المطلب الأول: تعريف القطع لغة.
قال ابن سِيدَه١: "القطع: إبانة بعض أجزاء الجرم من بعض فصلا، قطعه يقطعه قطعًا وقَطيعةً وقُطوعًا"٢.
والفصل يكون في الأمور المحسوسة كقطع الحبل.
ويكون في الأمور المعقولة كقطيعة الرحم ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَولَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا في الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ ٣، وكالقطع في الحكم على أمر ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قَالَتْ يَأَيهَا الْمَلأُ أَفْتُوني في أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ ٤ ٥، وكالقطع أو قطع الدابر: بمعنى الإهلاك أو استئصال النوع، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿لِيَقْطَعَ
_________________
(١) ١ هو علي بن إسماعيل، أبو الحسن بن سِيدَه المرسي الأندلسي، من أئمة اللغة والأدب، وكان ضريرا، من تصانيفه: المحكم والمحيط الأعظم، الأنيق في شرح حماسة أبي تمام، وغيرها. توفي سنة (٤٥٨) هـ. انظر سير أعلام النبلاء ١٨/١٤٤-١٤٦ الأعلام٥/٦٩ ومقدمة محققَي (المحكم لابن سيده) ١/٥. ٢ المحكم في اللغة لإسماعيل بن سيده ١/٨٨، وما ذكره موجود بحرفه في لسان العرب لابن منظور ١/٢٧٦-٢٧٨ وانظر معجم مقاييس اللغة لابن فارس ٥/١٠١. ٣ سورة محمد (٢٢) . ٤ سورة النمل (٣٢) . ٥ انظر المفردات للراغب ص٦١٥-٦١٦.
[ ١٩ ]
طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾ ١ أي: ليهلك أمة منهم٢، وقوله ﷿: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلكَ الأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاَءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ ٣.
وفي اللغة استعمالات كثيرة للقطع منها:
- قولهم: قطع زيد لسان عمرو: إذا أسكته بعطائه وإحسانه إليه.
- وقولهم: انقطع لسانه: إذا ذهبت سلاطته.
- وقولهم: أَقطع الرجلُ: إذا انقطعت حجته وبُكِّت بالحق فلم يجب، فهو مُقطع.
- وقولهم: قطع زيد عمرا بالحجة: إذا بكّته.
- وقولهم - على سبيل المثل -: كلام قاطع: أي نافذ٤.
_________________
(١) ١ سورة آل عمران (١٢٧) . ٢ انظر تفسير ابن كثير١/٤١١ والمفردات/٦١٦. ٣ سورة الحجر (٦٦) . ٤ انظر تهذيب اللغة للأزهري ١/١٩٥-١٩٦ والمحكم في اللغة لابن سيده ١/٨٨-٩١ والصحاح للجوهري ٣/١٢٦٨ ولسان العرب ٨/٢٧٩ والقاموس المحيط للفيروزابادي ٣/٧٣ وانظر النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير الجزري ٤/٨٣.
[ ٢٠ ]
المطلب الثاني: القطع عند الأصوليين
قبل ذكر استعمال الأصوليين للقطع يحسن هنا التعرض لبعض الاصطلاحات المتعلقة بالقطع في علوم أخرى غير أصول الفقه.
١- فمن ذلك: (القطع) في علم قراءة القرآن.
وهو مرادف للوقف والسكت عند بعض العلماء، وجعل بعضهم القطع: "قطع القراءة رأسا، فهو كالانتهاء، فالقارئ به كالمُعرِض عن القراءة والمنتقل منها إلى حالة أخرى سوى القراءة كالذي يقطع على حزب أو في ركعة ثم يركع، أو نحو ذلك مما يؤذن بانقضاء القراءة والانتقال منها إلى حالة أخرى ولا يكون إلا على رأس آية لأن رؤوس الآي في نفسها مقاطع "١.
٢- ومن ذلك: (الحديث المقطوع) في اصطلاح المحدثين.
وهو المتن المنتهي إلى التابعي فمن دونه من قول أو فعل أو تقرير، حكما أو تصريحا، ويجمع على (المقاطيع) و(المقاطع) ٢.
_________________
(١) ١ النشر في القراءات العشر للحافظ ابن الجزري١/٢٤٠ وانظر الإتقان في علوم القرآن لجلال الدين السيوطي١/٨٨-٨٩. ٢ انظر مقدمة ابن الصلاح ص١٢٥ والتقريب للنووي مع تدريب الراوي للسيوطي ١/١٩٤ ونزهة النظر لابن حجر العسقلاني ص١٤٠-١٤٥.
[ ٢١ ]
٣- ومنه (النعت المقطوع) عند علماء النحو.
وهو النعت الذي خرج من حالة التبعية للمنعوت في الإعراب إلى حالة الاستقلال بالإعراب لأغراض بلاغية، كقولك: جاء الرجلُ العدلَ، ورأيت الرجلَ العدلُ.
وحقيقة القطع في ذلك أن يُجعل النعت خبرا لمبتدأ، أو مفعولا لفعل.
وقد يطلق القطع في النحو على قطع الاسم عن الإضافة أي: كونه غير مضاف، فالاسم على ذلك (مقطوع عن الإضافة) ١.
٤- ومن ذلك (القطع) في بعض بحور الشعر عند علماء العروض.
وهو: أن يحذف آخر وتده المجموع ويسكن ما قبله، ويسمى البحر بذلك (مقطوعا) لأنه قطعت حركة وتده.
والوتد المجموع: حرفان متحركان بعدهما حرف ساكن، والوتد المفروق: حرفان متحركان بينهما حرف ساكن٢.
٥- ومنه (همزة القطع) أو (ألف القطع) عند علماء التصريف.
_________________
(١) ١ انظر كتاب الكافية في النحو لابن الحاجب مع شرح الرضى ١/٣١٥-٣١٧ وص٢٩٦ وأوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك لابن هشام ٣/٣١٨ وص١١١ والنحو الوافي لعباس حسن ٣/٤٦٨ وما بعدها. ٢ انظر الكافي في العروض والقوافي للخطيب التبريزي ص٣٣ وص١٤٤ والثريا المضية في الدروس العروضية للشيخ مصطفى الغلاييني ص٥ والكامل في العروض والقوافي لمحمد قناوي ص٦٣ والتعريفات للشريف الجرجاني ص١٧٨.
[ ٢٢ ]
وهي: الهمزة التي تثبت في الابتداء بالكلمة ولا تسقط في دَرَج الكلام، أي: عند وصل الكلمة بغيرها، ومثالها: الهمزة في (إبراهيم وإخراج وأَعطى وأحمد وأحمال وأقِمْ)، وهذه الهمزة في مقابلة همزة الوصل التي تثبت في الابتداء دون الوصل١.
٦- وقد يطلق في كتب الفقه (القطع) و(قاطع) و(مقطوع) على قطع الطَرَف جناية أو قصاصا وما يتعلق به٢، وربما أطلق ذلك على قطع الطريق٣.
ومن الاستعمال المعاصر للقطع في معناه الأصولي: عبارة (ممنوع الوقوف والانتظار قطعيا) في إشارات تنظيم المرور والسَّير، والمقصود منها سلب العذر عن الواقف والمنتظر في المحل المشار إليه بذلك مهما كان احتمال وقوفه وانتظاره٤.
_________________
(١) ١ انظر كتاب الألفات لابن خالويه ص٦٩ والقول الفصل في التصغير والنسب والوقف وهمزة الوصل لعبد الحميد عنتر ص٢٠٦. ٢ انظر مثلا: نهاية المحتاج ٧/٢٨٣، ٢٨٤، ٢٨٥، ٤٣٩ فما بعدها. ٣ انظر مثلا: الفقه الإسلامي وأدلته ٦/١٢٩-١٣٥، ١٤١. ٤ انظر في معنى إشارة (ممنوع الوقوف والانتظار) في دراسة إدخال تعليم سلامة المرور في مقررات المرحلة المتوسطة للتعليم العام لمجموعة من الدارسين ص٦٥، وتوجد هذه العبارة كثيرا بإضافة (قطعيا) في الواقع المشاهد.
[ ٢٣ ]
عبارات القطع في أصول الفقه:
القطع معنى يصف به علماء أصول الفقه ﵏، أمورا كثيرة:
فيصفون به الدليل كقولهم: (دليل قطعي) ونحو ذلك١.
ويصفون به الحكم مثل قولهم: (حكم قطعي) و(حكم مقطوع به) ٢.
ويصفون به المسألة كقولهم: (مسألة قطعية) أو (مسألة مقطوع بها) ٣.
بل ويصفون به الجواب عن الاعتراض ومن ذلك قولهم: (جواب قطعي) أو (جواب قاطع) ٤.
ويصفون بالقطع أمورا أخرى غير ذلك٥.
غير أن مدار كل ذلك على قطعية الدليل لأن قطعية الحكم بحسب الدليل القطعي عليه، والمسألة تكون قطعية لأن الدليل المستدل به فيها
_________________
(١) ١ سيأتي الكلام على ذلك مفصلا - قريبا - إن شاء الله تعالى. ٢ انظر مثلا: المستصفى للغزالي (بولاق) ٢/٢٣١،٢٥٧ والمحصول لفخر الدين الرازي ١/٨٣ والتحرير مع التقرير والتحبير١/١٨. ٣ انظر مثلا: المستصفى٢/٢٠-٢١. ٤ انظر مثلا: المحصول٥/٨٦-٨٧. ٥ مثل: الوجه القاطع والرأي القاطع (انظر البرهان ١/٤٠٥، ٢/٤٨٥)، والبيان القاطع (انظر المستصفى ٢/١٥)، والعلامة القاطعة (انظر الموافقات ٤/٨٣)، والتصديق القاطع (انظر شرح الكوكب المنير ١/٦٣-٦٤)، والقرينة القاطعة (انظر مسلم الثبوت مع فواتح الرحموت ٢/٢١٤-٢١٥)، والدلالة القاطعة (انظر تلخيص التقريب للجويني ١/١٦٧-١٧٠) .
[ ٢٤ ]
قطعي، والجواب قاطع إذا أُتي فيه بما يفيد القطع، فوصف هذه الأمور بالقطع يدور على قطعية الدليل وينتهي إليها.
وأما القطع في الدليل فإنهم ﵏ يعبرون عنه بعبارات متنوعة، وقفت منها على أربع:
العبارة الأولى: صوغ اسم الفاعل من القطع: (الدليل القاطع) ١.
العبارة الثانية: صوغ اسم المفعول من القطع: (الدليل المقطوع به) ٢.
العبارة الثالثة: صوغ الاسم المنسوب من القطع: (الدليل القطعي) ٣.
العبارة الرابعة: وصف الدليل باقتضاء القطع، أو إيجابه، أو إفادته،
_________________
(١) ١ انظر هذه العبارة في: الأم للإمام الشافعي٤/١٨١ والتقريب والإرشاد للقاضي أبي بكر الباقلاني١/٧٢، ٣٠٨ والبرهان لإمام الحرمين١/١٦٨ والغياثى له أيضا ص/٦٠ والمستصفى للغزالي٢/١٧٩-١٨٠ (بولاق) ٢/٣٦٥ والإحكام للآمدي١/١٦٨ وإحكام الفصول للباجي ص٧١٧ والموافقات للشاطبي٤/١٨٣ وشرح مختصر الروضة لنجم الدين الطوفي٣/٢٩-٣٠ وميزان الأصول في نتائج العقول لعلاء الدين السمرقندي ص٤٣٤،٥٤٥،٥٤٨، ٦٣٩ وجامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر٢/٣٣. ٢ انظر هذه العبارة في: التقريب والإرشاد١/٢٩٥-٢٩٦ والعدة لأبي يعلى الفراء٢/٥٥٥، ٥٥٦، ٥٥٧ والمستصفى ٢/٢١٠-٢١١، ٤٠٢-٤٠٣ والإحكام للآمدي١/٢٣٨-٢٣٩ والبحر المحيط للزركشي ٥/٧٣. ٣ انظر هذه العبارة في: الوصول لابن برهان١/٩٤، ٢/٨٨ والبحر المحيط للزركشي٤/٤٩٨ ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٣/٣١٢-٣١٤ والصواعق المرسلة لابن قيم الجوزية ٣/٧٩٧ والموافقات٣/١٥-١٦ وانظر أصول الشاشي/٣٧٩ وميزان الأصول للسمرقندي ص٣١٩، ٣٢٠،٥٢٩، ٥٤٥، ٦٣٧، ٧٥٤، ٧٥٧.
[ ٢٥ ]
أو نحو ذلك، مثل: (الدليل المقتضي، أو الموجب، أو المفيد القطع) ١.
أما العبارة الأولى وهي قولهم: (الدليل القاطع) فيجمع على (أدلة قاطعة) أو (أدلة قواطع) وقد يقدّم الوصف ويضاف إلى الموصوف فيقال: (قواطع الأدلة) ٢ وقد يحذف الموصوف فيقال (القواطع) .
والقطع في هذه العبارة صفة للدليل حقيقة بإسناده إليه، فالدليل هو الذي يَقطع، أما الذي يقطعه الدليل فالعلماء يذكرون أمورا كثيرة، إذ يقولون في الدليل: إنه قاطع أو يقطع (العذر) ٣ أو (الاحتمال) ٤ أو نحو ذلك مما يضعف الدليل ويوهن قوته ثبوتا أو دلالة، كالتردد والشك فيه أو
_________________
(١) ١ انظر هذه العبارة ونحوها في: التقريب والإرشاد للباقلاني١/٢٢١ وإحكام الفصول للباجي ص ٢٦٣،٢٦٤،٢٦٥،٥٠٢ وشرح اللمع الشيرازي١/٤٩٨ والتمهيد لأبي الخطاب ٣/١٧٧ وشرح تنقيح الفصول للقرافي/٣٣٩ وشرح العضد على مختصر ابن الحاجب٢/١٦٩ والإبهاج لابن السبكي ١/٢٠٢، ٣/٢٧٧ وأصول السرخسي١/٢٧٧-٢٧٨ وكتاب الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي ١/١٦٧. ٢ وهذا عنوان كتاب في أصول الفقه لأبي المظفر السمعاني، ولأبي المعالي الجويني كتاب "الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد"انظر مقدمته ص٢٣. ٣ انظر: الرسالة للإمام الشافعي/٤٦٠-٤٦١ والتقريب والإرشاد للباقلاني١/٢٨١ والعدة لأبي يعلى ٣/٨٤٣،٨٧٥، ٤/١٣١٦ وإحكام الفصول للباجي ص٢٩٢،٤٨١ وشرح اللمع للشيرازي ١/٤٩٨،٥٠٥، ٢/٦٠٠،٦٥٤ وأصول السرخسي١/٢٧٧-٢٧٨ الموافقات ٤/١٨٣ وتفسير ابن جرير الطبري ٨/٥٨-٥٩ وجامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ٢/٣٣،٤٠ ودرء تعارض العقل والنقل لابن تيمية١/٢٨. ٤ انظر: البرهان للجويني١/٢٣٢ والمستصفى٢/١٥ وتقويم الأدلة لأبي زيد الدبوسي٢/٤٣٣.
[ ٢٦ ]
الشبهة١ أو الخلاف٢.
وأما العبارة الثانية وهي قولهم: "الدليل المقطوع به" فيجمع على (أدلة مقطوع بها)، والدليل فيها موصوف بالقطع لكنه - في الحقيقة - الأمر الذي حصل به القطع كأنه آلة القطع وليس القاطع نفسه، فيكون تقدير هذه العبارة: (يَقطع موردُ الدليل أو المستدلُ به العذرَ أو الاحتمال بالدليل)، فالقاطع مورد الدليل أو المستدل به، والعذر أو الاحتمال مقطوع، والدليل مقطوع به.
وقد يحذف الجار في هذه العبارة - وهو الباء من (به) - فيستتر الضمير بعد حذف الجار فيقال: (دليل مقطوع) توسعا بالتعدية إلى الضمير بدون توسط حرف الجر٣.
وقد يُعبّر بالقاطع عن المقطوع به فيقال: (دليل قاطع) ويراد (دليل مقطوع به) من باب إسناد ما للفاعل إلى المفعول، لأن القاطع حقيقة - كما سبق - هو مورد الدليل أو المستدل به، لكن يسند فعله (وهو القطع)
_________________
(١) ١ انظر استعمال الشبهة في معنى قريب من الاحتمال في الأم للإمام الشافعي٤/١٨١ وأصول الشاشي٣٧٩. ٢ انظر إطلاق أن الدليل يقطع حكم الخلاف أو نحو ذلك في شرح العمد لأبي الحسين البصري ١/٢١٩،٢٤٤، وهذا يكون في القطعي المطلق الذي يستوي فيه الناظرون، انظر أثر الخلاف في منع القطعية صخطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة. من هذا البحث. ٣ انظر الإبهاج للسبكي١/٤٠.
[ ٢٧ ]
إلى الدليل (وهو المفعول به) لملابسة فاعل القطع والمفعول به كليهما لفعل القطع، كما ورد مثل ذلك في قوله تعالى: ﴿فَهُوَ فيِ عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ ١ أي: مرضية٢.
ويعدّي أهل العلم - رحمهم الله تعالى - القطع بالباء كما في الأمثلة السابقة، وقد تكون تعدية القطع في هذه العبارة ب (على)، فيقال: (دليل مقطوع عليه) أو (دليل مقطوع على مُغَيَّبِه) ٣ أو نحو ذلك، وذلك محمول - والله أعلم - على أحد أمرين:
الأول: أن ذلك من باب تعدية القطع إلى مدلول الدليل دون ضميره كما في أصل العبارة، فيكون تقدير العبارة - على هذا -: (يُقطع بالدليل على مغيبه)، فالدليل مقطوع به على مغيبه٤.
_________________
(١) ١ سورة القارعة (٧) . ٢ انظر شرح المحلي على جمع الجوامع١/٢٢ وقال البغوي في تفسير الآية: " ﴿رَاضِيَة﴾: مرضية في الجنة، قال الزجاج: ذات رضا، يرضاها صاحبها "تفسير البغوي٤/٥١٩ وانظر تفسير الخازن ٧/٢٣٧. ٣ انظر المعتمد لأبي الحسين البصري ٢/١١٣-١١٥، و١/٣٧٧،٢/٤٣،٥٤،٥٨، ٦٨ وشرح العمد للمؤلف السابق ١/١٢٢، ١٤٣،٢٧٤،٣٣٨،٣٤٦ والعدة لأبي يعلى ٢/٤٩٧،٥٦٨، ٧٨١، ٣/٨٨١،٩٩٩،١١٦٢ وإحكام الفصول للباجي/٥٠٢، والتمهيد لأبي الخطاب ٢/١٢، ٣/٩٣. ٤ ومعنى هذه العبارة (خبر مقطوع على مغيبه) أي: على مدلوله الغائب عن المبلَّغ، فيقطع بهذا المغيب كأنه شاهده أو سمعه، وانظر خصوص هذه العبارة في المعتمد٢/١١٣-١١٥ وإحكام الأحكام لابن حزم١/١١٦-١١٧.
[ ٢٨ ]
الأمر الثاني: أن تكون تعدية القطع ب (على) والباء في الاستعمال بمعنى، فيقال: جوازا (دليل مقطوع به) أو (مقطوع عليه) .
وهو استعمالٌ كثير عند أبي الحسين البصري١ في المعتمد وشرح العُمَد٢.
وموافقة (على) للباء في المعنى استعمال سائغ في اللغة، ومن ذلك قوله تعالى - عن موسى ﵇ -: ﴿حَقِيقٌ عَلَىَّ أَنْ لاَ أَقُولَ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ﴾ ٣ قال النحاس رحمه الله٤: في بيان معنى ﴿حَقِيقٌ﴾: " بمعنى جدير وخليق، يقال: فلان خليق بأن يفعل وجدير بأن يفعل وعلى أن يفعل
_________________
(١) ١ هو محمد بن علي بن الطيب، أبو الحسين البصري، من أئمة المعتزلة، أصولي متكلم، من تصانيفه: المعتمد في أصول الفقه، وشرح الأصول الخمسة، توفي سنة (٤٣٦) هـ. انظر سير أعلام النبلاء ١٧/٥٨٧-٥٨٨ وشذرات الذهب لابن العماد الحنبلي٣/٢٥٩ والفتح المبين في طبقات الأصوليين١/٢٣٧. ٢ فهو يقول مثلا: "النص المقطوع عليه "شرح العمد١/٣٤٦، ويقول: "الكتاب والسنة المقطوع عليها "شرح العمد١/١٤٣، ويقول: "يقطعون على لزوم الحكم "المعتمد٢/٦٤. وقد سبقت - قريبا - الإشارة إلى مواضع أخرى من ذلك. ٣ سورة الأعراف (١٠٥) . ٤ هو أحمد بن محمد بن إسماعيل أبو جعفر النَّحَّاس، نحوي أديب مفسر، من تصانيفه: إعراب القرآن، تفسير أبيات سيبويه، الناسخ والمنسوخ، توفي سنة (٣٣٨) هـ. انظر وفيات الأعيان لابن خلكان١/٩٩-١٠٠ وسير أعلام النبلاء١٥/٤٠١-٤٠٢ والأعلام للزركلي ١/٢٠٨.
[ ٢٩ ]
بمعنى واحد "١.
ومن ذلك ورود (على) في المعاوضات المحضة، كالنكاح والبيع والإجارة٢، ومنه قوله تعالى - عن شعيب ﵇ -: ﴿إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ ٣، وتقول: "بعتك هذا الثوب على درهم " ونحو ذلك: أي بدرهم، وذلك من باب تناوب حروف الجر٤.
وأما العبارة الثالثة وهي قولهم: (الدليل القطعي) فيجمع على (أدلة قطعية)، وقد يحذف الموصوف فيقال (قطعيات) .
والدليل في هذه العبارة موصوف بالقطع لكن النسبة هنا مطلقة لا
_________________
(١) ١ إعراب القرآن لأبي جعفر النحاس١/٦٢٨، وانظر موافقة الباء (على) في الاستعمال في حروف المعاني لأبي القاسم الزجاجي ص٨٦ وحروف المعاني لعبد الحي حسن كمال ص١٧٩، ويدل على ذلك ما ذكر القرطبي من أن الآية في قراءة أُبيّ والأعمش: (حقيق بأن لا أقول) بالباء بدل (على) انظر تفسير القرطبي٧/٢٥٦. ٢ النكاح في الشرع: عقد يرد على تمليك منفعة البضع قصدا. والبيع: مبادلة المال المتقوم بالمال المتقوم تمليكا وتملكا. أما الإجارة: فهي عبارة عن العقد على المنافع بعوض هو مال. انظر التعريفات للجرجاني: ص٢٤٦،٤٨،١٠. ٣ سورة القصص (٢٧) وانظر تفسير القرطبي١٣/٣٧٣. ٤ انظر أصول البزدوي مع شرحه كشف الأسرار٢/١٧٣ والبحر المحيط للزركشي٢/٣٠٦. وانظر مسألة تناوب حروف الجر وما يشترط فيه ومذاهب علماء العربية فيها في النحو الوافي لعباس حسن ٢/٤٩٦-٥٠١.
[ ٣٠ ]
تشعر بكون الدليل هو القاطع كما في العبارة الأولى، أو بكونه المقطوع به كما في العبارة الثانية.
وأما العبارة الرابعة وهي نحو قولهم: "الدليل المقتضي أو الموجب أو المفيد القطع" فيجمع على (أدلة مقتضية أو موجبة أو مفيدة القطع) .
وهي قريبة من العبارة الأولى (الدليل القاطع)، لأن اقتضاء الدليل القطع وإيجابه له ظاهره أنه يُلزم من ينظر فيه القطع ويلجئه إليه، وذلك يخرج الدليل عن كونه مثل الآلة المجردة في القطع كما هو ظاهر العبارة الثانية (الدليل المقطوع به) . والله تعالى أعلم.
ألفاظ بمعنى القطع في استعمال الأصوليين:
١- العلم:
وقد اختلف استعمال العلماء للعلم والقطع:
- فالعلم عند بعضهم مرادف للقطع واليقين مرادفة مطلقة، فلا يستعمل لما دون القطع واليقين إلا على سبيل التجوز في الاستعمال، بل ذلك عند
بعضهم ضرب من التناقض في القول وعدم التحقيق فيه١، وعلى
_________________
(١) ١ انظر تلخيص التقريب للجويني١/١٦٧-١٧٠، ٢/٢٣٦ وإحكام الأحكام لابن حزم١/١٤٢-١٤٣ وإحكام الفصول للباجي ص٣٢٤ والمستصفى٢/١٧٩-١٨٠ والبحر المحيط للزركشي ٤/٢٦٣ وشرح الكوكب المنير١/٦٣-٦٤ وتقويم الأدلة للدبوسي ٣/١٠٥١-١٠٥٣ وفواتح الرحموت مع مسلم الثبوت ١/١٢-١٣.
[ ٣١ ]
هذا جاء تعريفهم للعلم كقولهم: "هو عبارة عن أمر جازم لا تردد فيه ولا تجويز "١، أو أنه "عبارة عن صفة يحصل بها لنفس المتصف بها التمييز بين حقائق المعاني الكلية حصولا لا يتطرق إليه احتمال نقيضه"٢.
- والعلم عند بعض آخر من العلماء أعم إطلاقا من القطع، فالظاهر الراجح عند هؤلاء علم وإن لم يكن علما مقطوعا به٣، فالعلم على هذا يطلق على القطع، وعلى ما دونه، وهو العلم الظاهر أو علم غالب الرأي.
