من مباحث القطعية في الكتاب والسنة قطعية ما وقع فيهما من الألفاظ العامة١، وبحث القطعية في العموم هو من حيث الدلالة، لأن العموم قد يكون من جهة الثبوت قطعيا كما إذا كان اللفظ العام في الكتاب أو في السنة المتواترة أو في خبر الواحد الذي احتفت به قرائن القطعية، وقد لا يكون العام قطعيا من جهة الثبوت كما لو وقع في خبر واحد لم تحتف به قرائن القطعية فترجحت صحته على ضعفه مع احتمال.
قطعية الخاص:
وقبل البدء في بحث القطعية في العموم يحسن ذكر رأي العلماء في قطعية الخاص.
والخاص: هو اللفظ الدال على مسمى معلوم بعينه أو على كثير محصور، والخصوص: هو كون اللفظ كذلك٢، كألفاظ العدد.
_________________
(١) ١ وقد يستفاد إرادة العموم في الأحكام الشرعية من غير طريق الألفاظ الموضوعة للشمول والعموم والتي هي صيغ العموم التي يقع عليها البحث الأصولي غالبا، وذلك ما يستفاد من مقاصد الشريعة واستقراء الأدلة الجزئية. انظر الموافقات للشاطبي٣/٣٠٧. ٢ انظر تعريف الخاص في مختصر ابن الحاجب وشرحه بيان المختصر ٢/١٠٨ وشرح مختصر الروضة ٢/٥٥٠ والبحر المحيط٣/٢٤٠، وانظر التعريفات للجرجاني ص٩٥.
[ ٣٤٧ ]
ولا خلاف في قطعية الخاص من حيث كان العام غير قطعي، فيتفق العلماء على جواز إطلاق القطعية على الخاص١، لكن قطعية اللفظ الخاص هي بالنظر إلى مقابلته للفظ العام لأن الخاص لا يحتمل التخصيص من حيث هو خاص والعام قد يحتمله، أما إذا كان اللفظ خاصا من وجه وعاما من وجه آخر فالقطعية فيه من حيث هو خاص، والخلاف في قطعية العام جار فيه من حيث هو عام.
وذلك كلفظ (المسلمين)، هو عام بالنسبة لأفراد المسلمين خاص بالنسبة لأفراد بني آدم، فإذا قيل: "أَكْرِم المسلمين" كان قطعيا في عدم شموله لغير المسلم ولم يكن في ذلك احتمال مطلقا بل كان الأمر بالإكرام خاصا بالمسلمين قطعا، ولكنه ظاهر في دخول جميع المسلمين في الأمر فيجري فيه الخلاف في قطعية العام، هل شمول لفظ (المسلمين) لكل فرد مسلم يقطع به أم لا؟ ٢ والله تعالى أعلم.
_________________
(١) ١ انظر التحرير للكمال ابن الهمام١/٢٦٧، وذكر الأمير بادشاه أن قطعية الخاص هي بالمعنى الأعم الذي لا ينفي إلا الاحتمال الناشئ عن الدليل، وعلل ذلك بأن الخاص يحتمل المجاز فيما هو خاص فيه. انظر تيسير التحرير١/٢٦٨ وتفسير النصوص٢١٦٢-١٦٩، ويكون الأمر على اصطلاح من لا يطلق القطع بالمعنى الأعم أن القطع هنا هو بالنظر إلى قطع احتمال معين وهو احتمال التخصيص. ٢ انظر البحر المحيط للزركشي ٣/٢٩ مع زيادة وتفصيل.
[ ٣٤٨ ]
تعريف العام:
قال الجوهري: "العامة خلاف الخاصة عَمَّ الشيء يعم عموما: شمل الجماعة، يقال: عمهم بالعطية"١، وقال ابن فارس: "العين والميم أصل صحيح واحد يدل على الطول والكثرة والعلو ومن الجمع قولهم: (عَمَّنا هذا يعمنا عموما) إذا أصاب القوم أجمعين"٢.
أما في اصطلاح علماء الأصول فهو:
كلام مستغرق لجميع ما يصلح له بحسب وضع واحد دفعة بلا حصر٣.
فخرج بقيد الاستغراق نحو قولك: (بعض الحيوان إنسان) فإنه لا
_________________
(١) ١ الصحاح٥/١٩٩٢-١٩٩٣. ٢ معجم مقاييس اللغة٤/١٥-١٨، وانظر لسان العرب١٢/٤٢٦. ٣ انظر مذكر ة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في أصول الفقه/٢٠٣، وانظر تعريف العام والعموم في المعتمد لأبي الحسين البصري ١/١٨٩ والعدة لأبي يعلى الفراء١/١٤٠ والمنهاج في ترتيب الحجاج للباجي/١٢ والمعونة في الجدل للشيرازي/١٢٩ والمستصفى للغزالي ٣/٢١٢ والوصول لابن برهان١/٢٠٢ والمحصول للرازي٢/٣٠٩ والإحكام في أصول الأحكام للآمدي٢/٤١٣ ومختصر ابن الحاجب مع بيان المختصر٢/١٠٤ ومنهاج الأصول مع نهاية السول٢/٣١٢ والتحصيل للأرموي١/٣٤٣ وشرح مختصر الروضة للطوفي٢/٤٤٨ وجمع الجوامع لابن السبكي١/٣٩٩ والبحر المحيط٣/٥ وشرح الكوكب المنير٣/١٠١ أصول البزدوي مع كشف الأسرار١/٣٣ والتحرير للكمال ابن الهمام (مع التيسير) ١/١٩٠ والمنار مع كشف الأسرار للنسفي١/١٥٩.
