كما أن في الدليل تفاوتا من جهة الثبوت ففيه تفاوت من جهة الدلالة، فقد يكون الدليل بحيث يقطع بأنه متناول لحكم معين وأن ذلك الحكم مراد بالدليل قطعا٢، وتلك قطعية الدليل من جهة الدلالة.
وأظهر ما يكون ذلك في الأدلة اللفظية (كالكتاب والسنة)، لأن فهم المراد منها قد يعتمد على فهم اللغة التي وقع بها التخاطب٣، والألفاظ متفاوتة في دلالتها: فقد يكون اللفظ نصا في معنى واحد وقد يكون دالا على معنيين بالسواء وقد يكون ظاهرا راجحا في معنى مع احتماله لمعنى آخر مرجوح، وكل ذلك موجب لاختلاف قوة دلالة الدليل على الحكم.
_________________
(١) ١ الدلالة: فهم أمر من أمر، أو كون الأمر بحيث يفهم منه أمر فُهم بالفعل أو لم يفهم، وتنقسم أقساما كثيرة. انظر آداب البحث والمناظرة للشيخ محمد الأمين الشنقيطي١/١٢، وانظر التعريفات للجرجاني ص١٠٤-١٠٥. والمراد هنا دلالة اللفظ في الأدلة الشرعية، وقد سبق قريبا عند الكلام على جهة الثبوت ذِكر ألفاظ أخرى يطلقها العلماء للتعبير عن جهة الدلالة، راجع ص (١) . ٢ انظر المستصفى١/٣٩٩-٣٤٠ ومجموع فتاوى ابن تيمية٢٠/٢٥٧-٢٥٨. ٣ وقد يعتمد في معرفة الدلالة من الدليل على النقل أيضا، وذلك من خواص الأدلة الشرعية فهي كما نقلت ألفاظها نقلت أيضا معانيها والمراد منها، وهذا من أعظم أسباب دفع الاحتمالات الواردة لغة على الدليل اللفظي. انظر الصواعق المرسلة لابن القيم٢/٤٣٢ فما بعدها.
[ ١٣٢ ]
ودلالة القياس على حكم الفرع المقيس عليه تلحق بجهة الدلالة، وهي متفاوتة فقد يقطع بالقياس وقد لا يقطع به، وكل ذلك يجري على حكم الفرع١.
أما الإجماع فالظاهر أن الاتفاق فيه يكون على حكم معين، فلا تتفاوت دلالته على ذلك الحكم من ذلك الوجه٢.
وللشافعي - ﵀ - إشارة إلى الجهتين في قطعية الدليل، فقد قسم العلم قسمين: قسم ينقله العامة عن العامة ولا يمكن فيه غلط ولا تأويل، وقسم لا يكون من نقل العامة لكونه من أخبار الخاصة أو يكون مما يحتمل التأويل٣.
فنقل العامة عن العامة إشارة إلى قطعية الدليل من جهة الثبوت، وعدم إمكان التأويل فيه إشارة إلى القطعية من جهة الدلالة على المدلول منه بحيث لا يمكن أن يصرف عن مدلوله، فيكون القسم الأول من قسمي العلم عند الإمام الشافعي دليلا قطعيا ثبوتا ودلالة.
كما أشار إلى عدم القطعية - في القسم الثاني - بعدم القطعية ثبوتا بكونه من أخبار الخاصة أو دلالة بكونه محتملا التأويل.
_________________
(١) ١ انظر مبحث قطعية القياس ص (٤١٢.) ومبحث القياس القطعي ص (٤٢٢.) . ٢ انظر حاشية المطيعي على نهاية السول٣/٣١٨، ٣٢١. ٣ انظر الرسالة/٣٥٧-٣٥٩.
[ ١٣٣ ]