تعريف المفهوم وبيان أنواعه ومثاله:
المفهوم لغة: مفعول من فهمت الشيء فهما: أي علمته، والفهم: معرفة الشيء وعلمه وعقله١.
وهو في الاصطلاح: "ما دل على الحكم لا في محل النطق"٢.
وهو نوعان: مفهوم موافقة ومفهوم مخالفة.
أما مفهوم الموافقة فهو: أن يكون المسكوت عنه موافقا للمنطوق في الحكم، وهو قسمان: أحدهما أن يكون المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق به، والثاني أن يكون المسكوت عنه مساويا للمنطوق في الحكم.
وأما مفهوم المخالفة فهو: أن يكون المسكوت عنه مخالفا للمنطوق في الحكم٣ وهو كذلك أقسام.
_________________
(١) ١ انظر لسان العرب ١٢/٤٥٩ والصحاح للجوهري ٥/٢٠٠٥. ٢ مختصر ابن الحاجب مع بيان المختصر٢/٤٣٣. ٣ انظر المرجع السابق، وبيان المختصر للأصفهاني٢/٤٣٣-٤٤٤، وانظر تعريف المفهوم والكلام على أنواعه في: البرهان للجويني ١/٢٩٨-٢٩٩ والحدود للباجي ص٥٠، والمستصفى للغزالي ٣/٤١٣ والوصول لابن برهان ١/٣٥٥ وشرح مختصر الروضة للطوفي٢/٧٠٤، ٧١٤ وجمع الجوامع لابن السبكي١/٢٦٦-٢٤٠ وشرح الكوكب المنير٣/٤٨١ ومذكرة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في أصول الفقه ص٢٣٧.
[ ٣٧٢ ]
ومن أمثلة المفهوم قوله ﷺ: "في الغنم السائمة الزكاة"١ فلما وصف الغنم الواجب فيها الزكاة بالسوم فُهم من ذلك عدم الزكاة في الغنم المعلوفة.
ويسمى مفهوم الموافقة فحوى الخطاب ولحن الخطاب٢، وهو دلالة النص عند الحنفية٣.
المفهوم القطعي:
ويكون المفهوم قطعيا إذا تحقق فيه أمران قطعيان: أحدهما أن يقطع بمعنى الحكم في المنطوق أي أن يعلم علما قطعيا أن الحكم الذي أفاده الدليل قد شرع لمعنى معين، والثاني أن يقطع بأن ذلك المعنى أشد في المسكوت أو مساو له.
ومن أمثلة المفهوم القطعي:
_________________
(١) ١ هذا معنى الحديث المروي في ذلك وليس لفظه، ورواه البخاري من حديث أبي بكر الصديق ﵁ وفيه: " وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة " صحيح البخاري مع فتح الباري ٣/٣١٧. وانظر تخريج الحديث في الابتهاج في تخريج أحاديث المنهاج للغماري ٥٧-٦٢ وإرواء الغليل للشيخ ناصر الدين الألباني٣/٣٦٤، وما ورد في لفظ الحديث من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، وما ورد في المثال المذكور جاء الوصف بعد الموصوف على الترتيب المعهود. ٢ انظر المراجع السابقة. ٣ انظر كشف الأسرار لعبد العزيز البخاري٢/٢٥٣.
[ ٣٧٣ ]
١- قول الله ﵎: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَاهُ وَبالْوَالِدَين إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمُا فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهرْهُمَا﴾ ١، فكل عالم بلسان العرب إذا سمع هذا قطع بأن حرمة التأفيف والنهر هنا معناها إكرام الوالدين ودفع الأذى عنهما، ويقطع أن الضرب والشتم أشد في إيذائهما من التأفيف وأن من ترك التأفيف ولم يتركهما لم يكن أكرمهما، فإذا قطع بهذين الأمرين لم يبق احتمال في كون الضرب والشتم حراما استدلالا بالنهي عن التأفيف٢.
٢- قوله تعالى عن أهل الكتاب: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ ٣ فيفهم من سياق هذا أنه لا يؤدي ما فوق الدينار قطعا.
٣- قوله ﷿: ﴿أَلمْ تَرَ إِلى الَّذِينَ يُزَكونَ أنَفْسَهُمْ بَلِ اللهُ يُزَكِّي مِنْ يَشَاءُ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ ٤ فيفهم من ذلك أنهم لا يُظلَمون أكبر من فتيل قطعا٥.