[ ٣٤٩ ]
يستغرق، وخرج بقيد (بحسب وضع واحد) مثل المشترك كلفظ (العين) فإنه يتناول ما يصلح له من العين الجارية والعين الباصرة لكن بوضعين فصاعدا، وخرج بقيد (دفعة) النكرة في سياق الإثبات مثل (اضرب رجلا) فإن استغراقها بدلي لا دفعة واحدة، وخرج بقيد (بلا حصر) ألفاظ العدد كلفظ (عشرة) فإنه محصور باللفظ.
فمعنى قطعية العام: هل يتيقن أن اللفظ العام مجردا شاملٌ لجميع ما يصلح له أم أن شموله لذلك على سبيل الظهور والرجحان دون اليقين والقطع.
مثال العام قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ١ فإن حَدّ القطع شامل لكل سارق استنادا إلى حجية العموم عند جميع القائلين بحجيته، والخلاف في القطعية بعد ذلك معناه هل يقطع بدخول كل سارق في هذا الحدّ استنادا إلى مجرد لفظ (السارق) مع فرض خلوِّه من جميع القرائن المبينة أم أن ذلك معمول به مع احتمال التخصيص بالنسبة لأي فرد من أفراد السارقين.
تحرير محل النزاع:
ويتحرر محل الخلاف في قطعية العام بأمور:
_________________
(١) ١ سورة المائدة (٣٨) .
[ ٣٥٠ ]
الأمر الأول: أنه ليس الخلاف هنا في حجية العام، أي دلالة الصيغ والألفاظ الموضوعة للعموم عليه، وصحة الاحتجاج بها في إثبات الأحكام الشرعية، لأن القطعية فرع عن الحجية، فمن خالف في وجود صيغ موضوعة للعموم فعدم كونه قائلا بقطعية تلك الصيغ في العموم أمر ظاهر، لذا ينحصر الخلاف في هذه المسألة في القائلين بالحجية دون المانعين١.
الأمر الثاني: ليس الخلاف في دلالة اللفظ العام على معناه الأصلي في وضع اللغة، فلفظ (الرجال) موضوع في اللسان لجَمْع الرجال، وإنما الخلاف في هل يتيقن أن المتكلم بذلك يريد كل ما يصلح له اللفظ أم أنه يحتمل أنه يريد به بعض ذلك، أي أن الخلاف في إرادة المتكلم الشمول من اللفظ لا في معنى اللفظ وضعا٢.
الأمر الثالث: الخلاف في العام المطلق أي الذي لم يقترن به ما يدل على كونه مرادا به بعض ما يصلح له اللفظ أو كله على سبيل القطع، فما دلت القرائن على قطعية العموم أو عدم قطعيته فيه لا يختلف في أنه على
_________________
(١) ١ ويدل عليه ترتيب العلماء البحث في العموم، إذ يجعلون الخلاف في قطعية العام مفرعا على القول بحجية صيغ العموم. انظر ميزان الأصول لعلاء الدين السمرقندي/٢٧٧-٢٨٠ والبحر المحيط للزركشي٣/١٧-٢٦. ٢ انظر الإبهاج لابن السبكي٢/١٤٩ وشرح المحلي على جمع الجوامع١/٤٠٧ وشرح الكوكب المنير للفتوحي ١/٢٣٨ وانظر التحرير مع التقرير والتحبير١/٢٣٨ ومسلم الثبوت مع فواتح الرحموت ١/٢٦٥.
[ ٣٥١ ]
حسب ما دلت القرائن.
ومن العام القطعي بالقرائن قوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ١ وقوله جل شأنه: ﴿لِلَّهِ مَا في السَّمَوَاتُ وَمَا في الأَرْضِ﴾ ٢ وقوله ﷿: ﴿وَمَا مِنْ دَابَةٍ في الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ في كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ٣، فكل ذلك مما علم قطعا عمومه.
ومما دلت قرائن القطعية على عدم العموم فيه قول الله ﵎: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ٤، قال الإمام الشافعي ﵀: "باب بيان ما نزل من الكتاب عام الظاهر يراد به كله الخاص" وذكر الآية السابقة ثم قال: "فإذا كان مَن مع رسول الله ناسًا غير من جَمع لهم الناس وكان المخبرون لهم ناسًا غير من جَمع لهم وغير من معه ممن جُمع عليه معه وكان الجامعون لهم ناسا - فإن الدلالة بيِّنة مما وصفت من أنه إنما جَمع لهم بعض الناس دون بعض، والعلم يحيط٥ أنه لم يَجمع لهم الناسُ كلُّهم ولم يخبرهم الناسُ كلُّهم ولم يكونوا هم الناسَ كلَّهم وإنما هم جماعة غير
_________________
(١) ١ مثلا: سورة البقرة (٢٩) . ٢ سورة البقرة (٢٨٤) . ٣ سورة هود (٦) . وانظر الرسالة للشافعي ص٥٣-٥٤ فيما علم منه العموم. ٤ سورة آل عمران (١٧٣) . ٥ هذا ونحوه في كلام الشافعي عبارة عن معنى القطعية غالبا. انظر ص (خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.) فما بعد.
[ ٣٥٢ ]
كثير من الناس الجامعون منهم غير المجموع لهم والمخبرون للمجموع لهم غير الطائفتين، والأكثر من الناس في بلدانهم غير الجامعين ولا المجموع لهم ولا المخبرين"١.
فهذا مما علم بقرائن القطعية أن المراد به غير العموم.
فمدار عدم القطعية على احتمال الخصوص مع رجحان العموم، فإذا كان معلوما بالقرائن والأدلة الأخرى انتفاء احتمال الخصوص خلص اللفظ للقطعية، وكذلك إذا علم بقرائن القطع أن المراد من العام بعض مما يصلح له قطعا لم يرد الخلاف في هل هو قطعي أم لا٢.
