المطلب الثاني: قطعية خبر الواحد
أهمية مسألة قطعية خبر الواحد:
من أهم مباحث القطعية في الأدلة الأربعة الخلاف في إفادة خبر الواحد العلم القطعي، وهو من مباحث القطعية التي يذكرها العلماء في غالب كتب أصول الفقه١، يشترك في ذلك مع مبحث قطعية العموم والخلاف فيها، والفرق بينهما أن الخلاف في قطعية العموم هو من حيث الدلالة والخلاف في قطعية خبر الواحد هو من حيث الثبوت.
ووجه أهمية مبحث قطعية خبر الواحد أن بعض العلماء ذهبوا إلى أن في المسائل ما يجب الاستدلال فيها بالقطعي من الأدلة دون غيره ومسائل أخرى يجوز أن يستدل فيها بالقطعي وغير القطعي من الأدلة الشرعية، فإذا كان خبر الواحد - وهو معظم الأخبار المروية عن رسول الله ﷺ - لا يمكن البتة أن يفيد علما قطعيا فلا جرم كان غير مفيد عند أولئك فيما المطلوب منه القطع، ومن ذلك عندهم مسائل العقيدة٢، فتكون النتيجة أن معظم الأخبار المروية عن
_________________
(١) ١ بحث شيخنا د. أحمد محمود عبد الوهاب هذه المسألة في باب كامل من كتابه خبر الواحد وحجيته ص٦٧-١٢١، وهو من المراجع المهمة في هذا المبحث. ٢ انظر البحر المحيط٤/٢٦١-٢٦٢.
[ ٢٨١ ]
رسول الله ﷺ مُبْعَدة عن موضع من أهم مواضع الدين.
غير أن تقسيم الدين إلى ما سبق أمر غير ظاهر وقد لا يُسلم، وأما ما فُرِّع على التقسيم من التفريق في الاستدلال فأمر غير مسلم وهو غير صحيح١.
وعلى القول بعدم التقسيم وصحة الاحتجاج بكل دليل شرعي في كل مسألة شرعية يمكن القول بعدم قطعية خبر الواحد دون أن يكون لذلك ما سبق من الخطورة.
تعريف خبر الواحد:
أما تعريف الخبر فقد تقدم عند أول الكلام على قطعية الخبر المتواتر٢.
وأما تعريف خبر الواحد عند الأصوليين فمن ذلك:
ما عرفه به الغزالي بأنه: "ما لا ينتهي من الأخبار إلى حد التواتر المفيد للعلم"٣.
وقال الآمدي: "خبر الواحد ما كان من الأخبار غير منْتَهٍ إلى حد التواتر"٤.
وذكر الحافظ ابن حجر أنه في اصطلاح المحدثين: الخبر الذي لا يجمع شروط المتواتر٥.
_________________
(١) ١ تقدم الكلام في مسألة تقسيم الدين إلى أصول لازم قطعية وفروع جائز القطعية انظر (خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.) . ٢ انظر ص (٥) . ٣ المستصفى٢/١٧٩. ٤ الإحكام في أصول الأحكام للآمدي١-٢/٢٧٤. ٥ انظر نزهة النظر ص٧٠-٧١.
[ ٢٨٢ ]
وعلى هذا فلا واسطة بين الخبر المتواتر وبين خبر الواحد، إذ عُرِّف خبر الواحد بكونه كل ما ليس متواترا، فيدخل في جملة خبر الواحد الخبر المستفيض والمشهور١، وهو قول كثير من الأصوليين٢.
وقد جعل بعض العلماء الخبر المستفيض واسطة دون الخبر المتواتر وفوق خبر الآحاد.
_________________
(١) ١ المشهور في اصطلاح المحدثين: ما له طرق محصورة بأكثر من اثنين ولم يبلغ حد المتواتر، سمي الخبر مشهورا لوضوح أمره، وهو المستفيض على رأي جماعة من أئمة الفقهاء والأصوليين وبعض المحدثين، وسمي هذا مستفيضا لانتشاره وشيوعه في الناس، ومنهم من غاير بين المشهور والمستفيض بأن المستفيض يكون في ابتدائه وانتهائه وفيما بينهما سواء وأن المشهور أعم من ذلك فيشمل ما كان أوله منقولا من الواحد، ومنهم من فرق بينهما بوجه آخر وهو أن المستفيض ما تلقته الأمة بالقبول دون اعتبار عدد. انظر نزهة النظر لابن حجر٥٦-٥٧ وفتح المغيث للسخاوي٣/٣٢-٣٣ وتدريب الراوي للسيوطي٢/١٧٣. وعرف الماوردي الأخبار المستفيضة بقوله: "هي أن تبدو منتشرة من البر والفاجر ويتحققها العالم والجاهل فلا يختلف فيها مخبر ولا يتشكك فيها سامع ويكون انتشارها في ابتدائها كانتشارها في آخرها"أدب القاضي١/٣٧١-٣٧٢. وقال علاء الدين السمرقندي (ميزان الأصول/٤٢٨) في تعريف الخبر المشهور عند الحنفية: "هو اسم لخبر كان من الآحاد في الابتداء ثم اشتهر فيما بين العلماء في العصر الثاني حتى رواه جماعة لا يتصور تواطؤهم على الكذب وقيل في حده: ما تلقته الأمة بالقبول"ويسمى (المستفيض)، وهو يفيد عند بعضهم علم طمأنينة، ويفيد العلم اليقيني القطعي عند آخرين منهم. انظر المرجع السابق ص٤٢٨-٤٣٠ وأصول البزدوي مع كشف الأسرار ٢/٣٦٨-٣٦٩. والأمر في هذا راجع إلى النظر في قرائن القطعية التي منها قرينة تلقي العلماء الخبر بالقبول وقرينة اشتهار الخبر واستفاضته. ٢ انظر شرح الكوكب المنير٢/٣٤٥ وإرشاد الفحول١/٢٠٧.
[ ٢٨٣ ]
وألحق آخرون الخبر المستفيض والخبر المشهور بالمتواتر١.
وجعل الماوردي٢ الخبر المستفيض أعلى رتبة من الخبر المتواتر وقال إنه "أقوى الأخبار حالا وأثبتها حكما"، لكنه سوَّاهما في القطعية٣.
والأمر بالنظر إلى القطعية أن ما أُلحق من هذه الأخبار بالمتواتر فحكمه في القطعية عند الملحِق حكم المتواتر، وما ألحق منه بخبر الواحد فالخلاف في قطعية خبر الواحد يجري فيه، ومن جعل منه واسطة بين الخبر المتواتر وبين خبر الواحد فالنظر فيه متردد، فإن منهم من جعل المستفيض مفيدا للعلم
_________________
(١) ١ انظر البحر المحيط للزركشي٣/٢٤٩-٢٥١ وأصول الدين للبزدوي/٨٤ وميزان العقول للسمرقندي ص٤٢٨-٤٢٩ ونزهة النظر/٦٢-٦٣ والباعث الحثيث ص١٦٠، وانظر سلاسل الذهب للزركشي مع تعليقات د. محمد المختار الشنقيطي ص٣١٠-٣١١، وانظر مقدمة ابن الصلاح ص٣٩٢-٣٩٣ وتقريب النووي مع تدريب الراوي٢/١٧٦، جعلا المتواتر من المشهور. ٢ هو علي بن محمد بن حبيب أبو الحسن البصري الماوردي، فقيه من أعلام المذهب الشافعي، من مصنفاته: (الحاوي)، وأدب الدين والدنيا، والأحكام السلطانية، توفي سنة (٤٥٠) هـ. انظر سير أعلام النبلاء١٨/٦٤-٦٨ وطبقات الشافعية لابن السبكي ٥/٢٦٧-٢٨٥ والفتح المبين١/٢٤٠-٢٤١. ٣ انظر أدب القاضي لأبي الحسن الماوردي١/٣٧١، وانظر الحاوي الكبير له ١٦/٨٥، وقال الزركشي: إنه تقسيم غريب، (البحر المحيط٤/٢٤٩)، يدل على غرابة ما ذكر أنه جعل الخبر المتواتر ما كان أوله من خبر الآحاد ثم بلغ رواته قدرا يستحيل عليهم التواطؤ، وذلك الحديث المشهور عند الحنفية كما سبق قريبا، وهو قريب من الخبر المتلقى بالقبول. أما في بداية كتابه الحاوي١/١٦-١٩ فقد قسم الماوردي الأخبار إلى قسمين: أخبار تواتر وأخبار آحاد، وذكر أن العلم الضروري حاصل بأخبار التواتر.
[ ٢٨٤ ]
القطعي، ومنهم من جعله مفيدا للظن الغالب دون العلم القطعي، ومنهم من جعله مفيدا ظنا قويا مقاربا لليقين والقطع١، وسبب هذا التردد اختلاف النظر في الاستفاضة والشهرة وهل هما من القرائن المفيدة للعلم القطعي في خبر الواحد أم لا. والله تعالى أعلم.
تحرير محل النزاع:
تظهر الحاجة إلى تحرير محل النزاع في هذه المسألة بالنظر في أدلة المتنازعين فيها، فربما استدل بعضهم على قطعية خبر الواحد بأدلة حجيته، وإن حجيته غير قطعيته، وربما استدل بعضهم بما يوهم أن مخالفه يقول بقطعية مطلق خبر الواحد، وهو ما لا يقول به أحد كما سيأتي.
وتحديد المحل المتنازع فيه يكون ببيان أمور:
الأمر الأول: ليس مطلق خبر الواحد هو محل الخلاف، وإنما الخلاف في خبر واحد مقيّد بكون الخبر الذي رواه الواحد متصلا بنقل العدول إلى النبي ﷺ، وهو الحديث الصحيح٢ الذي يجب العمل به دليلا على الأحكام الشرعية.
_________________
(١) ١ انظر البحر المحيط للزركشي٤/٢٥١، والمراجع السابقة من كتب الحنفية. ٢ وقال ابن الصلاح - ﵀ - في تعريف الحديث الصحيح: "هو الحديث المسند الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه ولا يكون شاذا ولا معللا" (مقدمة ابن الصلاح ص٨٢)، والشذوذ: انفراد الثقة بما يخالف به من هو أو ثق منه (ص١٧٣) . والعلة في الحديث: "عبارة عن أسباب خفية قادحة فيه مع سلامته في الظاهر منها" (ص١٩٥) . وانظر كلام ابن دقيق العيد - ﵀ - في الخلاف في قيد عدم الشذوذ والعلة القادحة زيادة على قيد العدالة في تعريف الحديث الصحيح بين الفقهاء والمحدثين في الاقتراح ص١٥٣-١٥٤.
[ ٢٨٥ ]
قال ابن حزم: "أما احتجاج من احتج بأن صفة كل خبر واحد هي أنه يجوز الكذب عليه والوهم فهو كما قالوا، إلا أن يأتي برهان حسي أو برهان منقول نقلا يوجب العلم من نص ضروري على أن الله تعالى قد برّأ بعض الأخبار من ذلك، فيخرج بدليله عن أن يجوز فيه الكذب والوهم، وإنا حين نأخذ - إن شاء الله تعالى - في إيراد البراهين على أن خبر الواحد العدل المتصل إلى رسول الله ﷺ في أحكام الشريعة يوجب العلم ولا يجوز فيه البتة الكذب والوهم "الخ١.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فصل، يتعلق بمسألة خبر الواحد المقبول في الشرع هل يفيد العلم، فإن أحدا من العقلاء لم يقل إن خبر كل واحد يفيد العلم، وبحث كثير من الناس إنما هو في رد هذا القول"٢.
وقال ابن القيم: "كذب بعض الأصوليين كذبا صريحا لم يقله أحد قط، فقال: مذهب أحمد في إحدى الروايتين عنه أن خبر الواحد يفيد العلم
_________________
(١) ١ إحكام الأحكام لابن حزم١/١٣٣-١٣٦ ٢ المسودة ص ٢٤٤، وانظر شرح العضد على مختصر ابن الحاجب٢/٥٦.
[ ٢٨٦ ]
من غير قرينة، وهو مطرد عندهم في كل خبر١" قال منكرا: "فيا لله العجب! كيف لا يستحي العاقل من المجاهرة بالكذب على أئمة الإسلام، لكن عذر هذا وأمثاله أنهم يستجيزون نقل المذاهب عن الناس بلازم أقوالهم، ويجعلون لازم المذهب في اصطلاحهم مذهبا"٢.
وقريب من هذا قول الغزالي: "فإن قيل: فهل يجوز أن يحصل العلم بقول واحد، قلت: حكي عن الكعبي٣ جوازه، ولا يُظَنّ بمعتوه تجويزه مع انتفاء القرائن"٤.
