمتفقه المجلد الأول ص٩٥. ٣ انظر الإحكام للآمدي٢/٢٧٢ ودرء تعارض العقل والنقل لابن تيمية١/١٩٥.
[ ٢٧٣ ]
مدلولها من جهة التضمن١والالتزام٢٣، فدلالة المتواتر اللفظي على الحكم المدلول عليه بالمطابقة، ودلالة المتواتر المعنوي إما بالتضمن أو بالالتزام.
التفاوت بين المتواتر والمحسوسات:
جعل بعض المنطقيين٤ قطعية المتواتر أدنى درجة من قطعية المحسوسات، لأن قطعيته غير مشتركة بل تختص بمن علمها، أما قطعية المحسوسات فهي مشتركة يُحتج بها على المنازع مطلقا٥، ولأن الخبر مهما كثر عدد رواته يتطرق إليه إمكان التواطؤ عقلا فلا بد من نوع من الفكر في الوصول إلى قطعيته، بخلاف المحسوس ونحوه٦.
_________________
(١) ١ "دلالة التضمن هي دلالة اللفظ على جزء مسماه في ضمن كله، ولا تكون إلا في المعاني المركبة، كدلالة الأربعة على الواحد رُبْعِها وعلى الاثنين نصفِها فمن قال: عندي أربعة دنانير دلّ ذلك على أن عنده دينارين". آداب البحث والمناظرة للشيخ محمد الأمين الشنقيطي١/١٤، وانظر التعريفات للجرجاني/١٠٤-١٠٥. ٢ دلالة الالتزام هي دلالة اللفظ على أمر خارج عن مسماه لازم له لزوما ذهنيا بحيث يلزم من فهم المعنى المطابقي فهم ذلك الأمر الخارج اللازم، وذلك كدلالة (الأربعة) على أنها عدد زوج. انظر آداب البحث والمناظرة١/١٤ وانظر التعريفات ص ١٠٤-١٠٥. ٣ الإحكام للآمدي٢/٢٧٢. ٤ نسبة إلى المنطق، وهو من العلوم الآلية ويعرفونه بأنه: "آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ في الفكر". التعريفات للشريف الجرجاني ص٢٣٢. ٥ انظر كتاب الرد على المنطقيين ص٩٢. ٦ انظر البرهان١/١٠٧-١٠٨.
[ ٢٧٤ ]
وليس هذا التفريق مسلما، لأن قطعية المتواتر قد تكون عامة ومشتركة بين الناس كاشتراك الناس بوجود مكة ونحوها من البلاد المشهورة واشتراكهم في العلم بوجود البحر وأكثرهم ما رآه، وقد تكون خاصة يعلمها من شارك في تحصيل الأخبار المسببة في القطعية، وكذلك الأمور الحسية قد تكون مشتركة كاشتراك الناس في رؤية الشمس والقمر والكواكب، وأخص من ذلك اشتراك أهل البلد الواحد في رؤية ما عندهم من جبل أو نهر، وقد تكون خاصة كما في ذوق الأمور، فإن المعيَّن الذي ذاقه شخص ليس هو المعين الذي ذاقه غيره، إذ كل إنسان يذوق ما في بطنه وإن اشتركوا في جنس ذلك، فإذا كان كل من المحسوس والخبر المتواتر قد يكون خاصا وقد يكون عاما مشتركا فلا وجه للفرق بينهما حتى يكون هذا محتجا به على المخالف دون ذاك١.
أما تطرق الاحتمال العقلي ثم الاحتياج في نفيه إلى نوع من الفكر فَبَعد نفيه يستوي العلم القطعي به، وذلك لا يوجب فرقا بينه وبين غيره في الاحتجاج٢، على أن من العلماء من ذكر أن المتواتر يفيد علما ضروريا لا يحتاج لشيء من ذلك.
هذا، وقد يُرتَّب بين القطعيات من المحسوس والخبر المتواتر وغيرهما
_________________
(١) ١ انظر كتاب الرد على المنطقيين ص٩٢-٩٩ (بتصرف) . ٢ انظر البرهان١/١١٠.
[ ٢٧٥ ]
بتقديم بعضها على بعض دون إشارة إلى كون المقدَّم أقوى من المؤخر١، ولعل ذلك راجع إلى كون بعض اليقينيات أسرع من بعض كتقديم الأوَّلِيّات على المجرَّبات٢.