_________________
(١) ١ سورة الإسراء (٢٣) . ٢ انظر المستصفى (بولاق) ٢/١٠٥ والإحكام للآمدي٣/٦٦ وشرح العضد على مختصر ابن الحاجب ٢/١٧٣ وشرح الكوكب المنير ٣/٤٧٦ والتحرير مع التقرير والتحبير١/١١٣. ٣ سورة آل عمران (٧٥) . ٤ سورة النساء (٤٩)، وذكر ابن كثير في تفسيره (١/٥٢٤) في معنى الفتيل أنه الذي يكون في شق النواة. ٥ انظر المستصفى (بولاق) ١/٣٣٥-٣٣٦.
[ ٣٧٤ ]
٤- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْ كُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْ كُلُونَ في بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ ١ فيفهم أن إحراق أموالهم وإغراقها مساويان في التحريم للأكل قطعا٢.
٥- حديث علي بن أبي طالب٣ ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: " وذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم" ٤ فيفهم من ذلك ثبوت الذمة لأعلاهم قطعا٥.
٦- حديث عبد الله ابن عمر٦ - ﵄ - عن رسول الله
_________________
(١) ١ سورة النساء (١٠) . ٢ انظر مذكرة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في أصول الفقه/٢٣٧، فهذا مثال للمفهوم القطعي المساوي والآيتان السابقتان من المفهوم القطعي الأَولى. ٣ هو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم أبو الحسن القرشي الهاشمي، ابن عم رسول الله ﷺ، تربى في حجره وزوّجه ابنته فاطمة، انتهت إليه الخلافة بعد عثمان بن عفان ﵄، قتل سنة (٤٠) هـ. انظر الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر ٤/٢٦٩-٢٧١. ٤ رواه البخاري ومسلم. انظر صحيح البخاري مع فتح الباري ١٢/٤٢ وصحيح مسلم بترقيم محمد فؤاد عبد الباقي ٢/٩٩٨. ٥ انظر البحر المحيط٤/٨-٩. ٦ هو عبد الله بن عمر بن الخطاب أبو عبد الرحمن، القرشي العدوي، صحابي ولد بعد بعثة النبي ﷺ بثلاث سنوات، وتوفي سنة (٧٢) هـ وقيل (٧٣) . انظر الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر ٤/١٠٧-١٠٩.
[ ٣٧٥ ]
ﷺ أنه كان ينهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو، مخافة أن تناله أيديهم١، احتج به الإمام أحمد - ﵀ - على تحريم رهن المصحف عند الذمي، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية والفتوحي٢ أنه مفهوم قطعي٣، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "لأنه إذا نهى عما قد يكون وسيلة إلى نيلهم إياه فهو عن إنالتهم إياه أنهى وأنهى"٤.
جهة قطعية المفهوم:
لا خلاف - حسب اطلاعي - في قطعية مفهوم الموافقة على ما سبق سوقه من الأمثلة.
وهو حجة يجب العمل به قطعا بنوعيه القطعي والظني٥، وإنما الخلاف
_________________
(١) ١ رواه البخاري ومسلم، وليس في صحيح البخاري من قوله: "مخافة أن يناله أيديهم". انظر صحيح البخاري مع فتح الباري ٦/١٣٣ وصحيح مسلم ٣/١٤٩٠-١٤٩١. ورواه الإمام أحمد في المسند وابن ماجه في سننه بزيادة: "مخافة أن تناله أيديهم" (انظر المسند٢/٦٣ وسنن ابن ماجه٢/٩٦١. وصحح الحافظ ابن حجر كونها من لفظ الحديث غير مدرجة. انظر الفتح ٦/١٣٣-١٣٤ وانظر إرواء الغليل٥/١٣٨-١٣٩. ٢ هو محمد بن أحمد بن عبد العزيز، تقي الدين ابن النجار الفتوحي، فقيه أصولي، من تصانيفه: شرح الكوكب المنير، منتهى الإرادات في جمع المقنع مع التننقيح وزيادات، توفي سنة (٩٧٢) هـ. انظر النعت الأكمل لأصحاب الإمام أحمد ص١٤١-١٤٢ والأعلام للزركلي٦/٢٣٣ ومقدمة تحقيق شرح الكوكب المنير١/٥-٧. ٣ انظر المسودة ص٣٤٧ وشرح الكوكب المنير ٣/٤٨٦ وحاشية رقم (٥) . ٤ المسودة كما سبق. ٥ الظني هو ما فقد أحد القيدين المذكورين وهما قطعية المعنى من الحكم وقطعية أن المسكوت عنه مساو للمنطوق أو أولى منه في المعنى، فإذا لم يقطع بواحد منهما كان المفهوم غير قطعي. ومثاله أن يفهم من عدم إجزاء العوراء في التضحية عدم إجزاء العمياء لكون المعنى وهو النقص في الخِلقة أشد في العمياء من العوراء، ووجه عدم القطع في هذا أنه لا يقطع بكون المعنى في عدم إجزاء العوراء النقص المذكور لاحتمال أن يكون المعنى غير ذلك مثل كون العوَر مظنة لنقص رعيها المفضي إلى الهزال لأن العوراء لا ترى عند السوم إلا ما قابل إحدى جهتيها أما العمياء فإن عماها مظنة أن يعلفها صاحبها وذلك مظنة السمن، فلما احتمل الأمر ذلك كان المفهوم ظنيا راجحا. انظر مذكرة الشيخ محمد الأمين ص٢٥٠.