ومنه ما نقله الزركشي عن ابن دقيق العيد٥ أنه قال: "قد أكثر
_________________
(١) ١ ذكر الآمدي - ﵀ - نحوا منه هذا في الإحكام ٢/٢٧٤، قال عند ذكره المذاهب في المسألة: "ومنهم من قال: إنه يفيد العلم اليقيني من غير قرينة، لكن من هؤلاء من قال: ذلك مطرد في كل خبر واحد كبعض أهل الظاهر وهو مذهب أحمد في إحدى الروايتين عنه". فالله يغفر لنا ولهم. ٢ مختصر الصواعق المرسلة لابن القيم اختصره الموصلي٢/٤٤٥. ٣ هو عبد الله بن أحمد بن محمود أبو القاسم البلخي الكعبي، أصولي متكلم، إليه تنسب الطائفة (الكعبية) من المعتزلة، وله آراء في أصول الفقه يخالف فيها الجمهور كقوله: إن المباح مأمور به، وإن العلم الحاصل بالخبر المتواتر نظري، توفي سنة (٣١٩) هـ. انظر سير أعلام النبلاء ١٤/٣١٣ وشذرات الذهب٢/٢٨١ والفتح المبين١/١٧٠-١٧١. ٤ المستصفى٢/١٤٦-١٤٧. ٥ هو محمد بن علي بن وهب أبو الفتح تقي الدين ابن دقيق العيد، من المتبحرين في كثير من العلوم الشرعية، من تصانيفه: شرح مقدمة المطرزي في أصول الفقه، والإلمام في الحديث، والاقتراح في علوم الحديث، توفي سنة (٧٠٢) هـ. انظر طبقات الشافعية لابن السبكي ٩/٢٠٧-٢٤٩ والدرر الكامنة ٤/٢١٠-٢١٤ والفتح المبين٢/١٠٢-١٠٣.
[ ٢٨٧ ]
الأصوليون من حكاية إفادته [أي خبر الواحد] القطع عن الظاهرية أو بعضهم، وتعجب الفقهاء وغيرهم منهم لأنا نراجع أنفسنا فنجد خبر الواحد محتملا للكذب والغلط ولا قطع مع هذا الاحتمال"، ثم وجّه ابن دقيق العيد القول بالقطعية بأنه في الأخبار التي معها قرينة خارجة عن الخبر، وقال: "وإنما ذكرنا هذا لأن كثيرا من الفقهاء والأصوليين يعتقدون أن مذهبهم خارج عن ضروب العقل، فبَيَّنّا هذا دفعا لهذا الوهم، وتنبيها لما ينبغي أن ينظر ويبحث معهم فيه"١.
والحاصل أنه ليس مطلق خبر الواحد محل الخلاف، بل الخلاف فيما كان من أخبار الآحاد مقيدا على الأقل بكونه حجة شرعا.
الأمر الثاني: الخلاف في قطعية خبر الواحد وإفادته العلم معناه هل يَقطع المستدل الناظر في الخبر المتصل الذي يرويه الواحد العدل بأن الرسول ﷺ قاله ويتيقن بذلك جازما أم هو يعمل به لظهور احتمال ثبوته عنه ﷺ ورجحان ذلك مع احتمال ضعيف بغلط الراوي الواحد أو وهمه أو نحو ذلك.
فليس أصل الخلاف هنا في وجوب العمل بخبر الواحد وأنه دليل من الأدلة الشرعية التي يتوصل بها إلى الأحكام الشرعية في الجملة، فذلك
_________________
(١) ١ انظر البحر المحيط نقلا عن ابن دقيق العيد٤/٢٦٤.
[ ٢٨٨ ]
حجية خبر الواحد وهي غير قطعيته.
والقطعية فرع عن الحجية، فمن لا يثبت أن طريقا من طرق الأحكام حجة - لا يبحث معه عن قطعيته، فجميع من يرد هنا من المتنازعين في القطعية هم من القائلين بالحجية١.
الأمر الثالث: بعض الأخبار ليست من محل النزاع لأدلة خاصة، وذلك كخبر الله تعالى وخبر الرسول ﷺ وخبر أهل الإجماع، فهؤلاء لا يجوز في حقهم الكذب لأدلة خاصة، وهي أدلة حجية الكتاب والسنة والإجماع.
وإنما الخلاف في خبرٍ وصل المستدل بنقل الواحد، فمن نفى القطعية عن مثل هذا الخبر فهو ينظر إلى ما نقله الواحد وليس أن خبر الرسول ﷺ لا يفيد القطع واليقين، إذ هو حين ينفي القطعية لم يتيقن كونه خبر الرسول ﷺ، ولو حكم جازما بصدق الناقل عنه ﷺ كان الخبر صدقا قطعا.
يدل على ذلك أن كثيرا من المصنفين في أصول الفقه يذكرون في صدر الكلام على الأخبار أخبارا قطعية لأدلة خاصة ومنها خبر الرسول صلى الله عليه وسلم٢.
_________________
(١) ١ لذا يكون بحث قطعية خبر الواحد في كتب الأصول مؤخرا عن بحث الحجية ومفرعا عليه. ٢ انظر الإحكام لابن حزم ١/١٣٣ والتلخيص للجويني ٢/٧٣٤ والمستصفى ٢/١٦٣ والتمهيد لأبي الخطاب ٣/١٤ والإحكام للآمدي ١-٢/٢٥٦ وشرح مختصر الروضة للطوفي ٢/٦٤ والإبهاج لابن السبكي٢/٢٨١-٢٨٥ وانظر أصول الدين للبزدوي ص٩، وميزان الأصول لعلاء الدين السمرقندي ص٤١٩.
[ ٢٨٩ ]
ويدل على ذلك أيضا أن الغزالي أخرج خبر رسول الله ﷺ من أخبار الآحاد، لقطعيته، فقال: "قول الرسول ﵇ لما علم صحته لا يسمى خبر الواحد"١.
فمبنى الخلاف في قطعية خبر الواحد: على أنه هل يقطع بأن الرسول ﷺ قاله، وليس أنه هل يقطع بقول الرسول ﷺ وحديثه٢.
أمور موضِّحة:
وهناك أمور إذا اتضحت ساعدت في توضيح محل النزاع وفي توجيه الأدلة ومناقشتها:
- منها: أن بعض أدلة من نفى القطعية مطلقا لا ترد إلا على من أثبت القطعية مطلقا، كما أن بعض أدلة من أثبتها مطلقا لا ترد إلا على من نفاها مطلقا، ومن توسط بينهما فقال بالقطعية عند وجود قرائنها يسلم من كثير من اعتراضات أدلة الفريقين.
- ومنها: ذهب بعض العلماء إلى أن خبر الواحد يفيد العلم الظاهر.
ونفى وجود العلم الظاهر من كلا طرفي النفي والإثبات في المسألة.
_________________
(١) ١ المستصفى٢/١٧٩. ٢ وفي إضافة الخبر إلى الواحد ما يشير إلى ما سبق، وأن الخلاف في خبر الواحد عن رسول الله ﷺ لا في فيما يعلم أنه خبر رسول الله ﷺ.
[ ٢٩٠ ]
فمن النافين: قوله في تلخيص التقريب: "فإن قيل: فالذي أطلقتموه هو العلم الباطن والذي أطلقناه هو العلم الظاهر، قلنا: هذا الكلام خلو من التحقيق فإن العلم مهما تحقق استحال أن يجامع الرَّيْب سواء كان علما بظاهر أو باطن اللهم إلا أن يعنوا بالعلم الظاهر سماعهم الخبر فمسلم لهم ذلك، فإنه يعلم ضرورة وإن حملوا العلم بالظاهر على غلبة الظن فيرتفع الخلاف في المعنى فيؤول الكلام إلى المناقشة في العبارة"١.
ومن المثبتين مطلقا: قول ابن حزم: "وقال بعضهم إذا انقطعت به الأسباب: خبر الواحد يوجب علما ظاهرا، قال أبو محمد: وهذا كلام لا يعقل، وما علمنا علما ظاهرا غير باطن ولا علما باطنا غير ظاهر، بل كل علم متيقن فهو ظاهر إلى من علمه وباطن في قلبه معا، وكل ظن يتيقن٢ فليس علما أصلا لا ظاهرا ولا باطنا"٣.
فالقول بإفادة خبر الواحد العلم الظاهر يرد عليه سؤال الاستفسار، فإنه إن كان هو اليقين والقطع فالقائل به يُجمع مع القائلين بالقطعية، وإن كان دون اليقين فهو مع النافين، وإن كان غير ذلك فلا بد من بيانه، كأن يكون مرتبة الظن القوي المقارب للقطع.
_________________
(١) ١ تلخيص التقريب للقاضي الباقلاني لخصه الجويني٢/٢٣٦. ٢ أي يعلم قطعا أنه ظن وراجح وهو اعتقاد الرجحان. ٣ الإحكام١/١٤٢-١٤٣.
[ ٢٩١ ]
والأقرب أن يكون المراد بالعلم الظاهر أمرا دون اليقين والقطع، لما سبق في استعمال الشافعي وغيره للعلم الظاهر دون الباطن أنه يرادف الظن الغالب والرجحان، وبين بعض العلماء المراد بالعلم الظاهر: فقال أبو الحسين البصري عند الكلام على الخلاف في قطعية خبر الواحد: "وحكي عن قوم أنه يقتضي العلم الظاهر وعنوا به الظن"١، وقال الغزالي: "وما حكي عن المحدثين من أن ذلك يوجب العلم فلعلهم أرادوا أنه يفيد العلم بوجوب العمل أو يسمي الظن علما، ولهذا قال بعضهم يورث العلم الظاهر والعلم ليس له ظاهر وباطن وإنما هو الظن"٢، وحمل السرخسي القول بأن خبر الواحد يفيد العلم على أن المراد بالعلم علم طمأنينة القلب وقال: "وطمأنينة القلب نوع علم من حيث الظاهر"٣.
- ومنها: من أقوى أدلة نفاة القطعية في هذه المسألة أن خبر الواحد فيه احتمال أن يكون الواحد الراوي للخبر عن الرسول ﷺ غير عدل في الواقع، لأن الحكم بعدالة المرء هو بحسب الظاهر من أمره مع احتمال خلاف ذلك في الباطن.
_________________
(١) ١ المعتمد٢/٩٣. ٢ المستصفى٢/١٧٩-١٨٠. وتقدم أن التعبير عن الظن الغالب بالعلم الظاهر أو العلم في الظاهر دون الباطن استعمله الشافعي وغيره، انظر ص (خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.)، والنفي هنا مبني على أن العلم مرادف للقطع مرادفة تامة. ٣ أصول السرخسي١/٣٢٩-٣٣٠.
[ ٢٩٢ ]
ولكن هذا الاحتمال وارد في حق غير الصحابة ﵃، أما عدالة الصحابة فمقطوع بها بتزكية الله إياهم في غير ما موضع من كتابه وتزكية الرسول ﷺ.
ومن الأدلة من القرآن على تزكيتهم قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ١ وقوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا في قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ ٢ وقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ ٣ وقوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٤ وقوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ. وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةً وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ سورة آل عمران (١١٠) . ٢ سورة الفتح الآية (١٨) . ٣ سورة التوبة (١٠٠) . ٤ سورة الأنفال (٦٤) . ٥ سورة الحشر (٨-٩) .
[ ٢٩٣ ]
قال الحافظ ابن حجر ﵀: "وجميع ذلك يقتضي القطع بتعديلهم، ولا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله له إلى تعديل أحد من الخلق، على أنه لو لم يرد من الله ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد ونصرة الإسلام وبذل المُهَج والأموال وقتل الآباء والأبناء والمناصحة في الدين وقوة الإيمان واليقين - القطعَ على تعديلهم والاعتقاد لنزاهتهم وأنهم كافة أفضل من جميع الخالفين بعدهم هذا مذهب كافة العلماء ومن يعتمد قوله"١.
كما ورد في ذلك أحاديث كثيرة عن رسول الله ﷺ وصفهم فيها الرسول ﷺ بالخير وأثنى عليهم.
قال الخطيب البغدادي ﵀: "والأخبار في هذا المعنى تتسع وكلها مطابقة لما ورد في نص القرآن، وجميع ذلك يقتضي طهارة الصحابة والقطع على تعديلهم ونزاهتهم"٢.
ومن الأحاديث المروية في ذلك قوله ﷺ: "لا تسبوا أصحابي! فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا، ما بلغ مُدَّ أحدهم، ولا نَصِيفه" ٣، وقوله ﷺ: "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم "الحديث٤.
_________________
(١) ١ الإصابة في تمييز الصحابة١/٧ ٢ الكفاية للخطيب البغدادي ص٩٦. ٣ رواه البخار ومسلم. انظر صحيح البخاري مع فتح الباري٧/٢١ وصحيح مسلم٤/١٩٦٧. ٤ رواه البخاري ومسلم. انظر صحيح البخاري مع فتح الباري٧/٣ وصحيح مسلم٤/١٩٦٤.
[ ٢٩٤ ]
أما احتمال النسيان فقد استبعده بعض العلماء كذلك في حقهم بسبب "صحبة النبي ﷺ واختيار الله تعالى إياهم لحفظ دينه وما عرف منهم من بذل الجهد في ذلك فصار احتمال النسيان كاحتمال المجاز في الخاص والتأويل في النص فلا يعتد به"١.
ولا يقوى هذا قوة ما قبله من قطعية العدالة، على أنه جارٍ على أحد مذاهب العلماء في الاعتداد بالاحتمال٢. والله أعلم.
الخلاف في المسألة:
وقد اختلف العلماء في إفادة خبر الواحد العلم القطعي إلى ثلاثة أقوال: النفي المطلق والإثبات المطلق والإثبات في الأخبار التي احتفت بها قرائن القطعية دون التي لم تحتف بها تلك القرائن.
القول الأول: أن خبر الواحد لا يفيد العلم القطعي بحال، فكل خبر لم يتواتر نقله عن النبي ﷺ لا يحصل العلم القطعي واليقين بأنه قاله، غاية ما يمكن أن يفيده مثل ذلك الخبر غلبة الظن ورجحان أنه ﷺ قاله.
فكان أصل هذا القول: أن الخبر لا يمكن أن يحصِّل العلم القطعي إلا من حيث كثرة العدد كثرة يستحيل معها احتمال الكذب والوهم، وما دون
_________________
(١) ١ فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت٢/١١٢. ٢ وهو مذهب كثير من الحنفية، أن الاحتمال إذا بعُد ولم يعتضد لا يرفع القطع ولا يمنعه. انظر مسلكي أهل العلم في أثر الاحتمال في نفي القطعية ص (خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.) .