ندرة التمثيل للمتواتر عند الأصولين، والكلام عليه عند المحدثين:
تفصيل الكلام في الخبر المتواتر وشروطه لا يخلو منه كتاب من كتب أصول الفقه المشهورة، ولكن ذكر مثال للخبر المتواتر لا يكثر فيها كثرة البحث فيه.
وأخرج بعض أهل الحديث الكلام في المتواتر من مباحث علم الحديث لندرته وغرابته عن طبيعة ذلك العلم.
قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح عند كلامه على الحديث المشهور: "ومنه المتواتر الذي يذكره أهل الفقه وأصوله، وأهل الحديث لا يذكرونه باسمه الخاص المشعر بمعناه الخاص ولعل ذلك لكونه لا تشمله صناعتهم
_________________
(١) ١ انظر مثلا: ميزان العقول لعلاء الدين السمرقندي/٨-٩ والمواقف للإيجي ص٣٨. ٢ انظر البرهان كما سبق، والمنخول للغزالي ص٤٦. والأوليات: "العقليات المحضة التي أفضى ذات العقل بمجرده إليها من غير استعانة بحس أو تخيل وجبل على التصديق بها، مثل علم الإنسان بوجود نفسه وأن الاثنين أكبر من الواحد"، والمجربات: ما يحتاج العقل فيه في جزم الحكم إلى تكرار المشاهدة مرة بعد أخرى، مثل حكمك بأن النار محرقة والخبز مشبع. انظر المستصفى للغزالي ١/١٣٨ والتعريفات ص ٢٠٢.
[ ٢٧٦ ]
ولا يكاد يوجد في رواياتهم ومن سئل عن إبراز مثال لذلك أعياه طلبه "١، وقال النووي٢: "ومنه [أي المشهور] المتواتر المعروف في الفقه وأصوله، ولا يذكره المحدثون، وهو قليل لا يكاد يوجد في رواياتهم"٣.
فهما يجعلان سبب قلة أمثلة الخبر المتواتر ندرته في الأحاديث المروية.
وقال السخاوي٤ إشارة إلى البحث في الخبر المتواتر: "وليس من مباحث هذا الفن فإنه لا يبحث عن رجاله لكونه لا دخل لصفات المخبرين فيه ولذلك لم يذكره من المحدثين إلا القليل كالحاكم٥ والخطيب في أوائل
_________________
(١) ١ مقدمة ابن الصلاح ص٣٩٢-٣٩٣. ٢ هو يحيى بن شرف بن مرى شيخ الإسلام أبو زكرياء محيي الدين النووي، الحافظ الفقيه الزاهد، من تصانيفه: (رياض الصالحين)، و(الأربعين) في الحديث، والمنهاج شرح مسلم، و(المجموع) شرح المهذب، والأذكار، توفي سنة (٦٧٦) هـ. انظر تذكرة الحفاظ للذهبي ٤/١٤٧٠ والفتح المبين في طبقات الأصوليين٢/٨١-٨٢ والأعلام٩/١٨٤-١٨٥. ٣ تقريب النووي مع تدريب الراوي٢/١٧٦. ٤ هو محمد بن عبد الرحمن بن محمد أبو الخير شمس الدين السخاوي، من علماء الحديث والتاريخ، من مؤلفاته: شرح على ألفية العراقي في مصطلح الحديث، والمقاصد الحسنة في الأحاديث الجارية على الألسنة، والضوء اللامع في أعيان القرن التاسع، توفي سنة (٩٠٢) هـ. انظر شذرات الذهب ٨/١٥-١٧ والأعلام للزركلي٧/٦٧-٦٨. ٥ هو محمد بن عبد الله بن محمد أبو عبد الله الحاكم النيسابوري ويعرف بـ (ابن البيِّع)، من أئمة الحديث، من مؤلفاته: المستدرك على الصحيحين، ومعرفة علوم الحديث، وتاريخ علماء نيسابور، توفي سنة (٤٠٥) هـ. انظر وفيات الأعيان لابن خلكان٤/١٨٠-٢٨١ وتذكرة الحفاظ للذهبي ٣/١٠٣٩-١٠٤٥. ولم أقف على كلامه في الخبر المتواتر فيما رجعت له من كتبه، بيد أنه قال في كتابه معرفة علوم الحديث (ص١٦٢): "قد تواترت الأخبار عن الرسول ﷺ في فضائل قبائل العرب قبيلة قبيلة "، وذكر الخبر المشهور الذي يستوي في معرفته الخاص والعام ص٩٢-٩٣.