وعلى هذا ظاهر استعمال الشافعي٤ - ﵀ - للعلم في كتابه (الرسالة)، يدل على ذلك قوله: "العلم من وجوه: منه إحاطة في الظاهر والباطن، ومنه حق في الظاهر "٥، ومثّل للأول باستقبال الكعبة إذا
_________________
(١) ١ المستصفى١/٧٦-٧٧. ٢ الإحكام للآمدي١/١٣ وانظر المحصول١/٨٣ وشرح مختصر الروضة١/١٥٦ والتحرير مع التيسير ١/٢٥. ٣ انظر التمهيد لأبي الخطاب٣/٥٢ ومجموع فتاوى ابن تيمية٤/٣٧٠-٣٧١ والبحر المحيط ١/٢١-٨٢ وانظر أصول السرخسي ١/٣٢٦-٣٢٧ ٢/١٢٩ وميزان الأصول للسمرقندي ص٤٣٧،٥٦٨،٧٣٠ والتحرير مع التيسير١/٢٥ ومسلم الثبوت مع فواتح الرحموت١/١٢-١٣ والثبات والشمول في الشريعة لعابد بن محمد السفياني ص٧٤-٧٥. ٤ هو محمد بن إدريس بن العباس أبو عبد الله الشافعي، من الأئمة المتبعين في الفقه وأصوله، وإليه ينسب المذهب الشافعي، واشتهر بأنه أول من صنف في أصول الفقه مؤلفا مستقلا، صنف فيه الرسالة، ومن تصانيفه: الأم، توفي سنة (٢٠٤) هـ. انظر وفيات الأعيان لابن خلكان٤/٦٣-١٦٩ وسير أعلام النبلاء١٠/٥-٩٩ والفتح المبين للمراغي١/١٢٧-١٣٥. ٥ الرسالة ص٤٧٨-٤٧٩.
[ ٣٢ ]
كان المصلي في المسجد الحرام، وبفرضية الصلاة والزكاة والحج، ومثّل للثاني باستقبال القبلة إذا كان المستقبل بعيدا عن المسجد الحرام حيث لا يقطع بإصابة البيت، وبقبول عدالة المسلم بما ظهر من إسلامه فيناكح ويوارث، وقد يكون غير عدل في الباطن فلا يقطع من ظاهر حاله أن باطنه كذلك١!
وهو -﵀- إذا أراد العلم القطعي قيد مطلق العلم ب (الإحاطة) كقوله: "والعلم يحيط "٢ وقوله: "أحاط العلم"٣ وقوله: "يعلم بإحاطة"٤، فالدال على القطع في عبارته كلمة: (إحاطة) المقيِّدة لمطلق العلم، ومعناها: إحاطة العلم بظاهر الدليل وباطنه، كقوله فيما سبق: "علم
إحاطة في الظاهر والباطن "وقوله: "حق في الظاهر والباطن "٥،
_________________
(١) ١ انظر الرسالة ص٤٨٠. ٢ الرسالة ص٥٩، ٦١،٣٠٠،٣٢٣،٤٠٠،٤٨٨،٤٩١. ٣ الرسالة ص٦٣،٣٩٩. ٤ الرسالة ص٤٨٩. ٥ الرسالة ص٤٧٨،٤٨٥،٤٨٦. يقول الشاطبي: "المراد بالظاهر هو المفهوم العربي، والباطن هو مراد الله من كلامه وخطابه "الموافقات٣/٣٨٣-٣٨٤ وانظر٣/٣٨٦، ٣٨٨، وقال محمد أديب صالح في كتابه: تفسير النصوص١/٣٧٣ حاشية رقم (٢): " (الظاهر) في كلام الشافعي والطبري وغيرهما - كما يبدو من مواطن - يراد به: ما تعرفه العرب من كلامها في مخاطبتها، أما (الباطن): فهو ما يدركه العلماء من طريق الفقه والاستنباط، وليس (الباطن) الذي يتسلح به أهل الضلالة والأهواء عند تفسيرهم للنصوص، فيؤولون تلك التأويلات الباطلة التي لا يصلها بالعربية نسب، ولا تتفق مع مفهومات الشريعة في قليل ولا كثير "وانظر كتاب منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة للشيخ عثمان علي حسن١/٤٠٢-٤٠٥.
[ ٣٣ ]
وقد يستثني - ﵀ - بالمشيئة فيقول: "فالعلم - إن شاء الله - يحيط"١ أو "فالعلم يحيط إن شاء الله"٢.
وتقييد العلم بالإحاطة أوتمييزه بها أسلوب ورد في القرآن الكريم مثل قوله تعالى: ﴿وَلاَ يحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ﴾ ٣ وقوله: ﴿وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ ٤ وقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ ٥ وقوله: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُّ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ ٦، وقد ذكر العلماء - ﵏ - في تفسير هذه الآيات معنى مقاربا لما سبق من استعمال الشافعي رحمه الله تعالى٧، كما ذكر أهل اللغة أن معنى (أحاط بالشيء علما): أنه بلغ أقصى العلم به ظاهرا وباطنا٨.
_________________
(١) ١ الرسالة ص٤٠٠. ٢ الرسالة ص٦١، ولعل هذا من باب الاستثناء في الأمور المجزوم بها، مثل الاستثناء في الإيمان عند السلف كقولهم: أنا مؤمن إن شاء الله، ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامِ إِنْ شَاءَ اللهُءَامِنِينَ﴾ الآية (٢٧) من سورة الفتح. انظر مجموع الفتاوى ٣/٢٨٩-٢٩٠. ٣ سورة البقرة (٢٥٥) . ٤ الطلاق (١٢) . ٥ طه (١١٠) . ٦ النمل (٢٢)، وفي هذا استعمال الإحاطة نفسها بمعنى العلم. ٧ انظر البحر المحيط لأبي حيان٢/٢٧٩ وفتح القدير للشوكاني١/٤٨،٤/١٣٢ وانظر قريبا من ذلك في تفسير الطبري١٩/٩١ وتفسير القرطبي١٨/١٧٦. ٨ انظر الصحاح ٣/١١٢١ ولسان العرب٧/٢٨٠ والقاموس المحيط٤/٣٦٨-٣٦٩ والمصباح المنير للفيومي ص ٥٧.
[ ٣٤ ]
والعبارة ورد استعمالها في المعنى نفسه عند بعض من جاء بعد الشافعي من الأصوليين كالسرخسي١ ٢.
وكل ما سبق يجعل تقييد العلم بالإحاطة - للدلالة على قوته - أسلوبا أصيلا في اللغة وفي أصول الفقه، كما أن في ذلك إشارة إلى جواز استعمال مطلق العلم في ما دون القطع.
ويؤيد قول من جعل العلم أعم إطلاقا من القطع ما ورد من استعمال العلم في ذلك في النصوص نحو قوله ﷿: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ ٣ ومعرفة إيمانهن هي بحسب ما ظهر مع احتمال خلاف ذلك، ونحو قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ٤ ويجب اتباع ما لا يفيد القطع من الأدلة وغيرها إذا أفاد ظنا غالبا وكان ظاهرا راجحا.
وهذا وأمثاله على رأي الفريق الأول من باب التوسع والتجوز مثل: استعمال الظن بمعنى العلم٥، أو يجعلون العلم في الآية الأولى بمعنى العلم
_________________
(١) ١ هو محمد بن أحمد بن أبي سهل، شمسُ الأئمة، أبو بكر السرخسي، من أئمة الحنفية في الفقه وأصوله، من تصانيفه: المبسوط في الفقه، وكتاب في أصول الفقه (أصول السرخسي)، توفي سنة (٤٣٨) هـ. انظر الفوائد البهية في تراجم الحنفية لأبي الحسنات اللكنوي/١٥٨-١٥٩ والأعلام للزركلي٦/٢٠٨ والفتح المبين في طبقات الأصوليين١/٢٦٤-٢٦٥. ٢ انظر استعمال السرخسي للعبارة في أصول السرخسي١/٣٧٤. ٣ الممتحنة (١٠) . ٤ الإسراء (٣٦) . ٥ انظر تلخيص التقريب٢/٢٣٦.
[ ٣٥ ]
بالتلفظ بالشهادة وذلك عندهم ظاهر الإيمان١، وفي الآية الثانية أن وجوب اتباع ما ليس بقطعي هو فيما دل الدليل القطعي على وجوب اتباعه٢.
- وجمع بعض العلماء بين الرأيين بأن للعلم إطلاقين هو في أحدهما خاص بالقطعي، وفي الآخر للقدر المشترك بين القطع وما دونه من الرجحان٣.
_________________
(١) ١ الحق أن الإيمان في الشرع: قول وعمل واعتقاد، ومما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانكم﴾ سورة البقرة (١٤٣) أي صلاتكم، وحديث: "الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان "أخرجه أبو داود وابن ماجه والنسائي وهو حديث صحيح. انظر سنن أبي داود مع عون المعبود١٢/٤٣٢-٤٣٣ وسنن النسائي٨/١١٠ وسنن ابن ماجه١/٢٢، وصحيح سنن النسائي للألباني٣/١٠٣٠. وانظر تفصيل المسألة في كتاب الإيمان لشيخ الإسلام ابن تيمية ص١٦٢-١٦٣، ٢١١ فما بعدها، ومعارج القبول بشرح سلم الوصول للشيخ حافظ الحكمي ٢/٥٨٧-٥٩٥. ٢ انظر المستصفى٢/١٧٩-١٨٠. هذا، وقد فرّق الآسنوي بين العلم والقطع من وجه آخر، وهو: أنهما يشتركان في كونهما لليقين، لكن العلم خاص بيقين مستند إلى دليل، والقطع عام فيما استند إلى دليل وما لم يستند إلى دليل كقطع المقلِّد. انظر نهاية السول١/٤٤. وهذا التفريق لا يخرج العلم عن كونه مثل القطع في اليقينية، فهو مثل القول الأول بالنظر إلى أصل القطعية، والفرق بينه وبين القول الأول أن القطع هنا قد يكون لغير دليل بخلاف العلم. والله أعلم. وفرق الحافظ ابن حجر بين (العلم النظري) و(العلم القطعي) وجعل الثاني أقوى من الأول، بأن الأول يقبل الترجيح أما الثاني فلا يبقى فيه للترجيح مسلك. انظر النكت على ابن الصلاح ١/٣٧٩ ونزهة النظر ص٧٣. وهذا مثل قول من جعل القطع أخص من العلم. ٣ انظر المحصل للفخر الرازي/١٣٢ وبيان المختصر١/١٨،٢٣،٤٨ والإبهاج للسبكي١/٣٠، ٢/٥ والتوضيح على التنقيح١/١٨.
[ ٣٦ ]
والذي تطمئن إليه النفس هو الرأي الثاني، وهو أن العلم أعم من القطع، لقوة ما يدل على ذلك كما سبق، والله أعلم.
٢- اليقين١:
إلا أن أبا الوليد الباجي٢ - ﵀ - فرق بين العلم واليقين، بأن اليقين أعم من العلم، قال: "لأن العلم يتضمن التيقن ومن علم شيئا تيقنه وقد يتيقن بغير علم.. "٣، ونقل عن الإمام مالك٤ - ﵀ - عبارة تشير إلى ذلك، وهي قوله: "إن لغو اليمين هو: أن يحلف الرجل على الشيء يتيقنه وهو على خلاف ما حلف عليه "٥.
_________________
(١) ١ انظر المستصفى١/١٣٥ والإحكام للآمدي١/٦٨ وبيان المختصر١/١٨ والإبهاج لابن السبكي ١/٣٢٣-٣٢٤ وميزان الأصول لعلاء الدين السمرقندي ص٩،٤٥٠. ٢ هو سليمان بن خلف بن سعد، أبو الوليد الباجي، فقيه أصولي، من تصانيفه: إحكام الفصول في أحكام الأصول، في أصول الفقه، وكتاب الحدود، والمنتقى شرح الموطأ، توفي سنة (٤٧٤) هـ. انظر الديباج المذهب ١/٣٧٧-٣٨٥ سير أعلام النبلاء ١٨/٥٣٥-٥٤٥. ٣ الحدود للباجي ص٢٨. ٤ هو مالك بن أنس بن مالك، أبو عبد الله الأَصبحي الحميري ثم المدني، إمام دار الهجرة وأحد أعلام الأئمة، ينسب إليه المذهب المالكي، أشهر مصنفاته: الموطأ، وذُكر له رسالة في القدَر، وأخرى في الأقضية، ورَوى عنه أصحابه مسائل كثيرة تضَمّن منها كتابُ (المدونة)، توفي سنة (١٧٩) هـ. انظر الديباج المذهب ١/٥٥ فما بعدها، حلية الأولياء٦/٣١٦-٣٥٥ ووفيات الأعيان ٤/١٣٥-١٣٨ وسير أعلام النبلاء٨/٤٣-١٢١. ٥ الحدود ص ٢٨.
[ ٣٧ ]
وفُرِّق بينهما - أيضا - بأن اليقين خاص بالعلم الحاصل عن نظر واستدلال، ولذلك لا يوصف به علم الله تعالى١، ولعل من هذا تعريف علماء اللغة اليقين: بأنه العلم وزوال الشك٢.
ويجعل بعض العلماء لليقين ثلاث درجات في القطعية، هي: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين، ويمثل في التفريق بين تلك الدرجات بأن كل من عقل الموت فهو يعلمه علم اليقين! فإذا احتُضر وعاين مقدمات الموت وأخذته سكراته ورأى الملائكة فقد رأى الموت عين اليقين! فإذا انقضى روحه وذاق الموت فقد تحققه حق اليقين٣!
٣- الجزم:
ومن الألفاظ المرادفة للقطع في استعمال بعض الأصوليين: الجزم٤.
_________________
(١) ١ انظر مصباح المنير ص٦٨١ والكليات لأبي البقاء ٥/١١٦. ٢ انظر المحكم لابن سيده٦/٣١٥ والصحاح٦/٢٢١٩ ومعجم مقاييس اللغة٦/١٥٧ ولسان العرب ١٣/٤٥٧. ٣ انظر التعريفات للشريف الجرجاني ص٣٨٦ والكليات لأبي البقاء٥/١١٦-١١٧ وذكرها الراغب في المفردات ص٨٤٨ وأشار إلى تفريق بعضهم بينها. وانظر التفريق بين علم اليقين وعين اليقين في عبارةٍ للقرطبي في تفسيره ٣/٣٠٠، ونَقَل الزركشي التفريق عن بعض العلماء انظر البحر المحيط١/٥٦. ٤ انظر الإبهاج لابن السبكي١/٣٢٣-٢٣٤.
[ ٣٨ ]
معنى القطع في اصطلاح الأصوليين:
والقطع في اصطلاح الأصوليين يطلق على معنيين:
الأول: الحكم الجازم مع عدم احتمال النقيض مطلقا١.
الثاني: الحكم الجازم مع عدم احتمال النقيض احتمالا ناشئا عن دليل.
والقطع بالمعنى الأول أخص منه بالمعنى الثاني، لأنه على المعنى الثاني لا يمنع من القطع الاحتمالُ البعيد الذي لا ينشأ عن دليل فيكون الحكم قطعيا مع مثل هذا الاحتمال٢.
وفرق بعض العلماء بين المعنيين في التعبير، وذكر أن المعنى الأول الأخص يسمى: علم اليقين، والمعنى الثاني الأعم يسمى: علم الطمأنينة٣.
_________________
(١) ١ تعريف القطع على هذا المعنى هو تعريف العلم تماما عند من رأى أنهما مترادفان. واحتمال النقيض هنا يشمل كل ما يضعف الدليل ثبوتا أو دلالة، كالتردد والشك فيه، وكذا الاختلاف فيه عند من يرى أن الاختلاف يزيل القطعيةكما سبق قريبا، وسيأتي - إن شاء الله - تعالى التفصيل في هل الاختلاف يمنع القطعية ص (خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.) . ٢ انظر التوضيح على التنقيح لصدر الشريعة١/١٢٩ وفواتح الرحموت مع مسلم الثبوت ٢/١٩، ٢١٤-٢١٥،٣٧٧،٣٧٩ وحاشية المطيعي على نهاية السول ٤/١٥ والمعدول به عن سنن القياس للدكتور عمر بن عبد العزيز محمد ص٤٨ وحاشية رقم (٢)، وتفسير النصوص لمحمد أديب صالح ١/١٥٥، ١٦٨-١٦٩. وذكر الأمير باد شاه أن القطع بالمعنى الأول الأخص يكون في العقائد وهو بالمعنى الأعم مصطلح الفقهاء. انظر تيسير التحرير١/٢٦٧. ٣ انظر التوضيح على التنقيح لصدر الشريعة ١/١٢٩، ٢/٣.
[ ٣٩ ]
ورُدَّ بأن الطمأنينة تطلق على المعنيين، إذ تطمئن النفس إلى كليهما، فيكون معنى علم الطمأنينة على المعنى الأخص للقطع: سكون النفس بكمال اليقين، وإطلاق علم الطمأنينة في المعنى الأعم حيث قارب غيرُ القطع حدَّ اليقين١.
ويتفرع على هذا الاختلاف في معنى القطع الاختلاف في الاعتداد بالاحتمال في رفع القطعية عن الدليل، أيعتد بمطلق الاحتمال أم لا يعتد منه إلا بما كان قريبا له ما يؤيده٢.
_________________
(١) ١ انظر المرجع السابق. ٢ انظر ص (خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.) .
[ ٤٠ ]
المطلب الثالث: معنى القطعية في الدليل
اشتقاق القطعية من القطع عند الأصوليين:
يصاغ من القطع مصدر مصنوع١ فيقال: (القطعية) أو (قطعية الدليل) للدلالة على السمات والخصائص التي يشتمل عليها القطع في الدليل من القوة الفاصلة في الثبوت والدلالة، واليقين بما دل عليه من الأحكام، وعدم جواز مخالفته، وعدم احتماله التعارض، ونحو ذلك٢.
ومن استعمال القطعية بهذا المعنى قول السبكي٣ رحمه الله تعالى:
_________________
(١) ١ المصدر المصنوع: كل لفظ زيد في آخره ياء مشددة بعدها تاء تأنيث مربوطة ليصير اسما دالا على الخصائص والسمات التي يشتمل عليها ذلك اللفظ، مثل: جاهلية ورهبانية وإنسانية وأنانية. انظر النحو الوافي لعباس حسن٣/١٨٢-١٨٣ والواضح في علم الصرف لمحمد خير الحلواني/١٧١-١٧٣ وشذا العَرف في فنّ الصرف للشيخ أحمد الحملاوي ص٧٣ وكتاب الصرف العربي لفتحي عبد الفتاح الدجني ص١٦٢-١٦٣. ٢ هذا مأخوذ من التعريف السابق للمصدر المصنوع. ٣ هو علي بن عبد الكافي بن علي أبو الحسين تقي الدين السبكي، فقيه أصولي، من تصانيفه: جزء من الإبهاج في شرح المنهاج في أصول الفقه، وله رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب، وهو غير شرح ابنه، توفي سنة ٧٥٦ هـ. انظر طبقات الشافعية لابن السبكي ١٠/١٣٩-٣٣٨ والدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة لابن حجر ٣/١٣٤-١٤٢ والفتح المبين ٢/١٦٨-١٦٩.
[ ٤١ ]
" ومنع بعضهم قطعية هذا الدليل"١.
ول (القطعية) نظائر في أصول الفقه، منها: (الحجية) أو (حجية
_________________
(١) ١ الإبهاج للسبكي١/٤٠ وانظر التحرير مع التيسير١/١٢،٣٩،٩٥،١٤٢،١٤٣ وحاشية المطيعي على نهاية السول١/٣٤،٣٥. هذا هو المراد بلفظ (القطعية) الوارد في عنوان البحث. والمراد بأحكام القطعية في الأدلة الأربعة - وهي موضوع الباب الثاني - مسائل الأدلة الأربعة التي تكون القطعية أو ما في معناها أحدَ طرفي الإسناد، ويكون الطرف الآخر دليلا من الأدلة الأربعة، وذلك بنسبة أحد تلك الأدلة إلى القطعية ثبوتا أو دلالة إيجابا، أو سلبا، وفاقا أو خلافا، كقول أهل العلم رحمهم الله تعالى: كتاب الله ﷿ قطعي الثبوت وفاقا، وقولهم: خبر الواحد قطعي أو خبر الواحد ليس قطعيا والخلاف في ذلك، وقولهم: دلالة العموم قطعية أو ليست قطعية والخلاف في ذلك. والدليل في الاصطلاح: ما يمكن أن يتوصل بالنظر الصحيح فيه إلى القطع أو الظن، وسيأتي - إن شاء الله تعالى - الكلام على الدليل بشيء من التفصيل عند الكلام على التفريق بينه وبين الأمارة ص (خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.)، وانظر تعريف الدليل في: إحكام الفصول للباجي/١٧١ والحدود للباجي ص٣٧ وشرح اللمع للشيرازي١/١٥٥-١٥٦ والمحصول للرازي١/٨٨ والبحر المحيط ١/٣٤-٣٦. أما الأدلة الأربعة في العنوان فهي كتاب الله تعالى وسنة النبي ﷺ وإجماع هذه الأمة والقياس على ما ثبت بدليل، وقد اختصت هذه الأدلة بأنها مما اتفق عليه العلماء المحققون والأئمة الأعلام ومن يعتد بخلافهم، اتفقوا على أنها أدلة وطرق منصوبة للوصول إلى الأحكام الشرعية، وهي التي يقصدها كثير من العلماء إذا أطلقوا (الأدلة الأربعة) أو (الأصول الأربعة) عند بيان أدلة الفقه وأصوله. انظر قواطع الأدلة لابن السمعاني ورقة٢/أ-ب، ونهاية السول للآسنوي ١/٤٦ والموافقات٣/٥ وشرح الكوكب المنير٢/٥-٦ وأصول الشاشي ص١٣ وأصول البزدوي مع شرحه كشف الأسرار١/٢٠ والتلويح على التوضيح ١/١٩.
[ ٤٢ ]
الدليل) أي كونه حجة يجب العمل به، ومنها: (العلية) أو (علية الوصف) بمعنى كونه علة.
معنى القطعية في الدليل:
من معنيي القطع عند الأصوليين يكون معنى القطعية في الدليل عندهم، فعلى المعنى الأول الأخص للقطع يكون معنى القطعية في الدليل: كون الدليل بحيث لا يكون في ثبوته ولا في دلالته١ احتمال مطلقا، وعلى المعنى الثاني الأعم يكون معنى القطعية في الدليل: كون الدليل بحيث لا يكون في ثبوته ولا في دلالته احتمال ناشئ عن دليل.
فالقطعية في الدليل الشرعي معناها: بلوغ الدليل أقصى القوة في ثبوته وإضافته إلى مصدره، وأقصى القوة في دلالته على المراد منه ولا يبقى فيه شك ولا احتمال، فيُسكت هذا النوع من الدليل المعاندَ اللدود، ويذهب سلاطة لسانه وحدّته، وسلاقة منطقه ولحن قوله، ويبكّته بالحق المبين وفصل الخطاب، ويبيّن زيف شبهه ويبطلها، وينقطع عذر من خالفه بعد الوقوف عليه، ويتوجه إليه الذم والمؤاخذة، إذ خالف ما ليس له في مخالفته حق ولا عذر.
وذلك مثل الدليل على توحيد الله، فقد بلغ من القوة أقصاها حتى
_________________
(١) ١ سيأتي مبحث خاص في جهتي القطعية في الدليل (الثبوت والدلالة) ص (خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.) . وقد يقيد القطعية في الدليل بإحدى الجهتين فيقال: دليل قطعي الثبوت، أو نص قطعي الدلالة. انظر - بشيء من التصرف - البحر المحيط للزركشي ٢/٢٩.
[ ٤٣ ]
سماه المولى - ﷾ - الحجةَ البالغة، فقال ﷿: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَءَابَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِنْ شَيْء كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تُخْرِصُونَ. قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ البَالِغَةُ﴾ الآية١.
وفي كلام علماء التفسير ما يدل على أن المراد بالحجة البالغة هنا الدليل القطعي بالاصطلاح السابق، قال ابن جرير الطبري٢: "ويعني بالبالغة: أنها تبلغ مراده في ثبوتها على من احتج بها عليه من خلقه وقطع عذره إذا انتهت إليه"٣، وقال القرطبي٤ في تفسير الحجة البالغة: "أي التي تقطع عذر المحجوج وتزيل الشك عمن نظر فيها"٥.
_________________
(١) ١ الأنعام (١٤٨،١٤٩) . ٢ هو محمد بن جرير بن يزيد، أبو جعفر الطبري، الإمام المفسر المؤرخ المجتهد، من تصانيفه: أخبار الرسل والملوك (تأريخ الطبري)، وجامع البيان في تفسير القرآن (تفسير الطبري)، واختلاف الفقهاء. توفي سنة (٣١٠) . انظر سير أعلام النبلاء ١٤/٢٦٨-٢٨٢ وطبقات المفسرين للداودي ٢/١٠٦-١١٤ وطبقات الشافعية ٣/١٢٠-١٢٨ والأعلام ٦/٢٩٤. ٣ تفسير الطبري٨/٥٨-٥٩. ٤ هو محمد بن أحمد بن أبي بكر الأنصاري، أبو عبد الله القرطبي، مفسر فقيه، من تصانيفه: جامع أحكام القرآن في التفسير، وشرح الأسماء الحسنى، والتذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة، توفي سنة (٦٧١) هـ انظر الديباج المذهب لابن فرحون٢/٣٠٨-٣٠٩ وطبقات المفسرين للداودي٢/٦٥-٦٦. ٥ تفسير القرطبي٧/١٢٨.