[ ٢٩٥ ]
ذلك لا يمكن أن يحصل العلم حتى مع احتفاف القرائن به، ويبين هذا الأصل عندهم أنهم يذهبون إلى أن خبرًا ما إذا أفاد العلم القطعي في واقعة لشخص وجب أن يفيد العلم القطعي في كل واقعة ولكل شخص، لأن سبب حصول العلم القطعي فيه هو العدد فقط، وقد استوت الوقائع والأشخاص في ذلك.
وهذا مذهب القاضي أبي بكر الباقلاني فيما نقله عنه غير واحد١، وفي تلخيص التقريب بعد نفي إفادة خبر الواحد العلم مطلقا وأن ما كان من الأخبار يفيد العلم تارة فإنه يفيده تارة أخرى قال: "ومقصدنا بما ذكرنا الرد على النظام، فإنه صار إلى أن خبر الواحد قد يقترن في بعض الأحوال بقرائن يفضي إلى العلم الضروري"، ثم رد على ذلك وقال: "ولا يَغرّنك تمويهه وتصويره في الواحد المخبر مع قرائن تقترن به، فإن كل ما يصوره قد يتقرر في العادة تصوير مثله مع تعمد الخلف أو تصور الغلط"٢.
وذكر بعض العلماء أن هذا القول مذهب الأكثر٣.
_________________
(١) ١ انظر المستصفى للغزالي٢/١٤٥،١٤٨ والمحصول للرازي ٤/٢٨٢ والإحكام للآمدي ٢/٢٧١-٢٧٢ والمسودة ص٢٤٠-٢٤١. ٢ تلخيص التقريب للباقلاني لخصه الجويني٢/٧٣٦، وجعل في موضع آخر إفادة خبر الواحد العلم من قبيل انخراق العادة مثل انفطار السماوات ونضب البحار. انظر ٢/٧١٦-٧١٧. ٣ انظر المعتمد لأبي الحسين البصري٢/٩٢-٩٣ وإحكام الفصول للباجي/٣٢٣-٣٢٤ وشرح الكوكب المنير٢/٣٤٧ وانظر جامع بيان العلم وفضله٢/٣٤: ففيه إشارة إلى أن إيجاب خبر الواحد العمل دون القطع به قول الأكثر.
[ ٢٩٦ ]
ونازع في تلك النسبة شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره١.
ونسب ابن القيم هذا القول إلى الطوائف المخالفة للسلف وقال: "وتبعهم بعض الأصوليين والفقهاء ولا يعرف لهم سلف من الأئمة بذلك"٢.
أدلة هذا القول٣:
الدليل الأول: استدلوا بأن خبر الواحد لو أفاد القطع للزم من ذلك أمور باطلة وما يلزم منه الباطل باطل، ومن تلك اللوازم الباطلة:
أ- أنه يلزم منه تصديق كل خبر يُسمع، فإنه لن يخرج ذلك الخبر عن كونه خبر واحد.
وهذا خروج عن محل النزاع، لأن بطلان القول بقطعية مطلق خبر الواحد لا يختلف فيه، ولا يلزم من ذلك بطلان القول بقطعية بعض أخبار الآحاد المقيدة، فمحل الاتفاق في بطلان القطعية خبر واحد مطلق كان هذا الواحد فاسقا أو صادقا كافرا أو مسلما وأما محل الخلاف في القطعية
_________________
(١) ١ انظر مجموع الفتاوى١٣/٣٥١، ١٨/٤١. ٢ مختصر الصواعق المرسلة٢/٣٦٢-٣٦٣. ٣ انظر أدلة هذا القول في روضة الناظر لموفق الدين ابن قدامة١/٢٦١-٢٦٢ وشرح مختصر الروضة للطوفي٢/١٠٥-١٠٦ وانظر المحصول للرازي٤/٢٨٢-٢٨٤ والمستصفى للغزالي ٢/١٧٩-١٨٠.
[ ٢٩٧ ]
فخبر واحد متصل بالعدول إلى النبي ﷺ، فافترقا، وقد سبق في تحرير محل النزاع تغليظ ابن القيم القول على من زعم أن الخلاف في مطلق الخبر١.
ب- أنه يلزم من قطعية خبر الواحد ألا يقع تعارض بين خبرين مطلقا لأن القطعيين لا يتعارضان، لكن التعارض بين الأخبار واقع.
والجواب عن هذا أنه لا يسلم إمكان تعارض خبرين مفيدين للقطع على وجه لا يتبين الأمر فيهما بترجيح أو جمع أو نحو ذلك٢.
جـ- أنه يلزم من قطعية خبر الواحد جواز نسخ القرآن والسنة المتواترة به، وذلك غير جائز.
والجواب عن هذا من وجهين:
الأول: أنه لا يسلم عدم جواز نسخ الدليل من القرآن أو من السنة المتواترة بالدليل غير القطعي مثل خبر الواحد، فإن ذلك محل متنازع فيه٣،
_________________
(١) ١ انظر الأمر الأول من الأمور المذكورة في تحرير محل النزاع في بداية هذا المطلب. ٢ شرح الكوكب المنير٤/٦١٧، وانظر تعليق الشيخ عبد الرزاق عفيفي على الإحكام للآمدي٢/٣٣-٣٤ وخبر الواحد وحجيته لشيخنا د. أحمد محمود عبد الوهاب ص٧١. ٣ فالأكثرون على جوازه عقلا لأن العمل بالظني مقطوع بوجوبه ولكنه عند الجمهور غير واقع شرعا، وذهب جماعة من أهل الظاهر إلى وقوعه احتجاجا بقصة أهل قباء لما حولوا قبلتهم بخبر الواحد، وفصل آخرون فقالوا بوقوعه في زمن الرسول ﷺ دون غيره. انظر البحر المحيط ٣/١٠٨-١٠٩ وإرشاد الفحول للشوكاني٢/٩٦-٩٨. ونصر الشيخ محمد الأمين الشنقيطي - ﵀ - الجواز والوقوع شرعا، وأيد ذلك بأن شرط التعارض اتحاد زمان المتعارضين ولا يتحد زمن الناسخ والمنسوخ، ومثّل للوقوع بنسخ إباحة الحمر الأهلية المنصوص عليها بالحصر الصريح في قوله تعالى: ﴿قُلْ لاَ أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِليَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ الأنعام (١٤٥) - نُسخ بالسنة الصحيحة الثابت تأخرها. انظر مذكرة الشيخ محمد الأمين في أصول الفقه ص٨٦-٨٧.
[ ٢٩٨ ]
ولا يصلح الاحتجاج بمحل الخلاف١.
الوجه الثاني: أنه - على التسليم بعدم جواز نسخ القرآن والسنة المتواترة بالدليل غير القطعي - لا يتحقق المانع من ذلك على القول بقطعية خبر الواحد، لأنهما يستويان إذا في القطعية فيقوى خبر الواحد القطعي على نسخ القطعي، فجواز نسخ الدليل من القرآن أو السنة المتواترة بالدليل من خبر الواحد هو فرع عن مسألة قطعية خبر الواحد، فإذا قيل بالقطعية في المسألة لم يلزم من نسخ القطعي بخبر الواحد شيء محظور، لاتحادهما في القوة المجوز لذلك.
د- أنه يلزم من القول بقطعية خبر الواحد جواز الحكم بشاهد واحد دون الحاجة إلى شاهد ثان ولا يمين، لأن العلم إذا حصل بقول الشاهد الواحد لم تكن ثمة حاجة إلى سوى ذلك إلا تحصيل حاصل، وهو عبث.
والجواب عن هذا ببطلان الملازمة بين صدق خبر الواحد وبين صدق الشاهد الواحد.
_________________
(١) ١ انظر خبر الواحد وحجيته لشيخنا الدكتور أحمد بن محمود عبد الوهاب ص٧٣-٧٥.
[ ٢٩٩ ]
ذلك أن هناك أوجه فرق بين الرواية عن رسول الله ﷺ وبين الشهادة في الخصومات والأقضية، وحقيقة الفرق بينهما راجعة إلى أن ما يترتب على احتمال الكذب أو الوهم في الرواية من المحظورات لا يترتب على احتمال كذب الشاهد، بل إن مدار الحكم في الأقضية على الظواهر دون القطع واليقين بما في باطن الأمر والواقع في الحقيقة، كما في حديث أم المؤمنين أم سلمة١ - رضي الله تعالى عنها - أن الرسول ﷺ سمع خصومة بباب حجرته فخرج إليهم وقال: "إنما أنا بشر وإنه ليأتيني الخصم، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأحسب أنه صدق فأقضي له بذلك، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار، فليأخذها أو ليتركها"٢، أما الرواية فإنه يلزم من احتمال كذب بعضها - كالخبر الذي تلقته الأمة بالقبول - أن يكون الناس قد ضلوا الحق واعتمدوا الكذب وقالوا على الله بغير علم، وذلك باطل.
والله ﷾ لم يتكفل بحفظ الدماء أن تهرق ولا بصيانة الأموال أن تؤخذ ولا الفروج أن تستباح بغير حق في الخصومات والأقضية
_________________
(١) ١ هي هند بنت أبي أمية حذيفةَ بن المغيرة أم المؤمنين أم سلمة القرشية المخزومية، كانت ذات عقل بالغ ورأي صائب، وهي آخر أمهات المؤمنين وفاة، وذلك بين سنة (٥٩) وسنة (٦٢) هـ على اختلاف أقوال أهل العلم. انظر الإصابة٨/٢٤٠-٢٤٢. ٢ رواه البخاري ومسلم. انظر صحيح البخاري مع فتح الباري٥/١٠٧ وصحيح مسلم ٣/١٣٣٨ وقد سبق تخريجه ص (خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.) .
[ ٣٠٠ ]
بل ذلك واقع، ولكنه تكفل بحفظ الدين عن أن يختلط به ما ليس منه عند المسلمين١.
هـ- أنه يلزم من القول بقطعية خبر الواحد أن يستوي خبر العدل والفاسق في الإخبار، لأنه إذا حصل بالخبر العلم لم ينظر إلى عدالة قائله من فسقه كما في الخبر المتواتر، وباطل أن يستوي خبر العدل والفاسق وقد قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا إِنْ جَاءَكُم فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ ٢.
والجواب عن هذا أنه خروج عن محل النزاع أيضًا، فإن الخلاف ليس في مطلق خبر الواحد حتى يتناول خبر الفاسق، بل في خبر العدل خاصة عن رسول الله ﷺ.
على أن هذا جمع بين موضعين مختلفين، إذ لا يلزم من كون خبر العدل صدقا قطعا أن يكون خبر الفاسق صدقا كذلك، فالعدل غير الفاسق.
وأنه يلزم من القول بقطعية خبر الواحد تصديق قول مدعي النبوة، لأنه خبر واحد.
_________________
(١) ١ انظر الإحكام لابن حزم ١/١٤٧-١٤٩ والمسودة ص٢٤٥-٢٤٧ ومختصر الصواعق المرسلة ٢/٣٦٨-٣٦٩ وتعليق الشيخ عبد الرزاق عفيفي على الإحكام للآمدي٢/٣٤-٣٥. ٢ سورة الحجرات (٦) .
[ ٣٠١ ]
والجواب بالفرق بين دعوى النبوة عن الله ﷾ وبين الرواية عن رسول الله ﷺ، باطراد العادة باستحالة صدق دعوى النبوة من مخبر واحد دون ضميمة معجزة، إذ هو يخبر عن الله ﷾ بما لا يُعلم إلا من جهته، وثبوت النبوة له يستلزم أمورا عظيمة من الموالاة والقطع على طهارته ظاهرا وباطنا والتصديق في جميع ما يخبر به ونحو ذلك، وذلك يستدعي معجزة خارقة تدل على صدقه، بخلاف الراوي المخبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم١.
الدليل الثاني: واستدل على القول الأول بأن الواحد العدل ليس معصوما من الخطأ والنسيان والوهم ونحوه مما يعرض للبشر، فاحتمال تلك العوارض وارد في حقه قطعا، بل إن الحكم بالعدالة هو بحسب الظاهر من حاله وليس يُقطع بأنه عدل في باطن أمره وسريرته، فاحتمال الكذب غير مدفوع عنه قطعا، ومع ورود هذه الاحتمالات لا يمكن القطع واليقين بأن ما قاله صدق وحق، بل ذلك على الظاهر واعتقاد الرجحان مع
احتمال خلافه.
قال إمام الحرمين: "والقول فيه أنه قد زَلَّ من الرواة الأثبات جمع لا يعدون كثرة، ولو لم يكن الغلط متصورا لما رجع راو عن روايته، والأمر
_________________
(١) ١ انظر الكفاية للخطيب البغدادي ص٥٤-٥٥ عند ذكره الرد على من يوجب القطع لقبول الرواية قياسا على مدعي النبوة.
[ ٣٠٢ ]
بخلاف ما تخيلوه"١، ولذا توعد الرسول ﷺ على الكذب في الحديث عنه وقال: "من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار"٢٣.