[ ٢٧٧ ]
الكفاية١ وابن عبد البر٢ وابن حزم٣"٤.
فهو يعزو سبب القلة إلى أن الخبر المتواتر خارج عن موضوع صناعة المحدثين وهو النظر في الأسانيد.
ففيما ذكروا أمران: أحدهما أن البحث في الخبر المتواتر بحث غريب في علوم الحديث، والثاني أن الخبر المتواتر يعِزُّ وجوده في الأخبار المروية عن رسول الله ﷺ.
أما الأمر الأول فهو واضح، لأن أهم خصائص علم الحديث النظر في الأسانيد والرجال وصفاتهم وصيغ الأداء ونحو ذلك ليحكم بصحة الحديث أو ضعفه، أما الخبر المتواتر فهو يجب العمل به من غير بحث في تلك الأمور، لوقوع العلم منه بكثرة عدد المخبرين٥.
أما الأمر الثاني - وهو عزة الأخبار المتواترة في الأحاديث المروية -
_________________
(١) ١ انظر الكفاية ص٥٠. ٢ انظر جامع بيان العلم وفضله٢/٣٣-٣٤. ٣ انظر إحكام الأحكام١/١١٦. ٤ فتح المغيث٣/٣٦. ٥ انظر نزهة النظر شرح نخبة الفكر للحافظ ابن حجر ص٦٠
[ ٢٧٨ ]
فقد منعه الحافظ ابن حجر العسقلاني، وعلل من وجه آخر عزة أمثلة الخبر المتواتر بأن ذلك "نشأ عن قلة الاطلاع على كثرة الطرق وأحوال الرجال وصفاتهم المقتضية لإبعاد العادة أن يتواطأوا على الكذب أو يحصل منهم اتفاقا"، قال: "ومن أحسن ما يُقرَّر به كون المتواتر موجودا وجودَ كثرة في الأحاديث أن الكتب المشهورة المتداولة بأيدي أهل العلم شرقا وغربا المقطوع عندهم بصحة نسبتها إلى مصنفيها إذا اجتمعت على إخراج حديث وتعددت طرقه تعددا تحيل العادة تواطؤهم على الكذب إلى آخر الشروط أفاد العلم اليقيني بصحته إلى قائله، ومثل ذلك في الكتب المشهورة كثير"١.
وجمع بعض أهل العلم بين ما ذكر من ندرة الخبر المتواتر وكثرته، فذكر أن القول بعزته وندرته محمول على المتواتر لفظا ومعنى، وأن القول بالكثرة محمول على المتواتر معنى فقط٢.
فمن الأمثلة القريبة للخبر المتواتر قول النبي ﷺ: "من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار "، فقد رواه جمع كثير من الصحابة - رضي
_________________
(١) ١ المرجع السابق ص٦١-٦٢. ٢ انظر دليل أرباب الفلاح لتحقيق فن الاصطلاح للشيخ حافظ بن أحمد الحكمي ص١٢، ومما مَثّل به للمتوتر اللفظي حديث "نضر الله امرءا سمع مقالتي فوعاها "، ومثل للمتواتر المعنوي حديث نزول القرآن على سبعة أحرف.
[ ٢٧٩ ]
الله عنهم - عن الرسول ﷺ، ورواه عن الصحابة عدد غير قليل من مشاهير التابعين وأعلامهم رحمة الله عليهم أجمعين١.
_________________
(١) ١ انظر ما سبق من تخريجه في ص (خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.)، وذكر الحافظ في فتح الباري١/٢٠٣ أن من الأخبار المتواترة الأحاديث الواردة في المسح على الخفين، ورفع اليدين والشفاعة، والحوض، ورؤية الله تعالى في الآخرة، وحديث "من بنى لله مسجدا"، وحديث " الأئمة من قريش".
[ ٢٨٠ ]