[ ٤٤ ]
المبحث الثاني: الأدلة الشرعية من حيث القطعية وعدمها
مذهب جماهير أهل العلم أن الأدلة الشرعية السمعية١ منها ما يفيد العلم القطعي واليقين، بحيث لا يبقى عند من نظر فيه في ثبوته ولا في دلالته على المراد منه احتمال ولا تردد ولا اشتباه، وتثبت به أحكام قطعية، وأن منها - دون ذلك - أدلة ظاهرة عرضة للاحتمال وقابلة للتردد في ثبوتها ودلالتها أو أحدهما، ويثبت بها أحكام ظاهرة وراجحة محتملة، وهي مع
_________________
(١) ١ التحقيق أن الأدلة الشرعية إذا أطلقت شملت الأدلة السمعية (النقلية) والأدلة العقلية التي أقرها الشرع أو استدل بها أو أذن فيها، فالأمثال المضروبة في القرآن الكريم على التوحيد والمعاد وصدق الرسل وغيرها أدلة شرعية، وإن كانت عقلية بمعنى أن العقل يعلمه، لأن نسبة الدليل إلى الشرع معناه أنه نصبه دليلا باستدلاله به أو إذنه في ذلك ولو كان عقليا، لكن أكثر العلماء لا يعني مثل هذه الأدلة العقلية عند كلامه على الأدلة الشرعية وتقسيماتها، بل يقصد بالدليل الشرعي ما يقابل العقلي مطلقا، فيكون الدليل السمعي على اصطلاح أكثر العلماء مرادفا للدليل للشرعي ومغايرا للدليل العقلي مطلقا، وعلى التحقيق السابق يكون الدليل العقلي يقابل السمعي (النقلي) أي الذي لا يعلمه العقل ابتداء وإنما يعلم من خبر الصادق المصدوق والنقل عنه. انظر درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ١/١٩٨-١٩٩ وبيان المختصر للأصفهاني١/٤٥٤ والبحر المحيط للزركشي ١/٣٦. لكن المقصود من ذلك هنا في البحث الدليل الشرعي السمعي (النقلي) وهو الذي تثبت به الأحكام العملية (الفقه)، لأن النافي للقطعية في الأدلة الشرعية أو المثبت لها بقيود لا يلزم أن ينفي أو يقيد كون الأدلة الشرعية العقلية على التوحيد والمعاد وصدق الرسل قطعية، والله تعالى أعلم.
[ ٤٥ ]
ذلك واجب العمل بها على من ثبتت عنده حجيتها.
فمن أقوال العلماء في ذلك ما يلي:
- قال الإمام الشافعي ﵀: "العلم علمان: علم عامّةٍ لا يَسَعُ بالغا غيرَ مغلوبٍ على عقله جَهْلُه مثل: الصلوات الخمس، وأن لله على الناس صومَ شهر رمضان، وحجَّ البيت إذا استطاعوه، وزكاةً في أموالهم، وأنه حرّم عليهم الزنا والقتل والسرقة والخمر وهذا الصنف كله من العلم موجود نصا في كتاب الله، وموجود عاما عند أهل الإسلام، ينقله عوامُّهم عمَّن مضى من عوامهم، يحكونه عن رسول الله ولا يتنازعون في حكايته ولا وجوبه عليهم، وهذا العلم العام الذي لا يمكن فيه الغلط من الخبر ولا التأويل، ولا يجوز فيه التنازع"١.
وقال في الوجه الآخر من العلم: هو "ما ينوب العباد من فروع الفرائض وما يُخَص به من الأحكام وغيرها مما ليس فيه نص كتاب ولا في أكثره نص سنة وإن كانت في شيء منه سنة فإنما هي من أخبار الخاصة لا أخبار العامة، وما كان منه يحتمل التأويل ويدرك قياسا"٢.
_________________
(١) ١ الرسالة/٣٥٧-٣٥٩، وفيه إشارة إلى القطعية من الجهتين: (جهة الثبوت) وهي ما ذكره من ثبوت نقله بلا خلاف عند العامة، و(جهة الدلالة) وهي ما ذكره من أنه لا يمكن فيه الغلط ولا التأويل. ٢ الرسالة/٣٥٩، وفيه إشارة إلى أن نفي القطعية قد يكون من جهة الثبوت، وذلك ما ذكره من كون الدليل غير نص من كتاب أو من سنة بل من أخبار الخاصة، وقد يكون من جهة الدلالة، وذلك ما ذكره من كون الدليل بحيث يحتمل التأويل ويستدرك قياسا.
[ ٤٦ ]
- وقال القاضي أبو بكر الباقلاني١ ﵀: "إن جميع ما يستدل به على الأحكام على ضربين: فضرب منها أدلة يوصل صحيح النظر فيها إلى العلم بحقيقة المنظور فيه والضرب الثاني: أمر يوصل صحيح النظر فيها إلى الظن٢ وغالب الظن "٣.
- وقسم أبو بكر الجصاص٤ - ﵀ - الأحكام إلى قسمين: "أحدهما: ما كان لله تعالى عليه دليل قاطع يوصل إلى العلم والثاني:
_________________
(١) ١ هو محمد بن الطيب بن محمد القاضي، أبو بكر الباقلاني، من أئمة الأشاعرة، فقيه أصولي متكلم، من تصانيفه: التقريب والإرشاد في أصول الفقه، والتمهيد في أصول الدين، والتبصرة بدقائق الحقائق، توفي سنة (٤٠٣) هـ. انظر الديباج المذهب لابن فرحون٢/٢٢٨ وسير أعلام النبلاء ١٧/١٩٠-١٩٣ والفتح المبين١/٢٢١-٢٢٣. ٢ الظن: "عبارة عن ترجح أحد الاحتمالين في النفس على الآخر من غير قطع" (إحكام الأحكام للآمدي١/١٣)، "وغلبة الظن زيادة قوة أحد المجوزات على سائرها" (إحكام الفصول للباجي ص١٧١) . وانظر تعريف الظن في اللمع ص٤ والمحصول١/٨٥ والمختصر مع بيان المختصر ١/٥١-٥٤. فالدليل الظني هو الموصل إلى الظن وغالب الظن. ٣ التقريب والإرشاد١/٢٢١-٢٢٢ ولم يسَمّ الضرب الثاني دليلا لأن مصطلح الدليل عنده خاص بما يوصل إلى اليقين. ٤ هو أحمد بن على الرازي، أبو بكر الجصاص، فقيه أصولي حنفي، من تصانيفه: كتاب في أصول الفقه قدم به كتابه: أحكام القرآن، وشرح مختصر الكرخي، وشرح الجامع الصغير والكبير لمحمد بن الحسن، توفي سنة (٣٧٠) هـ. انظر الفوائد البهية ص٢٧-٢٨ شذرات الذهب لابن العماد ٣/٧١. والفتح المبين١/٢٠٣-٢٠٥.
[ ٤٧ ]
ما كان طريق الاجتهاد وغالب الظن ليس عليه دليل قاطع يوصل إلى العلم بالمطلوب "١.
- وقسّم أبو زيد الدبوسي٢ - ﵀ - الأدلة إلى "موجبة للعلم قطعا "، وإلى أخرى "لا توجب إلا غالب الرأي "٣.
- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله٤: "والصحيح أن المسائل تنقسم قسمين: إلى ما يقطع فيه بالإصابة وإلى ما لا ندري أصاب الحق أم أخطأ، بحسب الأدلة وظهور الحكم للناظر" قال: "ولا أظن يخالف في هذا من فهمه"٥.
وقال في موضع آخر: "والعلم بالكائنات وكشفها له طرق متعددة:
_________________
(١) ١ أصول الجصاص ص١٦١-١٦٢. ٢ هو عبيد الله بن عمر بن عيسى القاضي، أبو زيد الدبوسي، فقيه أصولي حنفي، من تصانيفه: تأسيس النظر فيما اختلف فيه أبو حنيفة وصاحباه ومالك والشافعي، وتقويم الأدلة في أصول الفقه، وكتاب الأسرار في الأصول والفروع، توفي سنة (٤٣٠) هـ. انظر الفوائد البهية في تراجم الحنفية للكنوي ص١٠٩ وسير أعلام النبلاء١٧/٥٢١ والفتح المبين١/٢٣٦. ٣ تقويم الأدلة١/٢٣٤-٢٣٥. ٤ هو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام أبو العباس تقي الدين بن تيمية الحراني، من الأئمة المتبحرين في علوم كثيرة نقلية وعقلية، له تصانيف كثيرة منها: منهاج السنة النبوية في الرد على الشيعة والقدرية، الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، درء تعارض العقل والنقل، توفي سنة (٧٢٨) هـ. انظر كتاب الذيل على طبقات الحنابلة٢/٣٨٧-٤٠٨ والدر الكامنة للحافظ ابن حجر١/١٤٥-١٧٠ والفتح المبين في طبقات الأصوليين ٢/١٣٠-١٣٣. ٥ المسودة لآل تيمية/٥٠٤.
[ ٤٨ ]
حسية وعقلية، وكشفية١ وسمعية، ضرورية ونظرية٢ وغير ذلك، وينقسم إلى قطعي وظني وغير ذلك "٣.
وقال ابن القيم رحمه الله٤: "إن ألفاظ القرآن والسنة ثلاثة أقسام: نصوص لا تحتمل إلا معنى واحدا، وظواهر تحتمل غير معناها احتمالا مرجوحا، وألفاظ تحتاج إلى بيان فهي بدون البيان عرضة الاحتمال فالأول يفيد اليقين بنفسه، والثاني يفيده باطراده في موارد استعماله،
_________________
(١) ١ قال الجرجاني في التعريفات ص١٨٤: الكشف في اللغة: رفع الحجاب، وفي الاصطلاح هو: الاطلاع على ما وراء الحجاب من المعاني الغيبية، والأمور الحقيقية وجودا أو شهودا. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن عاقبة الإعراض عن الأدلة الشرعية يؤدي إلى الأخذ بأحد طريقين: إما طريق النُظَّار وهي الأدلة القياسية العقلية وإما طريق الصوفية وهي الطريقة العبادية الكشفية انظر درء تعارض العقل والنقل٥/٣٤٥-٣٤٦. ٢ الضروري هو: ما لا يحتاج إدراكه إلى تأمل، والنظري: ما يحتاج إدراكه إلى تأمل، ويوصف بالضروري والنظري التصور والتصديق، أي: إدراك الأمر مجردا عن نسبته إلى أمر آخر أو إدراكه مع نسبته إلى أمر آخر. انظر آداب البحث والمناظرة للشيخ محمد الأمين ١/٨-١١. وذلك كإدراك الدليل مجردا، وإدراكه مع نسبته إلى القطع، أي أنه قطعي. ٣ مجموع الفتاوى١١/٣٣٥ وانظر١٣/١١٨. ٤ هو محمد بن أبي بكر بن أيوب، أبو عبد الله شمس الدين ابن قيم الجوزية، فقيه أصولي محدث، لازم شيخ الإسلام ابن تيمية وأخذ عنه، من تصانيفه: اعلام الموقعين عن رب العالمين، زاد المعاد في هدي خير العباد، الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، توفي سنة (٧٥١) هـ. انظر كتاب الذيل على طبقات الحنابلة٢/٤٤٧-٤٥٢ والدر الكامنة في أعيان المائة الثامنة ٤/٢١-٢٣ والفتح المبين في طبقات الأصوليين٢/١٦١-١٦٢.
[ ٤٩ ]
والثالث يفيده إحسان رده إلى القسمين قبله"١. اهـ.
وهذا التقسيم ظاهر في مؤلفات أهل العلم من الأصوليين وغيرهم٢ حتى حكى أبو إسحاق الشاطبي٣ الاتفاق على أن أدلة الشرع ليست كلها قطعية٤.
ومن هذا الباب التقسيمات المذكورة في أصول الفقه للدليل الواحد بحسب القطعية وعدمها، كتقسيم الإجماع إلى قطعي وغير قطعي، وكذلك تقسيم القياس والعموم والمفهوم ومسالك التعليل٥ ونحوها.
ويشير إلى ما سبق من تقسيم الأدلة قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُءَايَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابَ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ الآية٦، قال
_________________
(١) ١ الصواعق المرسلة٢/٦٧٠-٦٧٢. ٢ انظر التمهيد لأبي الخطاب ٣/٣٣٢،٣٣٩-٣٤٢ والبحر المحيط للزركشي١/٣٨-٣٩، ٦/١٠٨ والموافقات للشاطبي ٣/١٥-١٦ وشرح الكوكب المنير ١/٢٩٢-٢٩٣ وأصول السرخسي ١/٢٧٩ ومسلم الثبوت مع فواتح الرحموت١/٥٨. ٣ هو إبراهيم بن موسى بن محمد، أبو إسحاق الشاطبي، من العلماء المخترعين في التصنيف، من تصانيفه: عنوان التعريف بأصول التكليف وهو (الموافقات)، والاعتصام وهو في البدع، توفي سنة (٧٩٠) هـ. انظر شجرة النور الزكية ص٢٣١ والفتح المبين في طبقات الأصوليين ٢/٢٠٤-٢٠٥ ومقدمة "نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي"لأحمد الريسوني/٨٩-١٢٢. ٤ انظر الموافقات٢/٤٩-٥٠، وانظر نحو ذلك في شرح مختصر الروضة للطوفي١/٢٧٦. ٥ بحث القطعية في ذلك موضوع الباب الثاني من هذا البحث. ٦ آل عمران (٧) .
[ ٥٠ ]
القرطبي في تفسيرها: "المتشابه في هذه الآية من باب الاحتمال والمراد بالمحكم في مقابلة هذا وهو ما لا التباس فيه ولا يحتمل إلا وجها واحدا "١، وقال ابن كثير٢: "يخبر الله تعالى أن في القرآن ﴿ءَايَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أي: بينات واضحات الدلالة لا التباس فيها على أحد، ومنه آيات أخر فيها اشتباه على كثير من الناس أو بعضهم ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ أي: تحتمل دلالتها موافقة الحكم وقد تحتمل شيئا آخر من حيث اللفظ والتركيب لا من حيث المراد"٣.
وقد نقل العلماء مذاهب أخرى في قطعية الأدلة الشرعية تخالف ما سبق من مذهب جمهور أهل العلم ﵏:
- فذهب بعض العلماء إلى أن جميع الأدلة الشرعية قطعية، وما لا يفيد العلم القطعي منها فهو مطروح غير معدود فيها، وعلى هذا المذهب تكون جميع الأحكام الشرعية قطعية، وهذا القول منسوب لبشر المريسي٤
_________________
(١) ١ تفسير القرطبي٤/١٠. ٢ هو إسماعيل بن عمر بن كثير، أبو الفداء عماد الدين القرشي الدمشقي، مفسر مؤرخ محدث، من تصانيفه: البداية والنهاية في التأريخ، وتفسير القرآن العظيم، واختصار علوم الحديث، توفي سنة (٧٧٤) هـ. انظر طبقات المفسرين للداودي١/١١٠-١١٢ والدر الكامنة في أعيان المائة الثامنة ١/٣٩٩-٤٠٠ وشذرات الذهب٦/٢٣١-٢٣٢. ٣ تفسير ابن كثير١/٣٥٢. وفي المحكم والمتشابه أقوال غير ما ذكر، ينظر تفسير القرطبي وتفسير ابن كثير كما سبقا. ٤ هو بشر بن غياث بن أبي كريمة، أبو عبد الرحمن المَرِّيسي، فقيه متكلم، إليه ينسب طائفة (المريسية) من المرجئة، كان يقول بخلق القرآن، من تصانيفه: الرد على الخوارج، الرد على الرافضة، كتاب الإرجاء، توفي سنة (٢١٨) هـ انظر سير أعلام النبلاء١/١٩٩-٢٠٢ الفوائد البهية في تراجم الحنفية ص٥٤ والفتح المبين في طبقات الأصوليين ١/١٣٦-١٣٨.
[ ٥١ ]
وابن علية١ وأبي بكر الأصم٢ ونفاة القياس من الإمامية٣ والظاهرية٤.
يدل على مذهب الظاهرية قول ابن حزم٥: "والله تعالى يقول: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٦ فصح أن من لا برهان له على صحة قوله
_________________
(١) ١ هو إسماعيل بن إبراهيم بن مِقْسَم، أبو بِشْر ابن عُلَيَّة، فقيه محدث، توفي سنة (١٩٣) هـ. انظر سير أعلام النبلاء ٩/١٠٧ وتذكرة الحفاظ ١/٣٢٢-٣٢٣ وشذرات الذهب١/٣٣٣. ٢ هو عبد الرحمن بن كيسان، أبو بكر الأصم، المعتزلي، من تصانيفه خلق القرآن وغيره، وله مقالات في الأصول، توفي سنة (٢١٠) هـ انظر سير أعلام النبلاء ٩/٤٠٢ لسان الميزان لابن حجر ٣/٤٢٧. ٣ هم طائفة من الشيعة يقولون بإمامة علي ﵁ بعد النبي ﷺ بالنص الظاهر والتعيين، ويطعنون في الصحابة، وهم فرق كثيرة منها: الجعفرية والإسماعلية. انظر مقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري١/٨٨ وما بعدها، والملل والنحل للشهرستاني ١/١٦٢-١٧٣ والفَرق بين الفِرق للبغدادي ص٣٨-٥٤ والتعريفات للجرجاني ص٣٧. ٤ انظر المستصفى (بولاق) ٢/٣٦١ والإحكام للآمدي٤/١٤٣ وشرح مختصر الروضة٣/٦٠٣ والبحر المحيط للزركشي٦/٦٤٠ وميزان الأصول لعلاء الدين السمرقندي ص٧٥٤ ومسلم الثبوت مع فواتح الرحموت ٢/٣٧٩. ٥ هو علي بن أحمد بن سعيد، أبو محمد بن حزم الظاهري، فقيه أصولي متكلم، من تصانيفه: (الإحكام لأصول الأحكام) في أصول الفقه، (المحلى بالآثار) في الفقه، والتقريب في حدود المنطق، توفي سنة (٤٥٦) هـ. انظر سير أعلام النبلاء١٨/١٨٤-٢١٢ وتذكرة الحفاظ للذهبي٣/١١٤٧-١١٥٥ الفتح المبين١/٢٤٣-٢٣٣. ٦ البقرة (١١١) .
[ ٥٢ ]
فليس صادقا فيه أصلا! وصح بهذا النص أن جميع دين الله تعالى فإن البرهان قائم ظاهر فيه، وحرم القول بما عدا هذا لأنه ظن من قائله بإقراره على نفسه وقد حرم الله تعالى القول بالظن وأخبر أنه خلاف الحق١ وأنه أكذب الحديث٢، فوجب القطع على كذب الظن في الدين كله وهذا أيضا برهان واضح في إبطال القول بالقياس والتعليل والاستحسان٣ في جميع الجزئيات"٤.
_________________
(١) وذكر في موضع آخر انحصار وجوه الاجتهاد فيما قد وضح برهانه من القرآن، أو من الخبر المسند بنقل الثقات إلى النبي ﷺ إما نصا على الاسم، وإما دليلا من النص لا يحتمل إلا معنى واحدا، وذكر أن ما عدا ذلك من الوجوه فهي ساقطة٥. ١ إشارة منه إلى نحو قوله تعالى: ﴿وإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ سورة يونس (٣٦) . ٢ لعله إشارة إلى قول النبي ﷺ في الحديث: "إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث "، أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما. انظر الصحيح مع فتح الباري ١٠/٤٨١ وصحيح مسلم ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي٤/١٩٨٥. ٣ مما ذكر في تعريفه أنه: العدول عن الحكم في المسألة بمثل ما حكم به في نظائرها إلى خلافه لوجه أقوى يقتضي العدول، وفي المراد به وحجيته اختلاف بين العلماء، انظر الحدود للباجي ص٦٥-٦٧ وشرح مختصر الروضة٣/١٩٠ فما بعد، ونهاية السول٤/٣٩٨ فما بعد، وكشف الأسرار٤/٢-٤ وذكر التعريف المذكور عن الكرخي، وانظر المعدول به عن سنن القياس للدكتور عمر بن عبد العزيز ص٣١ فما بعدها. ٤ إحكام الأحكام لابن حزم٢/٢٠٠-٢٠١. ٥ إحكام الأحكام لابن حزم٨/١٤٧٩-١٤٨٢.
[ ٥٣ ]
وهذا الدليل الذي ذكر انحصار الأدلة في مثله وطرح غيره دليل قطعي من الجهتين، أما من جهة الثبوت فلكونه من القرآن وهو قطعي، أو بنقل الثقات متصلا إلى النبي ﷺ وهو قطعي مطلقا عند ابن حزم رحمه الله١، وأما من جهة الدلالة فلكونه نصا على الحكم أو دليلا من النص لا يحتمل إلا معنى واحدا.
ومما استُدِل به لهذا المذهب: "أن العقل قاض بالنفي الأصلي في جميع الأحكام إلا ما استثناه دليل سمعي قاطع، فما أثبته قاطع سمعي فهو ثابت بدليل قاطع، وما لم يثبته فهو باقٍ على النفي الأصلي قطعا، ولا مجال للظن فيه"٢.
وعلى هذا القول تكون سائر الأدلة غير القطعية خارجة من جملة الأدلة الشرعية، كالقياس والعموم وجميع مدارك غلبات الظنون وظهور الرجحان٣.
أما الإمامية فوجه القول بقطعية جميع الأدلة الشرعية عندهم أنه لا يخلو عصر من العصور من إمام معصوم من الخطأ! وقول المعصوم دليل قطعي في الدين كقول الرسول ﷺ، وتسقط بقوله سائر الأدلة الظنية إذ لا تعارض
_________________
(١) ١ انظر ص (٣٣) من هذا البحث. ٢ المستصفى (بولاق) ٢/٣٦١. ٣ انظر المراجع السابقة التي ذكرت هذا المذهب.
[ ٥٤ ]
بين قطعي وظني١.
وهذا المذهب يتبين ضعفه بواقع الشريعة ضرورة، يجده الناظرون في الأدلة الشرعية عند الاستدلال على الأحكام الشرعية، وعند الاجتهاد في طلب الأدلة على أحكام الحوادث والنوازل، فليس كل ما يستدلون به على أحكام تلك النوازل يقطعون به وبأن ما أثبتوا هو حكم الله قطعا٢، وأما مذهب الإمامية فهو مفرع على مسألة الإمامة عندهم، وهو قول باطل فما فرع عليه كذلك٣.
- وذهب بعض العلماء إلى أن الأدلة الشرعية السمعية ليس شيء منها يفيد القطع مطلقا، وأن أقوى ما يمكن أن تصل إليه هو غالب الظن٤.
ولم أجد من نسب هذا المذهب بهذا الإطلاق إلى قائل معين٥.
أما السوفسطائية٦ فهم ينكرون اليقين مطلقا، ولا يرون العلوم
_________________
(١) ١ انظر مسلم الثبوت مع فواتح الرحموت٢/٣٧٩. ٢ والمباحث الآتية - إن شاء الله تعالى - في البابين من هذا المبحث تبين ذلك، مثل أثر الاحتمال في إزالة القطعية، وقطعية خبر الواحد، والعموم، والقياس، والإجماع. ٣ انظر المسألة بالتفصيل في منهاج السنة لابن تيمية ١/٧٥ فما بعدها. ٤ انظر الكاشف عن المحصول للأصفهاني القسم الثاني٣/٩٦٨ والبحر المحيط ٢١/٣٨-٣٩ وشرح الكوكب المنير ١/٢٩٢-٢٩٣ وحاشية البناني على شرح جمع الجوامع ١/٢٣٤. ٥ وسيأتي - قريبا إن شاء الله تعالى عند ذكر مذهب فخر الدين الرازي - أن من العلماء من نسب مثل هذا الإطلاق إليه في جهة الدلالة، وأنه ربما دل على ذلك كلامه في مواضع من كتبه. ٦ هم فرقة يبطلون الحقائق مطلقا، إما بنفيها أو الشك فيها، وإما بجعلها نسبية أي حقا عند مَن هي عنده كذلك باطلة عند مَن هي عنده كذلك، والسفسطة قياس عقلي مركب من الوهميات لتغليط الخصم وإسكاته. انظر الفصل في الملل والنحل لابن حزم١/٤٣-٤٥ والتعريفات للجرجاني ص١١٨-١١٩.
[ ٥٥ ]
القطعية أصلا١! لكنهم من غير فرق المسلمين.
ويلتحق بهذا المذهب قول من أنكر وجود النص القطعي، لأنه نفي لوجود القطعي من جهة الدلالة، وكمال القطعية في الدليل أن يكون قطعيا من جهتي الثبوت والدلالة، وقد نسب هذا القول - أي إنكار وجود النص مطلقا - إلى أبي محمد ابن اللبان٢،٣.
واستُدل لهذا المذهب بأن الدليل لا يكون قطعيا إلا إذا علمت سلامته من المعارض، والعلم بعدم المعارض مستحيل لأن غاية الأمر فيه ألا يعلم بالمعارض وعدم العلم بالمعارض ليس علما بعدم المعارض، وهو المشترط في القطع٤.
ويبين ضعف هذا الدليل أن العلم بعدم المعارض مستفاد من الإيمان
_________________
(١) ١ انظر البرهان للجويني١/٩٦-٩٧. ٢ هو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن، أبو محمد ابن اللَّبَّان الأصفهاني، فقيه أصولي، من تصانيفه: تهذيب أدب القاضي للخصاف، درر الغواص في علوم الخواص، توفي سنة (٤٤٦) هـ. انظر سير أعلام النبلاء ١٧/٦٥٣ وطبقات الشافعية لابن السبكي ٥/٧٢-٧٣ ومعجم المؤلفين لعمر رضا كحالة٦/١٢٥. ٣ انظر إحكام الفصول للباجي/١٨٩-١٩٠ والبحر المحيط للزركشي١/٤٦٣. ٤ انظر شرح الكوكب المنير١/٢٩٢-٢٩٣ وحاشية البناني على شرح جمع الجوامع١/٢٣٤.