[ ٣٧٦ ]
الذي ينقل في ذلك هو هل دلالته لفظية أم قياسية١ وذلك لا يؤثر في القطعية، إذ كان القياس - عند من جعل دلالة المفهوم قياسية - قياسا قطعيا، وكانت دلالة النص - عند من جعل دلالة المفهوم لفظية - قطعية، لأن في كل ذلك يقطع بالأمرين السابقين٢.
_________________
(١) ١ فذهب الشافعي ومن تبعه إلى أن دلالة المفهوم قياسية وسماه (القياس الجلي) أو (القياس في معنى الأصل)، وذهب الحنفية إلى أن دلالته ليست قياسية بل من نظم اللفظ، وذهب بعض الأصوليين إلى أن دلالته لفظية لكن اختلفوا: فقال بعضهم إنه حقيقة عرفية نقل العرف اللفظ عن موضوعه إلى ما هو أعم، وقيل إنه مجاز يفهم بالسياق والقرائن من باب إطلاق الأخص وإرادة الأعم. انظر البرهان ١/٣٠٠ والبحر المحيط٤/١٠-١١ وشرح الكوكب المنير ٣/٤٨٣-٤٨٤ وميزان الأصول/٣٩٨-٣٩٩ وكشف الأسرار عن أصول البزدوي١/٧٣-٧٤ ومسلم الثبوت مع شرحه فواتح الرحموت١/٤١٠-٤١١ ومذكرة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في أصول الفقه/٢٣٧، ٢٥١ وتفسير النصوص١/٦٣٢-٦٤٢ وكتاب موازنة بين دلالة النص والقياس الأصولي ١/٣١٩-٣٥٠. ٢ انظر الإحكام للآمدي٣/٦٦.
[ ٣٧٧ ]
وجهة القطعية في المفهوم جهة الدلالة١ مثل قطعية العموم، وعليه فيمكن أن يكون المفهوم من الدليل قطعيا ويكون من جهة الثبوت غير قطعي، إذ لا تلازم بين جهتي القطعية.
القطعي من نوعي المفهوم:
الظاهر من كلام العلماء - ﵏ - في قطعية المفهوم وأمثلتهم أن القطعية في المفهوم إنما تتأتى في مفهوم الموافقة، وهو الذي يسمى أيضا فحوى الخطاب، قال الزركشي معللا للتسمية بذلك "لأن فحوى الكلام ما يفهم منه على سبيل القطع، وهو [أي مفهوم الموافقة] كذلك"٢.
أما مفهوم المخالفة فالظاهر من كلام أهل العلم أن أعلى ما يصل إليه هو الظن والرجحان ولا يرتقي إلى القطع.
لكن الزركشي ذكر أن كلام إمام الحرمين يقتضي أن مفهوم المخالفة قد يكون قطعيا ولم يذكر قوله المقتضي لذلك٣، ولعله من قوله في البرهان: "والمفهوم ينقسم إلى ما يقع نصا غير قابل للتأويل ويغلب ذلك
_________________
(١) ١ المفهوم قسيم المنطوق وهما قسما الدلالة في أحد تقسيماتها عند الجمهور، وعند الحنفية يسمى مفهوم الموافقة (دلالة النص) . انظر المستصفى ٢/١٠٥ وشرح العضد٢/١٧١ ونهاية السول ٢/١٩٤ وكشف الأسرار عن المنار للنسفي١/٣٨٣-٣٨٥. ٢ البحر المحيط٤/٧. ٣ المرجع السابق٤/١٦.