الأمر الرابع: العام الذي خُصّ بدليل موجب للتخصيص قابل للتعليل لا يدخل في محل النزاع بين الجمهور والحنفية، لأن الحنفية لا يقولون بقطعية العام في مثل ذلك، إلا ما نقل عن بعضهم من أن التخصيص إذا كان بقطعي وكان المخصوص معلوما قطعا - أن العام يبقى قطعيا فيما بقي بعد التخصيص، وإذا خص منه مجهول لم يبق قطعيا٣.
_________________
(١) ١ الرسالة/٥٨-٦٠. وبيَّن - ﵀ - أن الذي سوغ استعمال (الناس) في ذلك أنه يطلق على الجمع من ثلاثة إلى جميع الناس وما بين ذلك. ٢ انظر البرهان للجويني١/٢٢٢ وشرح الكوكب المنير٣/١١٤-١١٥ وكشف الأسرار عن أصول البزدوي ١/٢٩١ وأصول السرخسي ١/١٣٩ وانظر تفسير النصوص لمحمد أديب صالح ٢/١٠٢-١٠٤. ٣ انظر أصول الشاشي/٢٦ وأصول الجصاص/١٥٥-١٥٦ وأصول السرخسي١/١٤٤.
[ ٣٥٣ ]
الأمر الخامس: ليس مما يتنازع فيه ورود الاحتمال في اللفظ العام عقلا، لذا كان العام عند الحنفية قطعيا نصا غير مُحكَم لاحتمال التخصيص عقلا، فقطعيته عندهم بالمعنى الأعم للقطعية وهو مبني على طرح الاحتمال الذي لا يعضده دليل١.
الأمر السادس: عدم قطعية العام يعني احتمال ألا يراد بحكمه أي فرد من أفراده الداخلة فيه وضعا، وربما دلت القرينة على عدم احتمال الخصوص في فرد معين من أفراده، فلا يكون ذلك الفرد المعين من جملة ما يحتمل ألا يراد في حكم العام.
وذلك مثل الصورة التي ورد العام عليها، فهي قطعية الدخول فيه عند أكثر العلماء، ونُقل عن تقي الدين السبكي أنه يذهب إلى أن صورة السبب ليست قطعية الدخول في العموم كغيرها من أفراده إلا إذا دل دليل آخر - غير كونها صورة السبب الوارد عليها العام - على دخولها فيه، لأن المقطوع هو بيان حكم السبب وذلك معلوم مع تقدير خروجه من اللفظ العام٢.
_________________
(١) ١ انظر أصول السرخسي١/١٣٧ والتحرير مع التقرير والتحبير ١/٢٣٨. وقال أبو زيد الدبوسي في تأسيس النظر (ص٢٢): "الأصل عند أبي حنيفة أن ما يتناوله اللفظ من طريق العموم ليس كما يتناوله اللفظ من طريق النص والخصوص" فهذا يشير إلى أن دلالة العام عند أبي حنيفة ليس في قوة دلالة الخاص. ٢ انظر جمع الجوامع لابن السبكي٢/٣٩-٤٠ وشرح الكوكب المنير٣/١٧٨.
[ ٣٥٤ ]
ولعل الخلاف في هذا راجع إلى الخلاف في قرينة كون هذا الفرد صورة السبب وهل ذلك من قرائن القطع على تناول العام له أم لا؟ فعند السبكي ليست هذه القرينة من قرائن القطعية في العموم، خلافا لأكثر العلماء١، وذلك لا يمنع من أن السبكي يرى كون بعض أفردا العام قطعي الدخول فيه إذا دلت القرينة على ذلك، وفي كلامه ما يشعر بذلك.
فالحاصل أن العام الذي اقترن به ما يدل على دخول بعض أفراده فيه قطعا خارج من محل الخلاف، لأن العام ليس مطلقا من القرينة بالنسبة لذلك الفرد. والله تعالى أعلم.
الأمر السابع: أدخل الزركشي في محل النزاع اللفظ المطلق وهل ماهيته وشيوعه في جنسه قطعية أم ظاهرة، لأن الإطلاق عموم على سبيل البدل وماهيته صالحة لعموم أفراده٢، وأخرجه الأنصاري من محل النزاع، فجعله من باب الخاص فهو قطعي الدلالة بالنسبة لاحتمال التخصيص٣.
والتحقيق أن النظر الأول في صلوحه وهو عام فيدخل في محل النزاع، والنظر الثاني صدقه في الواقع وهو في ذلك خاص بفرد مما يصلح له فلا يدخل في النزاع في قطعية العام، فقوله تعالى: ﴿والَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن
_________________
(١) ١ انظر حاشية البناني على شرح المحلي على جمع الجوامع٢/٣٩. ٢ انظر البحر المحيط٣/٤١٥. ٣ انظر فواتح الرحموت ١/٣٦٣.
[ ٣٥٥ ]
نسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ ١ (رقبة) عام باعتبار صلوحه لسائر أنواع الرقاب على سبيل البدل، وليس عاما بالنظر إلى أنه لا يجب عتق جميع الرقاب٢.
وعليه يمكن أن يختلف في كون لفظ (رقبة) صالحا لجميع الرقاب قطعا أو أنه يحتمل عدم صلوحه لبعض الرقاب فترتفع القطعية ويبقى الظهور والرجحان في صلوحه لذلك، لكن كونه يصدق على رقبة واحدة فقط بمعنى إجزاء عتق رقبة واحدة ليس من محل النزاع لأنه خاص. فالمطلق يخرج ويدخل في محل النزاع بحسب هذين النظرين.