والجواب أن هذا الاحتمال يرد على خبر رواه عدل واحد لم يعرف عنه إلا عدالته وحفظه في الظاهر من أمره، أما من كان من الرواة قد تتبع النقاد الجهابذة المدققون سيرتهم ووقفوا على أحوالهم الخاصة في سرهم وعلنهم أو أجمعوا على عدالتهم وتعزز ذلك بورود خبر آخر مثل ذلك الخبر، مع رسوخ في العلم، وانضاف إلى ذلك تلقي الأمة للخبر بالقبول ونحو ذلك من القرائن التي لا تزال تحتف بالخبر حتى ينقطع فيه احتمال النسيان والخطأ والكذب ونحوها، ويفيد الخبر القطع واليقين بالنسبة لمن وقف على ذلك٤.
هذا وقد استدل أصحاب القول بنفي القطعية مطلقا في هذه المسألة بأدلة خاصة على أن احتفاف القرائن بالخبر لا يفيده القطعية، ومن ذلك:
_________________
(١) أن جميع تلك القرائن التي يذكر أن الخبر قد يفيد القطع معها يجوز أن يكون قد تعمد في وضعها مَنْ يريد التمويه والكذب فضلا عن أن ١ البرهان١/٣٩٢، وانظر تلخيص التقريب٢/٢٣٧ وشرح الكوكب المنير٢/٣٤٧-٣٥٠ وأصول السرخسي ١/٣٢٩-٣٣٠. ٢ رواه البخاري ومسلم. انظر صحيح البخاري مع فتح الباري١/٥٧٧-٥٧٨ وصحيح مسلم ٤/٢٢٩٩. ٣ انظر العدة لأبي يعلى الفراء٣/٩٠٤. ٤ انظر خبر الواحد وحجيته ص٧٩-٨٢.
[ ٣٠٣ ]
تكون دليل الصدق، فإن أحدهم قد يريد أن يُمَوِّه على الناس ليعتقدوا موت ولد له مثلا، وذلك لغرض ما كالفرار من مسئوليته أمام سلطان أو نحو ذلك، فيذهب المذاهب المختلفة في البكاء والعويل والصراخ ويتصنع بإحضار الجنازة والأكفان ولا يألوا جهدا في ضرب خده وشق جيبه بل قد يكون أُخبر عن موت ولده فقام بكل ذلك مع أن الولد في الواقع أغمي عليه أو أصابته سكتة١.
والجواب عن هذا: أن غاية ذلك أن هذه القرائن المذكورة والمعينة لا تفيد علما، ولا يلزم من ذلك أن كل قرينة لا تفيد العلم القطعي، لأن القدح في صورة خاصة لا يقتضي القدح في كل الصور٢، على أن القرائن المحتفة بالخبر الذي هو الحجة شرعا ليس من قبيل ما سبق٣.
٢- أنه لو كانت القرائن هي المفيدة للعلم لجاز ألا يقع العلم القطعي بالخبر المتواتر، لعدم لزوم تلك القرائن فيها، وذلك باطل٤.
والجواب: أن العلم القطعي لا يستفاد من القرائن فقط، بل تارة من كثرة العدد كما في المتواتر ومن الخبر مع قرائن القطعية تارة أخرى كما هو القول هنا٥.
_________________
(١) ١ انظر المحصول للرازي٤/٢٨٢-٢٨٤. ٢ انظر المرجع السابق، وشرح تنقيح الفصول للقرافي ص٣٥٥. ٣ انظر القرائن المحتفة بالخبر الحجة ص (خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.) . ٤ المحصول كما سبق. ٥ المرجع السابق.
[ ٣٠٤ ]
٣- أن العلم المستفاد من الخبر المحتف بالقرائن إما أن يكون سببه القرائن وحدها أو القرائن بشرط وجودها مع الخبر أو الخبر وحده أو الخبر بشرط وجوده مع القرائن.
أما أن يكون سبب القطعية القرينة وحدها أو هي مع الخبر فباطل، لأن القرينة لا تتناول المخبر عنه وإنما المتناول لذلك الخبر، وأما أن يكون سبب القطعية هو الخبر وحده فذلك غير مسلم، لأن الخبر يقتضي القطعية عند التجرد عن القرينة إذًا وذلك ممنوع، وأما أن يكون سبب القطعية هو الخبر مع القرائن فباطل، لعلمنا أنه لو تجردت هذه القرائن عن الخبر لكان اعتقادنا المخبَر كاعتقادنا مع وجودها١.
والجواب: أن الخبر قد يكون من القوة بحيث لا يبقى من إفادته القطع إلا قدر يسير وتقوم القرينة مقام ذلك القدر، والقرينة تتناول ما تناوله الخبر - وهو المخبر عنه - لتعلقها به، كالصراخ في بيت من أخبر بموته ونحو ذلك فإنه يدل على الموت كالخبر بذلك٢.
القول الثاني: أن خبر الواحد العدل إذا اتصل إلى رسول الله ﷺ يفيد العلم القطعي، ولا يجوز أن يكون كذبا بحال.
_________________
(١) ١ انظر المعتمد لأبي الحسين البصري٢/٩٣-٩٤. ٢ انظر المعتمد٢/٩٣-٩٤.
[ ٣٠٥ ]
وهذا قول ابن حزم الظاهري ﵀، قال: "خبر الواحد العدل المتصل إلى رسول الله ﷺ في أحكام الشريعة يوجب العلم، ولا يجوز فيه ألبته الكذب والوهم"١.
وعلى هذا فسواء اتصل بالخبر قرائن أم لم تتصل به يكون قطعيا، لكونه لم يقيد الخبر القطعي إلا بما هو المقيد به في الأخبار المقبولة شرعا من العدالة والاتصال، فكانت حجية الخبر عنده مستلزمة لقطعيته.
ونسب ابن حزم - ﵀ - هذا القول إلى أبي سليمان داود الظاهري٢، والحسين بن علي الكرابيسي٣، والحارث بن أسد المحاسبي٤،
_________________
(١) ١إحكام الأحكام لابن حزم١/١٣٢-١٣٣. ٢ هو داود بن علي بن داود أبو سليمان الأصفهاني، إمام أهل الظاهر، من تصانيفه: إبطال القياس، وكتاب خبر الواحد وبعضه موجب للعلم، وكتاب العموم والخصوص، وإبطال التقليد، توفي سنة (٢٧٠) هـ. انظر سير أعلام النبلاء١٣/٩٧-١٠٨ وطبقات الشافعية ٢/٢٨٤-٢٩٣ والفتح المبين١/١٥٩-١٦١. ٣ هو الحسين بن علي بن يزيد أبو علي الكرابيسي، كان إماما جامعا بين الحديث والفقه والكلام، وذكر من ترجم له أن له تصانيف في الفروع والأصول، وفي الجرح التعديل، توفي سنة (٢٤٨) وقيل (٢٤٥) هـ. انظر وفيات الأعيان لابن خلكان٢/١٣٢-١٣٣ وسير أعلام النبلاء ١٢/٧٩-٨٢ وطبقات الشافعية٢/١١٧-١٢٦. ٤ هو الحارث بن أسد أبو عبد الله المحاسبي، كان إماما في الفقه والأصول والتصوف والكلام والحديث، قال الذهبي: "له كتب كثيرة في الزهد وأصول الديانة"، توفي سنة (٢٤٣) هـ. انظر وفيات الأعيان٢/٥٧-٥٨ وسير أعلام النبلاء١٢/١١٠-١١٢ وطبقات الشافعية ٢/٢٧٥-٢٨٤.
[ ٣٠٦ ]
وابن خويزمنداد١ ﵏.
ونازعه الزركشي في نقله عن الحارث المحاسبي فقال: "وفيما حكاه عن الحارث نظر، فإني رأيت كلامه في كتابه (فهم السنن)، نقل عن أكثر أهل الحديث وأهل الرأي والفقه أنه لا يفيد العلم ثم قال: "وقال أقلهم يفيد العلم"ولم يختر شيئا، واحتج بإمكان السهو والغلط من ناقله كالشاهدين يجب العمل بقولهما لا العلم"٢.
كما نقل الزركشي عن المازري٣ أنه نازع ابن خويز منداد في نقله عن مالك أنه يفيد العلم لعدم وجود نص لمالك في ذلك، وأنه ربما اعتمد على مقالة له مشيرة إلى ذلك غير صريحة٤.
_________________
(١) ١ هو محمد بن أحمد بن عبد الله أبو بكر أو أبو عبد الله بن خويز منداد، فقيه أصولي، ذكروا له كتبا في أصول الفقه والخلاف وأحكام القرآن، ولم أطلع على ذكر سنة وفاته في الكتب التي رجعت إليها في ترجمته، وجعل صاحب الشجرة الزكية ابن خويز منداد من طبقة القاضي عبد الوهاب المالكي المتوفى سنة (٤٢٢) . انظر الديباج المذهب لابن فرحون٢/٢٢٩. وطبقات المفسرين للداودي٢/٦٨. وشجرة النور الزكية لمخلوف/١٠٣. ٢ البحر المحيط٤/٢٦٢. ٣ هو محمد بن علي بن عمر أبو عبد الله المازري، من كبار علماء المالكية، فقيه أصولي متكلم طبيب، من تصانيفه: شرح البرهان لإمام الحرمين المسمى (إيضاح المحصول من برهان الأصول)، كتاب المعلم في شرح مسلم، ونظم الفوائد في علم العقائد، توفي سنة (٥٣٦) . انظر الديباج المذهب٢/٢٥١-٢٥٢ وسير أعلام النبلاء٢٠/١٠٤ والفتح المبين٢/٢٦-٢٧. ٤ انظر البحر المحيط٤/٢٦٣.
[ ٣٠٧ ]
ونُسب هذا القول إلى الإمام أحمد بن حنبل وأصحاب الحديث١.
وخرّج القاضي أبو يعلى قول الإمام أحمد على أن المراد خبر واحد تلقي بالقبول أو احتفت به قرائن أخرى٢.
أدلة هذا القول:
الدليل الأول: أن حديث رسول الله ﷺ المنقول إلينا بخبر الواحد وحيٌ من الله تعالى وبيان للوحي كما قال ﷿: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ ٣ وقال ﷿: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ٤، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ٥ وقال ﷿: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمَتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ ٦ وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ في الآخرة مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٧، فكان الذكر والوحي كله محفوظا بضمان الله تعالى، ومثل ذلك لا يضيع منه شيء ولا يُحرّف
_________________
(١) ١ تقدم من ذلك ما ذكره الآمدي عن الإمام أحمد في تحرير محل النزاع في مطلع هذا المطلب، وانظر إشارة الغزالي إلى أن ذلك قول منقول عن المحدثين في المستصفى٢/١٧٩-١٨٠. ٢ انظر العدة٣/٩٠٠-٩٠١. ٣ سورة النجم (٣،٤) . ٤ سورة النحل (٤٤) . ٥ سورة الحجر (٩) . ٦ سورة المائدة (٣) . ٧ سورة آل عمران (٨٥) .
[ ٣٠٨ ]
ولا يختلط اختلاطا "لا يتميز بيقين عند أحد من الناس"١.
وإذا كان كذلك فلا سبيل إلى ضياع شيء مما ذكره الرسول ﷺ في بيان الذكر، لأن ضياع ذلك من ضياع الذكر وذلك باطل، فكل خبر عن رسول الله ﷺ فهو مقطوع به غير مختلط ولا محرَّف ولا مكذوب ولا مخطوء فيه٢.
ويرد على وجه الاستدلال بهذا الدليل على القطعية المطلقة: أن هذا الدليل إنما يفيد في بعض أخبار العدول ولا يفيد أن جميع أخبار الآحاد يلزم أن تكون قطعية.
وبيان ذلك: أن خبر الواحد العدل إذا اقترن به أن أجمعت الأمة على العمل به لزم من كونه غير صحيح أن يكونوا قد عملوا بما ليس صحيحا، ولزم من ذلك أن يكون بيان رسول الله ﷺ للذكر المنزل قد اختلط به ما ليس منه مما وقع فيه الخطأ ولم يتميز، أما إذا فرض خبر واحد اختلف في صحته أولم يعمل به بعض الأمة فاحتمال كون مثل هذا الخبر غير صحيح لا يلزم منه شيء مما ذكر.
_________________
(١) ١ وهذا القيد الذي نص عليه ابن حزم - ﵀ - يخرج بعض أخبار الآحاد مما ذكر ههنا من إطلاق، لأن قيد أن لا يتميز ما في الخبر عند أحد من الناس بيقين يخرج الأخبار التي اختلف في صحتها وقدح فيها بعض العلماء. ٢ انظر هذا الدليل في إحكام الأحكام لابن حزم١/١٣٣-١٣٦، ١٤١-١٤٢.
[ ٣٠٩ ]
فعليه يقال: إن خبر واحد معيَّنًا١ إذا وصل إلى مستدلين ناظرين في الأدلة الشرعية فصححوه وجب عليهم العمل به وإن كان غيرهم لم يصححه، مع أنه يحتمل أن يكون الصواب مع الذين ضعفوه، فيكون المصححون قد عملوا بما ليس صحيحا، ولا يلزم من ذلك محظور أن الأمة عملت بالباطل أو أن بيان الذكر قد ضاع
فخبر الواحد العدل لا يلزم من عدم صحته شيء مما ذكر، إلا أن يقترن به مثل تلقي الأمة له بالقبول والعمل، والتلقي بالقبول قرينة زائدة على مطلق الخبر الحجة وهو خبر العدل المتصل، والله تعالى أعلم.
وهذا وارد على كثير من أدلة هذا القول المطلق.
الدليل الثاني: أن العمل بخبر الواحد واجب، فدل على أنه يفيد العلم القطعي، إذ لو لم يكون مفيدا العلم القطعي لما وجب العمل به، لأن العمل بما ليس علما غير جائز، قال الله تعالى: ﴿ولاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ٢، ونهى الله أن يقال عليه ما لا يعلم فقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ والإِثْمَ والْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ
_________________
(١) ١ انظر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية حول الفرق بين خبر الواحد المعين وخبر الواحد مطلقا، في المسودة ص٢٤٥-٢٤٧. ٢ سورة الإسراء (٣٦) .