[ ٥٦ ]
بالله ورسوله ﷺ والعلم بأنه صادق فيما أخبر وبلّغ، ولا يجتمع مع اليقين بذلك احتمال مغمور أو تجويز مظلم من العقل المجرد عن هدي الرسول ﷺ ووراثة النبوة، فعدم المعارض يعلمه العلماء الذين ورثوا النبي ﷺ من الصحابة ومن بعدهم بالنقل عنه صلى الله عليه وسلم١، وإذا انتفى المعارض المزعوم لم يبق لهذا المذهب وجود، لأنه قائم على أنه يحتمل كل دليل أن يكون له معارض لا يعلم، ووجه الرد أن عدم المعارض معلوم من دين الله ضرورة للعلم بصدق الرسول ﷺ وصدق ما أخبر به، وأن كل ما عارض ذلك فهو باطل.
مذهب الرازي في قطعية الأدلة الشرعية:
ومذاهب آخر: أن الأدلة الشرعية السمعية لا تفيد اليقين، لما يتطرق إليها من الاحتمالات التي تزيل القطع عن الدليل عند ورودها عليه، إلا أن يكون هناك ما يقطع تلك الاحتمالات من القرائن المشاهدة، أو المنقولة نقلا متواترا، وهذه الاحتمالات هي على سبيل الإجمال والتفصيل كما يأتي:
١- احتمال عدم الوضع: وذلك إذا لم يرو عدد يفيد خبرهم العلم القطعي من نقلة اللغة والنحو والصرف: أن العرب وضعت لفظا معينا لمعنى معين، فيكون اللفظ على هذا محتملا عدم دلالته على معناه الظاهر
_________________
(١) ١ انظر حاشية البناني على شرح جمع الجوامع١/٢٣٥. وسيأتي قريبا إن شاء الله عند الكلام على مذهب الرازي ما ذُكر من منع معارضة العقل الصحيح للنقل الصريح.
[ ٥٧ ]
لعدم القطع بصدق النقل.
٢- احتمال إرادة المتكلم معنى غير ما ظهر من كلامه، فيكون اللفظ مع ظهوره فيما وضع له أولا محتملا للمجاز١ والنقل٢ الشرعي أو العرفي.
ومع ظهوره في أنه لمعنى واحد محتملا للاشتراك٣.
ومع ظهور اللفظ في أنه للعموم٤ أو الإطلاق٥ يكون محتملا
_________________
(١) ١ المجاز: "اسم لما أريد به غير ما وضع له لمناسبة بينهما مع قرينة مانعة عن إرادته، مثل تسمية الشجاع أسدا". انظر تعريف المجاز في العدة ١/١٧٢ والمحصول ١/٢٨٦ ومختصر ابن الحاجب مع بيان المختصر ١/١٨٦ ومفتاح الوصول ص٥٩ والبحر المحيط ٢/١٧٨ وتعليقات الدكتور محمد المختار على سلاسل الذهب (ونص التعريف منها) ص١٧٣ حاشية رقم (١) . ٢ يؤخذ من المحصول ١/٢٢٨-٢٢٩: أنه نقل اللفظ من معناه الموضوع له أولا إلى معنى آخر لمناسبة بينهما، مع كون اللفظ في المنقول إليه أقوى منه في المعنى المنقول منه، ثم إن كان الناقل له هو الشارع كان منقولا شرعيا، وإن كان الناقل أهل العرف كان منقولا عرفيا. ٣ الاشتراك: وضع اللفظ لكل واحد من معنيين فأكثر، كالعين. انظر تحقيق سلاسل الذهب ص١٧٥، وانظر تعريف المشترك في المحصول ١/٢٦١ ومختصر ابن الحاجب مع بيان المختصر ١/١٦٣ وشرح مختصر الروضة ٢/٦٤٧ وجمع الجوامع ١/٢٧٥ والتعريفات للجرجاني ص٢١٥ والبحر المحيط ٢/١٢٢. ٤ سيأتي تعريف العام في موضعه ص (خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.) . ٥ الإطلاق: تناول اللفظ لواحد غير معين باعتبار حقيقة شاملة لجنسه، نحو (رقبة) من قوله تعالى: ﴿فتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ المجادلة (٣) . انظر شرح مختصر الروضة للطوفي٢/٦٣، وانظر تعريف المطلق في الحدود للباجي ص٤٧ وإحكام الأحكام للآمدي٣/٥ والتعريفات/٢١٨ وتعليقات سلاسل الذهب ص٢٨٠.
[ ٥٨ ]
للتخصيص١ والتقييد٢.
ومع ظهوره أنه للأبد محتملا للنسخ٣.
ومع ظهوره في أن ليس فيه شيء مضمر محتملا لذلك.
ومع ظهوره في أنه على ما ظهر من الترتيب محتملا للتقديم والتأخير.
فمع ظهور الدليل في عدم ذلك كله فإن تلك الاحتمالات تمنع من القطع والتيقن بمعنى الدليل لأنها تؤثر في إضعاف الجزم بمعناه الظاهر ٤.
٣- احتمال معارضة الدليل العقلي للدليل السمعي، والعقلي مقدم على السمعي على هذا المذهب، لأنه أصله الذي به ثبت والأصل مقدم على
_________________
(١) ١ التخصيص: قصر العام على بعض أفراده بدليل يدل على ذلك. انظر مذكرة الشيخ محمد الأمين/٢١٨، وانظر تعريفه في العدة١/١٥٥ وشرح اللمع ١/٣٤١ والمحصول٣/٧ وإحكام الأحكام للآمدي٢/٤٨٦ والمختصر مع بيان المختصر٢/٢٣٥ وشرح مختصر الروضة٢/٥٠٥ والبحر المحيط٣/٢٤١ والتعريفات ص٥٣. ٢ التقييد: تناول اللفظ معينا أو موصوفا بأمر زائد على حقيقة جنسه، أو هو إخراج بعض من شائع كذلك، مثل (شهرين) في قوله تعالى: ﴿فَصِيِامُ شَهْرَينِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ المجادلة (٤) . انظر مختصر ابن الحاجب مع بيان المختصر٢/٢٥٠ وشرح مختصر الروضة٢/٦٣٠، وانظر تعريف المقيد في إحكام الأحكام للآمدي٣/٥. ٣ النسخ: "رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر". مختصر ابن الحاجب مع بيان المختصر ٢/٤٨٩، وانظر تعريف النسخ في العدة لأبي يعلى١/١٥٥ والحدود للباجي/٤٩ وشرح اللمع١/٤٨١ والمحصول٢/٢٨٢ وإحكام الأحكام للآمدي ٣/١٠١ وشرح مختصر الروضة٢/٢٥١ وجمع الجوامع٢/٧٥ والبحر المحيط٤/٦٤. ٤ راجع أثر الاحتمال في القطعية ص (خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.) .
[ ٥٩ ]
الفرع عند المعارضة.
وكذلك احتمال أن يعارض الدليل السمعي دليل سمعي آخر فيصار إلى التراجيح الظنية، وكل ذلك مفيد للظن مانع من القطع.
وتكون جملة الاحتمالات: احتمال الخطأ في اللغة أو النحو أو الصرف، واحتمال المجاز، والنقل، والاشتراك، والتخصيص، والتقييد، والنسخ، والإضمار، والتقديم والتأخير، واحتمال المعارض العقلي أوالنقلي.
هذا هو المذهب الذي صرح به فخر الدين الرازي١ في المحصول، فقد ذكر ورود هذه الاحتمالات على الأدلة اللفظية (السمعية) وأخذ في ذلك وردّ ثم خلص قائلا:"واعلم أن الإنصاف أنه لا سبيل إلى استفادة اليقين من هذه الدلائل اللفظية إلا إذا اقترنت بها قرائن تفيد اليقين سواء كانت قرائن مشاهدة أو كانت منقولة إلينا تواترا"٢.
_________________
(١) ١ هو محمد بن عمر بن الحسين، أبو عبد الله فخر الدين الرازي، ويقال له: ابن خطيب الري وابن الخطيب، من أئمة المتكلمين، أصولي مفسر، ولد سنة ٤٥٣، من تصانيفه: المحصول في علم أصول الفقه، (مفاتيح الغيب) في التفسير، المحصل في أصول الدين، نهاية العقول في أصول الدين أيضا، توفي سنة ٦٠٦ هـ. انظر طبقات الشافعية لابن السبكي٨/٨١-٩١ وسير أعلام النبلاء ٢١/٥٠٠-٥٠١ والفتح المبين٢/٤٧-٤٩. ٢ انظر المحصول للرازي١/٤٠٨ وانظر ١/٢١٥-٢١٧، ٣/٢١٤، وانظر المحصل للرازي ص١٤٢ والمواقف لعضد الدين الإيجي ص٤٠. هذا وتوجد قاعدة آخرى تتعلق بالأدلة الشرعية، وهي قاعدة التوفيق بين الدليل العقلي=
[ ٦٠ ]
_________________
(١) = والسمعي النقلي عند تعارضهما، وهو أنه يقدم الدليل العقلي على الدليل النقلي السمعي مطلقا لأن العقل أصل السمع والدليل عليه، وتقديم الفرع على أصله قدح في الفرع فلزم تقديم العقلي عند تعذر العمل بهما أو تركهما. وهذه القاعدة حرّرها الرازي وهي عنده ومن تبعه (قانون كلي) فيما يستدل به من الأدلة النقلية في المطالب القطعية من الأصول، ويوجد ما يشير إلى مثل ذلك في كلام بعض من سبقه من أئمة المتكلمين، كالغزالي والجويني والباقلاني. انظر درء تعارض العقل والنقل لشيخ الإسلام ١/٤-٧، وكذلك في كلام علاء الدين السمرقندي انظر ميزان الأصول ص٤٣٣. ووجه الفرق بين القاعدتين أن إحداهما في بيان أن الأدلة السمعية لا تفيد اليقين مطلقا أو عند عدم انتفاء الاحتمالات العشرة المذكورة، وأما القاعدة الأخرى ففي إثبات جواز معارضة الدليل العقلي للدليل السمعي، ثم تقديم العقلي على السمعي عند تحقق المعارضة، قال شيخ الإسلام إشارة إلى القاعدتين وإلى وجه الفرق في الجواب عنهما في كتابه درء تعارض العقل والنقل١/٢٢ -: "فذاك كلام في تقرير الأدلة السمعية وبيان أنها قد تفيد اليقين والقطع، وفي هذا الكتاب كلام في بيان انتفاء المعارض العقلي وإبطال قول من زعم تقديم الأدلة العقلية مطلقا". والقاعدتان متلازمتان، لأن قاعدة التوفيق عند تعارض العقل والنقل تنتهي إلى أن الدليل النقلي المعارض للدليل العقلي لا يفيد القطع واليقين، إذ إن الدليلين القطعيين لا يتعارضان في واقع الأمر. المرجع السابق١/٧٩-٨٠، ٨٦-٨٧،٦/٣. ثم إن من الاحتمالات العشرة المذكورة في القاعدة الأولى احتمالَ المعارض العقلي، وهو أقوى الاحتمالات العشرة لكون القطع بعدمها لا يسهل عند أصحاب هذه القاعدة، وهذا الاحتمال بعينه أساس القاعدة الثانية، كما أن القول إن الأدلة السمعية لا تفيد اليقين يلزم منه تقديم الدليل العقلي القطعي عليها، وسيأتي الجواب عن خصوص قاعدة التوفيق هذه عند الكلام على وجه الرد على خصوص احتمال المعارض العقلي من العشرة الاحتمالات. والظاهر أن القاعدة الأولى التي في أصل البحث هنا أعم في نفي القطعية عن الأدلة السمعية، لأن القاعدة الثانية (قانون التوفيق) في خصوص نفي القطعية عن الأدلة السمعية عند معارضتها للأدلة العقلية. والله أعلم.
[ ٦١ ]
ووافقه الأصفهاني١ في شرحه للمحصول، وقرر ورود الاحتمالات بالبيان والتفصيل، ثم قال بعد أن ذكر اختيار الرازي كما سبق: "وهذا الذي اختاره المصنف هو الحق "٢.
وهذا المذهب يجعل وجود الدليل القطعي السمعي عزيزا، بل إنه ربما استنبط من كتب الرازي ما يجعله قريبا من النفي المطلق لوجود القطعي في الأدلة السمعية.
ومما يبين ذلك أمور:
- أنه ذكر أن كل سمعي يحتمل أن يعارضه دليل عقلي أو أحد الاحتمالات الأخرى، وأن ذلك مخرج له عن القطعية! مع أنه لا يمكن العلم بنفيها بعدم الوجدان لأن الاستدلال بعدم الوجدان لا يفيد إلا الظن٣.
- أنه نفى أن يكون غرض المتكلم أن يَفهم السامع من خطابه القطع واليقين، وأنما غرضه الإفهام مطلقا، بمعنى إفادة الاعتقاد الراجح والظن الغالب، مع تجويز نقيضه في الواقع.
_________________
(١) ١ هو محمد بن محمود بن محمد، أبو عبد الله شمس الدين الأصفهاني، فقيه أصولي متكلم، من تصانيفه: الكاشف في شرح المحصول، و(القواعد) في أصول الفقه وأصول الدين والمنطق والجدل، وغاية المطلب في المنطق، توفي سنة ٦٨٨ هـ. انظر طبقات الشافعية لابن السبكي ٨/١٠٠-١٠٣ وشذرات الذهب٥/٤٠٦-٤٠٧ والأعلام ٧/٣٠٨-٣٠٩. ٢ الكاشف عن المحصول القسم الثاني٣/٩٨٢ وما قبلها. ٣ انظر المحصول١/٤٠٦-٤٠٧.
[ ٦٢ ]
واستدل على أن ذلك هو الغرض من الخطاب بأن الأدلة اللفظية متوقفة على تلك الاحتمالات العشرة المذكورة وأنها ظنية وأن ما توقف على الظني فهو أولى أن يكون ظنيا١.
- أنه أطلق القول بعدم إفادة الأدلة اللفظية القطع في مواضع كثيرة، بل ورتب على ذلك القول بظنية بعض الأحكام والمسائل مخالفا فيه الجمهور، مثل القول بظنية كثير من المسائل الأصولية التي يرى الأكثرون أن عليها أدلة قطعية، ككون الأمر للوجوب٢ ووجود صيغ للعموم٣.
ومن المواضع التي صرح فيها الفخر الرازي بالإطلاق قوله في سياق بعض المناقشات: "لكنا بينا أن التمسك بالأدلة اللفظية - أينما كان - لا يفيد إلا الظن "٤.
- ونسب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم إلى الفخر الرازي القول بنفي وجود القطعي من الأدلة السمعية مطلقا، قال ابن تيمية: "فتجد أبا عبد الله الرازي يطعن في دلالة الأدلة اللفظية على اليقين وفي إفادة الأخبار العلم"٥، وجعل ابن القيم نفي وجود القطعي في الأدلة السمعية أحد
_________________
(١) ١ انظر المحصول٣/٢١١-٢١٢. ٢ انظر المحصول٢/٦٦-٧٧. ٣ انظر المحصول٢/٣٤٨-٣٤٩، ٦٦-٦٧، والمحصل/١٣٢، ١٤٢. ٤ المحصول٣/٢٠٢. ٥ انظر مجموع الفتاوى٤/١٠٤-١٠٥.
[ ٦٣ ]
الطواغيت التي هُدمت بها معالم الدين، والتي كَسر بها المعطلة أصحاب التأويل عصمةَ الكتاب والسنة! قال ابن القيم: "ولا يعرف أحد من فرق الإسلام قبل ابن الخطيب١ وضع هذا الطاغوت وقرره وشَيَّد بنيانه وأحكمه مثله! "إلى أن قال مشيرا إلى بعض الطوائف التي لم تلتزم مذهب السلف "وإن كان بعض هذه الطوائف يوافق صاحب هذا القانون في بعض المواضع فلم يقل أحد منهم قط إنه لا يستفاد اليقين من كلام الله ورسوله البتة"٢.
موقف العلماء من مذهب الرازي:
واختلفت مواقف العلماء من مذهب الفخر الرازي هذا:
- فقد سبق عن ابن تيمية وابن القيم في أن مذهب الرازي فيه الطعن في الأدلة الشرعية اللفظية، وأنه هدم لمعالم الدين وكسر لعصمة الأدلة٣.
- وجعله بعضهم تشكيكا في أمر معلوم قطعا، كما في تشكيكه في اللغة وطرق معرفة الوضع، لأن الدليل السمعي اللفظي لا يفيد حتى يعرف أن الألفاظ الواردة فيه موضوعة لمعانيها والقدح في قطعية طريق معرفة ذلك
_________________
(١) ١ هو فخر الدين الرازي، يقال له ابن خطيب الري وابن الخطيب، لأن أباه كان خطيب مدينة الري. انظر وفيات الأعيان ٤/٢٤٩ وسير أعلام النبلاء٢١/٥٠١، وقد سبقت ترجمته قريبا. ٢ انظر الصواعق المرسلة٢/٦٤٠. ٣ انظر قريبا الصفحة السابقة. وانظر قريبا من نسبة النفي المطلق إليه في تيسير التحرير١/١١، حيث ذكر عنه أن نفي الاحتمالات عن الأدلة السمعية يكون بدليل ظني وهو أن الأصل عدم الاحتمالات.
[ ٦٤ ]
قدح في قطعية الدليل السمعي١.
وقد أجاب الفخر الرازي عما ذكره من أمور مشكلة ترد على نقل الوضع وطرق معرفته، سواء المتواتر منها والآحاد٢، وجعلُ بعض من جاء بعده ما ذكره تشكيكا يدل إلى أن ما أجاب به الرازي بعد ذلك التشكيك لم يكف لرفع ما طوّل الكلام فيه من إيراد المشكلات على طرق نقل اللغة.
- وجعل بعضهم مذهبه أن الأدلة اللفظية تفيد اليقين إذا انتفت تلك الاحتمالات العشرة بالقرائن٣، فأخذوا بما صرح به وكأنهم لم يعتدوا بما يدل على النفي المطلق في مواضع أخرى، ولعل ذلك من حمل المطلق من كلامه على المقيد منه٤، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) ١ انظر حاشية السعد مع شرح العضد لمختصر ابن الحاجب١/١٩٨، وانظر ذلك من غير تصريح باسم الرازي في التحرير مع التقرير والتحبير١/٧٦-٧٧ ومسلم الثبوت مع فواتح الرحموت ١/١٨٥. وشدد الآمدي النكير - من غير تسمية - على من أنكر القطع في اللغات على الإطلاق، وأنه "يفضي إلى إنكار القطع في جميع أحكام الشريعة، لأن مبناها على الخطاب بالألفاظ اللغوية ومعقولها" الإحكام ٢/٣٦٩. ٢ انظر ذلك في المحصول ١/٢١٥-٢١٧. ٣ انظر الكاشف عن المحصول القسم الأول ص٧٦-٧٧ والقسم الثاني٣/٩٦٨ والقسم الثالث ٣/٥٢٣ والإبهاج في شرح المنهاج لابن السبكي١/٣٢٣ وشرح المحلي على جمع الجوامع ١/٢٣٤ والبحر المحيط١/٣٨ ونبراس العقول للشيخ عيسى منون ص١٨٠. ٤ ومما يدل على القيد في كلام الرازي ما نقله الشيخ عثمان بن علي حسن في كتابه "منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد" من كتاب الأربعين في أصول الدين من كلام الفخر الرازي ما نصه: "واعلم أن هذا الكلام على إطلاقه ليس بصحيح، لأنه ربما اقترن بالدلائل النقلية أمور عرف وجودها بالأخبار المتواترة، وتلك الأمور تنفي تلك الاحتمالات، وعلى هذا التقدير تكون الدلائل السمعية المقرونة بتلك القرائن الثابتة بالأخبار المتواترة مفيدة لليقين". انظر المرجع المذكور١/٤١٣ نقلا عن الأربعين ص ٤٢٦، وانظر الكاشف عن المحصول للأصفهاني القسم الأول ص٧٦-٧٧ والقسم الثالث٢/٥٢٣.
[ ٦٥ ]
- ونقل الزركشي١ عن القرطبي٢ أن ما ذكره الرازي لا يعني اشتراطه حصول انتفاء هذه الأمور مفصلة في الذهن، بل إن اليقين يحصل من الأدلة السمعية اللفظية من غير شعور بتفصيل انتفاء تلك الاحتمالات كما يحصل القطع بالخبر المتواتر من غير شعور بتفصيل شروطه، "قال - يعني القرطبي - وإنما نبهنا على ذلك لئلا يسمع القاصر هذا فيظن أنه لا يحصل العلم بالدليل اللفظي حتى يخطر له تلك الأمور بباله فيعتبرها واحدا واحدا فتشك نفسه مما حصل له من اليقين من الأدلة، ولا شك أن ظن تلك الأمور أو بعضها بالدليل ظن إلا أن يقترن به قرائن عقلية أو حالية فيحصل
_________________
(١) ١ هو محمد بن بهادر بن عبد الله، أبو عبد الله بدر الدين الزركشي، أصولي فقيه محدث، من تصانيفه: البحر المحيط وتشنيف المسامع بجمع الجوامع، كلاهما في أصول الفقه، وله شرح على الأربعين للنووي، توفي سنة (٧٩٤) . انظر الدر الكامنة ٤/١٧-١٨ وشذرات الذهب ٦/٣٣٥ والفتح المبين ٢/٢٠٩. ٢ ذكر الزركشي عند كلامه على كتب أصول الفقه في مقدمة كتابه مصنفا ل "أبي العباس القرطبي شارح مسلم "وهو أحمد بن عمر ابن إبراهيم أبو العباس القرطبي المالكي، له: المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم، توفي سنة (٦٥٦) هـ. انظر الديباج المذهب ١/٢٤٠-٢٤٢ ومعجم المؤلفين لعمر رضا كحالة ١/٢٧، فلعله هذا. والله أعلم.
[ ٦٦ ]
اليقين منها "١.
- وجعل بعضهم مذهب الرازي في نفي إفادة الألفاظ اليقين: أنه يريد القطعي بالمعنى الأخص، وهو ما لا احتمال فيه أصلا، وأنه لا ينفي أن تفيد الأدلة اللفظية القطع بالمعنى الأعم للقطعي وهو ما يكون فيه احتمال غير معتضد بدليل٢.
ويستخلص مما ذكر في مذهب الرازي أنه لا ينكر في الأدلة الشرعية أمرين، أحدهما: ظهور المراد منها وأنه يجب العمل في الجملة بالظاهر الراجح٣، والآخر: جواز أن تكون الأدلة الشرعية قطعية من حيث الثبوت٤.
فيرجع الكلام في مذهبه على موقفه من جواز أن تكون الأدلة الشرعية قطعية من جهة الدلالة، وكلامه في كتبه محتمل، واختلف العلماء في مراده من ذلك، فإن كان مذهبه أن اللغة فقط لا تكفي في القطع بمدلول الأدلة
_________________
(١) ١ البحر المحيط ١/٣٨-٣٩. ٢ انظر حاشية المطيعي على نهاية السول ٤/٥٩، وفي كلام الشاطبي إشارة إلى ذلك، انظر الموافقات ١/٣٥-٣٦، ٤/٣٢٤-٣٢٥. ٣ انظر المحصول١/٣٨٨-٣٩٠ والكاشف عن المحصول للأصفهاني القسم الأول ص٧٦-٧٧ والقسم الثالث٢/٥٢٣. ٤ لذا يذكر في مواطن من المحصول قطعية الأدلة، انظر مثلا: المحصول٣/٧٧-٨١، ٤/٢٩١، ٤٢٨،٤٣١-٤٣٢، ٥/٣٦٣،٤٥١.
[ ٦٧ ]
اللفظية حتى ينضم إليها قرائن نقلها الصحابة عن رسول الله ﷺ وفهموا بها المراد من تلك الألفاظ فانقطعت الاحتمالات - فذلك قريب من مذهب الجمهور، وإن كان مذهبه نفي جواز أن يكون الدليل اللفظي - ومنه الأدلة الشرعية السمعية - قطعيا مطلقا من حيث الدلالة! فذلك خلاف الصحيح الذي عليه جماهير العلماء، وإنه باطل.
لكنه لا يَسْلَم - ﵀ - من أن كلامه في مسألة قطعية الأدلة اللفظية غير مطرد، وظاهره التناقض إذا أُخِذ مجموعا١.
عدد الاحتمالات في هذا المذهب:
وقبل تفصيل الكلام فيما رَدَّ به العلماء مذهب الرازي يحسن التعرض لأمر يتصل بجملة الاحتمالات المذكورة ههنا، وهو العدد الإجمالي للاحتمالات فإن عدم الاطراد فيما ذكر من الاحتمالات - سواء في العدد أم
_________________
(١) ١ انظر هذا مع ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية عن الرازي حول منهجه في بعض المباحث العقلية حيث يتناقض كلامه، فيقرر هنا ما ينقضه في موضع آخر ويظهر منه في بعض المواضع نصرة أمور غريبة حتى على مذهبه في علم الكلام، قال ابن تيمية: "ومن الناس من يسيء به الظن وهو أنه يتعمد الكلام الباطل، وليس كذلك بل يتكلم بحسب مبلغه من العلم والنظر في كل مقام بما يظهر له، وهو متناقض في عامة ما يقوله يقرر هنا شيئا ثم ينقضه في موضع آخر، لأن المواد التي كان ينظر فيها من كلام أهل الكلام المبتدع المذموم عند السلف ومن كلام الفلاسفة الخارجين عن الملة - يشتمل على كلام باطل ". مجموع الفتاوى٥/٥٦١-٥٦٢ وانظر ١٦/٢١٣-٢١٤، وانظر درء تعارض العقل والنقل١/١٦٤.
[ ٦٨ ]
في التعداد - مما يبين وهن هذا المذهب.
فقد أوصل الرازي وغير واحد من العلماء الذين حكوا مذهبه تقريرا له أو إبطالا عدد الاحتمالات إلى عشرة! لكنه لم تتفق حكايتهم لها بالاطراد جملة وتفصيلا.