الخلاف في المسألة:
وقد اختلف العلماء في قطعية دلالة العام على قولين:
القول الأول: أن دلالة العام على كل فرد من أفراده غير قطعية، فكل عام يحتمل أن يكون المراد به بعض أفراده دون بعض، ما لم يدل دليل خاص على إرادة كل الأفراد أو بعضها.
وهذا مذهب الجمهور وبعض الحنفية٣.
_________________
(١) ١ سورة المجادلة (٣) . ٢ انظر تلقيح الفهوم في تنقيح صيغ العموم لخليل بن كيكلدي العلائي ص٩٩-١٠٠. ٣ انظر مذهب الجمهور في العدة لأبي يعلى الفراء٢/٥٥٥-٥٥٨،٥٦٨، وإحكام الفصول للباجي ص١٥٥، ٢٦٤، جعل العام من قسم (المحتمل) المقابل للنص وص١٧٨-١٨٩،٢٣٠، وشرح اللمع ١/٣٥٤ والبرهان للجويني ١/٢٢٢ والمستصفى (بولاق) ٢/١١٦ والوصول لابن برهان١/٢٦١ والإحكام للآمدي٢/٥٢٨، ٥٣٢-٥٣٣ ومختصر ابن الحاجب مع شرح العضد٢/١٤٨ وشرح تنقيح الفصول للقرافي/٢٠٩ والبحر المحيط٣/٢٨. ونسبه إلى الجمهور العلائي في تلقيح الفهوم في تنقيح صيغ العموم ص١٨١ وكذا الكمال بن الهمام التحرير مع التقرير والتحبير ١/٢٣٨، وفي مسلم الثبوت ١/٢٦٦ نسبه ابن عبد الشكور إلى الأكثر. وانظر مذهب بعض الحنفية في أصول السرخسي ١/١٣٢ وكشف الأسرار لعبد العزيز البخاري ١/٢٩١ ومسلم الثبوت مع فواتح الرحموت١/٢٦٥، وانظر ميزان الأصول لعلاء الدين السمرقندي ص ٢٧٧-٢٨٠ فقد أيد مذهب الجمهور هذا وذكر أنه مذهب مشايخه من سمرقند.
[ ٣٥٦ ]
أدلة هذا القول:
الدليل الأول: أن العام يحتمل تخصيص أي فرد من الأفراد الداخلة فيه، ومع الاحتمال لا يقطع بكون أي واحد منها داخلا في العموم، غاية ذلك أن دخول الأفراد ظاهر وراجح على عدم دخولها١.
واعترض المخالف على هذا الدليل بأن هذا الاحتمال وإن كان واردا عقلا فإنه مجرد عن دليل يعضده فكان كلا احتمال، فمراد المتكلم إذا لم يكن عليه دليل لم يجز أن يكون غيرَ ما دل عليه ظاهر لفظه٢.
وأجاب أصحاب القول الأول عن هذا الاعتراض بأن الدليل على
_________________
(١) ١ انظر إحكام الفصول للباجي/١٥٥ والبرهان١/٢٢٢ والإحكام للآمدي٢/٥٢٨ وتلقيح الفهوم بتنقيح صيغ العموم لخليل بن كيكلدي العلائي ص١٨٣-١٨٤ وشرح الكوكب المنير ٣/١١٤-١١٥، وانظر ميزان الأصول ص٢٨٤-٢٨٥. ٢ انظر أصول السرخسي١/١٣٧-١٤٠ وكشف الأسرار عن أصول البزدوي١/٣٠٥-٣٠٦.
[ ٣٥٧ ]
الاحتمال الوارد في دلالة العام على أفراده كثرة وقوع التخصيص في العمومات الشرعية حتى شاع أنه لم يرد عام إلا خص إلا يسيرا، فذلك يورد الاحتمال في كل لفظ عام أن يراد به بعض أفراده١.
ورد المخالفون على ذلك بعدم التسليم بكون ما ذكر دليلا على ورود الاحتمال في كل عام وذلك لأمور:
أ - أن التخصيص وقع في كل تلك المواضع بما يسوّغه من الأدلة والقرائن المخصصة، وذلك لا يوجب الاحتمال فيما لم يرد فيه دليل ولا قرينة على التخصيص.
ب - أن كثرة التخصيص إنما تكون موجبة لورود احتمال التخصيص في كل عام لو أن المخصص الوارد في تلك المواضع مخصص واحد، فيصبح كل عام محتملا لذلك المخصص المعين، وليس كذلك فلا يلزم أن يكون ورود مخصص معين في عام موجبا لاحتمال ورود مخصص آخر غير ذلك في عام آخر.
ج - لو كانت كثرة التخصيص موجبة احتمال التخصيص في كل عام لما صح أن يريد المتكلم من اللفظ العام دخول جميع ما يتناوله مع أن قصده إلى ذلك صحيح٢.
_________________
(١) ١ انظر التحرير مع التقرير والتحبير ١/٢٣٨-٢٣٩ ومسلم الثبوت مع فواتح الرحموت ١/٣٦٥-٣٦٦. ٢ انظر مسلم الثبوت مع فواتح الرحموت كما سبق.
[ ٣٥٨ ]
د - أن مثل هذا الاستدلال يجري في اللفظ الخاص أيضا، لأن الاستعارة١ كثيرة في الكلام حتى إنه يعاب شعرٌ خالٍ منها، فعلى ما سبق من الاستدلال يكون كل لفظ محتملا للمجاز وهو غير صحيح٢.