[ ٣١٠ ]
بهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ ١٢.
والجواب أن العمل بما لا يفيد القطع من طرق الأحكام هو من العمل بالعلم، لقيام الأدلة القطعية على صحة الاعتماد على تلك الطرق في الوصول إلى الأحكام ووجوب العمل بها، فذلك مستند إلى القطع على الحجية، وليس ذلك من باب اتباع ما لا يعلم٣.
الدليل الثالث: أن احتمال كون الخبر المحتج به كذبا أو وهما أو خطأ في واقع الأمر - يلزم منه أمور باطلة في الشرع، ومن تلك الأمور:
أ- اختلاط الحق بالباطل بدون تمييز، فلا يتميز ما قاله الرسول ﷺ لأمته من أمور دينهم ودنياهم مما افتراه الوضّاعون أو غلط فيه الواهمون أو أخطأ فيه المخطئون، وذلك باطل شرعا لأن ضمان الشرع مكفول من الله تعالى.
ب - لزوم أن يكون الله سبحانه قد أمر بالكذب والعمل بالباطل، لأنه أمر بالعمل بما أخبر به الواحد العدل عن رسول الله ﷺ، فلو كان ذلك يحتمل أن يكون كذبا لزم منه أنه تعالى أمر بذلك وكل ذلك غير صحيح٤.
_________________
(١) ١ سورة الأعراف (٣٣) . ٢ انظر أصول السرخسي١/٣٢٩ وشرح مختصر الروضة٢/١٠٧-١٠٨ ومختصر الصواعق المرسلة ٢/٣٩٥-٣٩٦. ٣ تقدم ذلك في مبحث وجوب العمل بالأدلة القطعية والظاهرة. انظر ص (خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.) . ٤ انظر الإحكام لابن حزم١/١٣٧-١٣٨.
[ ٣١١ ]
جـ- تبدّل الدين وتغيّر سنة الله وتحوّلها، لأن ما علّمه الرسول ﷺ من شرائع الدين وبيان الذكر هو من سنة الله وكلماته، وقد أخبر الله تعالى أنها لا تبدل فقال: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا﴾ ١ وقال: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحْوِيلًا﴾ ٢ وقال: ﴿لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ﴾ ٣.
د- إضلال الخلق، لأنه لو أمر بالعمل بخبر الواحد العدل ثم ثبت كونه كذبا أو خطأ لزم من ذلك ضلال العاملين به، بسبب ما أمروا من العمل به٤.
هـ- عدم تحقيق التبليغ، لأن التبليغ يكون بما تقوم به حجة الله على عباده، والحجة تحصل بما يحصل به العلم، وقد قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ ٥ وقال: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينَ﴾ ٦، وعليه فإما أن يقال إن الرسول ﷺ لم يبلغ إلا القرآن وما رواه عدد التواتر من أخباره، وإما أن يقال إن الحجة والبلاغ حاصلان بما لا يوجب علما ولا يقتضي قطعا ويقينا، وكلاهما باطل٧.
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب (٦٢) . ٢ سورة فاطر (٤٣) . ٣ سورة يونس (٦٤) . ٤ مختصر الصواعق المرسلة٢/٣٦٨، وانظر المسودة ص٢٤٥. ٥ سورة المائدة (٦٧) . ٦ سورة النور (٥٤) ٧ مختصر الصواعق المرسلة ٢/٣٩٦.
[ ٣١٢ ]
ويرد على جميع ما ذكر في هذا الدليل من اللوازم الباطلة شرعا على عدم القول بالقطعية المطلقة أن العمل بالدليل لا يشترط فيه أن يكون الدليل المعمول به قطعيا، فليس كل ما أوجب العمل يوجب العلم القطعي، لأن بعض الأدلة الصالحة للاحتجاج شرعا - كالأقيسة - يجب العمل بها عند جماهير العلماء وقد لا تفيد العلم القطعي١، ومن ذلك أيضا العمل بما ترجح عند المجتهد من وجوه الأدلة المختلفة، فإنه واجب عليه قطعا مع جواز أنه قد لا يقطع به، بل قد يكون خطأ٢، فلا يمكن أن يُستدل بحجية الدليل على قطعيته مطلقا.
على أن كل هذه الأمور يلزم على خبر واحد مقيد كالخبر الذي تلقته الأمة بالقبول، وإلا فلا تلزم هذه الأمور في خبر صححه مستدل وهو غير صحيح عند غيره وقد يكون هو على خطأ.
وسيأتي إن شاء الله تعالى - عند الكلام على القول الثالث - أن أغلب أدلة العلماء من جميع الأقوال تشير إلى أن المفيد للقطع خبر واحد احتف به - زيادة على قيود الحجية (العدالة والاتصال) - قرائن أخرى من تلقٍّ بالقبول أو شهرة رواته أو تعدد طرقه ونحو ذلك٣.
_________________
(١) ١ انظر وجوب العمل بالأدلة القطعية والظاهرة ص (خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.) . ٢ انظر المستصفى٢/١٧٩-١٨٠ في وجوب العمل بالظاهر المحتمل. ٣ انظر ص (٤٦) .
[ ٣١٣ ]
الدليل الرابع: واستدل لهذا القول بما حدث من الوقائع الكثيرة التي قُبِل فيها خبر الواحد، بحيث دل على أنه أفاد العلم القطعي١، حدث ذلك من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ومن الصحابة رضوان الله عليهم، ومن تلك الوقائع:
أ- قبول موسى ﵇ خبر الذي جاءه من أقصى المدينة، قال الله تعالى في ذلك: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ. فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ٢، فقبل خبر الواحد وجزم به هاربا من المدينة خائفا من أن يدركه من أخبره الواحد عن ائتمارهم لقتله.
ب- قبول موسى ﵇ خبر ابنة صاحب مدين، كما ورد في قوله ﷿: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَومِ الظَّالِمِينَ﴾ ٣.
جـ- قبول موسى ﵇ خبر أبيها فيما حكاه الله تعالى من
_________________
(١) ١ انظر ذلك في مختصر الصواعق المرسلة٢/٤٠٣-٤٠٤. ٢ سورة القصص (٢٠،٢١) . ٣ سورة القصص (٢٥) .
[ ٣١٤ ]
قوله: ﴿قَالَ إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمَتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ الآية١.
د- قبول يوسف ﵇ خبر الرسول الذي جاءه من عند الملك، وذلك في قول الله عز من قائل: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّ كَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونَ. يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا﴾ إلى قوله: ﴿قَالَ ارْجِعْ إِلى رَبِكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ الآية٢.
هـ- وقبل النبي ﷺ خبر الآحاد الذين كانوا يخبرونه بنقض المعاهدين له مواثيقهم، فيغزوهم النبي ﷺ بخبر أولئك الآحاد ويستبيح دماءهم وأموالهم وذراريهم.
ومما ورد من ذلك في سيرة النبي ﷺ قصة فتح مكة، فقد روي أن سببه أن بني بكر (حلفاء قريش) أغارت ليلا على خزاعة (حلفاء النبي ﷺ) وأعانهم قريش على ذلك بالسلاح وغيره خلافا لما كان المتفق عليه بينهم وبين النبي ﷺ في صلح الحديبية، فذهب عمرو بن سالم الخزاعي إلى النبي ﷺ يستنجده وأخبره في أبيات بنقض قريش الميثاق وإخلافهم العهد، فقال النبي ﷺ:
_________________
(١) ١ سورة القصص (٢٧-٢٩) . ٢ سورة يوسف (٤٥-٥٠) .
[ ٣١٥ ]
"نُصِرتَ يا عمرو بن سالم"، ثم استعد رسول الله ﷺ لفتح مكة١.
وفي الآثار عن الصحابة:
وقبول أبي طلحة الأنصاري٢ خبر الذي أتاهم بتحريم الخمر، وذلك في حديث أنس بن مالك٣ ﵁ قال: "كنت أسقي أبا عبيدة٤وأبا طلحة وأُبيّ بن كعب٥ من فَضيخ زهو وتمر٦، فجاءهم آت فقال: إن
_________________
(١) ١ انظر البداية والنهاية لابن كثير٤/٢٧٧-٢٧٨ والسيرة النبوية الصحيحة ٢/٤٧٣. ٢ هو زيد بن سهل بن الأسود بن حرام أبو طلحة الأنصاري الخزرجي، زوج أم سليم أمِ أنس ﵃ جميعا، اختلف في وفاته، فقيل توفي سنة (٥٠) أو (٥١) وقيل غير ذلك. انظر الإصابة في تمييز الصحابة للحافظ ابن حجر٣/٢٨-٢٩. ٣ هو أنس بن مالك بن النضر أبو حمزة الأنصاري الخزرجي، خادم رسول الله ﷺ، وأحد المكثرين من الرواية عنه، توفي سنة (٩٠) أو (٩١) هـ. انظر الإصابة للحافظ ابن حجر ١/٧١-٧٣. ٤ هو عامر بن عبد الله بن الجراح، شهرته أبو عبيدة بن الجراح، القرشي الفِهري، أحد السابقين إلى الإسلام لقّبه رسول الله ﷺ أمين هذه الأمة، توفي في طاعون عمواس بالشام سنة (١٨) هـ انظر. الإصابة في تمييز الصحابة ٤/١١-١٣. ٥ هو أبي بن كعب بن قيس بن عبيد أبو المنذر وأبو الفضل الأنصاري النجاري، من أصحاب العقبة الثانية، سيد القراء، شهد بدرا والمشاهد، توفي سنة (٢٠) أو (١٩) أو (٢٢) وقيل غير ذلك. انظر الإصابة في تمييز الصحابة١/١٦-١٧. ٦ الفضيخ: شراب يتخذ من البسر المفضوخ أي المشدوخ، ويطلق الفضيخ على البسر وعلى التمر وعلى الخليط منهما، والزَّهْو: البسر الذي يحمر أو يصفر. انظر النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الجزري٢/٣٢٣ وفتح الباري١٠/٣٨. فالمعنى: أسقيهم شرابا خليطا من بسر وتمر.
[ ٣١٦ ]
الخمر قد حرمت، فقال أبو طلحة: قم يا أنس فاهرقها، فهرقتها"١، فأتلفوا مالهم الذي كان لهم حلالا يقينا بخبر واحد.
ز- بل إن الصحابة أثبتوا بأخبار الآحاد الفروض والشرائع والتحليل والتحريم وجعلوا ذلك دينا يدان به، كما في إثبات أبي بكر الصديق ﵁ ميراث الجدة بخبر محمد بن مسلمة والمغيرة بن شعبة، وذلك فيما روي أن أبا بكر ﵁ لما جاءته الجدة تسأل ميراثها، قال لها: ما لكِ في كتاب الله شيء وما علمت لكِ في سنة نبي الله ﷺ شيئا ثم سأل الناس فأخبره المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة بأن الرسول ﷺ أعطاها السدس فأنفذه لها٢.
وأثبت عمر بن الخطاب٣ ﵁ دية الجنين بخبر حمل بن مالك٤،
_________________
(١) ١ رواه البخاري ومسلم. انظر صحيح البخاري مع فتح الباري١٠/٣٧ وصحيح مسلم ٣/١٥٧٢، وفي رواية مسلم قول أبي طلحة: يا أنس قم إلى هذه الجرة فاكسرها، قال أنس: فقمت إلى مِهْراس لنا فضربتها بأسفله حتى تكسرت. ٢ رواه أبو داود في سننه ٨/١٠٠-١٠١ والترمذي ٨/٢٥١-٢٥٢ وابن ماجه في سننه٢/٩٠٩-٩١٠. قال أبو عبد الله الحاكم في المستدرك٤/٣٣٩: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"وقال الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير٣/٩٥: "وإسناده صحيح لثقة رجاله إلا أن صورته مرسل"، وضعفه الشيخ ناصر الدين الألباني وتعقب الحاكم والذهبي وابن حجر في تصحيحهم للخبر. انظر إرواء الغليل٦/١٢٤-١٢٥ وضعيف سنن ابن ماجه ص٢١٨-٢١٩. لكن عليه العمل وسبق ص (خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.) . ٣ هو عمر بن الخطاب بن نفيل أبو حفص القرشي العدوي، أمير المؤمنين وخليفة خليفة رسول الله ﷺ ورضي عنهما، أحد المحدثين، توفي سنة (٢٣) هـ. انظر الإصابة في تمييز الصحابة ٤/٢٧٩-٢٨٠ وأسد الغابة لابن الأثير الجزري٤/١٤٥-١٨١. ٤ هو حمل بن مالك بن النابغة بن جابر أبو نضلة الهذلي، صحابي عاش إلى خلافة عمر. انظر الإصابة في تمييز الصحابة٢/٣٨-٣٩. وأثر عمر ﵁ فقد أخرجه النسائي ٨/٤٧ وأبو داود ١٢/٣١٤ وابن ماجه ٢/٨٨٢. وصححه الألباني، انظر صحيح سنن ابن ماجه ٢/٩٧. أما حكم دية الجنين فقد رواه مسلم في صحيحه (٣/١٣٠٩) من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا.
[ ٣١٧ ]
وأثبت ميراث المرأة من دية زوجها بخبر الضحاك بن سفيان١ وحده رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وذلك في حديث سعيد بن المسيب٢ قال: "كان عمر يقول: الدية للعاقلة ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئا، حتى قال الضحاك بن سفيان: كتب إليّ رسول الله ﷺ أن ورِّث امرأة أشيم الضبابي٣ من دية زوجها، فرجع عمر"٤.