- أما الرازي نفسه فقد صرح في المحصول بأن الاحتمالات تسعة، وعدها واحدا واحدا وهي: احتمال واحد من عدم نقل اللغة والنحو والصرف، وثمانية احتمالات من الاشتراك، والمجاز، والنقل، والإضمار، والتخصيص، والتقديم والتأخير، والناسخ، والمعارض العقلي١، وقال في موضع آخر من المحصول: "عدم المعارض العقلي والنقلي"٢، وصرح في المحصِّل٣ بأنها عشرة، ولكنه لم يزد فيه على ما في المحصول إلا بقوله: "عدم التخصيص بالأشخاص والأزمنة "ولم يذكر في المحصّل مما ذكر في المحصول احتمال عدم النقل واحتمال الناسخ! وإذا عُدَّ احتمال الناسخ المذكور في المحصول داخلا في احتمال التخصيص بالأزمنة المذكور في المحصل٤ كان الحاصل أن في المحصول زيادة على المحصل باحتمال واحد، وهو احتمال
_________________
(١) ١ انظر المحصول١/٣٩٠-٣٩١،٤٠٨. ٢ انظر المحصول٣/٢١١-٢١٢. ٣ انظر المحصل ص ١٤٢. ٤ انظر ما ذكره الزركشي في البحر المحيط١/٣٩.
[ ٦٩ ]
النقل، وقد عدها في المحصول الذي فيه الزيادةُ تسعةً وفي المحصل عشرة.
- وقال الأصفهاني في شرحه على المحصول بعد أن ذكر التسعة الاحتمالات: "وزاد في الأربعين آخر١: وهو عدم المعارض الظني، وذلك لأنه بتقدير وجوده لا بد من العود إلى التراجيح الظنية وذلك لا يفيد إلا الظن "قال الأصفهاني: "والحق أن المجموع عشرة "٢، وقد سبق أن الرازي ذكر المعارض النقلي مع المعرض العقلي في موضع من المحصول.
- وأما ابن القيم فقد ذكر كون الاحتمالات عشرة ونقل في حكايتها ما ذكره الرازي في المحصل٣.
_________________
(١) - وأما العضد٤ في المواقف فلم يذكر احتمال النسخ٥. - وأما الشاطبي في الموافقات فذكر أنها عشرة وزاد احتمال تقييد المطلق٦. ١ أي زاد الرازي في الأربعين - وهو من كتبه في علم الكلام - احتمالا آخر. ٢ الكاشف: القسم الثاني في اللغات٣/٩٧٦، وانظر القسم الأول منه ص٧٧. ٣ انظر الصواعق المرسلة٢/٦٣٣، ٦٣٤، ٦٥٦، ٦٥٨. ٤ هو عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار، أبو الفضل عضد الدين الإيجي، أصولي متكلم أديب، من تصانيفه: شرح مختصر ابن الحاجب في أصول الفقه، والمواقف في أصول الدين، والفوائد الغياثية في المعاني والبيان، توفي سنة ٧٥٦هـ. انظر طبقات الشافعية لابن السبكي١٠/٤٦-٤٧ وطبقات الأصوليين للمراغي٢/١٦٦ والأعلام للزركي٤/٦٦. ٥ انظر المواقف/٤٠. ٦ انظر الموافقات١/٣٥-٣٦، ٢/٤٩-٥٠.
[ ٧٠ ]
والحاصل أنه ليس هناك ضبط لإجمالي عدد الاحتمالت، وإن كان آخر ما وصلت إليه عند الرازي وغيره عشرة، والظاهر أن ذكر عدد العشرة لبيان الكثرة لا الحصر، يؤيد ذلك أمور:
الأول: أن الرازي ذكر في المحصول احتمالات أكثر مما ذكر في المحصل، لكنه عدها في المحصول تسعة احامالات، وفي المحصل عدها عشرة، واقتضى ذلك أن يُعَدَّ احتمال (عدم الوضع والتصريف والنحو) ثلاث احتمالات في المحصّل مع أنه عدها بصريح كلامه احتمالا واحدا في المحصول.
الأمر الثاني: أنه لم يُذكر في تفصيل الاحتمالات العشرة أمورا معينة، بل ذكر بعضهم ما لم يذكره غيره، ونقص بعضهم عما ذكره غيره، مع أن أكثرهم يذكرون عدد العشرة، ولو عُدَّ جميع ما ذكروه لجاوز العشرة.
الأمر الثالث: أن وجوه الاحتمال التي يتغير بها معنى الكلام وطرقَ التوسع التي يمكن تطريقها بمجرد الوهم والتجويز العقلي إلى الألفاظ في الكلام العربي كثيرة جدا، فيبعد حصرها في عشرة١!
_________________
(١) ١ ويمكن أن يذكر - إضافة إلى ما سبق - احتمال الكناية، والتعريض، والإجمال، والتضمين، والتورية، والاستفهام، والمبالغة، ووضع الخبر موضع الطلب، وعكس ذلك، والقلب الإسنادي، فكل ذلك مما يمكن حمل الكلام عليه في العربية مع تغيرٍ ما في المعنى بذلك. انظر ما نقله محقق درء تعارض النقل والعقل (١/١٥) عن الغزالي في "قانون التأويل" في صعوبة انحصار وجوه الاحتمالات وطرق التوسع في كلام العرب، وانظر ميزان الأصول للسمرقندي ص٤٣٣ حيث ذكر أن "الدليل السمعي يحتمل المجاز والإضمار والكناية ونحوها "، وذكر التبريزي في تنقيح المحصول (٢/٣٦٥) احتمالَ الإجمال، وانظر ما اعترض به ابن السبكي (الإبهاج١/٣٢٣) على مَن ذَكر أن خمسة احتمالات تخل بالفهم، وانظر البرهان في علوم القرآن للزركشي (٢/٣٨٣) وما بعدها، فقد ذكر أكثر من أربعين أسلوبا يرد به الكلام وأمثلة ذلك في القرآن الكريم.
[ ٧١ ]
وجوه الرد الإجمالي على هذا المذهب:
الوجه الأول: المنع، أي: عدم التسليم بأن القطع في الأدلة السمعية متوقف على القطع بنفي الاحتمالات العشرة، وإنما القطع في الأدلة السمعية يتوقف على أمر واحد وهو الطريق الذي يعرف به مراد الشارع، وقد عرف العلماء الذين ورثوا النبي ﷺ مراده، فعرف الصحابة المراد من الألفاظ الشرعية التي نقلوها عن النبي ﷺ ثم تناقلته الأجيال خلفا عن سلف، فوقعت عناية المسلمين بمعاني الكتاب والسنة كما وقعت عنايتهم بألفاظهما، وليست اللغة وحدها وفهمها هي المعول عليها في ذلك حتى يُطَرَّق الاحتمالات إلى ألفاظ الكتاب والسنة.
فقوله تعالى: ﴿وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ ١ كما نقل لفظه وقطع بأنه
_________________
(١) ١ سورة آل عمران (٩٧)، ومن اللطائف أن الأصفهاني في دفاعه عن الرازي في نفي القطعية عن أدلة حجية الإجماع نبَّه على أنه لا ينفي القطعية عن الدليل عند احتفاف القرائن به، واتفق أنْ مَثَّل بهذه الآية لِما ليس قطعيا لذاته بل لاحتفاف القرائن به (الكاشف القسم الخامس/٢٨٨)، والآية نفسها مَثَّل بها ابن القيم وقال بعد إيرادها: "حصل القطع بمدلوله بالقرائن، والاستطاعة لم تحصل فيها القرائن فتثبت مظنونة"، فكلا طرفي الخلاف في المسألة يقول بقطعية هذه الآية ثبوتا ودلالة.
[ ٧٢ ]
كلام الله تعالى، فكذلك نقلت معانيه عن رسول الله ﷺ وقطع بأن المراد ب (الله): هو رب العالمين الذي نعبده، وب (الناس): بنو آدم الذين نحن من جنسهم، وب (البيت): هذه الكعبة التي يحجها الناس بمكة، وكذلك قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ﴾ ١ كما يقطع بثبوت لفظه يقطع بأن المراد برمضان: هذا الشهر الذي بين شعبان وشوال، وبالقرآن: هذا الكتاب الذي بين دفتي المصحف في أيدي المسلمين بمشارق الأرض ومغاربها.
وليس التعويل في مثل هذا على نقل أهل اللغة لمعاني (الناس) و(الله) و(البيت) و(رمضان)، بل على المنقول نقلا متواترا المفيد علما قطعيا٢.
فالرازي بنى مذهبه في نفي القطع على لفظ مجرد عن كل ما يمكن أن يبين مراد الشارع منه غير اللغة وما فيها من معاني ذلك اللفظ المنقول! ثم طرق إليه احتمالات لا يمكن دفعها بمجرد اللغة! أما إذا أُخذ هذا اللفظ مع كمال الاستقراء المشتمل على القرائن الحالية والمقالية المنقولة فتسقط
_________________
(١) ١ سورة البقرة (١٨٥) . ٢ انظر الصواعق المرسلة٢/٦٣٤-٦٣٦، ولخص ذلك في مقدمتين تفيد اليقين بالسمعيات: أولاهما: أن الصحابة ومن نقل عنهم فهموا المراد منها عن رسول الله ﷺ، والأخرى: أنهم نقلوا إلينا المراد من تلك الأدلة. انظر الصواعق المرسلة لابن قيم الجوزية ٢/٧٣٧-٦٣٩.
[ ٧٣ ]
الاحتمالات بها ويسلم اللفظ منها ابتداء، ويصفو من شوائب الاحتمال١.
الوجه الثاني: أن الاحتمال المجرد عما يعضده لا يؤثر في القطع، بل يبقى الدليل قطعيا بالمعنى الأعم، وإن طرّق العقل المجرد إليه احتمالات بدون دليل٢.
الوجه الثالث: أن بعض هذه الاحتمالات لا يطرد وروده على كل دليل سمعي، من ذلك احتمال التخصيص فإنه إنما يرد في اللفظ العام وليس جميع الأدلة الشرعية من قبيل الألفاظ العامة فيطرد فيها احتمال التخصيص، ومن ذلك احتمال النسخ فإن الأخبار التي لا تحتمل التغيير لا يرد فيها احتمال النسخ٣، فكان القول بأن جميع هذه الاحتمالات واردة على كل دليل لفظي تعميما غير صحيح.
الرد التفصيلي:
أما الرد التفصيلي فقد أطال فيه شمس الدين ابن القيم في كتابه (الصواعق المرسلة)، ولأن مدار هذا المذهب على تحميل اللفظ ما ليس
_________________
(١) ١ انظر نفائس الأصول شرح المحصول للقرافي٢/ق١٤٨-أ، ولذا جعل الرازي - على ما نقله عنه الزركشي - تعلم اللغة فرض عين على عدد التواتر، وعلل ذلك بكون معرفة الشرع لا تحصل إلا بواسطة معرفة اللغة والنحو.. الخ. انظر البحر المحيط للزركشي ٢/٥. ٢ هذا الجواب مأخوذ من أحد مسلكي العلماء في الاعتداد بالاحتمال، وانظرهما ص (خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.) . ٣ انظر الكاشف عن المحصول القسم الثاني٣/٩٧٤، وانظر مسألة النسخ في الأخبار في المحصول للفخر الرازي٣/٣٢٥.
[ ٧٤ ]
ظاهرا منه فإن عماد الرد التفصيلي إبطال ذلك التحميل، قال ابن القيم: "إن جميع ما ذكروه من الوجوه العشرة مرده إلى حرف واحد: وهو احتمال اللفظ لمعنى غير ما يظهر من الكلام، فإنه لا ينازع عاقل أن غالب ألفاظ النصوص لها ظواهر هي موضوعة لها ومفهومة عند الإطلاق منها، لكن النزاع في أن اعتقاد المعنى يقيني لا يحتمل غيره أو ظني يحتمل غيره "١، ثم ذكر أن من الممكن معرفة عدم وجود أي احتمال آخر غير ما ظهر من الكلام بطرق أخرى أضمن من استقراء الاحتمالات العشرة ثم محاولة نفيها، وذلك بالنظر في القرائن ابتداء، فسبب ورود الاحتمال قد يكون عدم مؤالفة السامع للفظ ! أو كون اللفظ له معنى آخر في لغته هو! أو أن اللفظ قد بينته أمور أخرى خفيت عليه! فكان السامع إذا تأكد من أن ليس لديه سبب يوجب ورود الاحتمال في اللفظ ضمن أن يكون ما ظهر له من المعنى هو المراد٢.
وتفصيل الجواب عن ورود الاحتمالات يكون كما يلي:
- أما الاحتمال القادح في عصمة رواة اللغة والوضع ونقلتهما فيندفع بكون الصحابة - ﵃ - الذين خوطبوا بالنصوص - أولا - عرفوا القصد من تلك الألفاظ بالرجوع إلى النبي ﷺ، فلم يكن بهم حاجة
_________________
(١) ١ الصواعق المرسلة٢/٦٥٧-٦٥٩، ٧٥٣. ٢ انظر المرجع السابق.
[ ٧٥ ]
إلى نفي احتمال أن يكون معنى تلك الألفاظ غير ما ظهر إذ علموا قصده ﷺ من ألفاظه بفضل صحبتهم له، ومعايشتهم لحوادث الأحكام، ووقوفهم على مراده بالمشافهة، ثم ورث عنهم التابعون - ﵏ - فمن بعدهم ذلك العلم١.
- أما الاحتمال القادح في معرفة الإعراب والصرف فيندفع بأن معنى اللفظ قد يُعرف دون معرفة إعرابه وتصريفه، فيعرف أن اسم (الله) يدل على المعبود حقا وإن لم يعرف الخلاف في اشتقاق هذا اللفظ وإعرابه٢، على أن القرآن الكريم مثلا نقل إعرابه ومعانيه كما نقلت ألفاظه٣.
كما يندفع الاحتمالان السابقان بأن اللغة لم يرد فيها الكذب كورود الوضع في الحديث، فالمشهور في اللغة معتمد عليه كالاعتماد على ما نَقَل
_________________
(١) ١ انظر الصواعق المرسلة٢/٦٥٦. ٢ هذا رد مباشر على ما ذكره الرازي، فإنه قال في المحصول١/٢٠٤-٢٠٥: "إنا نجد الناس مختلفين في معاني الألفاظ التي هي أكثر الألفاظ دورانا على ألسنة المسلمين، اختلافا لا يمكن القطع بما هو الحق، كلفظة (الله) تعالى، بعضهم زعم أنها ليست عربية بل سريانية، والذين جعلوها عربية اختلفوا في أنها من الأسماء المشتقة أو الموضوعة، والقائلون بالاشتقاق اختلفوا اختلافا شديدا، وكذا القائلون بكونه موضوعا اختلفوا أيضا اختلافا كبيرا"قال: "ومن تأمل أدلتهم في تعيين مدلول هذه اللفظة علم أنها متعارضة، وأن شيئا منها لا يفيد الظن الغالب فضلا عن اليقين". ووجه الرد أن شيئا من هذا الاختلاف لا يؤثر في أن معنى (الله) المعبودُ حقا وذلك هو المقصود، إذ يعرف ذلك من لم يقف على كل هذا الخلاف أصلا. وانظر نفائس الأصول ٢/ق١١١- أ. ٣ انظر الصواعق المرسلة ٢/٦٨٠-٦٨١ ونفائس الأصول شرح المحصول للقرافي ٢/ق١١١-أ.
[ ٧٦ ]
عن أئمة المذاهب أصحابُهم، كل ذلك لضعف احتمال الكذب١.
- أما احتمال التخصيص في العام فمثل احتمال النسخ في النصوص الثابتة، وذلك احتمال لا يعول عليه إلا بدليل، وإلا لاحتملت الحقائق أن تكون على غير حقيقتها، وذلك سفسطة ظاهرة.
مثل ذلك يقال في احتمال الاشتراك والمجاز، فكل ذلك مندفع بما فهم من المراد من الأدلة مما نقل عن الرسول ﷺ، وإن الاعتداد بالاحتمال المجرد في ذلك مبطل للأدلة ورافع للثقة عنها، وذلك عظيم الخطر٢.
- أما احتمال الإضمار فيندفع بأن ما شهد السياق له من الإضمار فكأنه مذكور في اللفظ، وهو من ضروب ما يحسن في الكلام، مثل قوله تعالى: ﴿فَأَوْحيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ ٣ فمعلوم أن هناك مضمرا وهو (فضرب - أي البحرَ - فانفلق)، وما كان من الإضمار غريبا على السياق ويعلم انتفاؤه قطعا فتحميل اللفظ له يفسد نظام التخاطب! ويبطل العقود والإقرارات والطلاق والعتاق!.. إذ يمكن تطريق الاحتمال إليها، والإضمار فيها بما ينفي معناها المعلوم! كما لو قال: طلقت زوجتي، فيقال: المراد طلقت أخت زوجتي! أو نحو ذلك من حذف
_________________
(١) ١ انظر نفائس الأصول للقرافي ٢/ق١١٢- ب، ق١١٣- أ. ٢ انظر الصواعق المرسلة ٢/٦٨١-٦٨٣ وما بعدها. ٣ سورة الشعراء (٦٣) .
[ ٧٧ ]
المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وما كان من الإضمار محتملا قريبا - وهو ألصق بالمسألة - فيندفع بكون الدليل قائما على أن الشارع ناصح مرشد، قد قصد البيان والدلالة والإيضاح، وأنه حريص على الهداية وحسم موارد اللبس وأسباب الخطأ، فإذا أُلف ذلك في خطابه علم قطعا أن مراده ظاهر كلامه، دون ما يحتمله باطنه من إضمار ليس عليه دليل١.
- أما احتمال التقديم والتأخير فيدفع بأن لسان العرب قائم على أنهم لا يعمدون إلى التقديم والتأخير إلا حيث كان ذلك مفهوما من قرائن الكلام أو سوابقه أو لواحقه، فإذا قالوا: ضرب عمرًا زيدٌ، عُلم المقدَّم والمؤخَّر، وإذا قالوا: ضرب عيسى موسى، ولم يكن ثمة قرائن تبين المراد، كان المقدم في اللفظ هو المقدم في المعنى والمؤخر فيه هو المؤخر٢.
- أما احتمال معارضة العقل لما ظهر من الدليل السمعي فيدفع بأنه لا يصح أن يعارض عقل صحيح نقلا صريحا! وتقدير الدليل العقلي القاطع على خلاف ما دل عليه الدليل السمعي هو أصل ما وقع من الإعراض عن الأدلة الشرعية إلى أدلة عقلية، زعم محرروها أنها قطعية، ثم زعموا أنها تعارض ما دل عليه الدليل السمعي، فهذا تجويز عقلي محض لا يقدر على الإتيان فيه بما يثبت وقوع ذلك من أدلة نقلية صحيحة صريحة تعارض
_________________
(١) ١ انظر الصواعق المرسلة٢/٧١٠-٧١٤. ٢ المرجع السابق٢/٧٢٣.
[ ٧٨ ]
مقتضى أدلة عقلية صريحة.
وبين أئمة الإسلام وأعلام الهدى - ﵏ - أن كل ما ثبت بالأدلة الشرعية من أمور الدين أصولا وفروعا، خبرا وطلبا، ليس في شيء منه ما يعارضه العقل! بل كله بالاستقراء التام المقتضي للقطع واليقين جارٍ على مقتضيات الفطرة السليمة١، وكون الأدلة الشرعية لا تنافي قضايا العقول قاعدة عظيمة ساق أبو إسحاق الشاطبي -﵀- في تقريرها أوجها منها:
_________________
(١) ١ المرجع السابق٢/٧٢٣ وهذه مسألة عظيمة ألف فيها شيخ الإسلام ابن تيمية كتابه درء تعارض العقل والنقل. فالعِوَض الصحيح عن قانون التوفيق في تقديم العقلي على النقلي لكونه أصله أن يقال: إن المنقول الصحيح ثبوتا ودلالة ليس فيه شيء يعارض المعقول الصريح، وكل ما يُقدَّر في ذلك فهو إما أدلة سمعية موضوعة لا تقوم بها حجة ولو بلا معارض عقلي، أو منقول صحيح من جهة الثبوت لكن ليس فيه ما يدل على معارضة المعقول. ومثل شيخ الإسلام للأول: بالخبر الموضوع في أن الله خلق خيلا فأجراها فعرقت فخلق نفسه من ذلك العرق سبحان الله وتعالى!! فهذا غير صحيح من جهة الثبوت، ومثل للثاني بالحديث الذي رواه مسلم في صحيحه (٥/١٩٩٠) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله ﷿ يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضتُ فلم تَعُدني! قال: ربّ كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟ "، فهذا حديث ليس فيه - مع صحته - ما يدل على أن الله ﷾ يمرض! فمن فَهِم منه ذلك ثم قدّر معارضة ذلك للأدلة العقلية القطعية الدالة على عدم ذلك كان الخلل في أنه استدل بمنقول صحيح بما لا يدل على ما فهمه، فتوهم معارضة العقلي لما لا يدل عليه سمعي من وجه صحيح، فهذا غير صحيح من جهة دلالته على ما يعارض المعقول. انظر درء تعارض العقل والنقل١/١٤٨-١٥٠.
[ ٧٩ ]
- أن الأدلة الشرعية إنما نصبت لتتلقاها عقول من كُلِّفوا العمل بما تقتضيها من الأحكام الشرعية، فإذا كانت منافية لما تقتضيه عقولهم كان تكليفهم بالعمل بها مع ذلك تكليفا بما لا يقدرون فهمه ولا يطيقون تعقله، فلا تحصل بها هداية ويستحيل في الواقع العمل بما دلت عليه الأدلة على الحقيقة.
- أن العقل شرط في التكليف، فإذا عدم العقل ارتفع التكليف كما في المجنون والصبي والنائم، فكان ما كُلّف به الناس غير مناف لما هو مورده أصلا! وإلا ارتفع التكليف رأسا.
- لو كانت الأدلة الشرعية تنافي قضايا العقول لكان أول من يرُدّ الشريعة بذلك الكفار الذين نزل القرآن لهدايتهم، وقد حاجّهم بما يقطع عذرهم، ولو أن ما فيها مناف لعقولهم لحاجُّوا بذلك ولم يحتاجوا إلى اختلاق الكذب على الرسول ﷺ ورميه ﷺ بالسحر والجنون ونحوهما.
- أن الاستقراء التام للأدلة الشرعية دل على أن ليس فيها ما ينافي العقول، كيف وقد صدَّقتها العقول الراجحة وانقادت لأحكامها طوعا في الابتداء أو كرها في الانتهاء، بما ألزمهم من السلطان المبين والحجة الساطعة والبراهين القاطعة، من لدن عهد الرسول ﷺ إلى اليوم١.
فوجه دفع هذا الاحتمال هنا أنه لا تجوز معارضة العقل للسمع، لسبق
_________________
(١) ١ انظر الموافقات٣/٢٧-٣٣.
[ ٨٠ ]
الإيمان والقطع بما تفيده الأدلة الشرعية وأنها لم تقع١.
وخلاصة هذا المبحث: أن الأدلة السمعية (النقلية اللفظية) منها القطعي الذي يفيد اليقين ولا مجال فيه للاحتمالات بل يحتف به ما يدفعها ويسلم الدليل خالصا للقطعية، وأن القول بأن الأدلة السمعية كلها ظنية والقول بأنها كلها قطعية قولان ضعيفان.
_________________
(١) ١ وهذا يفي بالغرض في هذا السياق، إذ المقصود هنا بيان القطع بانتفاء المعارض العقلي، ثم إن المسلك الملزم في بيان فساد قانون التوفيق القائم على هذا الاحتمال أنْ يُبَيَّن أن كل ما أثبتته الأدلة النقلية ليس في شيء منه ما يعارض العقل، وذلك بتتبع جميع ما زُعم فيه معارضة العقل للنقل وبيان موافقة العقل للنقل في كل ذلك، وقد فصّل شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - الكلام في ذلك فيما يتعلق بمسائل الاعتقاد في كتابه (درء تعارض العقل والنقل أو موافقة صريح المنقول لصحيح المعقول) قال ﵀: "وقد تأملتُ عامة ما تنازع الناس فيه فوجدت ما خالف النصوصَ الصحيحة الصريحة شبهاتٌ فاسدة يَعلم العقل بطلانها، بل ويُعلم بالعقل ثبوتُ نقيضه الموافق للشرع، وهذا تأملته في مسائل الأصول الكبار كمسائل التوحيد والصفات والقدر والنبوات والمعاد وغير ذلك - فوجدت ما يعلم بصريح العقل لم يخالفه سمع قط ". المرجع المذكور١/١٤٧ وانظر فيه بيان تعدد طرق الرد على هذا الاحتمال والمسلك القاطع الملزم ص ٦/٥.
[ ٨١ ]
المبحث الثالث: وجوب العمل بالأدلة الشرعية القطعية وغير القطعية
إن تقسيم الأدلة الشرعية إلى قطعية وغير قطعية هو تقسيم لها من حيث تفاوتها في القوة، وما يترتب على ذلك من أولوية التقديم في البحث وعند التعارض وترجيح الأقوى على غيره١، أما من حيث وجوب العمل فكل ما ثبت كونه دليلا شرعيا فهو واجب العمل به قطعا، سواء أكان دليلا قطعيا أم كان دليلا ظاهرا راجحا محتملا٢.