وأجيب عن هذا بأن "المجاز لا يكون أصلا بقرينة منفصلة لا تعلم حالة النطق باللفظ، بخلاف العام فإنه يتخصص بالأدلة المنفصلة وتلك الأدلة قد تخفى"٣.
هـ - عدم التسليم بما ذكر من كثرة التخصيص لأن التخصيص لا يكون إلا بكلام مقارن مستقل مساوٍ للمخصوص في دلالته، وذلك غير كثير٤.
وأجيب عن هذا أن المراد بالتخصيص قصر العام على بعض أفراده، وذلك أعم من أن يكون تخصيصا عند الحنفية أم لا٥.
وغاية ما في كثرة التخصيص على التسليم بها أن يكون بقاء العموم على عمومه قليلا، والقليل إنما يحمل على الكثير إذا كان مشكوكا
_________________
(١) ١ هي أن تذكر أحد طرفي التشبيه وتريد به الطرف الآخر كقولك: (رأيت أسدا) تريد به رجلا شجاعا. انظر التعريفات ص ٢٠، ومفتاح العلوم للسكاكي ص ٦٢٦. ٢ انظر المرجعين السابقين. ٣ تلقيح الفهوم بتنقيح صيغ العموم للعلائي ص١٨٤. ٤ هذا مذهب الحنفية في التخصيص، انظر التلويح على التوضيح١/٤٠-٤١ والتحرير مع التقرير والتحبير ١/٢٤٢ ومسلم الثبوت مع شرحه ١/٢٦٦-٢٦٧. ٥ انظر التلويح مع التوضيح ١/٤٠-٤١ والتحرير مع التقرير والتحبير ١/٢٣٨-٢٣٩ وانظر تفسير النصوص لمحمد أديب صالح ٢/١١٢-١١٣.
[ ٣٥٩ ]
فيه غَيرَ بيِّن، والعام المجرد عما يصرفه عن عمومه موضوع للعموم لغة فهو بين، فلا يحمل على الكثير١.
الدليل الثاني: صحة تأكيد العموم، كما في قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلاَئِكَةُ كُلَّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ ٢ ولو كان العام قطعيا في تناوله لجميع أفراده لما احتيج إلى تأكيد، فتأكيده لقطع ما في مجرد اللفظ العام من الاحتمال حتى يثبت اليقين بتناوله الكل.
واعترض على هذا بما ورد من تأكيد المعلوم قطعا مثل قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ ٣ فظاهره أنه تأكيد للعشرة وهو خاص معلوم قطعا.
وأجاب المانعون للقطعية عن هذا الاعتراض بتأويل التأكيد إلى غير العدد كالثواب٤.
الدليل الثالث: واستدل القائل بعدم القطعية بأن التخصيص بالمتراخي لا يكون نسخا ولو كان العام قطعيا في تناوله جميع أفراده نصا لكان
_________________
(١) ١ انظر التحرير مع التقرير والتحبير١/٢٣٨-٢٣٩. ومسلم الثبوت مع فواتح الرحموت ١/٣٦٥-٣٦٦. ٢ سورة الحجر (٣٠) . ٣ سورة البقرة (١٩٦) . ٤ انظر تلقيح الفهوم بتنقيح صيغ العموم/١٨٣-١٨٤ وتخريج الفروع على الأصول للزنجاني ص٣٢٦-٣٢٧.
[ ٣٦٠ ]
إخراج بعضها منه بعد قطعية التناول - نسخا١.
وجواب المخالف عن هذا بالتزام كون إخراج فرد من أفراد العام منه على نحو ما ذُكر - نسخا غير تخصيص، لأن التخصيص عندهم إنما يكون بمقارن مستقل مساوٍ للمخصوص في دلالته٢.
الدليل الرابع: واستدل لهذا القول بأن العام يجوز تخصيصه بالقياس وخبر الواحد ودليل العقل، ولو كان العموم كالنص على كل فرد لم يجز تخصيصه بما ذكر، لعدم جواز إخراج ما تيقن دخوله في الحكم بما لا يفيد اليقين بخروجه منه٣.
وأجاب المخالف عن هذا بوجهين:
الوجه الأول: أن الخاص يجوز صرفه عن حقيقته الثابتة له بخبر الواحد والقياس مع أن ثبوته على حقيقته قطعي عند عدمهما، فكذلك العام.
الوجه الثاني: أن مذهب أكثر الحنفية عدم جواز تخصيص العام بخبر
_________________
(١) ١ انظر شرح الكوكب المنير٣/١١٤-١١٥. ٢ انظر التلويح على التوضيح١/٤٠-٤١ والتحرير مع التقرير والتحبير١/٢٤٢ ومسلم الثبوت مع شرحه ١/٢٦٦-٢٦٧. ٣ استدل لهم السرخسي بذلك١/١٤١-١٤٢. وانظر الاستدلال على عدم القطعية بجواز التخصيص مطلقا في الوصول إلى الأصول لابن برهان١/٩٤-٩٥، والاستدلال على عدم القطعية بجواز التخصيص بالعقل في المستصفى للغزالي (بولاق) ٢/١٢٦، والاستدلال على عدم القطعية بجواز التخصيص بخبر الواحد في المرجع السابق ١/١١٦.
[ ٣٦١ ]
الواحد والقياس ما لم يخصص من قبلُ بدليل موجب للتخصيص، فيكون القياس وخبر الواحد حينئذ مرجحين لإدخال الفرد المخصوص بهما في جملة دليل الخصوص الموجب١.
القول الثاني: قطعية اللفظ العام، أي العلم القطعي بشموله كلَّ فرد من أفراده.
وهذا مذهب جمهور الحنفية٢.