فكل أولئك لم يرتبوا على تلك الأخبار ما رتبوا من أمور ذات خطر عظيم وهم يجوزون أن تكون تلك الأخبار كذبا٥.
_________________
(١) ١ هو الضحاك بن سفيان بن عوف أبو سعيد الكلابي، قيل كان سيافا للرسول ﷺ قائما على رأسه متوشحا بسيفه. انظر الإصابة في تمييز الصحابة٣/٢٦٧. ٢ هو سعيد بن المسيّب بن حزن أبو محمد القرشي المخزومي، من أفضل التابعين علما وفضلا وهو عند بعض العلماء أفضلهم مطلقا، أحد السبعة الفقهاء في المدينة، جمع بين الحديث والفقه والزهد والعبادة والورع، وفاته بين عام (٩١) وعام (٩٥) . انظر وفيات الأعيان ٢/٣٧٥-٣٧٨ وتهذيب التهذيب ٤/٨٤-٨٨. ٣ هو أَشْيَم الضِبابي، صحابي قتل في عهد النبي ﷺ. انظر الإصابة في تمييز الصحابة ١/٥١-٥٢. ٤ رواه أبو داود ٨/١٤٤-١٤٥ والترمذي ٤/٤٢٥-٤٢٦ وقال: "حديث حسن صحيح". وصححه الشيخ ناصر الدين الألباني، انظر صحيح سنن أبي داود ٢/٥٦٥. ٥ انظر مختصر الصواعق المرسلة٢/٤٠٤.
[ ٣١٨ ]
ويرد على وجه الاستدلال بما سبق على أن خبر الواحد يفيد مطلقا العلم القطعي أمور:
منها: أن ما نقل هو عملهم بخبر الواحد، ووجوب العمل بخبر الواحد ليس هو محل النزاع هنا، لأن الراجح أن خبر الواحد إذا صح بنقل العدول والاتصال لزم العمل به، مهما كان الحكم الذي يفيده قد بلغ من الخطورة والعظم، سواء أفاد القطع عند المستدل أم لم يفد، كيف ويجوز إثبات الحدود التي فيها القطع وهتك العرض - بالقياس عند كثير من العلماء١ مع أن القياس قد لا يقطع به.
ومنها: أنه ليس فيما نقل من الوقائع ما يدل على أن الذين عملوا بتلك الأخبار قد قطعوا بمدلولها، بل قد يكون ذلك جاريا على ما استقر في العادة من وجوب العمل بالظواهر في المعاملات والأقضية عند اعتقاد الرجحان من دون قطع.
ومنها: أنه ليس في تلك الوقائع أنه لم يكن مع الأخبار التي فيها قرائن القطعية.
فما يفيده هذا الدليل هو حجية خبر الواحد ولزوم العمل بما يفيده مهما كان من العظم، وليس يلزم إذا عمل بالخبر في أمر عظيم أن يكون العامل به قد
_________________
(١) ١ انظر العدة٤/١٤٠٩ المحصول٥/٣٤٩-٣٥٠. وهو خلاف مذهب الحنفية، انظر التحرير مع التيسير٤/١٠٣.
[ ٣١٩ ]
قطع بمدلوله وحصل عنده يقين جازم بمغيبه. والله تعالى أعلم.
القول الثالث: أن خبر الواحد الواجب العمل به في الشرع قد يفيد العلم القطعي إذا احتف به قرائن القطعية، وذلك كتلقي الأمة له بالقبول والعمل وكون رواته من المجمع على عدالتهم ورجوع الخبر في معناه إلى القرآن الكريم، ونحو ذلك من المعززات للخبر في سنده ونقَلَته أو في معناه ومتنه، فكل ذلك لا يزال يُبعد احتمال الكذب والنسيان ونحوهما عن رواته ويُقصي احتمال الوهم والخطأ ونحوهما في متنه ومعناه بما يعزز ثبوته حتى تستقر في مثل هذا الخبر القطعية عند المطلع على ذلك ويتيقن نفي كل احتمال في ثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم١.
رجوع أقوال العلماء إلى القول الثالث:
وهذا القول هو الذي يرجع إليه - بعد التحقيق - قول أكثر العلماء، يستفاد ذلك ليس من إطلاقاتهم فقط ولكن منها ومن استدلالاتهم وردودهم وأجوبتهم عند المناقشة، ولكي يتبين هذا التحقيق ينبغي توضيح أمرين: تحقيق المراد بالقرائن ههنا، ثم أن مذهب أكثر العلماء راجع إلى الإقرار بهذا القول على الجملة.
_________________
(١) ١ وهذا هو النوع المقيد من نوعي القطعية أي الذي قد لا يقطع به بعض المستدلين الناظرين في الدليل بسبب أن القطعية نتيجة قرائنها الزائدة عن حد الحجية في الدليل.
[ ٣٢٠ ]
الأمر الأول: قرائن القطعية في كل دليل تكون من جنس ما يجعل ذلك الدليل أقوى في الثبوت أو في الدلالة، وليس كل ما يفرض من قرائن يمكن أن يقوّي كل دليل، فليست قوة إسناد القياس إلى المجتهد القائس بمقوٍّ له، وإنما الذي يقويه هو ما من شأنه أن يقوي ثبوت كون الوصف علةَ الأصل أو يقوي وجودها في الفرع.
والمراد بقرائن القطعية في خبر الواحد هنا كل ما من شأنه أن يقَوّي الخبر في ثبوته وينفي عنه احتمالات النسيان والخطأ والوهم أو الكذب مما ليس لازما للخبر المقبول شرعا كالعدالة والاتصال، فتكون قرينة القطعية هنا أخص من مطلق القرائن التي يمكن احتفافها بالدليل١، بل وأخص من مطلق القرائن التي يمكن أن تحتف بمطلق خبر الواحد، لأن المراد هنا خبرُ واحدٍ عن رسول الله ﷺ، فالقرائن هنا ما كان من قبيل الأمور المتعلقة برجال السند من قوة أو كثرة والأمور المتعلقة بما يعزز الحكم الذي أفاده الخبر كأن يوجد في معناه آية أو خبر آخر.
وجعل الحافظ ابن حجر - ﵀ - الخبر المحتف بالقرائن راجعا إلى ثلاثة أنواع:
النوع الأول: خبر الصحيحين أي صحيح الإمام أبي عبد الله
_________________
(١) ١ انظر الكلام على القرائن مطلقا ص (خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.) .
[ ٣٢١ ]
البخاري١ وصحيح الإمام مسلم بن الحجاج٢رحمهما الله، وذلك لما لكتابيهما من مزايا وخصائص عند المسلمين.
النوع الثاني: خبر دون المتواتر له طرق متعددة مشهورة.
النوع الثالث: خبر تسلسل في روايته الأئمة الحفاظ المتقنين وتعاقب في نقله من المشهود لهم بالأمانة والورع والتقوى والفضل والحفظ والإتقان.
ثم نبه الحافظ على أن تلك القرائن لو اجتمعت في خبرٍ واحد فإن ذلك يضفي عليه من القوة ما قد يُسرع كثير ممن وقف عليها إلى القطع بذلك الخبر٣.
هذا، ويقع التمثيل في كثير من كتب الأصول ببعض أنواع القرائن التي تحتف بالخبر: مثل خروج والد الذي أَخبر العدل عن وفاته حاسرَ الرأس حافي القدمين وما يتلو ذلك من مشاهدَ غيرِ معتادة في نفسه وحشمه٤،
_________________
(١) ١ هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم أبو عبد الله البخاري، من أئمة الإسلام في حفظ الحديث وإتقانه، صنف الجامع الصحيح (صحيح البخاري)، ومن تصانيفه: (التاريخ) و(الضعفاء)، و(خلق أفعال العباد)، و(الأدب المفرد)، توفي سنة (٢٥٦) هـ. انظر وفيات الأعيان ٤/١٨٨-١٩١، وتذكرة الحفاظ للذهبي ٢/٥٥٥-٥٥٦، والأعلام٦/٢٥٨-٢٥٩. ٢ هو مسلم بن الحجاج بن مسلم أبو الحسين القشيري النيسابوري، من أئمة الإسلام في حفظ الحديث وإتقانه، من تصانيفه: صحيحه، والعلل، وغيرهما، توفي سنة (٢٦٠) هـ. انظر وفيات الأعيان لابن خلكان ٥/١٩٤-١٩٥ وتذكرة الحفاظ للذهبي٢/٥٨٨-٥٩٠. ٣ انظر نزهة النظر ص٧٦-٧٨. ٤ انظر المستصفى ٢/١٤٥ وإحكام الأحكام للآمدي ١/٢٧٨-٢٧٩.
[ ٣٢٢ ]
ونحو ذلك من القرائن.
والظاهر أن المقصود من ذلك تقريب صورة قرائن القطعية في الخبر، وإلا فلا يظهر كيف يمكن أن تحتف عين هذه القرائن أو مثلها بخبر الواحد العدل المتصل إلى رسول الله ﷺ.
فتطريق الاحتمالات إلى مثل هذه القرائن التي وقع التمثيل بها بذكر أمور قد تقع في بعض الأزمان المتأخرة وفي شئون هذه الدنيا حيث الأطماع والأغراض لا ينفي ذلك كون قرائن القطعية في خبر الواحد الذي هو من الأدلة الشرعية التي يثبت بها الحلال والحرام مفيدةً العلم القطعي لمن وفّقه الله للوقوف عليها وأنار قلبه لاستنباط اليقين منها١.
_________________
(١) ١ وذكر الدكتور محمد حسن هيتو في كتابه الوجيز في أصول التشريع (ص٣١٥) أنه كان يؤيد القول بقطعية الخبر مع القرائن لكنه رجع عن ذلك، وعلل رجوعه عن ذلك بأن "وقائع الحياة التي نراها أصبحت تشكك الإنسان في كثير من مثل هذه المظاهر"، ثم استشهد على ذلك بما يجري اليوم في العالم من تمويهات وكذب تحف بها القرائن الموهمة الصدق عمدا، وانتهى قائلا: "لا أريد أن أنفي احتمال حصول العلم به فالاحتمال وارد إلا أن نطاقه ضيق جدا ويكاد يكون محالا والأصل عدمه". وهذا إن كان الكلام فيه في مطلق الخبر في كل عصر فلا يبعد أن يكون له وجه، ولكن الظاهر أنه لا يَرِد فيما فيه البحث هنا لأن الكلام في هذا البحث عن الخبر الذي هو دليل شرعي وهو خبر العدل عن مثله متصلا إلى النبي ﷺ في البشارة والنذارة والحلال والحرام والأمر والنهي فلا يظهر كيف يؤثر في مثل هذا الخبر وقرائنه الخاصة به ما يجري اليوم من وقائع التضليل والكذب وإن لم يأل واضعوها جهدا في تصنيع القرائن الكثيرة لتعزيزها، فهذا غير ذاك. والله تعالى اعلم.
[ ٣٢٣ ]
الأمر الثاني: ويبين أن هذا القول الوسط هو الذي يرجع إليه قول كثير من العلماء أمور منها:
أولا: أنه قد تجد أحدهم عند الكلام على المسألة المعقودة لقطعية خبر الواحد يوحي كلامه بالنفي المطلق، ثم تجده في مواضع أخرى يذهب إلى أن خبر الواحد يفيد العلم القطعي إذا تلقته الأمة بالقبول أو كان بحضرة جماعة كثيرة لم ينكروا سماعه ممن ادعى سماعه منه أو نحو ذلك مما قد لا يسميها قرينة، مع أن كل ذلك أمور زائدة على مطلق خبر الواحد، فهي داخلة في المراد بالقرائن ههنا١.
ثانيا: أنه قد ينفي أحدهم قطعية خبر الواحد مع قرائن معينة من غير أن يدل كلامه على نفي أصل قطعية خبر الواحد مع القرائن٢، لذا قال القرافي لما أورد اعتراضا على قطعية خبر الواحد بوقوع قرائن كثيرة مع أخبار لم تفيد القطع: "إنا نمنع أن الحاصل من تلك الصور علم بل اعتقاد، ونحن لا ندعي أن القرائن تفيد العلم في جميع الصور بل في بعضها"٣.
_________________
(١) ١ انظر مثلا العدة لأبي يعلى٣/٩٠٤ ثم ٣/٨٩٨، وإحكام الفصول للباجي ص٣٢٣-٣٢٤ ثم ٣٣٠، وشرح اللمع للشيرازي٢/٥٧٩-٥٨٠، والوصول إلى الأصول لابن برهان ٢/١٧٤ ثم ٢/٩٠، ١٥٠. ٢ انظر إحكام الفصول للباجي ص٢٣٦ والتمهيد لأبي الخطاب٣/٧٩-٨٠ والوصول لابن برهان ٢/١٧٤. ٣ شرح تنقيح الفصول ص٣٥٥.
[ ٣٢٤ ]
ثالثا: أنه تجد أحدهم قد توهم عباراته بالإثبات المطلق في مواضع ثم تجده في مواضع أخرى يبين أن سبب القطعية بعض الأمور التي خفيت على من نفى القطعية، ولا يمكن أن تكون تلك الأمور إلا زائدة على مطلق خبر الواحد الحجة.