أما القطعي فهو واجب العمل به قطعا من غير إشكال٣ لأنه دليل ثبتت نسبته إلى الشرع بلا احتمال، فمن تيقن نسبة الدليل إلى الله ﷿، أو إلى رسوله ﷺ، أو أنه سبيل جميع الأمة، أو تيقن مساواة محل آخر لما ثبت بواحد مما سبق وجب عليه العمل به، وكذلك إذا تيقن المراد منه وجب عليه العمل بذلك، لأن ذلك هو مقتضى الإيمان بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم٤ والإيمان بما جاء من النهي عن اتباع غير سبيل المؤمنين الذين لا
_________________
(١) ١ راجع الكلام على التقسيم المذكور ص (٢٧) فما بعدها. ٢ انظر أصول الجصاص ٢٢١-٢٢٢ وانظر إحكام الفصول للباجي ص٢٦٣ وحاشية الشربيني على شرح جمع الجوامع١/٢٣. ٣ انظر الموافقات للشاطبي٣/١٥-١٦. ٤ انظر الصواعق المرسلة٢/٦٣٤-٦٣٦.
[ ٨٢ ]
يجتمعون إلا على هدى١، وترك العمل بدليل هذا وصفه مناقض لمقتضى الإيمان!
وأما الدليل غير القطعي مما ترجحت نسبته إلى الشرع - ثبوتا أو دلالة - فهو كذلك واجب العمل به قطعا، ومن الأدلة على وجوب العمل بالأدلة الظاهرة ما يلي:
أولا: إجماع الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - ومن بعدهم على العمل بظواهر الكتاب والسنة، والأقيسة، والعمومات، ونحوها مما لا يقطع به دون الاقتصار على اليقينيات من الأدلة٢.
ثانيا: قول رسول الله ﷺ: " إنكم تختصمون إلي وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له به قطعة من النار " ٣.
_________________
(١) ١ إشارة إلى أدلة حجية الإجماع وقطعيته. ٢ انظر البرهان للجويني١/٢٨٦،٣٣٨ والبحر المحيط٣/٤٣٦ وأصول السرخسي٢/١٤١ وتفسير النصوص لمحمد أديب صالح٢/٦٣. ٣ أخرجه البخاري ومسلم. انظر صحيح البخاري مع فتح الباري٥/١٠٧ وصحيح مسلم بترقيم محمد فؤاد عبد الباقي ٣/١٣٣٧-١٣٣٨. ويذكر بعض الأصوليين عند الاستدلال على حجية الظاهر لفظ: "أمرت أن أحكم بالظاهر والله يتولى السرائر " أو ألفاظا قريبة، انظر المحصول للرازي٢/٨٠، ٣/٤٠٧، ٤٦٣، ٥/٣٩٩، ٤٠٣، ٤٥٣، ٦/١١١ وإحكام الأحكام للآمدي١-٢/٢٣٨-٢٣٩ وبيان المختصر للأصفهاني١/٦١٤. والتحقيق عند أهل العلم بالحديث أنه لا أصل لهذا اللفظ عن رسول الله ﷺ، لكن ورد في السنة ما يؤدي معناه مثل الحديث المذكور، وقد ترجم النسائي - ﵀ - في سننه لهذا الحديث بقوله: "باب الحكم بالظاهر". انظر سننه ٨/٢٣٣. ونقل الحافظ ابن حجر العسقلاني أن اللفظ المذكور قد ورد في كلام الشافعي. انظر التلخيص الحبير٤/٢١١ والمقاصد الحسنة للسخاوي/١٦٢ والابتهاج بتخريج أحاديث المنهاج/٢٤٥. وتوسع في الكلام على هذا د. طه جابر العلواني. انظر المحصول بتحقيقه ٢/٨٠-٨٢ حاشية رقم (٩) .
[ ٨٣ ]
فهذا أصل في إجراء الأمور على الظاهر، ولزوم اتباع ما ظهر وترجح وإن لم يرق إلى درجة القطع واليقين، بل الاكتفاء بالظاهر الراجح مع احتمال النقيض١، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأدلة الأحكام لا بد فيها من هذا، فإن دلالة العموم في الظاهر قد تكون محتملة للنقيض وكذلك خبر الواحد والقياس ولا يوجد من يستغني عن الظواهر والأخبار والأقيسة، بل لا بد من العمل ببعض ذلك مع تجويز نقيضه"٢.
ثالثا: الواقع في الشريعة، فإن كثيرا من الأحكام أنيطت بظواهر الأمور مع احتمال النقيض، ومن ذلك:
ا- التوجه إلى القبلة، وهو من الشروط التي لا تصح الصلاة إلا بها، فإن المعاين للكعبة قاطع من أمره بأنه متوجه إليها، أما من بَعُد عنها فالمطلوب منه الاجتهاد في التوجه شطرها، وذلك بالأمارات والأعلام
_________________
(١) ١ انظر شرح مختصر الروضة١/١٥٨ شرح الكوكب المنير٤/٤٢٠-٤٢١. ٢ مجموع الفتاوى١٣/١١١-١١٦.
[ ٨٤ ]
المعِينة، حتى تظهر له جهتها وإن لم يقطع بإصابته الكعبة في التوجه، واحتمل أن يكون توجه إلى غير جهة الكعبة في حقيقة الأمر.
٢- الشهادة في الخصومات والدعاوى، فإنه يكتفى فيها بما ظهر من عدالة الشاهد وصدقه مع احتمال كونه غير عدل في الحقيقة وغير صادق فيما أدلى به من الشهادة.
٣- سائر الأحكام الشرعية التي نُصَّ فيها على القاعدة وتُرِك تحقيق مناط الحكم فيها على الجزئيات إلى اجتهاد العلماء، ومن ذلك أن الله ﵎ قسّم زكاة الأموال على الثمانية الأصناف المذكورة في قوله جل شأنه: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلفَةِ قُلُوبُهُم وَفيِ الرِّقَابِ والْغَارِمينَ وَفيِ سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ١ فلا تصرف الزكاة إلا في هذه الأصناف قطعا، أما معرفة أن هذا فقير أو مسكين أو غارم فيعلم ذلك بما ظهر من أمرهم مع احتمال عدم كونهم كذلك في حقيقة أمرهم.
ومن ذلك تقييم المتلفات وأروش الجنايات ونحو ذلك٢.
_________________
(١) ١ سورة التوبة (٦٠) . ٢ انظر الرسالة للشافعي/٤٨١-٤٨٢ والمستصفى٢/١٨٣-١٨٤ (بولاق) ٢/٢٤١-٤٢ والمحصول ٢/٨٠-٨٣.
[ ٨٥ ]
قال الطوفي١: "وبالجملة فقد أريقت الدماء، واستبيحت الفروج، وملكت الأموال شرعا بناء على ظواهر النصوص، والعمومات، والأقيسة، وأخبار الآحاد، والبَيِّنات المالية، وإنما يفيد ذلك جميعه الظن"٢.
فتبين من واقع هذه الشريعة المباركة أن من مقاصدها في الأحكام إجراءَ غلبة الظن وظواهر الترجيحات مُجرى اليقين والقطع في العمل، منةً من الله وفضلا ورحمة منه وتوسعة٣.
رابعا: أن العمل بالظاهر من الأدلة عمل بعلم، لأنه اتباع لما قام الدليل القطعي على اتباعه من الظهور وغلبة الظن والرجحان، وهي أمور تعلم، فإن المجتهد الناظر في الأدلة يعلم أن هذا الدليل أرجح وأغلب على الظن من ذاك، فإذا اتبع ما علمه كان عمله بعلم٤.
قال ابن تيمية: "وذلك أن في المسائل الخفية، على المجتهد أن ينظر في
_________________
(١) ١ هو سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم، أبو الربيع، نجم الدين الطوفي، أصولي، من تصانيفه مختصر روضة الناظر لابن قدامة وهو (البلبل في أصول الفقه)، وشرح هذا المختصر، والإكسير في قواعد التفسير، وشرح الأربعين للنووي، توفي سنة (٧١٦) هـ. انظر الذيل على طبقات الحنابلة ٢/٣٦٦-٣٧٠ والدر الكامنة في أعيان المائة الثامنة ٢/٢٤٩-٢٥٢ والفتح المبين في طبقات الأصوليين٢/١٢٠-١٢١. ٢ شرح مختصر الروضة١/٣٢٧، وانظر إحكام الفصول للباجي ص٣٣١-٣٣٢. ٣ انظر الموافقات للشاطبي٢/٩٠. ٤ انظر شرح العمد لأبي الحسين البصري ص٢٩١ فما بعد، والمستصفى (بولاق) ٢/٢٥٧ ومجموع الفتاوى ١٣/١١١-١١٦.
[ ٨٦ ]
ويعمل بالراجح وهذا اتباع للعلم لا للظن، وهو اتباع الأحسن كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ ١ وقال: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِن رَّبكُمْ﴾ ٢، والذي جاءت به الشريعة وعليه عقلاء الناس أنهم لا يعملون إلا بعلم بأن هذا أرجح من هذا فيعتقدون الرجحان اعتقادا عمليا، لكن لا يلزم إذا كان أرجح أن لا يكون المرجوح هو الثابت في نفس الأمر٣
وهذا كما قال النبي ﷺ: "ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض وإنما أقضي بنحو ما أسمع " ٤، فإذا أتى أحد الخصمين بحجة - مثل بينة تشهد له - ولم يأت الآخر بشاهد معها كان الحاكم عالما بأن حجة هذا أرجح، فما حكم إلا بعلم وهكذا أدلة الأحكام"٥.
ومما يقوي الثقة بغلبة الظن في الأدلة الشرعية وصحة الاعتداد بظواهرها أن الألفاظ الشرعية لا يجوز أن يكون المراد منها غير ما ظهر
_________________
(١) ١ سورة الزمر (١٨) . ٢ سورة الزمر (٥٥) . ٣ مثال ذلك أن نزول المطر من الغيم الرطب المتراكم راجح على عدم نزوله، ورجحانه أمر معلوم يقينا، فهذا اعتقاد الرجحان أي القطع بالرجحان، أما نزول المطر فعلًا فهو أمر مظنون غير قطعي إذ من الجائز المحتمل تخلف الأمر الراجح وقوعُه. انظر التنقيح للتبريزي بتحقيق الدكتور حمزة زهير حافظ١/١١ مع حاشية رقم (١) . ٤ سبق تخريجه قريبا ص ٨٣ ٥ مجموع الفتاوى١٣/١١١-١١٦ وانظر الموافقات للشاطبي٣/٣٧٥.
[ ٨٧ ]
منها من غير أن تكون ثمت قرينة تدل على ذلك١، فمن ظهر له حكم من دليل ثم لم يكن هناك ما يدل على خلاف الظاهر عنده أو كان ولكنه مرجوح - كان على بينة من أمره في العمل بذلك الظاهر، بل إن كثيرا من ظواهر الأدلة قد عززتها القرائن، وتكاثرت عليها الشواهد حتى رفعتها عن موارد الاحتمالات وعوارض التردد في الثبوت أو الدلالة إلى قمم القطعية وأوثق اليقين٢.
وقد نقل القرافي٣ - ﵀ - إجماع العلماء على عدم اعتبار الاحتمال المرجوح ووجوب الاعتماد على الظاهر من الأدلة٤.
ففي الأحكام الشرعية أمران: خاص وعام، أما الأمر العام فهو أنها يجب العمل بها جميعا قطعا، أما الخاص لكل حكم فهو أنه قد يكون الطريق إليه قطعيا وقد يكون راجحا ظاهرا٥.
_________________
(١) ١ انظر المحصول للرازي١/٣٨٨-٣٩٠ ونهاية السول للآسنوي٢/١٤٩. ٢ انظر الصواعق المرسلة٢/٦٧٠-٦٧٢. ٣ هو أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن، أبو العباس، شهاب الدين القرافي، فقيه أصولي، من تصانيفه: تنقيح الفصول وشرحه في أصول الفقه، وشرح المحصول للرازي، والذخيرة في الفقه، والعقد المنظوم في الخصوص والعموم، توفي سنة (٦٨٤) هـ. انظر الديباج المذهب لابن فرحون١/٢٣٦-٢٣٩ والمنهل الشافي١/٢١٥-٢١٧ والفتح المبين٢/٨٦-٨٧. ٤ انظر نفائس الأصول في شرح المحصول٣/ق١٦٦- ب وشرح تنقيح الفصول/١٨٧. ٥ انظر تيسير التحرير١/١٢
[ ٨٨ ]
المبحث الرابع: أهمية الدليل القطعي
ثبت أن مذهب جماهير أهل العلم أن الأدلة الشرعية منها القطعية ومنها غير القطعية، وأن القسمين سواء من حيث وجوب العمل.
وللدليل القطعي مكانة خاصة بين سائر الأدلة تبين أهميته، ويبين ذلك وجوه منها:
الأول: أن الدليل إذا ارتفع إلى درجة القطع واليقين اطمأنت إليه النفوس واستراحت إليه القلوب وزاد نشاط الجوارح في العمل بما أثبته من أحكام، لما يضفيه القطعي على الدليل ومدلوله من أمن الخطأ والسلامة من الزلل.
وطمأنينة القلوب من المطالب الشريفة، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِني كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَ لَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ ١، قال القرطبي: "أراد أن يترقى من علم اليقين إلى عين اليقين، فهو سأل ليطمئن قلبه بحصول الفرق بين المعلوم برهانا والمعلوم عيانا"٢، فالنفوس جبلت على طلب رؤية ما أُخبرت عنه، ولهذا ورد عن رسول الله
_________________
(١) ١ سورة البقرة (٢٦٠) . ٢ تفسير القرطبي٣/٣٠٠.
[ ٨٩ ]
ﷺ: "ليس الخبر كالمعاينة، إن الله أخبر موسى بما فعل قومه في العجل فلم يلق الألواح، فلما عاين ألقى الألواح فانكسرت" ١، فإذا اجتمع دليل العيان إلى دلائل الإيمان الأخرى حصل فضل طمأنينة للقلب٢.
وإذا عثر الباحث في أدلة الأحكام على الدليل القطعي اطمأنت إليه نفسه لأنه ينفي الاحتمال، ويزيل الشك والتردد، فيكون على بينة ويقين من أمره فيما يأتي ويدع من أحكام ذلك الدليل، قال الزركشي: "اعلم أنه من حق على المجتهد أن يطلب لنفسه أقوى الحجج عند الله ما وجد إلى ذلك سبيلا، لأن الحجة كلما قويت أمن على نفسه من الزلل"٣.
ولم يزل العلماء - ﵏ - يذكرون على المطلب الواحد أدلة كثيرة ومتنوعة، حتى يتزايد ظهور المطلب ويحصل القطع بالحكم فيه، وتطمئن القلوب إلى ذلك الحكم لقوة الدليل٤، فيذكرون للحكم الواحد أدلة من الكتاب والسنة والإجماع
_________________
(١) ١ رواه الإمام أحمد من حديث ابن عباس، والحاكم في المستدرك وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وأخرجه ابن حبان وليس فيه من قوله: "إن الله ﷿ أخبر موسى ". انظر مسند الإمام أحمد ١/٢٧١،٢١٥ والمستدرك على الصحيحين ٢/٣٢١ والإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان ٨/٣٣. وقال في مجمع الزوائد (١/١٥٣): "رجاله رجال الصحيح"، وفيه أيضا عن ابن عمر وأنس ﵃. ٢ انظر فتح القدير للشوكاني١/٢٨١. ٣ البحر المحيط٦/٢٢٩، وانظر الوصول لابن برهان٢/١٥٠. ٤ انظر نفائس الأصول في شرح المحصول للقرافي٣/ق٣-ب.
[ ٩٠ ]
الوجه الثاني: أن الأدلة القطعية هي من أقوى ما ذُبَّ به عن الشريعة، ومن أمنع ما حفظت به الشريعة من زيغ المبطلين المبتغين الفتنة بالتأويل، فإنها التي تقطع ألسنة المؤولين، وتقصم ظهور المعاندين المتشبثين بمتشابه النصوص الذين يجدون في المحتملات ما يلوون ألسنتهم به في مطالبهم، فكم من ظواهر امتدت إليها أيدي المؤولين! وحرَّفها الملحدون إلى مرادهم! وأنزلوها على أهوائهم! وخرجوا بها عن منهاج الله وشرعته! لكن القواطع المحكمات تستعصي على هؤلاء وأولئك، فدون تأويلها حصن منيع من البيان، وفصل مبين من الخطاب، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُءَاياتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهَ وَالرَّاسِخُونَ في الْعِلْمِ يَقُولُونَءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبنَا وَمَا يَذَّكر إِلاَّ أُولُوا الأَلبابِ﴾ ١، قال ابن كثير عند قوله تعالى: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾: "أي إنما يأخذون منه المتشابه الذي يمكنهم أن يحرفوه إلى مقاصدهم الفاسدة وينزلوه عليها، لاحتمال لفظه لما يصرفونه، فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه، لأنه دافع لهم وحجة عليهم"٢.
وبين الشاطبي أن هذه الشريعة معصومة كما أن رسولها ﷺ معصوم،
_________________
(١) ١ سورة آل عمران (٧) . ٢ تفسير ابن كثير١/٣٥٣.
[ ٩١ ]
وكما أن أمتها مجتمعة معصومة، بسبب ما يسّر الله من دواعي الذب عنها، وبما قيض من المدافعين عنها جملة وتفصيلا، ثم قال: "فإن عارض دين الإسلام معارض، أو جادل فيه خصم منافق غبروا في وجه شبهاته بالأدلة القاطعة، فهم [أي المدافعون الذابون] جند الإسلام، وحماة الدين"١، والقواطع المحكمات سلاحهم الصارم وحسامهم البتار.
فبالأدلة القواطع يحفظ الدين في ميدان المحاجة باللسان كما يحفظ بالجهاد في ساحة الكفاح بالسنان٢، وبها تقوى عصمة الشريعة ويُحكم أساسها وركنها، وبها تدك معاقل البدع والانحراف وتؤتى بنيانها من القواعد، وعند حصنها يقف المعاند اللدود.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ويجب أن يعلم أن الأمور المعلومة من دين المسلمين لا بد أن يكون الجواب عما يعارضها جوابا قاطعا لا شبهة فيه فكل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرة تقطع دابرهم لم يكن قد أعطى الإسلام حقه، ولا وفَّى بموجب العلم والإيمان، ولا حصل بكلامه شفاء الصدور وطمأنينة النفوس، ولا أفاد كلامه العلم واليقين"٣.
_________________
(١) ١ الموافقات٢/٥٩-٦٠. ٢ من أسماء السيف وأوصافه موادّ بمعنى القطع كالبتار والحُسام من البتر والحسم، فاتفق في اللفظ ما يحسم به العناد في الاحتجاج وفي الكفاح وقرع السيوف. ٣ مجموع الفتاوى٢٠/١٦٤-١٦٥.
[ ٩٢ ]
الوجه الثالث: أن العلم وقوة اليقين من فضل الله على الناس، قال الله ﷿: ﴿ يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَءَامَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ ١ وقال ﵎: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٍ﴾ ٢. والعلماء الذين ثبتت عندهم الأحكام بالأدلة القطعية وبنوا عليها مذاهبهم هم على يقين من أمرهم ورسوخ عظيم في العلم، وذلك فضل لهم على من لم يكن له نصيب من الأدلة إلا الظنون الراجحة وبقي في احتمال وتردد لضعف أدلته٣.
الوجه الرابع: أن الدليل القطعي هو ما يبدأ به البحث عن أدلة الأحكام، وهو الذي إذا حصّله المجتهد لم يعدل عنه إلى غيره، إذ لا بعارضه غيره لأنه الأقوى.
الوجه الخامس: أن الله تعالى أمر عند التنازع بالرد إلى الكتاب والسنة فقال ﷿: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ ٤.
_________________
(١) ١ سورة المجادلة (١١)، قال الراغب: "تنبيه منه تعالى على تفاوت العلوم وتفاوت أربابها"المفردات ص٥١٤. ٢ سورة يوسف (٧٦)، والعلم في الآيتين أعم من أن يكون المراد به الدليل القطعي. ٣ انظر البحر المحيط٦/٦٤٠-٦٤١. ٤ سورة النساء (٥٩) .
[ ٩٣ ]
ومن رد عند التنازع إلى دليل قطعي ثبوتا ودلالة كان على يقين من أمره أنه رد إلى الله ورسوله، وذلك صلة عظيمة بين الأمة في عصورها المتلاحقة وبين مصدر التشريع، وكأنهم عايشوا التنزيل وسمعوا القرآن والسنة من فيِّ النبي صلى الله عليه وسلم١.
ولكل هذه الأهمية كان القول بنفي وجود القطعي في الأدلة الشرعية قولا عظيم الخطر! فإنه يتوجه بالنقض إلى حصن الشرع المعصوم! ليتركه بعد ذلك هدفا لكل مبطل مؤول أو معاند، وذلك ينتهك حرمة النصوص ويرفع الثقة عنها٢.
القطعية والحجية في الدليل:
تتبين العلاقة بين حجية الدليل وبين قطعيته بأمرين:
الأمر الأول: القطعية في الدليل فرع عن الحجية فيه، أي أن البحث في قطعية الدليل يكون بعد ثبوت كونه حجة ودليلا شرعيا يجب العمل به في إثبات أحكام الشريعة، إذ من لم تثبت عنده حجية الدليل وصحة الاعتماد عليه أصلا في الشريعة لا يرد عنده بحث قوة ذلك الدليل، وكيف يبحث في قوة أمر غير ثابت أصلا؟!
وما يأتي - إن شاء الله تعالى - من مسائل هذا البحث مبني على
_________________
(١) ١ انظر أصول السرخسي١/٢٨٣-٢٨٤. ٢ انظر الصواعق المرسلة٢/٦٣٢-٦٣٣.
[ ٩٤ ]
هذا، فالخلاف في حجية دليل ليس مما يعنى - بالضرورة - عند البحث عن القطعية في ذلك الدليل.
الأمر الثاني: حجية الدليل أهم من قطعيته بالنظر إلى ما يأتي:
- أن مناط وجوب العمل بالدليل على حجيته، والقطعية بالنظر إلى العمل فضل قوة، فإذا ثبت كون الدليل حجة شرعية لزم العمل به، سواء أفاد الناظرَ فيه القطعيةَ أم لم يفده، فكان عدم القطعية في الدليل غير مانع من العمل به، والعمل هو الغرض الأعظم ونهاية المقصِد من الشرع، وإنما يتعلم العلم ليعمل به١.
- أن القطعية وصف غير مطرد في الأدلة الشرعية أو بالنسبة لجميع المجتهدين، فليست وصفا مطلقا في الأدلة الشرعية، إذ في الأدلة الشرعية ما لا يكون دليلا قطعيا بل يكون دليلا ظاهرا راجحا، أما الحجية فهي وصف سائر الأدلة الشرعية٢.
_________________
(١) ١ وقد فصل الإمام الشاطبي - ﵀ - في مقدمة الموافقات الكلام على هذا وتوسع في بيان أن ثمرة العلم الصحيح هو العمل، انظر الموافقات١/٤٢، ٤٦ وما بعدها. ومما يبين هذا الأمر أن بحث المتواتر في الأخبار المروية عن رسول الله ﷺ - وهو من مباحث قطعية الثبوت في الدليل من السنة - لم يحظ عند علماء الحديث بما حظي به بحث مطلق الحجية من الاهتمام، بل انصب جهد هؤلاء ﵏ على البحث عن الخبر الذي هو حجة يجب بها العمل، ولم يتطرقوا إلا ما ندر من بعض متأخريهم إلى بحث القطعية وهو بحث (الخبر المتواتر) . وانظر ص (خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.) . ٢ انظر مبحث وجوب العمل بالأدلة الشرعية القطعية وغير القطعية ص (خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.) .
[ ٩٥ ]
المبحث الخامس: قطعية أصول الفقه
هذا المبحث يتصل بجانب مهم من جوانب منهج البحث في أصول الفقه١، وهو منهج الاستدلال فيها، وهل يشترط أن يكون الدليل المستدل به في أصول الفقه قطعيا أم أنه يستدل بكل دليل ثبتت حجيته وكان ظاهرا في دلالته على المستدل فيه، فيستدل بالقطعي من الأدلة وبالظاهر الراجح منها، وجميع قواعد أصول الفقه على المنهج الأول قطعية، أما على المنهج الثاني فبعض قواعد الأصول غير قطعية.
ولم تحظ هذه المسالة من البحث بما يتفق مع ما سبق من أهميته، فلم أقف على بحث مفصل للمسألة فيما رجعت إليه من كتب أصول الفقه، وإنما يكتفي العلماء - رحمهم الله تعالى - بالإشارة عند تعرضهم للمسألة، حتى يبدو من بعض كلامهم أن المسألة قد بحثت مفصلة في موضع آخر من كتب الأصول أو كتب علوم أخرى٢، ومن تلك الإشارات:
_________________
(١) ١ أصول الفقه هنا: جملة أدلة الفقه والطرق الموصلة إلى الأحكام الشرعية وكيفية استنباط تلك الأحكام من أدلتها، أي جميع القواعد التي ينبني عليها النظر في أدلة الفقه لاستخراج مسائله والتي يشتمل عليها علم أصول الفقه. انظر التقريب والإرشاد١/١٧٢-١٧٣ والقواطع لابن السمعاني ق٢/أ-ب والمنهاج للبيضاوي مع نهاية السول١/٥ ومختصر ابن الحاجب مع بيان المختصر١/١٤ والموافقات١/٢٩ حاشية رقم (١) من تعليقات الشيخ عبد الله دراز. ٢ وبدا لي أن قد يكون من مظان بحث المسألة مفصلا كتبُ علماء الكلام، فرجعت إلى كتب بعض من كتبوا في أصول الفقه من المتكلمين مثل التمهيد للقاضي أبي بكر الباقلاني والإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الدين لأبي المعالي الجويني والمحصل لفخر الدين الرازي والمواقف لعضد الدين الإيجي، فلم تزد الإشارات فيها - حسب اطلاعي - على ما ذكروا في كتبهم في أصول الفقه.
[ ٩٦ ]
- قال في تلخيص التقريب إشارة إلى استدلال بعض العلماء بخبر الواحد في إثبات حجية القياس: "وهذه هفوة عظيمة، وسنذكر في كتاب الاجتهاد أن أصول الشريعة لا تثبت إلا بما يقتضي العلم من الأدلة القاطعة، ومن قال غير ذلك فقد زل زلة عظيمة"١.