ونقل ذلك عن الإمام الشافعي٣، وحمله الزركشي على أن الناقل ربما استند إلى أن الإمام الشافعي - ﵀ - قد يسمي الظواهر نصوصا فيقول في العام: إنه (نص) ولا يكون ذلك بمعنى أنه قطعي، لأن اصطلاح الشافعي في (النص) أعم من القطع٤.
ونَقل إمام الحرمين أن مذهب الشافعي قطعية العموم حيث كان نفي قرينة الخصوص قطعيا٥، وذلك واضح، فإن عدم القطعية سببه احتمال
_________________
(١) ١ انظر أصول السرخسي١/١٤١-١٤٢. ٢ انظر أصول الشاشي ص٢٠ وأصول الجصاص ص٥٩،١٠٢-١٠٣،١٥٥ وأصول السرخسي ١/١٣٢ وكشف الأسرار مع أصول البزدوي١/٢٩١ والتحرير مع التقرير والتحبير١/٢٣٨ ومسلم الثبوت مع فواتح الرحموت ١/٢٦٥. ٣ انظر نهاية السول للآسنوي٢/٣٤٢-٣٤٣ والبحر المحيط٣/٢٧-٢٨. ٤ انظر البحر المحيط ٣/٢٧-٢٨. ٥ انظر البرهان١/٢٢٢.
[ ٣٦٢ ]
الخصوص فإذا قطعنا بنفي ما يخصص العام كانت دلالته على أفراده قطعية.
أدلة هذا القول:
الدليل الأول: أن إرادة المتكلم بكلامه ما هو موضوع له حقيقة أمر معلوم وهو الأصل، وإرادته به المجاز لا يعارض المعلوم لأنه موهوم لعدم الدليل عليه، ومراده غيب على غيره فلو لم يدل عليه لفظه لكان في طلب معرفته حرج ومشقة، وذلك مرفوع عن المسلمين١.
واعترض بأن الاحتمال هو في إرادة المتكلم كل ما يتناوله لفظه وضعا، ودليله كثرة التخصيص٢.
الدليل الثاني: لو لم يكن العام قطعيا لجاز إرادة بعض ما يتناوله اللفظ في العرف بلا دليل صارف، وذلك يؤدي إلى ارتفاع الأمان عن الألفاظ الشرعية ويلزم منه التلبيس والتجهيل والتكليف بالمحال٣.
_________________
(١) ١ انظر أصول السرخسي١/١٣٧-١٣٨ والتحرير لابن الهمام مع التقرير والتحبير لابن أمير الحاج١/٢٣٩. وردت أدلة كثيرة في رفع الحرج منها قوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا في اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ سورة الحج (٧٨) . وانظر الموافقات للشاطبي٢/١٢١. ٢ وقد سبق عند ذكر أدلة القول الأول الكلام على كثرة التخصيص وما اعترض به على ذلك. ٣ انظر التحرير مع التقرير والتحبير١/٢٣٩. ومسلم الثبوت وشرحه١/٢٦٦ وذكر فيه أن المقصود برفع الأمان المترتب على القول بعدم القطعية أنه عليه يجوز إرادة بعض ما يتناوله العام عرفا دون صارف، ولكن على القول بالقطعية تكون إرادة الكل هو الظاهر حتى يأتي صارف. انتهى كلامه. لكن الخلاف ليس في أن الظاهر من العام إرادة الكل فذلك لازم على القول بالحجية. وانظر مسألة التكليف بالمحال والخلاف فيها في نهاية السول١/٣٢٩ فما بعد.
[ ٣٦٣ ]
اعترض على هذا الدليل بأمور:
أولا: أن الأمان لن يرتفع بذلك، لأن العمل لازم حتى على القول بعدم القطعية، فإن الحجية مسلمة لرجحان إرادة العموم وظهورها١، فالحجية ثابتة وكذا وجوب العمل، وإنما المنفي هو أن تكون إرادة الكل مقطوعا بها.
ثانيا: أن الجهل يتأتى على ما سبق في حق من قطع بإرادة الكل، لا في حق من لا يقطع بذلك، لأن المطلوب على القول بنفي القطعية اعتقادُ رجحان العموم مع الاحتمال، فإن قطع قاطع مع ذلك ثم انكشف الأمر عن عدم إرادة الكل كان هو المجهِّل نفسه بنفسه والملبس عليها٢.
ثالثا: أن المدّعَى هو خفاء القرينة المبينة للتخصيص على المجتهد لا نفيها، فلا يلزم من ذلك تلبيس ولا تجهيل٣.
رابعا: أن المكلَّف به هو اعتقاد ظاهر اللفظ وهو مقدور عليه، أما المراد على القطع فليس مكلفا به فلا يلزم التكليف بالمحال٤.
_________________
(١) ١ مسلم الثبوت كما سبق. ٢ انظر المستصفى (بولاق) ٢/١٥٥-١٥٦. ٣ انظر التحرير مع التقرير والتحبير١/٢٣٩. ٤ المرجع السابق.
[ ٣٦٤ ]
الدليل الثالث: القياس على النص المطلق، فإنه يحتمل التقييد إذا دل على ذلك دليل مع أنه على حقيقته قطعا حتى يظهر الدليل الصارف، والأصل في العموم إرادة الكل فلا يصرف عن ذلك إلا بدليل١.
وقد تقدم أن الزركشي أدخل المطلق في محل النزاع٢، وعلى ذلك لا يصلح المطلق أصلا لمحل الخلاف لاحتمال دخوله فيما ينازع فيه في هذه المسألة.
أثر الخلاف في هذه المسألة:
وقد كان الخلاف في هذه المسألة سببا للخلاف في مسائل أخرى أصولية وفقهية.