[ ٣٧٨ ]
في مفهوم الموافقة إذا انتهى إلى المرتبة العليا، وإذ ذاك يسمى عند أرباب الأصول: الفحوى" قال: "والغالب على مفهوم المخالفة الظهور والانحطاط عن رتبة النصوص"١، فجعل الغالب في مفهوم المخالفة الظهور دون القطع، وذلك يقتضي أن منه - على خلاف الغالب فيه - ما يكون قطعيا، كما اقتضى جعله الغالب من مفهوم الموافقة القطع والنصية أن يكون منه ما لا يكون قطعيا على خلاف الغالب فيه، غير أن إمام الحرمين - ﵀ - لم يذكر مثالا للقطعي من مفهوم المخالفة ولا ذكر وجه كونه قطعيا. والله تعالى أعلم.
وللقاضي أبي بكر الباقلاني عبارة قد تحتمل، فإنه قسّم الأدلة إلى قسمين قطعي وظني، ثم قال إشارة إلى القسم القطعي: "ودخل فيه جميع أدلة السمع الموجبة للقطع والعلم من نصوص الكتاب والسنة ومفهومها ولحنها وإجماع الأمة "٢.
فالعطف في قوله: "مفهومها ولحنها" يحتمل أن يكون مراده بالمفهوم مفهوم الموافقة وباللحن مفهوم المخالفة، كما يحتمل أن يكون مراده باللحن مفهوم الموافقة أو نوع منه، فاحتملت عبارة القاضي هذه أن يكون ممن يرى جواز كون مفهوم المخالفة قطعيا٣.
_________________
(١) ١ البرهان١/٣١٢-٣١٣. ٢ التقريب والإرشاد١/٢٢١-٢٢٢. ٣ ومما يدل على هذا الاحتمال قول المحقق بعد كلام الباقلاني المذكور: "يريد المصنف بالمفهوم مفهوم الموافقة ويريد بلحن الخطاب مفهوم المخالفة وكونهما أدلة قطعية مطلقا فيه نظر"، ثم نقل عن إمام الحرمين ما يفيد عدم الإطلاق في قطعيتهما ثم قال المحقق: "وهو الصواب للاختلاف في حجية مفهوم المخالفة ثم إن القائلين بحجيته لا يقولون بحجيته مطلقا". المرجع السابق حاشية رقم (٤) .
[ ٣٧٩ ]
لكن في كلام القاضي - ﵀ - ما يجعل الاحتمال الثاني - وهو كون مراده باللحن مفهوم الموافقة أو نوع منه - هو الراجح قطعا، وعليه لا يكون في عبارته ما يوهم قطعية مفهوم المخالفة.
والذي يؤيد هذا الاحتمال وأن القاضي يريد باللحن غير مفهوم المخالفة أمور:
أولها: تصريحه بأن مراده بـ (المفهوم) و(اللحن) معنى واحد، قال: "وقولنا مفهوم من معناه ولحنه وفحواه بمنزلة واحدة"١.
الثاني: أن القاضي لما ذكر أقسام الخطاب من حيث إفادته لمعناه قال في بعض الأقسام: "ما يستقل بنفسه من جهة مفهومه ولحنه وفحواه"، والأمثلة التي ذكرها داخلة بالأصالة في هذا القسم كلها أمثلة مفهوم الموافقة التي يذكرها أهل العلم٢.
_________________
(١) ١ المرجع السابق١/٣٤٧، قال المحقق بعد كلام الباقلاني هذا: "صرح الباقلاني بأن المفهوم والفحوى بمعنى واحد، وهذا مخالف لما استقر عليه الاصطلاح عند جمهور الأصوليين بعدئذ حيث خصوا كل كلمة من هذه الكلمات بشيء، فالمقصود بالفحوى مفهوم الموافقة الأولى والمقصود باللحن مفهوم الموافقة المساوي والمقصود بالمفهوم إذا أطلق مفهوم المخالفة". حاشية رقم (٥٧) . ٢ انظر المرجع السابق١/٣٤١-٣٤٢.
[ ٣٨٠ ]
الثالث: أن القاضي أطلق على مفهوم المخالفة (دليل الخطاب) وأشار إلى الخلاف في حجيته، وفي ذلك إشارة إلى أن اصطلاح (اللحن) عنده غير مفهوم المخالفة١.
الرابع: أن لحن الخطاب عند أكثر العلماء يطلق على مفهوم الموافقة مطلقا أو مفهوم الموافقة المساوي، وأما إطلاقه على مفهوم المخالفة فنادر٢.