فهذا ابن القيم لما استدل بقصة قباء على قطعية خبر الواحد قال: "وغاية ما يقال أنه خبر اقترنته قرينة ومعلوم أن قرينة تلقي الأمة له بالقبول وروايته قرنا بعد قرن من غير نكير من أقوى القرائن وأظهرها، فأي قرينة فرضتها كانت تلك أقوى منها"١، بل جاء مصرحا في مختصر الصواعق المرسلة أن الكلام في هذه المسألة "في الخبر الذي تلقته الأمة بالقبول وعملت بموجبه وأثبتت به صفات الرب وأفعاله"٢.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والصحيح أن خبر الواحد قد يفيد العلم إذا احتف به قرائن تفيد العلم ولهذا كان أكثر متون الصحيحين مما يَعلم علماء الحديث علما قطعيا أن النبي ﷺ قاله تارة لتواتره وتارة لتلقي الأمة له بالقبول وتارة يكون علم أحدهم لقرائن تحتف بالأخبار توجب
_________________
(١) ١ مختصر الصواعق المرسلة٢/٣٩٤. ٢ المرجع السابق٢/٣٦٨، وذكر في موضع آخر قرائن القطعية في الخبر وأنها راجعة في الجملة إلى الأمور المتصلة بالمخبِر والمحبَر عنه والمخبَر به والمخبرَ المبلَّغ. انظر ذلك مع التفصيل في مختصر الصواعق المرسلة ٢/٣٧٧-٣٨٠.
[ ٣٢٥ ]
لهم العلم، ومَن عَلِم ما علموا حصل له من العلم ما حصل لهم"١.
فتعليق القطعية في خبر الواحد بأمور اطلع عليها القاطع بالخبر وجهلها من لم يقطع به - دليل على أن القطعية ليست مطلقة، بل سببها تلك الأمور وهي قرائن القطعية في خبر الواحد بمعناها المناسب هنا.
وبهذا النظر خرّج القاضي أبو يعلى الفراء قول الإمام أحمد بن حنبل في المسألة فحمله على أن مراده بالخبر القطعي خبرٌ نقله آحاد الأئمة المتفق على عدالتهم وثِقَتهم وتلقته الأمة بالقبول٢.
وبه أيضا ذهب الشيخ أبو عمرو بن الصلاح إلى أن ما أسنده البخاري ومسلم في صحيحيهما يفيد العلم القطعي، "لأن ظن من هو معصوم من الخطأ لا يخطئ، والأمة في إجماعها معصومة من الخطأ"٣.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ١٨/٤٠-٤١، وانظر ما ذكره الشيخ أحمد شاكر في الباحث الحثيث ص٣٤. ٢ انظر العدة٣/٩٠٠-٩٠١، وانظر شرح مختصر الروضة٢/١٠٣-١٠٤. ٣ مقدمة ابن الصلاح ص١٠١، وقال ابن الصلاح في موضع آخر (المقدمة/٧٩): "إذا وجدنا فيما يروى من أجزاء الحديث وغيرها حديثا صحيح الإسناد ولم نجده في أحد الصحيحين ولا منصوصا على صحته في شيء من مصنفات أئمة الحديث المعتمدة المشهورة - فإنا لا نتجاسر على جزم الحكم بصحته فقد تعذر في هذه الأعصار الاستقلال بإدراك الصحيح بمجرد اعتبار الأسانيد". فهذا يبين أن القطعية في خبر الواحد هي بأمور زائدة على مجرد ما هو المعتبر في الحجية من الصحة المستندة إلى ظاهر الإسناد، وذلك ما يحتف به من قرائن القطعية كأن يريه الأئمة الأعلام ويتلقوه بالقبول أونحو ذلك. وذكر الزركشي أن الأستاذ أبا إسحاق الإسفرائيبي سبق ابن الصلاح إلى القول بقطعية خبر الصحيحين، انظر سلاسل الذهب/٤٢٠-٤٢١.
[ ٣٢٦ ]
وبه رَدَّ النووي ما ذكره ابن الصلاح وخالفه، لأنه لم ير قرينة رواية الشيخين للحديث بالغة قدرا يفيد مع الخبر العلم القطعي، لذا قال معقبا على ما ذكره: "ولا يلزم من إجماع الأمة على العمل بما فيهما إجماعهم على أنه مقطوع بأنه كلام النبي ﷺ"١.
وبه صحَّح الحافظ ابن حجر وغيره مذهب ابن الصلاح وردّ ما ذكره النووي بأنهم إذا أجمعوا على العمل به ولم يكن صحيحا كانوا قد أجمعوا على العمل بالباطل، وذلك غير ممكن٢.
فكل ذلك من باب الخلاف في قرينة معينة هل هي من قرائن القطعية أم لا؟
رابعا: أن الحافظ ابن حجر جعل الخلاف في قطعية خبر الواحد لفظيا، بناء على أن العلم الذي أثبته القائل بالقطعية ليس هو العلم الذي نفاه غيره فلم يتوارد النفي والإثبات على محل واحد، وذلك أن المثبت في رأي الحافظ أثبت علما نظريا حاصلا عن استدلال والنافي نفى علما قطعيا٣، لذا
_________________
(١) ١ شرح مسلم للنووي١/١٩-٢٠. ٢ انظر النكت على ابن الصلاح لابن حجر١/٣٧٨، وانظر تأييد ابن كثير لابن الصلاح في اختصار علوم الحديث مع الباعث الحثيث ص٣٣. ٣ انظر نزهة النظر ص٧٣.
[ ٣٢٧ ]
فهو يفرق في العبارة بين أن يقال: إن خبر الواحد يفيد العلم النظري وبين أن يقال: إنه يفيد العلم اليقيني القطعي، وذكر أن خبر الصحيحين يفيد الأول دون الثاني لأن خبرهما يقبل الترجيح قال: "فلو كان الجميع مقطوعا به ما بقي للترجيح مسلك"١.
وهذا - وإن كان قد لا يُسلم أن الخلاف لفظي٢ - يدل على أن أقوال العلماء في هذه المسألة تتقارب، إذا حقق النظر في حقيقة كل قول.
خامسا: أن القول بأن خبر الواحد قد يفيد العلم مع القرائن في الجملة هو اختيار طائفة من مشاهير علماء أصول الفقه من المتكلمين وغيرهم،
_________________
(١) ١ النكت١/٣٧٩. ٢ قال الزركشي في البحر المحيط٤/٢٦٦ منبها بعد مسألة قطعية خبر الواحد: "زعم جماعة أن الخلاف في هذه المسألة لفظي، وليس كذلك بل هو معنوي"، ثم ذكر للخلاف فيها فائدتين: أولاهما أنه على القول بالقطعية يكفر جاحد خبر الواحد ولا يكفر على القول الآخر، والأخرى أنه على القول بعدم القطعية لا يقبل خبر الواحد في أصول الديانات ويقبل فيها على القول بالقطعية. انتهى قول الزركشي. أما التكفير فإن من يرى أن قطعية خبر الواحد ليس من النوع الذي يجب أن يشترك جميع المجتهدين فيه لانبنائها على القرائن التي ربما خفيت على بعضهم لم يكفر جاحد الخبر على ذلك، على أن التكفير لا بد فيه من إقامة الحجة والبيان وذلك أمر زائد على مجرد القطعية. انظر الكلام على التكفير ص (خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.) . وأما الفائدة الثانية فإنها مبنية على أن (أصول الدين) لا يستدل فيها إلا بالقطعي، وقد سبق ما في ذلك وأنه غير مسلم، انظر مبحث قطعية أصول الفقه ص (خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.) .
[ ٣٢٨ ]
منهم الجويني١ والغزالي٢ والرازي٣ والآمدي٤ وغيرهم٥، وذكر الزركشي أن قطعية خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول هو قول كثير من الأصوليين٦.
وقد يرد لأولئك عبارات تشير إلى خلاف ما سبق عنهم، وذلك محمول إما على الخلاف في قرائن معينة وإما على الوفاق في أصل المسألة مع عدم القول بالوقوع لقلة التجربة.
فمن ذلك أن الغزالي قال مشيرا إلى المسألة: "أما إذا اجتمعت قرائن فلا يبعد أن تبلغ القرائن مبلغا لا يبقى بينها وبين إثارة العلم إلا قرينة واحدة ويقوم إخبار الواحد مقام تلك القرائن" قال ﵀: "فهذا مما لا يُعرف استحالته ولا يُقطع بوقوعه فإن وقوعه إنما يعُلم بالتجربة ونحن لم نُجَرِّبه٧،
_________________
(١) ١ انظر البرهان١/٣٧٣-٣٧٤. ٢ انظر المستصفى٢/١٤٥. ٣ انظر المحصول٤/٢٨٤. ٤ انظر الإحكام في أصول الأحكام٢/٣٧٤، وانظر نسبة القول بالقطعية مع القرائن إليهم في البحر المحيط٤/٢٧٤ والنكت على مقدمة ابن الصلاح لابن حجر١/٣٧٧. ٥ انظر الوصول إلى الأصول لابن برهان٢/٩٠-١٥٠ وشرح تنقيح الفصول/٣٥٥ وشرح العضد على مختصر ابن الحاجب٢/٥٥-٥٦ وشرح مختصر الروضة٢/١٠٨ والتحرير لابن الهمام مع التقرير والتحبير لابن أمير الحاج٢/٢٦٨. ٦ انظر البحر المحيط٤/٢٤٤. ٧ ومن هنا يتبين الفرق في هذه المسألة بين المشتغل بالأحاديث المتضلع في النظر في طرق الرواية والشواهد والمتابعات وبين من قلّت بضاعته في ذلك، وفي قول الغزالي - ﵀ - من الإنصاف إشارة عظيمة.
[ ٣٢٩ ]
ولكن قد جربنا كثيرا مما اعتقدنا جزما بقول الواحد مع قرائن أحواله ثم انكشف أنه كان تلبيسا"١.
ومن ذلك أن عبد العلي الأنصاري٢ استَبْعَد تحققَ قرائن القطعية في خبر الواحد مع التسليم بجواز احتفاف قرائن القطع به، فقال في بيان أنواع القرائن التي يمكن أن تحتف بالخبر: " وإن كانت القرائن قرائن صدق المخبر فإن كانت دالة عليه قطعا فإذا أخبر مع وجود تلك القرائن حصل القطع بصدق الخبر وتحقق مضمونه قطعا"قال: "لكن الكلام في تحقق مثل هذه القرائن في غير المعصوم وأهل الإجماع، فإنه لم يدل دليل على تحققها في مادة من المواد فلا بد من إثبات تحققها، ودونه خرط القتاد"٣.
_________________
(١) ١ المستصفى٢/١٤٦-١٤٧، وللخبر عن الرسول ﷺ خاصية ليست لخبر الناس عن بعضهم. ٢ هو عبد العلي بن نظام الدين بن قطب الدين، الأنصاري السهالوي اللكنوي، لقِّب ببحر العلوم وملك العلماء، فقيه أصولي متكلم، من تصانيفه: فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت، والأركان الأربعة في الفقه، وحواشي على شرح المواقف، وشرح سلم العلوم مع المنهيات، توفي سنة ١٢٢٥ هـ. انظر نزهة الخواطر وبهجة المسامع والمناظر للشريف عبد الحي الحسني ٧/٢٨٢-٢٨٧. ٣ فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت٢/١٢٢. وقوله: "دونه خرط القتاد"من الأمثال العربية يضرب به للأمر الذي دون تحققه مانع. و(الخَرْط) قشر الورق وحتّه وهو أن تقبض على أعلاه ثم تمر يدك عليه إلى أسفله، وأما (القَتاد) فشجر له شوكة حجناء (أي معقوفة الرأس) وقصيرة. (انظر المحكم لابن سِيده٦/١٨٢ (في معنى القتاد)، والصحاح للجوهري٣/١١٢٢ (في معنى الخرط)، وانظر المثل في مجمع الأمثال للنيسابوري الميداني١/٢٦٥. ووجه المثل: أن القتاد دون خرطه مانع الشوك المعقوف، وكذا ما ادُّعِي هنا من المنع من تحقق القطعية في خبر الواحد، والجواب أن غاية ما في ذلك المطالبة، وقد قطع الحفاظ وأئمة الحديث بما لم يقطع به غيرهم كما تبين في هذا المبحث. ومن اللطائف في هذا المثل أن شيخ الإسلام ابن تيمية ذكر هذا المثل نفسه في معرض الرد على دعوى عدم قطعية الدليل السمعي مطلقا فقال: "لكن كون السمعي لا يكون قطعيا دونه خرط القتاد" (درء تعارض العقل والنقل١/٨٠)، فوقع المثل في كلام الذي يستبعد وقوع القطعية مطلقا في خبر الواحد والذي يستبعد نفي القطعية مطلقا عن الأدلة السمعية.
[ ٣٣٠ ]
فتبين أن أصل جواز أن يكون مع الخبر قرائن القطعية مسلم عند كثير من العلماء، وإن كانوا ربما نفوا القطعية مع قرائن معينة أو مثلوا ببعض القرائن التي يمكن احتفافها بمطلق الخبر لا خبر الواحد العدل بحديث رسول الله ﷺ أو استبعدوا اجتماع قرائن القطعية لانتفاء التجربة.
أدلة القول الثالث:
الدليل الأول: أن مجرد الخبر قد يفيد العلم بدون قرائن وذلك عند كثرة المخبرين كما في الخبر المتواتر، والقرائن المجردة قد يفيد العلم أيضا وإن لم يكن معها خبر، وذلك كما إذا رأينا شخصا يكثر من النظر إلى آخر مستحسَن فإنا نظن حبه له، فإذا اقترن بذلك ملازمته له زاد الظن، ولا يزال الظن يتزايد بزيادة خدمته له وبذل ماله له وتغير حاله بسببه إلى غير ذلك من
[ ٣٣١ ]
القرائن حتى يحصل العلم بحبِّه، كما في تزايد الظن في أخبار الآحاد حتى يصير تواترا"، فلا يبعد أن تنضم القرائن إلى الأخبار فيعزز بعضها بعضا وتقوم بعض القرائن مقام بعض المخبرين فيكون كالكثرة في الأخبار.