فمن المسائل الأصولية: مسألة تخصيص العام بالقياس غير القطعي وخبر الواحد غير القطعي، فإن القول بقطعية العام يمنع تخصيصه ابتداء بما ليس بقطعي.
ومنها: العمل عند ورود العام والخاص في حكم، هل يتعارضان إذا جهل تاريخ الورود وينسخ المتقدم منهما المتأخر إذا علم التاريخ أم أن العام يحمل على الخاص ويخصص به مطلقا لأن العام إذا كان قطعيا ضاهى الخاص
_________________
(١) ١ انظر أصول السرخسي١/٢٤٠، والمرجع السابق. ٢ انظر الأمر السابع من الأمور المذكورة في مطلع هذا المطلب لتحرير محل النزاع.
[ ٣٦٥ ]
في قوة تناوله لما تحته من الأفراد فيتعارضان ويرجح أحدهما على الآخر١.
وأما المسائل الفقهية فالخلاف فيها مفرع على الخلاف في المسألتين الأصوليتين.
ومما تفرع على المسألة الأولى: الخلاف في مباح الدم خارج الحرم إذا التجأ إلى داخله، فهل يعصمه التجاؤه إلى الحرم أم أنه يُقتصّ منه داخل لحرم، فإن عموم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَءَامِنًا﴾ ٢ يمنع القصاص، وقد يجوز ذلك بقياس ذلك على من جنى داخل الحرم، الجائز قتله بقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ ٣.
ومما ذكر من الخلاف المتفرع على المسألة الثانية جواز بيع العرايا:
_________________
(١) ١ انظر الإحكام في أصول الأحكام للآمدي ٢/٥٢٠-٥٢٣، ٥٢٥-٥٢٨، ٥٣٦-٥٣٩، ومختصر ابن الحاجب مع بيان المختصر ٢/٣١٨-٣٢٤، ٣٤٠-٣٤٨ وتلقيح الفهوم بتنقيح صيغ العموم للعلائي ص١٨٢ والتمهيد للآسنوي ص٤٠٩ والبحر المحيط ٣/٢٩ وسلاسل الذهب ص٢٤٦-٢٤٨ وأصول السرخسي١/١٤٢-١٤٣، ٢/٢٩-٣٠ وميزان الأصول ص٦٩١-٦٩٢ وأصول البزدوي مع كشف الأسرار ١/٢٩٤ وكشف الأسرار للنسفي ١/١٦١ والتحرير مع التقرير والتحبير١/٢٤٠ وانظر أثر الاختلاف في القواعد الأصولية لمصطفى سعيد الخن ص٢٠٤-٢٢٣ وتفسير النصوص لمحمد أديب صالح٢/١١٦-١٢٩. ٢ سورة آل عمران (٩٧) . ٣ سورة البقرة (١٩١)، وانظر كشف الأسرار للبخاري ١/٢٩٦-٢٩٧ وتخريج الفروع على الأصول للزنجاني ص ٣٣٠-٣٣٢.
[ ٣٦٦ ]
وهو بيع الثمر على النخل بخرصه تمرا، لأن عموم قول النبي ﷺ: "والتمر بالتمر مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد" ١ يمنع من ذلك للجهل بالمثلية، ولكن ذلك جائز بخصوص الأحاديث المُرخِّصة لذلك مثل ما روي أنه ﷺ "رخص بعد ذلك في بيع العرايا بالرطب أو بالتمر "، وفي لفظ: أن رسول الله ﷺ أرخص لصاحب العرية أن يبيعها بخرصها٢.
أساس الخلاف في قطعية العموم:
- الخلاف في قطعية العام على الكيفية التي يقع البحث بها في كتب الأصول يرجع إلى أمر: وهو هل كَثُر التخصيص في العمومات الشرعية على وجه يوجب ورود احتمال التخصيص في كل عام شرعي عند المستدل الناظر في الدليل العام، وإن لم يقف على القرينة الخاصة بالتخصيص في ذلك العام؟.
_________________
(١) ١ رواه مسلم من حديث عبادة بن الصامت. انظر صحيح مسلم٣/١٢١١. ٢ رواه البخاري ومسلم. انظر صحيح البخاري مع فتح الباري٣/٣٨٣-٣٨٤ وصحيح مسلم٣/١١٦٨ وعند مسلم ٣/١١٦٩: "قال يحيى: العَرِيَّة أن يشتري الرجل ثَمَرَ النخَلات لطعام أهله رطبا، بخرصها تمرا". والحنفية يجعلون العام والخاص الوارد في بيع العرايا متعارضين ثم يقوون العام ويرجحونه على الخاص لأنه متفق عليه، أما الجمهور فيحملون العام على الخاص مطلقا لعدم التعارض بين خاص وعام. وانظر المسألة في المبسوط للسرخسي١٢/١٩٢-١٩٣ والكافي في فقه أهل المدينة المالكي لابن عبد البر٢/٦٥٤-٦٥٦ ونهاية المحتاج لأبي العباس الشافعي الصغير ٤/١٥٧-١٥٩ وشرح الزركشي على مختصر الخرقي٣/٤٧٣ وانظر أثر الاختلاف في القواعد الأصولية لمصطفى سعيد الخن ص٢٠٤-٢٢٣.
[ ٣٦٧ ]
ومن أهم ما يرد على دعوى كثرة التخصيص أن اللفظ العام له اعتباران: قياسي واستعمالي، أما الاعتبار القياسي ففيه يشمل اللفظ كلَّ ما يصلح له عقلا بالنظر إلى لفظه لغة، وأما الاعتبار الاستعمالي فلا يشمل اللفظ فيه إلا ما يمكن دخوله في الاستعمال عادة، فإذا قال قائل: "أكرمتُ الناس"، فلفظ (الناس) عام يشمل على الاعتبار الأول جميعَ بني آدم ثم يخص منه من يستحيل حسا أن يلقاهم القائل ومن أشبههم من الموتى والمفقودين أما على الاعتبار الثاني فلا يدخل في لفظ (الناس) ابتداء إلا من يصح عادة أن يلقاهم القائل.