فظهر أن الذي أوهمت عبارته جواز قطعية مفهوم المخالفة هو إمام الحرمين أبو المعالي الجويني، أما القاضي أبو بكر الباقلاني فالظاهر أن ليس في كلامه - إذا أخذ مجموعا بلواحقه - ما يدل على أن مذهبه جواز قطعية مفهوم المخالفة، كما يفهم من عبارة محقق التقريب. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) ١ انظر المرجع السابق١/٣١١، وأشار المحقق إلى أنه مفهوم المخالفة. انظر حاشية رقم (٥) . ٢ انظر بيان المختصر٢/٤٤٠ والبحر المحيط٤/٧ وشرح الكوكب المنير٣/٤٨١-٤٨٢، وانظر تعليقات الدكتور عبد الحميد أبو زنيد على الوصول لابن برهان ١/٣٣٥-٣٣٦ حاشية رقم (٣)، وتحقيق التقريب والإرشاد له أيضا ١/٣٤١ حاشية رقم (١١)، و١/٣٤٧ حاشية رقم (٥٧)، وكتاب: موازنة بين دلالة النص والقياس الأصولي للدكتور حمد الصاعدي١/٣١٤، فَصَّلا الكلام في إطلاقات العلماء في ذلك وما فرقوا به بين لحن الخطاب وفحواه، ونقلا كثيرا من عباراتهم في ذلك، وفيها أن أكثر العلماء يطلق لحن الخطاب على مفهوم الموافقة المساوي ومنهم من يجعله مرادفا لفحوى الخطاب، وأما إطلاق (لحن الخطاب) على مفهوم المخالفة فلم ينقلا ذلك إلا عن الآسنوي في قوله: "القسم الثاني: أن يكون مخالفا للمنطوق، ويسمى دليل الخطاب ولحن الخطاب ومفهوم المخالفة". انظر نهاية السول٢/٢٠٥.
[ ٣٨١ ]
مفهوم الموافقة ودلالة النص:
وقد أشار غير واحد ممن بحثوا في قطعية دلالة النص أنه لم يرد عند متقدمي الحنفية تقسيم دلالة النص إلى قطعي وغير قطعي وأن ذلك التقسيم إنما ذكره بعض متأخريهم١ وأن من المتأخرين من غيرهم مَن ينكر تقسيم (دلالة النص) إلى قطعية وظنية، لأن حقيقة دلالة النص عند الحنفية أنها تفهم بمجرد اللغة من غير احتياج إلى رأي واجتهاد، وذلك مشكل على القسم الظني من المفهوم، فكان الأولى عند هؤلاء عدم التقسيم٢.
ويمكن أن يقال: إنه إذا كان المراد من القطع - في مفهوم الموفقة - معناه الأخص المبرّأ من الاحتمال مطلقا، فلا يبعد أن تنقسم دلالة النص إلى قطعي وغير قطعي، لأن بعض ما مثلوا به لدلالة النص لا يخلو من احتمال، وإذا كان المراد من القطع في ذلك معناه الأعم - الذي لا يعتد فيه بالاحتمال حتى يكون معززا بالدليل - دخلت تلك الأمثلة في القطعية، لأن الاحتمال في تلك الأمثلة لا يَعتد به مَن ذكرها في عداد دلالة النص ولو اعتد به غيره، فتكون تلك الأمثلة عند موردها قطعية بالمعنى العام٣.
_________________
(١) ١ انظر تفسير النصوص لمحمد أديب صالح١/٥٢٥-٥٢٨، ٦٣١ وكتاب موازنة بين دلالة النص والقياس الأصولي تأليف الدكتور حمد الصاعدي ١/٣٥٣-٣٦٢. ٢ انظر التقرير والتحبير١/١١٥، وانظر موازنة بين دلالة النص وبين القياس الأصولي كما سبق. ٣ يدل على ذلك ما علل به صاحب مرآة الأصول (ص١٦٥-١٦٦) قطعيةَ الأمثلة المذكورة في قسم الظني من (دلالة النص)، أن تلك الأمثلة قطعية من حيث إن المستدل لا يعتد بالاحتمال الوارد في تلك الأمثلة وإن اعتد به غيره فلم يقطع.
[ ٣٨٢ ]
على أنه لا يجب إذا كان المعنى في (دلالة النص) مدركا بمجرد اللغة من غير استنباط - أن يكون قطعيا، إذ ليس كل ما يشترك العامة والخاصة في فهمه من اللغة قطعيا، فإن اللغة فيها الألفاظ المشتركة والظاهرة. والله تعالى أعلم.
[ ٣٨٣ ]