ومن ذلك أيضا أنه قد يخبر عدد من المخبرين عن موت ولد ولا يحصل العلم بصدقهم "لكن إذا انضم إلى خبرهم خروج والد المخبَر عن موته من الدار حاسر الرأس حافي الرجل ممزق الثوب مضطرب الحال يصفق وجهه ورأسه وهو رجل كبير ذو منصب ومروءة لا يخالف عادته ومروءته إلا عن ضرورة - فيجوز أن يكون هذا قرينة تنضم إلى قول أولئك فتقوم في التأثير مقام بقية العدد".
كما أن القرائن قد تكون من الكثرة قد بلغت حدا لم يبق بينها وبين إفادتها العلم القطعي إلا قرينة واحدة فيقوم إخبار الواحد مقام تلك القرينة١.
الدليل الثاني: الوقوع أي أنه قد وقع العلم بالخبر المحتف بالقرائن:
- وأشرف ما وقع من ذلك وألصقها بالمسألة حصول العلم القطعي ببعض الأحاديث غير المتواترة لأهل الحديث وغيرهم ممن اطلع على ما اطلعوا من القرائن التي ترجع إلى طرق الحديث وعددها ورواته
_________________
(١) ١ انظر المستصفى٢/١٤٥ والإحكام في أصول الأحكام للآمدي١-٢/٢٧٨-٢٧٩.
[ ٣٣٢ ]
واختلاف مخارجه وموقف العلماء قاطبة من الخبر ونحو ذلك١.
- ومن ذلك أيضا إذا أخبر واحد مع كمال عقله وحسه بحياة نفسه وكراهيته الألم وهو في أرغد عيشه نافذ الأمر قائم الجاه - أنه قتل من يكافئه عمدا وعدوانا بآلة يقتل مثلها غالبا من غير شبهة له في قتله ولا مانع له من القصاص، كان خبره مع هذه القرائن موجبا صدقه عادة٢.
- ومن ذلك أنه قد يعلم كون الشخص خجلا أو وجلا بقرائن تكون عليه٣.
- ومن ذلك أن المريض قد يخبر عن ألم في بعض أعضائه مع أنه يصبح وتُرى عليه علامات ذلك الألم ثم إن الطبيب يعالجه بعلاج لو لم يكن صادقا في قوله لكان ذلك العلاج قاتلا له، فيحصل العلم بصدقه في خبره عن الألم في عضوه٤.
الدليل الثالث: أن مدار نفي القطعية في الخبر على احتمال الخطأ أو الوهم أو الكذب في المخبِر لعدم عصمته، والقرائن التي تحتف بالخبر تؤثر في إزالة هذا الاحتمال ورفعه حتى يصبح احتمال كذب المخبِر العدل مع تلك
_________________
(١) ١ انظر مختصر الصواعق المرسلة لابن القيم ٢/٣٥٧، وقد سبق الكلام على ذلك في مواضع كثيرة من هذا المبحث. ٢ انظر الإحكام للآمدي ٢/٢٧٩. ٣ انظر البرهان للجويني١/٣٧٣ والمحصول للرازي٤/٢٨٤. ٤ انظر المحصول كما سبق.
[ ٣٣٣ ]
القرائن بعيدا مطرحا قريبا من احتمال كذب الرسل صلوات الله وسلامه عليهم فيما أخبروا١.
الدليل الرابع: أن هناك قرائن معينة لا يمكن أن تكون كذبا حتى لو انفردت، فكيف إذا كانت مع خبر الواحد العدل المتصل إلى رسول الله ﷺ، مثل تلقي الأمة للخبر بالقبول والعمل فإن ذلك لا يكون إلا حقا، لأنهم وإن استند كل واحد إلى ظن فباجتماعهم يتقوّى ظنهم٢.
الراجح:
بعد ذكر الأقوال وأدلتها وما أمكن من إيراد الاعتراض على بعضها يظهر - والله أعلم - أن الراجح في هذه المسألة هو القول الثالث، وهو أن خبر الواحد العدل المتصل إلى الرسول ﷺ قد يفيد العلم القطعي إذا احتفت به من قرائن القطعية قدر يكفي الناظر في الخبر وتلك القرائن من القطع واليقين بأن الرسول ﷺ قد قاله وأن نقلة الخبر لم يهموا ولا نسوا فيه، بل أدَّوْه كما سمعوا كلٌ ممن نقل عنه إلى النبي ﷺ.
ولا يلزم أن يكون مثل هذا القطع حاصلا لكل أحد سمع الخبر مجردا
_________________
(١) ١ انظر مختصر الصواعق المرسلة٢/٣٥٩،٤٠٩. ٢ انظر مجموع فتاوى ابن تيمية١٨/٤٤-٤٥ ومقدمة ابن الصلاح ص١٠١. وانظر مختصر الصواعق المرسلة ٢/٣٣٤ والموافقات للشاطبي ٣/١٦-١٧ فقد ذكرا طرفا من القرائن المقوية.
[ ٣٣٤ ]
من قرائن القطعية أو وقف منها على قدر لا يكفيه في القطع بالخبر واليقين، فلا عليه عندئذ أن يكتفي باعتقاد الرجحان والظن الغالب الموجب للحجية ووجوب العمل، فإن العلم في مثل هذا منة من الله وفضل، وقد أوجب جلت حكمته العملَ بما دون ذلك.
فالقطعية في خبر الواحد من القطعية المقيدة التي لا يلزم اطرادها لجميع من وقف على الدليل، ذلك أن سبب القطعية ليس الخبر وحده حتى يكفي مجرد سماع الخبر المحتج به في أن يقطع السامع، بل سببها الخبر مع قرائن القطعية التي يحتاج الناظر للاطلاع عليها إلى جهد واستقراء وبحث عن الرجال والطرق والشواهد.
ولا مجال هنا للعقل المجرد عن شهادة الواقع أو الشرع ليطرّق إلى القطعية من هذا النوع الاحتمالات العقلية التي لا تشهد لها العادة بالوقوع
_________________
(١) ١، لأن القطعية التي تسببها القرائن هنا من القطعيات العادية. والذي يؤيد هذا القول أمور: منها: أنه المذهب الذي تجتمع عنده الأدلة وتنتظم في نظامه الشواهد، فأقرب دليل على نفي القطعية أن العصمة منتفية عن رواة الأخبار، ومع انتفاء العصمة يرد احتمال الخطأ والكذب حتما، ومع وروده يرتفع القطع واليقين. ١ وذكر الزركشي في البحر المحيط ٤/٢٤١ أن قطعية المتواتر عادية، وانظر أثر الاحتمال في القطعية ص (خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.) .
[ ٣٣٥ ]
فيقال: إن ذلك احتمال عقلي في مطلق الخبر الذي يرويه مطلق العدل، أما إذا كان المراد خبر الواحد عن الرسول ﷺ وصحب ذلك الاطلاع على خاصة الرواة وأحوالهم وسِيَرهم وما كانوا عليه من الصلاح والضبط والإتقان والحفظ وعزّز ذلك ورود الخبر من طرق أخرى مع تلقي الأمة له بالعمل فإن ذلك يرفع الاحتمالات ويتركها ضعيفة بعيدة في ضعف أوائل الإمكان، فلا يصيب هذا الدليل القول بقطعية خبر الواحد مع قرائنها، لوروده على خبر مطلق غير محفوف بقرائن.
ومن أقرب أدلة القول بالإثبات المطلق: أن الخبر المقبول شرعا الذي يجب العمل به إذا احتمل أن يكون كذبا أو وهما لزم من ذلك ضياع الحفظ المضمون للذكر وبيانه وكان تقولا على الله بغير علم.
فيقال: إن تلك اللوازم لا تلزم على مجرد خبر الواحد، بل على خبر واحد تعزز بتلقي الأمة له بالقبول والعمل به، وذلك خبر واحد مع قرينة التلقي بالقبول.
ومنها: أن هذا القول هو الذي يرجع إليه قول كثير من العلماء، إذا اعتبر بلواحق كلامهم وقرائنه وسوابقه والله تعالى أعلم.
أثر اختلاف منهج البحث في المسألة:
ويبقى هنا التنبيه على أمر قد يكون من سبب انتشار الخلاف في هذه المسألة، وهو أنه ربما تكون المسألة مبنية على اختلاف في منهج البحث في
[ ٣٣٦ ]
قواعد الأدلة الشرعية:
وهو أن نفي قطعية خبر الواحد مبني على النظرة التجريدية إلى أصول الفقه وأدلته عند تأصيل القواعد المتعلقة بتلك الأصول والأدلة، وإثبات القطعية ربما كان مبناه النظرة الشاملة للأدلة وأصول الفقه عند تأصيل قواعد الأدلة، أي النظر في القرائن واستقراء ملابسات الدليل أو القاعدة والنظر إلى جميع ما من شأنه أن يبين ذلك من الجزئيات والمقاصد الشرعية.
والنظر الأول هو الغالب في كتابات المتكلمين ومن نهج طريقتهم في أصول الفقه، فيكثر عندهم نفي القطعية ويعنون بذلك مطلق خبر واحد عدل، بل ربما أُخِذ من كلام بعضهم أنه ينازع في مطلق خبر واحد عدل أو فاسق١.
والنظر الثاني هو نظرة من يأخذ في الاعتبار شواهد الدليل ويستقرئ قرائنه عند الكلام عليه، ومحققو المحدثين - ممن ينظر في الشواهد والمتابعات٢ وأحوال السند والطرق المختلفة للأخبار - يقفون على القرائن الكثيرة المعززة للخبر، فيكثر عندهم القول بقطعية خبر الواحد ويعنون به خبرَ واحدٍ احتف به قرائن اطلعوا عليها٣، وهذا النظر من أهم خصائص منهج الإمام
_________________
(١) ١ انظر تحرير محل النزاع في مطلع هذا المبحث. ٢ قال الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح في الاعتبار والشواهد والمتابعات: "هذه أمور يتداولونها في نظرهم في حال الحديث هل تفرد به راويه أو لا وهل هو معروف أو لا؟ ". مقدمة ابن الصلاح ص١٨٢، وانظر دليل أرباب الفلاح للشيخ حافظ الحكمي ص١٧-١٨. ٣ والتقييد بالتحقيق في علم الحديث لأن من ينظر في الأحاديث قد يقع في خطأ آخر وهو القطع بخبر لم تحتف به قرائن القطعية، فهو يقطع اعتمادا على ظاهره فقط دون التحقيق، والقطع بدليل دون موجبه خطأ. وأشار شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - في مجموع الفتاوى (١٣/٣٥٢-٣٥٤) إلى طرفي الناس الواقعين في الخطأ في هذا قائلا: "والناس في هذا الباب طرفان: طرف من أهل الكلام ونحوهم ممن هو بعيد عن معرفة الحديث وأهله لا يميز بين الصحيح والضعيف فيشك في صحة أحاديث أو في القطع بها مع كونها معلومة مقطوعا بها عند أهل العلم به، وطرف آخر ممن يدعي اتباع الحديث والعمل به كلما وجد لفظًا في حديث قد رواه ثقة أو رأى حديثا بإسناد ظاهره الصحة يريد أن يجعل ذلك من جنس ما جزم به أهل العلم بصحته حتى إذا عارض الصحيح المعروف أخذ يتكلف له التأويلات الباردة أو يجعله دليلا في مسائل العلم، مع أن أهل العلم بالحديث يعرفون أن مثل هذا غلط". فدل ما ذكره - ﵀ - في الطرف الثاني أنه لا يجوز القطع بأخبار لم تحتف بها قرائن تفيد القطع في الأخبار ولا جعلها في مصاف الأحاديث القطعية المجزوم بحقيقة الأمر فيها وإنما الواجب فيها اعتقاد الظاهر منها دون القطع لعله يتبين الأمر فيها بالتحقيق، وأن المسائل التي فيها أدلة شرعية مفيدة للعلم لا يستدل فيها بأخبار لم يعلم صحتها إلا من ظاهر أسانيدها دون النظر في التحقيق فيها وهو تتبع القرائن وقول أهل الشأن في علم الحديث، فقد يكون الخبر ظاهر الصحة بالنظر إلى إسناده ويكون فيه علة خفية قادحة.
[ ٣٣٧ ]
أبي إسحاق الشاطبي١ - رحمه الله تعالى - في بحث أصول الشريعة وقواعدها. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) ١ انظر مرتقى الوصول إلى تأريخ علم الأصول تأليف د. موسى بن محمد القرني ص٣٥-٣٦. ومن الأمثلة التطبيقية في بيان هذا المنهج في النظر في الأدلة والقواعد الكلية الطريقةُ التي اتبعها الشاطبي في مسألة قطعية العموم والقواعد المتعلقة بالعام، فهي مغايرة لمناهج بحث هذه المسألة في كتب الأصول. انظر الموافقات ٣/٢٦٠-٣٠٧، وحلل د. عابد بن محمد منهج الشاطبي في هذه المسألة تحليلا يشتمل على بيان أمور كثيرة مفيدة في منهج الشاطبي عموما، انظر الثبات والشمول في الشريعة الإسلامية ص٣٢٠-٣٥٤.
[ ٣٣٨ ]