وإذا قال: "من دخل داري أكرمته" لم يدخل فيه نفسه لأنه خلاف العادة١.
- ثم إن الخلاف في قطعية العام له تعلّق بالخلاف في الاعتداد بالاحتمال الذي لا يعضده دليل في رفع القطعية، لأن الحنفية يعترفون بورود الاحتمال لكنهم لا يعتدون به إذ لم يستند إلى دليل٢.
أثر اختلاف المنهج في المسألة:
والنظر في هذه المسألة إلى الوضع القياسي والوضع الاستعمالي ينبه على
_________________
(١) ١ انظر الموفقات٣/٢٦٨-٢٧١. ٢ انظر مبحث الاحتمال وأثره في رفع القطعية من هذا البحث ص (خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.) .
[ ٣٦٨ ]
أمر مهم في بحث العموم بل المباحث الأصولية عموما وهو تعدد مناهج البحث في الأدلة والقواعد الأصولية، فمنهج يبحث في الدليل أو القاعدة مفردة عن القرائن وجميع ما يمكن أن يؤثر فيه، ومنهج النظر الشامل للقاعدة ومقاصد الشريعة والقرائن المؤثرة من واقع الشريعة.
فعلى الأول يدخل في اللفظ العام كل ما يحتمله حسا وعقلا وعادة وشرعا، مع فرض اللفظ العام مطلقا من كل قرينة تبين المراد من تعزيز للعموم أو بيان وجه للخصوص، وعلى الثاني لا يدخل في اللفظ العام إلا ما اعتاده الناس عند استعمالهم له في العرف، ولا يدخل فيه إلا ما يناسب المقاصد والكليات الشرعية في استعمال الألفاظ الشرعية.
ويكون الفرق بين اللفظ في المنهجين: أن اللفظ على الأول ضَعُف لثقل ما احتمل من الممكنات الحسية والعقلية والشرعية، وأن اللفظ على الثاني قَوِي إذْ لم يحتمل إلا ما يمكن دخوله فيه في الاستعمال العادي في اللغة والمقاصد الشرعية.
والأول هو المنهج السائد في أصول الفقه عند الجمهور، والثاني هو المنهج الذي سار عليه الإمام أبو إسحاق الشاطبي١.
أما الحنفية فهم - وإن كانوا يقولون بالقطعية - يقرون بورود
_________________
(١) ١ انظر الموافقات٣/٢٦٨-٢٧١، وانظر الثبات والشمول في الشريعة د. عابد بن محمد السفياني ص٣٢٠-٣٣٠.
[ ٣٦٩ ]
الاحتمال في اللفظ العام ثم يطرحونه لعدم الدليل المؤيد له على مسلكهم في الاعتداد بالاحتمال، فهم يتفقون مع جمهور الأصوليين في أصل ورود الاحتمال في الفظ العام لكنهم يلغونه في الاعتبار بعد ذلك لعدم الدليل المؤيد، وقد عرف من منهجهم النظر في الحصيلة الفقهية لأئمتهم عند البحث في القواعد الأصولية١.
هذا، والظاهر أن طريقة الشاطبي إنما تناسب الناظر الخبير بالوضع الاستعمالي للفظ والمطلع على مقاصد الشريعة وكلياتها والمحصل للقرائن المبيِّنة٢، أما المستدل الذي ليس له طريق إلى الحكم إلا لفظ عام وما قرب من القرائن المبينة فالقطع على الحكم الذي يفيده اللفظ العام مجردا حينئذ لا يسهل على مثله مع احتمال أن يكون في المقاصد والكليات الشرعية من القرائن المنفصلة ما يخصص اللفظ.
_________________
(١) ١ انظر مرتقى الوصول إلى تاريخ علم الأصول للدكتور موسى بن محمد القرني ص ٢٩-٣٠. ٢ قال الشاطبي في الموافقات١/٢٣ في بيان منهجه في البحث في كتابه: "ولما بدا من مكنون السر ما بدا ووفق الله الكريم لما شاء منه وهدى لم أزل أقيد من أوابده وأضم شوارده تفاصيل وجملا وأسوق من شواهده في مصادر الحكم وموارده مبينا لا مجملا معتمدا على الاستقراءات الكلية غير مقتصر على الأفراد الجزئية ومبينا أصولها النقلية بأطراف من القضايا العقلية حسبما أعطته الاستطاعة والمنة في بيان مقاصد الكتاب والسنة ". وقال١/٨٧ في من هو أهل للنظر في كتابه: "ومن هنا لا يسمح للناظر في هذا الكتاب أن ينظر فيه نظر مفيد أو مستفيد حتى يكون ريَّان من علم الشريعة أصولها وفروعها منقولها ومعقولها ".
[ ٣٧٠ ]
فيبقى الخلاف على حاله في لفظ عام مجرد من جميع القرائن حتى ما يذكر من الوضع الاستعمالي والمقاصد الشرعية ونحوها، إذا فرض أن الفاقد لكل ذلك يجوز له النظر في الأدلة، أو في لفظ عام ليس عند المستدل به إلا القرائن القريبة، فهذا مما يتردد فيه النظر وتتداخل فيه المسائل، فلا يسهل الترجيح في هذه المسألة، فالله تعالى أعلم بالصواب.
[ ٣٧١ ]