وأحال في موضع آخر على باب التقليد٢.
أما في كتاب الاجتهاد فإنما كان البحث هناك في ذكر تقسيم المسائل إلى قطعية وغير قطعية وضابط مسائل الأصول وما إلى ذلك، ولم يستدل - فيما وقفت عليه من كتاب الاجتهاد - على أن أصول الشريعة لا تثبت إلا بما يقتضي العلم من الأدلة القاطعة٣، كما أشار من قبل.
أما في باب التقليد فقد وقعت إشارة إلى ذلك في معرض الرد على المجوزين لتقليد العالِم للعالِم، فأبطل ذلك بأنه لو جاز تقليد العالم للعالم لكان قول العالم المقلَّد عَلَما منصوبا على الحكم حتى يساوي سائر الأدلة
_________________
(١) ١ تلخيص التقريب للجويني٣/١٩٤-١٩٥. ٢ انظر تلخيص التقريب٣/١٢١. ٣ انظر التلخيص٣/٣١٧-٣١٩.
[ ٩٧ ]
الشرعية! ثم أبطل هذا بأنه يستحيل إقامة الدليل العقلي أو الشرعي على إثبات قول العالم المقلَّد دليلا شرعيا، لأن الدليل المثبت لذلك لا بد أن يكون قطعيا كما ثبت القياس وغيره من طرق الاجتهاد بالأدلة القاطعة على حجيتها، وليس على صحة كون قول المقلَّد دليلا شرعيا شيءٌ من الأدلة القطعية كنص الكتاب أو نص سنة أو إجماع.
ثم قال: "وتتأكد هذه الدلالة بأصل نوضحه فنقول: لا ينتصب الشيء دليلا وعَلَما في الشرعيات إلا بدلالة قاطعة، فإنه لو ثبت بما لا يقطع لاحتيج إلى إثبات مثبته ثم يتسلسل القول فيه إلى ما لا يتناهى" قال: "فهذه هي الدلالة السديدة وما عليها معترض"١.
- وقال الغزالي٢ - ﵀ - عند الكلام على حجية قول الصحابي: "ونحن أثبتنا القياس والإجماع وخبر الواحد بطرق قاطعة لا بخبر الواحد، وجعل قول الصحابي حجةً كقول رسول الله ﷺ وخبره
_________________
(١) ١ تلخيص التقريب للقاضي أبي بكر الباقلاني لخصه إمام الحرمين الجويني ج٣/٤١٩ وانظر ما سبق قبلُ ٣/٤١٧-٤١٩. ٢ هو محمد بن محمد بن محمد، أبو حامد، حجة الإسلام الغزالي، كان إماما في الفقه وأصوله والكلام وغيره، له تصانيف كثيرة منها: المنخول والمستصفى كلاهما في أصول الفقه، والوسيط والوجيز كلاهما في الفقه، والأربعين في أصول الدين، وإحياء علوم الدين، وتهافت الفلاسفة، توفي سنة (٥٠٥) . انظر سير أعلام النبلاء١٩/٣٢٢-٣٤٧ وطبقات الشافعية لابن السبكي٦/١٩١-٣٨٩ والفتح المبين في طبقات الأصوليين٢/٨-١٠.
[ ٩٨ ]
أصلٌ من أصول الأحكام ومداركه، فلا يثبت إلا بقاطع كسائر الأصول"١.
- وقال الآمدي٢ - ﵀ - بعد ذكر الخلاف في حجية الإجماع المنقول بخبر الواحد: "وبالجملة فالمسألة دائرة على اشتراط كون دليل الأصل مقطوعا به وعدم اشتراطه: فمن اشترط القطع منع كون خبر الواحد مفيدا في نقل الإجماع، ومن لم يشترط ذلك كان الإجماع المنقول على لسان الآحاد عنده حجة"، قال: "والظهور في هذه المسألة للمعترض من الجانبين دون المستدل فيها"٣.
وزاد البحث في هذه المسالة إشكالا - إضافة إلى قلة التفصيل فيه - صعوبة ضبط مذاهب العلماء فيها، فقد يبدو من بعضهم التزام القطعية في محل ثم في محل آخر لا يسلِّم اشتراط القطع في أصول الفقه٤، وأشار الشيخ
_________________
(١) ١ المستصفى٢/٤٥٦-٤٥٧، وانظر المستصفى (بولاق) ٢/٢١٩. ٢ هو علي بن علي بن محمد أبو الحسن سيف الدين الآمدي، أصولي متكلم، من تصانيفه: (الإحكام في أصول الأحكام) و(منتهى السول) في أصول الفقه، و(أبكار الأفكار) في علم الكلام، توفي سنة (٦٣١) هـ. انظر سير أعلام النبلاء٢٢/٣٦٤-٣٦٧ وطبقات الشافعية لابن السبكي٨/٣٠٦-٣٠٨ والفتح المبين٢/٥٧-٥٨. ٣ الإحكام في أصول الأحكام للأمدي ١/٢٣٨-٢٣٩ وانظر١/١٨٦، ٢/٢٩٠،٢٩٣، ٢٩٤،٣٠٣، ٣/٧٨. ٤ كما سيأتي قريبا إن شاء الله عند ذكر أقوال أهل العلم.
[ ٩٩ ]
الطاهر بن عاشور١ - ﵀ - إلى مثل هذا قائلا: "وأنا أرى أن سبب اختلاف الأصوليين في تقييد الأدلة بالقواطع هو الحيرة بين ما ألفوه من أدلة الأحكام وبين ما راموا أن يصلوا إليه من جعل أصول الفقه قطعية كأصول الدين السمعية فهم قد أقدموا على جعلها قطعية فلما دونوها وجمعوها ألْفَوا القطعي فيها نادرا ندرة كادت تذهب باعتباره في عداد مسائل الأصول٢ كيف وفي معظم أصول الفقه اختلاف بين علمائه! "٣.
وقد اختلف العلماء في قطعية أصول الفقه وجواز الاستدلال بالدليل غير القطعي في إثبات قواعدها على قولين:
القول الأول: أن مسائل أصول الفقه قطعية، فلا يستدل عليها إلا
_________________
(١) ١ هو محمد الطاهر بن محمد الشاذلي بن عبد القادر، أبو عبد الله، الشيخ ابن عاشور، كان من العلماء في النقليات والعقليات، له حاشية على المحلي على جمع الجوامع، وحاشية على القطر لابن هشام في النحو، توفي سنة (١٢٨٤) هـ الموافق (١٨٦٨) م. انظر شجرة النور الزكية ص٣٩٢ رقم (١٥٦٥) والأعلام للزركلي٧/٤٣)، وللشيخ ابن عاشور كتاب في تفسير القرآن الكريم هو تفسير التحرير والتنوير وكتاب في مقاصد الشريعة الإسلامية. ٢ لا يُسلَّم أن القطعيات في أصول الفقه بتلك الندرة، بل هي كثيرة لمن أخذها مأخذ الاستقراء وتتبع أدلتها في مظانها وغير مظانها كما سيأتي النقل عن العلماء بذلك في آخر هذا المبحث، وسبب قول الشيخ ابن عاشور - ﵀ - بندرة القطعيات في أصول الفقه على هذا الوجه أنه يقصد بالقطعي ما لا اختلاف فيه بين العلماء كما يظهر ذلك من تعليله لذلك بقوله متعجبا: "كيف وفي معظم أصول الفقه اختلاف بين علمائه! " المقاصد الشرعية ص٨. والصحيح أن الاختلاف لا يمنع من القطع كما سيأتي في ص ١٦٥من هذا البحث. ٣ المقاصد الشرعية ص٨.
[ ١٠٠ ]
بدليل قطعي.
وهذا مذهب القاضي أبي بكر الباقلاني١ وأبي المعالي الجويني٢،٣ وأبي حامد الغزالي فيما ظهر من كلامه في المستصفى٤، وهو مذهب القرافي
_________________
(١) ١ انظر تلخيص التقريب٣/١٢١، ١٩٤-١٩٥، وانظر البحر المحيط٥/٢٤١. ٢ هو عبد الملك بن عبد الله بن يوسف أبو المعالي ضياء الدين الجويني، إمام الحرمين، من أئمة المتكلمين الأشاعرة، فقيه أصولي أديب، من تصانيفه: البرهان، وتلخيص التقريب لشيخه القاضي أبي بكر الباقلاني، والإرشاد في أصول الدين، و(نهاية المطلب في المذهب) في الفقه الشافعي، وغياث الأمم في السياسة الشرعية، توفي سنة ٤٧٨. انظر طبقات الشافعية لابن السبكي٥/١٦٥-٢٢٢ وسير أعلام النبلاء١٨/٤٦٨-٤٧٧ والفتح المبين١/٢٦٠-٢٦١) . ٣ انظر البرهان١/٧٨-٧٩، ٤٣٥ غير أنه جوّز الاستدلال من السنة على حجية القياس بحديث معاذ (انظر تخريجه في تلخيص الحبير٤/١٨٢-١٨٣ والابتهاج في تخريج أحاديث المنهاج ص٢١٠-٢١١)، وعلل ذلك بثبوت وجوب العمل بالآحاد بالقواطع قال: "فلا فرق بين أن يستند القياس إلى قاطع بدرجة وبين أن يستند إليه بدرجات"البرهان٢/٥٠٧-٥٠٨. وظاهر هذا تجويز الاستدلال بغير القطعي في إثبات الأصول. ٤ انظر المستصفى ٢/٤٠٢-٤٠٣،٤٥٦-٤٥٧، (بولاق) ١/٣٢٨-٣٢٩،٤٣٢-٤٣٣، ٢/٢١٩، غير أنه لما أبطل حجية الإجماع المنقول بالآحاد قائلا: "ولو أثبتناه لكان ذلك بالقياس ولم يثبت لنا صحة القياس في إثبات أصول الشريعة، هذا هو الأظهر" قال: "ولسنا نقطع ببطلان مذهب من يتمسك به في حق العمل خاصة"، فلم يَبُتّ في المسألة بالقطع في التمسك بالأصل الثابت بغير القطعي بالنسبة للعمل، فذلك عنده مما يحتمل. وسبب تقييدي مذهبه بما في المستصفى أن ما يظهر من المنخول تجويز الاستدلال بغير القطعي في مسائل أصول الفقه، وذلك عند استدلاله على حجية الإجماع والقياس. انظر المنخول ص٣٠٦، ٣٣٢، وقد نبّه على ذلك محقق المنخول د. محمد حسن هيتو نقلا عن أستاذه عبد الغني عبد الخالق. انظر المنخول ص١٠٧.
[ ١٠١ ]
ونقله عن العلماء١، وهو الذي قرره أبو إسحاق الشاطبي وأيده وجعل في الاستدلال عليه أُولى مقدمات كتابه (الموافقات) ٢.
ومن أدلة هذا المذهب ما يلي:
الدليل الأول: أن مسائل هذا العلم من الأصول، والأصول لا يستدل في إثباتها إلا بدليل قطعي لأنها من المواضع التي يطلب فيها القطع واليقين، والدليل غير القطعي لا يفيد القطع فلا يفي ما دون القطعي بالغرض المطلوب في هذه المسائل٣.
_________________
(١) ١ انظر نفائس الأصول شرح المحصول للقرافي١/ق١٧-أ، ب، ٢/ق١١-ب، ق١٢-أ، ق٢٢-أ، ق١٤٨-أ، ق٢٤٦-أ، ب، ٣/ق٥-أ، ب،ق٨-ب، وانظر شرح تنقيح الفصول له/٣٣٨-٣٣٩ وقيد مذهبه بمن كثر اطلاعه واستقراؤه فيحصل له القطع دون من قصر عن ذلك. ٢ انظر الموافقات١/٢٩ وما بعدها. وذكر د. محمد حسن هيتو أن قطعية أصول الفقه مذهب المتقدمين من الأصوليين كالصيرفي وابن السمعاني والباقلاني وإمام الحرمين والغزالي. انظر تحقيقه للتبصرة للشيرازي ص٣٢. ٣ هذا الدليل يتكرر كثيرا في كتب كثير من الأصوليين لا سيما المتكلمين منهم، وذلك كلما استدل مستدل بدليل غير قطعي في مسألة من مسائل أصول الفقه. انظر تلخيص التقريب للقاضي أبي بكر الباقلاني لخصه الجويني٣/١٩٤-١٩٥ والعدة لأبي يعلى الفراء١/٢٣٧، ٢/٤٥٩ وإحكام الفصول للباجي/٣٦٤ وشرح اللمع لأبي إسحاق الشيرازي١/٢٩٨، ٢/٧٦٩-٧٧٠ والبرهان للجويني١/٣٣٧، ٤٣٥ والمستصفى للغزالي٢/٤٠٢-٤٠٣، ٤٥٦-٤٥٧، (بولاق) ٢/٢١٩ والوصول إلى الأصول لابن برهان٢/٢٤٨ وشرح تنقيح الفصول للقرافي ص١٧،٣٢٣،٣٧٢،٥٨٠ وميزان العقول لعلاء الدين السمرقندي ص٥٦٩ ومسلم الثبوت مع فواتح الرحموت ٢/١٢٣، ١٣٥.
[ ١٠٢ ]
وهذا الدليل يشتمل على ثلاثة أمور:
أولها: أن في الدين مواضع هي أصول، ومواضع أخرى هي فروع.
وثانيها: أن كل مسألة تعين كونها من مواضع الأصول فهي مطلب لا يكتفى فيه بما دون القطع واليقين، أما مسائل الفروع فيجوز فيها الاستدلال بغير القطعي.
وثالثها: أن أصول الفقه من تلك الأصول التي يجب فيها القطع واليقين.
وجميع تلك الأمور مما قد لا يسلم:
أما الأمر الأول فلأنه يرد على تقسيم الدين إلى أصول وفروع أمور:
- أهمها عدم وجود حد وضابط مسلَّم يميز الأصول القطعية من المواضع التي لا يشترط فيها القطع من الدين، قبل النظر في الأدلة.
وهذا القاضي أبو بكر الباقلاني ذكر حدّين للأصول ولم يرضهما لما يلزم منهما من الباطل١، ثم عوّل بعد ذلك على ما رآه الحد الصحيح
_________________
(١) ١ أما الحد الأول منهما فهو أن الأصول: "ما لا يجوز ورود التعبد فيه إلا بأمر واحد"ووجه كونه غير مرضيّ على ما في التلخيص أنه يُخرج مسائل الشرع القطعية وغير القطعية من جملة الأصول، وأما الحد الثاني فهو أن الأصول: "ما يصح من الناظر العثور فيه على العلم من غير تقدير ورود الشرع"ووجه كونه غير مرضيّ أن وجوب معرفة الله وصفاته ووجوب معرفة النبوة كل ذلك من أصول الدين، مع أن الوجوب حكم لا يثبت إلا من طريق الشرع فتخرج تلك الأصول من جملة الأصول على هذا الحد، وذلك غير صحيح. انظر تلخيص التقريب ٣/٣١٩، وذكر الغزالي هذا الحد فقال في المستصفى (بولاق ٢/٣٥٧-٣٥٨): "وحد المسائل الكلامية المحضة ما يصح للناظر دَرْك حقيقته بنظر العقل قبل ورود الشرع".
[ ١٠٣ ]
للأصول وهو: أن "كل مسألة يحرم الخلاف فيها مع استقرار الشرع ويكون معتقد خلافه جاهلا فهي من الأصول، سواء استند إلى العقليات أم لم يستند إليها"١، مع أن الأصل على هذا فرع عن الدليل الشرعي، لأن تحريم الخلاف حكم شرعي لا بد فيه من الدليل الشرعي عليه٢، فكانت معرفة كون المسألة من الأصول تابعة لمعرفة دليل تحريم الخلاف فيها.
وذكر الشاطبي - ﵀ - ضابطا آخر لأصول الدين وفروعه يرجع إلى النظر في المصلحة الشرعية المترتبة على الفعل فقال: "فما عظَّمه الشارع في المأمورات فهو من أصول الدين وما جعله دون ذلك فهو من فروعه، وما عظّم أمره في المنهيات فهو من الكبائر وما كان دون ذلك فهو من الصغائر، وذلك على مقدار المصلحة والمفسدة"٣.
وقريب من هذا ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية من أن أصول الدين
_________________
(١) ١ تلخيص التقريب٣/٣١٧-٣١٩. ٢ وقد سبق مثل هذا قريبا في بيان بطلان الحد الثاني من الحدين الذين لم يرضهما القاضي في تحديد الأصول، واضطر القاضي إلى أن يخرج من الأصول بهذا الحد بعض المسائل العقلية التي يختلف فيها علماء الكلام من مسائل العقائد مما لا يتعلق بشيء من قواعد الدين. انظر التلخيص ص١٩١. ٣ الموافقات١/٢١٣.
[ ١٠٤ ]
ما يكون مصلحته عامة١، أما ما يكون من الحقوق خاصا مثل برّ كل إنسان والِدَيْه، وقيامه بحق زوجته وجاره، فهو من فروع الدين، ثم قال معللا: "لأن المكلف قد يخلو عن وجوبها عليه ولأن مصلحتها خاصة فردية".
فأصول الدين في المأمورات مثل الكبائر في المنهيات، يجمعهما عظم المصلحة وعمومها في الأولى، وعظم المفسدة في الثانية في أفعال القلب واللسان والجوارح.
والظاهر أن هذا ضابط محكم في تحديد أصول الدين وفروعه، لأنه يجعل الدليل الشرعي - وهو راجع إلى قول الله تعالى وقول رسوله ﷺ - متبوعا لا تابعا، فما كان من الأحكام قويا دليله يُظهِر أهميته وعظم شأنه في الدين فهو من أصول الدين في أي موضع كان ذلك الحكم، وما كان من الأحكام الشرعية دليله دون ذلك ويظهر بعض التوسعة في أمره أو تكون مصلحته خاصة فهو من فروع الدين، وكل ذلك تابع للدليل.
وهو قريب مما استقر عليه أمر القاضي في التعريف بالنسبة للدليل الشرعي، لأن حد القاضي راجع إلى الدليل المحرِّم للخلاف في المسألة، وتحريم الخلاف في مسألة من المسائل دليل على عظم تلك المسألة في الدين وحرمته.
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في موضع آخر من (مجموع الفتاوى) أن
_________________
(١) ١ انظر مجموع الفتاوى١/١٨-١٩.
[ ١٠٥ ]
الدين نوعان: أمور خبرية اعتقادية، وأمور طلبية عملية، ومثّل للنوع الأول بالعلم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويسمى هذا النوع أصولَ الدين والعقد الأكبر، كما يسمى عقائد واعتقادات، ويسمى الجدال فيه كلاما، والنوع الثاني أمور الطلب من أعمال الجوارح كالواجبات والمحرمات١.
وذكر في موضع آخر أن الاصطلاح على تسمية الأمور العلمية الخبرية الاعتقادية بأصول الدين، أو الأصول اصطلاح المتكلمين المتأخرين وكثير من المتفقهة، وأما الغالب على اصطلاح أهل الحديث والتصوف، والذي عليه أئمة الفقهاء وطائفة من المتكلمين فهو تسمية الأمور التي اتفقت فيها الشرائع مما لا ينسخ ولا يغير بأصول الدين سواء كان من الأمور العلمية أم من الأمور العملية، وذكر أن مصطلح (الشريعة) جامع للقسمين معا٢.
وتكلم شيخ الإسلام ابن تيمية في أوائل كتابه (درء تعارض العقل والنقل) ٣ على هذه المسألة وعلى اشتراط القطع فيها وهل يكفي فيها الظن؟ فذكر أن جميع ما هو من أصول هذا الدين الذي جاء به النبي ﷺ فهي وأدلتها الشرعية القطعية عقلية أو سمعية مُبَيَّنة في الكتاب والسنة قد
_________________
(١) ١ انظر مجموع الفتاوى١١/٣٣٥-٣٣٦. ٢ انظر مجموع الفتاوى١٩/١٣٤ وانظر الاستقامة له أيضا١/٤٧-٤٩. ٣ انظر درء تعارض العقل والنقل١/٢٦-٧٥.
[ ١٠٦ ]
نقلت عن الرسول ﷺ يعلمها أهل العناية بالعلم الموروث عن النبي ﷺ يعلمونها ويقطعون بها، وأن ما لم يصرَّح فيه من تلك المسائل بطلب القطع واليقين وعجز الناظر فيها عن الوصول إلى القطع واليقين فإنه يكفيه الاعتقاد الغالب على ظنه لعجزه عن التمام، لأن الاعتقاد الراجح المطابق للحق ينفع صاحبه عند عدم القدرة على الدليل السمعي أو العقلي المفضي إلى القطع واليقين، على أن عامة الضلال أو العجز عن اليقين في هذا الباب سببه الإعراض عن الاستدلال والنظر في أدلة تلك المسائل الواردة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ والإعراض عن اتباع طريقة السلف في تلك المسائل وأدلتها ومنهجهم في الاستدلال عليها اهـ.
هذا، ويؤخذ من استدلال العلماء القائلين بالتقسيم وبقطعية الأصول - في المراجع التي ذُكرت سابقا من كتب المتكلمين في أصول الفقه وفي الكلام - أنهم يذهبون إلى وجود الدليل العقلي القطعي في تلك المسائل، فإذا استُدل فيها بدليل سمعي غير قطعي ردوا على الاستدلال بأن المسألة قطعية لوجود دليل عقلي قطعي فيها، وغاية ما يفيده السمعي غير القطعي هو الظن الذي لا يجدي نفعا مع وجود القاطع العقلي، فيمنعون الاستدلال به ابتداء.
فيرجع الكلام في المسألة إلى أن ما يذهبون إليه من وجود القاطع العقلي - مخالفا للسمعي - غير مسلم، وأن ظواهر النصوص السمعية لا
[ ١٠٧ ]
تخالفها الأدلة العقلية١، فمدار الكلام في هذه المسألة ليس على تقسيم الدين إلى فروع وأصول، فذلك أمر من أمور الاصطلاح لا يبعد أن يكون هيِّنًا وقد وقع في كلام كثير من العلماء.
وإنما عدم التسليم بالتقسيم راجع إلى أمر آخر ينبني عليه، وهو: دعوى وجود القطعي العقلي في مسائل الأصول مخالفا لما تفيده ظواهر النصوص السمعية النقلية، ثم تقديم ما يزعم أنها القواطع العقلية المخالفة على النصوص الشرعية وما يتبع ذلك من إقصاء كثير من الأدلة الشرعية في أهم مواضع الدين.
والحق أن الوحي قد بيَّن الدين أصولا وفروعا بما لا يضطر معه المسلم إلى اضطراب الاستدلالات العقلية في أمور غيبية تتعلق بالله تعالى وصفاته والنبوة والمعاد
- ومما يرد على التقسيم أن مما يعد من الأصول مسائلَ غير قطعية٢، فكان تحديد الأصول بما يقصرها فيما المطلوب فيه القطع واليقين غير جامع لجميع مسائلها٣.
_________________
(١) ١ انظر ص (٧٨.) من هذا البحث. ٢ وفي كتب الكلام مسائل اعترف المتكلمون بأن أدلتها غير قطعية فاكتفوا فيها بالرجحان. انظر الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الدين لأبي المعالي الجويني (ص٢٩٩) في مسألة عصمة الأنبياء من الصغائر، والمواقف لعضد الملة والدين الإيجي (ص٤١٢) في مسألة أفضل الناس بعد النبي ﷺ، وانظر البحر المحيط للزركشي٦/٢٤٠. ٣ انظر مجموع فتاوى ابن تيمية٦/٥٦-٦١ ومختصر الصواعق المرسلة٢/٤٨١.
[ ١٠٨ ]
أما الأمر الثاني من الأمور التي اشتمل عليها الدليل الأول وهو: أن الأصول يجب فيها القطع، فهو مفرع على الأمر الأول، ويرد عليه ما في الأمر الأول من النظر، فإنه إذا لم تتحدد الأصول ولم تتميز عن الفروع قبل النظر في الأدلة وكانت الحدود فيها غير مسلمة لم يصح ما يترتب على ذلك من اشتراط القطعية في الأصول.
وعلى التسليم بتقسيم الدين إلى أصول وفروع لا يسلم دعوى وجوب القطعية في جميع مسائل الأصول، لأن ذلك مما ليس عليه دليل صحيح، ولم يعرف إلا من المتأخرين، وكان من أسباب رد كثير من الأدلة في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم١!
وأما الأمر الثالث وهو: أن أصول الفقه من تلك المواضع المشترط فيها القطع واليقين، فلا يسلم أيضا، فقد جعل بعض العلماء أصول الفقه واسطة بين أصول الدين وفروعه لكونها - مع تسميتها أصولا واستمدادها من (أصول الدين) - وسيلة للعمل بفروع الدين، ولهذا أضيفت الأصول إلى (الفقه) ٢، بل صرح بعضهم بأن أصول الفقه أقرب إلى الفروع من أصول
_________________
(١) ١ انظر المرجعين السابقين، وانظر مجموع الفتاوى١١/٣٣٧، ١٩/٢٠٦-٢٠٨ ودرء تعارض العقل والنقل١/٢٦-٤٤ وأصول الدين للبزدوي/٢٥-٢٨، ١٦٢-١٦٣. وانظر المسألة في كتاب المسائل المشتركة بين أصول الفقه وأصول الدين ص٣٠٠-٣٠٩ وكتاب منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد للشيخ عثمان بن علي بن حسن ١/٢٤٦-٢٤٩. ٢ انظر شرح مختصر الروضة ١/١٤٢ والإبهاج شرح المنهاج ١/١٧ والبحر المحيط ١/٢١.
[ ١٠٩ ]
الدين١، ويؤخذ ذلك إشارةً من صنيع بعضهم٢.
الدليل الثاني: أن الأصل عدم جواز العمل بما لا يفيد القطع واليقين بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ ٣ وقوله: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ٤، فلا يجوز العمل بما لا يفيد القطع إلا إذا دلت دلالة قاطعة على جواز العمل به، وعلى هذا فما كان من أصول الفقه قطعيا فعدم جواز إثباته إلا بدليل قطعي أمر ظاهر إذ الدليل غير القطعي لا يمكن أن يَثبُت به أصل قطعي، وما كان منه لا يفيد القطع فلا يثبت العمل به إلا بدلالة قاطعة من الشارع على العمل به، وإنما ورد الدليل القاطع على العمل بالظن في الفروع فبقيت الأصول على المنع.
ونقل القاضي أبو بكر الباقلاني إجماع الأصوليين على هذا٥.
وهذا أيضا غير مسلم.
_________________
(١) ١ انظر المسودة لآل تيمية ص٣٦٨-٣٦٩. ٢ انظر شرح الكوكب المنير للفتوحي (٢/٢٢٤)، جعل مسألةً من مسائل أصول الفقه طريقها في الاستدلال طريق بقية مسائل الفروع، وانظر كشف الأسرار عن أصول البزدوي لعبد العزيز البخاري (١/٧-١٢، ١٨)، قسّم العلم إلى علم التوحيد والصفات وإلى علم الشرائع والفروع وجعل أصول الفقه من القسم الأخير. ٣ سورة يونس (٣٦) . ٤ سورة الإسراء (٣٦) . ٥ انظر تلخيص التقريب٣/١٢١ وشرح تنقيح الفصول للقرافي/١٥٦ وتفسير البيضاوي٢/٢٣١ والبرهان للجويني١/١٢٦ ونفائس الأصول٣/ق٨-ب.
[ ١١٠ ]
قال الطوفي: "أما قولهم: الأصل عدم العمل بالظن، فممنوع أيضا في الشرعيات، لأن مبنى الشرع على غلبة الظن، ولهذا كانت أكثر أدلته ظنية، كالعموم وخبر الواحد والقياس، فلو كان الأصل عدم العمل بالظن لكان أكثره واقعا على خلاف الأصل، وذلك خلاف الأصل إذ الأصل في الفنون جريان جميعها أو أكثرها على وفق الأصل"١.
وهذا الدليل مبني على مذهب القائلين بالتقسيم إلى أصول وفروع، فهو لذلك وارد عليهم، وإلا فلا يسلم أن أكثر أدلة الشرع ظنية ولا أن مبناه على غلبة الظن عند أئمته المحصلين للأدلة مع استقراء قرائنها٢.
الدليل الثالث: قياس أصول الفقه على أصول الدين، "لأن نسبة أصول الفقه إلى أصل الشريعة كنسبة أصول الدين، وإن تفاوتت في المرتبة فقد استوت في أنها كليات معتبرة في كل ملة، وهي داخلة في حفظ الدين من الضروريات"٣، ووجه كونها داخلة في حفظ الدين قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ٤ والمراد حفظ الكليات لأن الجزئيات قد وقع فيها ما ليس بقطعي ويقع فيها الخطأ٥.
_________________
(١) ١ شرح مختصر الروضة للطوفي٣/٣٢١. ٢ انظر نفائس الأصول للقرافي٢/ق١١-ب١٢-أ. ٣ الموافقات للشاطبي١/٣١. ٤ سورة الحجر (٩) . ٥ انظر الموافقات١/٣٢-٣٣.
[ ١١١ ]
ويرد على هذا الدليل أن جميع أصول الفقه ليس كما وُصف، ففيها مسائل لا يمكن وصفها بأنها كليات معتبرة في كل ملة١ ولا أنها داخلة في حفظ الضروريات من الدين، على أنه مبني على تقسيم الدين إلى أصول وفروع وقد سبق ما فيه٢.
الدليل الرابع: أن الواقع في الأدلة المستدل بها على أصول الفقه أنها كلها قطعية، فإنها إما أصول عقلية أو استقراءات كلية من أدلة الشريعة وجزئياتها معززة بقرائن حالية ومقالية٣.
ويرد على هذا ما سبق من أن جميع أصول الفقه لا يسلَّم أن أدلتها كذلك، بل إن الشاطبي نفسه - وهو ممن ذكر هذا الدليل - اعترف في آخر بحثه في هذه المسألة بذلك فقال: "وهذا كافٍ في اطِّراح الظنيات من الأصول بإطلاق، فما جرى فيها مما ليس بقطعي فمبني على القطعي تفريعا عليه بالتبع لا بالقصد الأول"٤، ومن أصحاب هذا المذهب من يرى - حتى يستقيم له هذا الدليل - أن كل ما ليس بقطعي مما يذكر في الأصول فلا يعد من الأصول٥!
_________________
(١) ١ انظر الموافقات مع تعليقات الشيخ عبد الله دراز١/٣١ حاشية رقم (١) . ٢ انظر الدليل الأول لهذا المذهب. ٣ انظر تلخيص التقريب ٣/٤١٧-٤١٨ ونفائس الأصول ٢/١١-ب، ١٢-أ، ٣/ق٨-ب. ٤ الموافقات١/٣٣-٢٤. ٥ انظر التقريب والإرشاد للباقلاني (١/٣١٠-٣١١)، قال عند تفصيل مسائل أصول الفقه: "ولهذه الأصول لواحق تتصل بها وليست منها". وانظر التلخيص التقريب١/١١١-١١٣ والبرهان للجويني (١/٧٩)، ذكر أن ما ليس بقطعي في الأصول إنما يذكر فيها ليتبين المدلول ويرتبط بالدليل. وانظر الموافقات ١/٣١.
[ ١١٢ ]
ويرد على هذا الدليل: أن فيه تسليما بكون بعض أصول الفقه ليس قطعيا بالنسبة لمن لم يطلع على ما ذكر من الاستقراءات.
ورُدَّ - أيضا - بأن من أصول الفقه مسائل مهمة توفرت الدواعي على بحثها والاستدلال لها في مظانها، وذلك لا يتفق مع ادعاء احتياج القطع فيها إلى استقراءات في شتى المواضع١.
الدليل الخامس٢: أن أصول الفقه راجعة كلها إلى كليات الشريعة، وأن ما كان راجعا إلى كليات الشريعة فهو قطعي.
ففي هذا الدليل أمران: أولهما: أن جميع أصول الفقه راجعة إلى كليات الشريعة، وثانيهما: أن كل ما كان كذلك فهو قطعي.
أما الأمر الأول فذكر أن الدليل عليه الاستقراء التام القطعي.
واستدل على الأمر الثاني بثلاثة أوجه:
الأول: أن كليات الشريعة مبنية إما على أصول عقلية، أو على
_________________
(١) ١ انظر شرح مختصر الروضة للطوفي٣/١٣٨-١٣٩ والمقاصد الشرعية لابن عاشور ص٧. ٢ وهو للإمام أبي إسحاق الشاطبي ﵀، وهو أكثر من تعرض لهذه المسألة اهتماما بها واستدلالا للقول بالقطعية فيما وقفت عليه، فقد عقد لها المقدمة الأولى من مقدماته الثلاث عشرة التي بدأ بها كتابه الموافقات وقرر فيها قطعية الأصول واستدل لها طويلا.
[ ١١٣ ]
الاستقراء الكلي من أدلة الشرع.
الثاني: أن الكليات لو رجعت إلى الظن للزم من ذلك تعلق الظن والشك بأصل الشريعة لأنه الكلي الأول، وذلك باطل!.
الثالث: قياس أصول الفقه على أصول الدين، فكما لا يجوز فيها الظني، فكذلك لا يجوز في أصول الفقه، والجامع أن أصول الفقه وأصول الدين كليات معتبرة في كل ملة، وأنها داخلة في الضروريات من حفظ الدين، فكانت نسبتهما إلى أصل الشريعة نسبة واحدة١.
فمما اشتمل عليه هذا الدليل أن أصول الفقه راجعة كلها إلى كليات الشريعة والأصول المعتبرة في جميع الأديان، وهذا ما ردّه الشيخ الطاهر بن عاشور٢ وذكر أن أدلة الشاطبي على هذا الأمر: "مقدمات خطابية٣ وسفسطائية أكثرها مدخول ومخلوط٤ وغير منخول".
_________________
(١) ١ انظر الموافقات١/٢٩-٣١. ٢ انظر المقاصد الشرعية للشيخ الطاهر بن عاشور ص٤١، وانظره ص٧. وقد اعترض الشيخ عبد الله دراز على كثير مما ذكره الشاطبي من الأدلة في هذه المسألة، بل ذكر في أحد أدلته أنه "استدلال خطابي" كما ذكر الشيخ ابن عاشور. انظر الموافقات مع تعليقات الشيخ عبد الله دراز ١/٣١ وانظر١/٢٩-٣٤. ٣ "الخطابة:.. قياس مركب من مقدمات مقبولة أو مظنونة من شخص معتقد فيه، والغرض منها ترغيب الناس فيما ينفعهم من أمور معاشهم ومعادهم، كما يفعله الخطباء والوُعّاظ" التعريفات ص٩٩. ٤ ولعل وجه وصف دليل الشاطبي بأنه مخلوط أن الأوجه الثلاثة - في ظاهر ترتيب الدليل - هي أدلة على الأمر الثاني وهو أن الكليات وما يرجع إليها قطعية، ومع ذلك فإن الوجه الثالث من تلك الأوجه فيه أمور لا يمكن أن تكون أدلة على أن الكليات قطعية، ففيه استدلال على قطعية أصول الفقه وعدم جواز الظني فيها وهو المستدل عليه بمجموع الأمرين، وفيه استدلال على أن أصول الفقه من الكليات الشرعية وهو الأمر الأول الذي اكتفى في بيانه بأنه ظاهر بالاستقراء التام. والله تعالى أعلم.
[ ١١٤ ]
ذلك أنه لا يتأتى في الواقع اعتبار جميع مسائل أصول الفقه مما وصفه من الكليات والضروريات التي تستوي فيها الملل كلها.
الدليل السادس: أنه لو أثبتت هذه القواعد التي تنتصب أعلاما وأدلة على الأحكام الشرعية بدليل غير قطعي لاحتيج إلى إثبات ذلك الدليل المثبِت، ثم يتسلسل الاستدلال إلى ما لا يتناهى١.
ويَرِد على هذا أنه يمكن منع التسلسل، بأن يكون الدليل الثاني المثبت للدليل الأول قطعيا، كأن يستدل على إثبات القياس بخبر واحد غير قطعي، ثم يستدل على إثبات خبر الواحد بدليل قطعي٢.
القول الثاني: أن أصول الفقه منها ما هو قطعي، ومنها ما ليس بقطعي، فيجوز أن يستدل على مسائلها بكل دليل صحيح، فما كان دليلا قطعيا كانت القاعدة الأصولية عليه قطعية وما كان دليلا ظنيا ظاهرا فلا تخرج القاعدة بذلك من عِداد أصول الفقه.
_________________
(١) ١ انظر تلخيص التقريب ٣/٤١٩. ٢ انظر البرهان ٢/٥٠٧-٥٠٨.
[ ١١٥ ]
وهذا مذهب أبى الحسين البصري في المعتمد١، والقاضي أبي الطيب الطبري٢ على ما نقله عنه تلميذه أبو إسحاق الشيرازي٣ في مواضع من كتابه شرح اللمع٤، وهو مذهب القاضي أبي يعلى٥ في كتابه العدة٦ وفخر الدين الرازي في المحصول٧، ونجم الدين الطوفي في شرح مختصر
_________________
(١) ١ انظر المعتمد٢/١٩، ٢٢٣، جوّز الاستدلال على حجية الإجماع والقياس بخبر الواحد وإن لم يكن قطعيا. ٢ هو طاهر بن عبد الله بن طاهر القاضي، أبو الطيب الطبري، فقيه أصولي، من تصانيفه: شرح مختصر المزني، وذُكر أن له كتبا في الفقه وأصوله، توفي سنة (٤٥٠) هـ. انظر سير أعلام النبلاء ١٧/٦٦٨-٦٧١ وطبقات الشافعية٥/١٢-٥٠ والفتح المبين ١/٢٣٨-٢٣٩. ٣ هو إبراهيم بن علي بن يوسف، جمالُ الدين الشيخ، أبو إسحاق الشيرازي، فقه أصولي، من تصانيفه: اللمع وشرحه والتبصرة في أصول الفقه، والمهذب في الفقه، والمعونة في الجدل، توفي سنة (٤٧٦) هـ. انظر سير اعلام النبلاء١٨/٤٥٢-٤٦٤ طبقات الشافعية لابن السبكي ٤/٢١٥-٢٥٦ والفتح المبين١/٢٥٥-٢٥٧. ٤ انظر شرح اللمع١/٤٣٥، ٢/٥٩٥، ٧٦٩-٧٧٠، ٧٨٣، لكن في جميع هذه المواضع ذكر جواز إثبات الأصول بخبر الواحد دون غيره من الأدلة. ٥ هو محمد بن الحسين بن محمد القاضي، أبو يعلى الفراء، فقيه أصولي، من تصانيفه: العدة في أصول الفقه، والأحكام السلطانية، والرد على الجهمية، توفي سنة (٤٥٨) هـ. انظر سير أعلام النبلاء للذهبي ١٨/٨٩-٩٢ والمنهج الأحمد للعليمي ٢/١٠٥-١١٨ والفتح المبين ١/٢٤٥-٢٤٨. ٦ انظر العدة٤/١٠٨١، ٢/٤٥٩، ١/٢٣٧. ٧ انظر المحصول٤/٦٤، ٥/٤٧، ٣٤٨-٣٤٩، لكنه في مواضع من المحصول يردّ على بعض الأدلة بأنه لا يفيد القطع وأنه المطلوب (انظر المحصول٣/٢٤٢)، وقد يعلل طلب القطعي في ذلك بكون تلك المسألة مما لا تعلق لها بالعمل فلا يكتفى فيها بالظن (انظر المحصول ٦/٢٠) وذكر في التفسير أن الظن متَّبع في "الأمور المصلحية والأفعال العرفية والشرعية" عند عدم القطع ولم يستثن من ذلك إلا الاعتقادات (انظر التفسير الكبير ٢٨/٣١٠-٣١١)، فيكون مذهب الرازي من مجموع ما سبق أن كل مسالة أصولية لا يشترط فيها القطع إلا ما كان منها لا تعلق لها بعمل وكان المقصود منها الاعتقاد البحت، ويرد على ذلك أن الأصل في مسائل أصول الفقه أن يكون لها تعلق بالعمل ولذا أضيف الأصل فيها إلى الفقه حتى قال الشاطبي: "كل مسألة مرسومة في أصول الفقه لا يبتني عليها فروع فقهية أو آداب شرعية أو لا تكون عونا في ذلك فوضعها في أصول الفقه عارية" الموافقات ١/٤٢.
[ ١١٦ ]
الروضة١، ومجد الدين ابن تيمية٢ في المسودة٣، وتقي الدين شيخ الإسلام ابن تيمية٤، وتلميذه ابن قيم الجوزية٥، وصرح به الكمال بن الهمام٦،
_________________
(١) ١ انظر شرح مختصر الروضة١/١٧٣، ٢/١٣٢، ذكر أن بعض المسائل الأصولية ظنية غير قطعية ويجوز إثباتها بأدلة ظنية كالقياس. ٢ هو عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الخضر، أبو البركات، مجد الدين ابن تيمية، فقيه أصولي، جد شيخ الإسلام ابن تيمية، من تصانيفه: المنتقى من أحاديث الأحكام، وكتاب الأحكام الكبرى في الفقه، وأطراف أحاديث التفسير، توفي سنة (٦٥٢) هـ. انظر سير أعلام النبلاء٣/٢٩١-٢٩٣ والذيل على طبقات الحنابلة ٢/٢٤٩-٢٥٤ والفتح المبين ٢/٦٨-٦٩. ٣ انظر المسودة ص٤٧٣، ونقله عن ابن عقيل الحنبلي ص٣٦٨-٣٦٩، وأشار إلى ذلك (ص٥٦٤) ابنه عبد الحليم. ٤ انظر مجموع الفتاوى٦/٥٦-٦١، ١٩/٢٠٦-٢٠٨. ٥ انظر الصواعق المرسلة٢/٤١٨. ٦ هو محمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد السيواسي الاسكندري، كمال الدين ابن الهمام، برع في الفقه وأصوله وغيرهما من العلوم، من تصانيفه: فتح القدير في شرح الهداية، والتحرير في أصول الفقه، والمسايرة في العقائد المنجية في الآخرة، توفي سنة ٨٦١ هـ. انظر الفوائد البهية ص١٨٠-١٨١ وشذرات الذهب ٧/٢٩٨-٢٩٩ والأعلام ٧/١٣٤-١٣٥. وانظر مذهب الكمال ابن الهمام في كتابه التحرير مع شرحه التقرير والتحبير١/٢٧-٢٨، ومع شرحه تيسير التحرير ١/١٥.
[ ١١٧ ]
وغيرهم١.
ومن أدلة هذا المذهب ما يلي:
الدليل الأول: أن أصول الفقه ومسائله من جملة مسائل الشريعة، فطرق إثباتها هي طرق إثبات جميع المسائل الشرعية، وذلك بالدليل الصحيح قطعيه وظنيه، لأنه - كما سبق - ليس ثمة دليل على التفريق بين المسائل الشرعية في طرق إثباتها، فكل دليل شرعي صحيح حجةٌ يجب العمل به، فإذا أثبت أصلا من أصول الفقه فالواجب أن يعمل به في إثبات ذلك الأصل وإن كان ظنيا٢.
الدليل الثاني: أن أصول الفقه وسيلة إلى العمل وطريق إلى الأحكام الفقهية التكليفية، فكيف يشترط في إثباتها ما لا يشترط في إثبات الأحكام العملية الفقهية؟! فإذا كانت أحكام البيع والشراء، ومسائل الدماء والأبضاع، وأحكام الجنايات والحدود، وغير ذلك من الأحكام العملية
_________________
(١) ١ انظر المقاصد الشرعية لابن عاشور ص٧-٨،٤١ والفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي ١/١٩٠ وتعليقات الشيخ عبد الرزاق عفيفي على إحكام الأحكام للآمدي ٢/٣٦،٤٧،٥٠، ٥٨. ٢ انظر العدة ٤/١٠٨١ والبرهان ٢/٥٠٧-٥٠٨ والمنخول ص٣٣٢ وشرح مختصر الروضة ٢/١٣٢ وشرح الكوكب المنير٢/٢٢٤.
[ ١١٨ ]
يجوز إثباتها بالدليل غير القطعي فكيف لا يجوز أن يثبت به أصل هو وسيلة إلى إثبات تلك الأحكام؟! ١.
وليس هذا من باب إثبات دليل غير قطعي بدليل غير قطعي فيكون من إثبات الدليل بنفسه أو يؤدي إلى تسلسل الاستدلال٢، لأن الأمر ينتهي إلى القطع، فإذا أثبت مثلا بدليل قطعي وجوب العمل بخبر الواحد، ثم أثبت بخبر الواحد الصحيح وجوب العمل بالقياس كان القياس معتمدا على قطعي بدرجتين٣!
الدليل الثالث: الواقع في أصول الفقه، فإن بعض مسائله لا يُقدر فيها على دليل قطعي٤، فكيف يشترط القطع فيه مع ذلك! ٥.
وقد اعترف بعض من اشترط القطع في أثناء بحثهم في مسائل أصول الفقه بعدم قطعية بعض المسائل الأصولية لعدم الدليل القطعي، فاكتفى فيها بالظن والرجحان الظاهر أو لجأ إلى التوقف عن النفي والإثبات.
_________________
(١) ١ انظر المعتمد٢/١٩، ٢٢٣ والعدة لأبي يعلى٤/١٢٩٤-١٢٩٥ وشرح اللمع١/١٣٨، ٤٣٥ والموافقات ١/٣١ نقلا عن المازري. ٢ انظر التلخيص ٣/٤١٩. ٣ انظر البرهان٢/٥٠٧-٥٠٨. ٤ بل ذهب الشيخ الطاهر بن عاشور إلى أبعد من ذلك، فذكر أن معظم أصول الفقه غير قطعية، وقد سبق ذلك وأنه غير مسلم، انظر ص (٨) من هذا البحث. ٥ انظر مجموع الفتاوى٦/٥٦-٦١ ومختصر الصواعق المرسلة٢/٤٨١.
[ ١١٩ ]
ومن ذلك مسألة (هل يجوز تخصيص الدليل من الكتاب بخبر الواحد؟) فقد توقف فيها القاضي أبو بكر الباقلاني لعدم الدليل القطعي على أي من طرفي النفي والإثبات، ومع ذلك فقد جزم إمام الحرمين بطرف الإثبات فاختار جواز تخصيص دليل الكتاب بخبر الواحد وقطع بذلك، واختار الغزالي طرف الإثبات مثل إمام الحرمين لكنه لم يقطع بذلك، فألحق المسألة بالمجتهدات التي لا دليل قطعي فيها ويكتفى فيها بالظن الراجح١.
ومن ذلك قول الغزالي عند الكلام على تقسيم النظريات إلى قطعية وظنية في أواخر (المستصفى) بعد أن ذكر أمثلة للقطعيات من أصول الفقه، قال: "وقد نبهنا على القطعيات والظنيات في أدراج الكلام في جملة الأصول"فهذا اعتراف صريح بوجود الظني والقطعي في أصول الفقه.
وسبق أن مذهب بعض من العلماء في قطعية أصول الفقه لم يكن من الجلاء بحيث يسهل أن ينسب إليه أي من القولين في أصل هذه المسألة.
وذلك إما لكونه يردد القول فيها ويذكر وجهي المسألة بالنفي والإثبات، وإما لكونه يؤيد أحد وجهي المسألة عند الاعتراض ويؤيد الوجه الآخر عند الاستدلال.
وممن سار على هذا النهج الآمدي، فمن ذلك أنه ذكر الأدلة على حجية
_________________
(١) ١ انظر في ذلك البرهان ١/٢٨٥-٢٨٦ والمستصفى (بولاق) ٢/١٣٦ والبحر المحيط ٣/٣٧٦.
[ ١٢٠ ]
خبر الواحد، وبعد أن ناقشها قال: "وعلى هذا فمن اعتقد كون المسألة قطعية فقد تعذر عليه النفي والإثبات لعدم مساعدة الدليل القاطع على ذلك، ومن اعتقد كونها ظنية فليتمسك بما شاء من المسالك المتقدمة، والله أعلم بالصواب"١، وذكر مثل ذلك في مسألة حجية القياس وذهب إلى أن أدلتها ظنية٢، وظهر منه تأييد قطعية الأصول في مواضع٣ كما ظهر منه في مواضع أخرى تأييد خلاف ذلك٤.
وغالب ما يكون ذلك أنه يلتزم باشتراط القطعية في أدلة الأصول عند الاعتراض على المخالف المستدل بدليل غير قطعي ولكنه لا يسلم اشتراط القطعية عند الرد على من يعترض عليه بمثل ذلك، بل صرح في موضع بأن الظهور والغلبة في مسالة اشتراط القطع في أصول الفقه للمعترض من جانبي النفي والإثبات دون المستدل فيها٥.
_________________
(١) ١ إحكام الأحكام٢/٣٠٣، وانظر المرجع نفسه١/١٨٦،٢٣٨-٢٣٩. ٢ انظر الإحكام٤/٢٨٧. ٣ انظر المرجع السابق٢/٢٨٨،٢٩٠-٢٩٤،٣٠٢،٣٦٩، ٣٧٣. ٤ انظر المرجع السابق٢/٣٤٠، ٣٤٤، ٣٥٣، ٥٣٩، ٣/٧٨. ٥ انظر المرجع السابق١/٢٣٩، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٥/٥٦٢): "والآمدي تغلب عليه الحيرة والوقف في عامة الأصول الكبار حتى إنه أورد على نفسه سؤالا في تسلسل العلل وزعم أنه لا يعرف عنه جوابا، وبنى إثبات الصانع على ذلك" وقال أيضا في درء تعارض العقل والنقل (١/١٦٢): "وأبو الحسن الآمدي في عامة كتبه هو واقف في المسائل الكبار يُزَيِّف حجج الطوائف ويبقى حائرا واقفا".
[ ١٢١ ]
وقد سار على هذا النهج ابن الحاجب١، فهو يقلب المسألة على وجهيها ويذكر ما يترتب على كل وجه٢، ثم يختلف مذهبه عند الاستدلال عنه عند الاعتراض٣، بل إنه صرح - كما سبق عن الآمدي - أن القوة في مسألة قطعية الأصول للمعترض على النفي أو الإثبات دون المستدل عليهما٤.
وعلّل عضد الدين الإيجي ذلك بأن المسألة عليها "دلائل واعتراضات مشكلة من الجانبين"٥.
وحاصل هذه المسألة عند هؤلاء التوقف فيها عن النفي والإثبات "لأن أدلة النفي والإثبات ضعيفة ووجوه المنع والدفع قوية"٦.
وكذلك الشيخ أبو إسحاق الشيرازي - ﵀ - ذكر أن ما كان من مسائل الأصول مختلفا فيه سائغا فيه الاجتهاد فهو ملحق بالفروع أو
_________________
(١) ١ هو عثمان بن عمر بن أبي بكر جمالُ الدين أبو عمرو ابن الحاجب، أصولي لغوي فقيه، من تصانيفه: الكافية في النحو، والشافية في التصريف، ومنتهى السول والأمل في علمي الأصول والجدل، ومختصر المنتهى، توفي سنة (٦٤٦) هـ. انظر الديباج المذهب لابن فرحون٢/٨٦-٨٩ وسير أعلام النبلاء ٢٣/٢٦٤-٢٦٦. ٢ انظر المختصر مع بيان المختصر للأصفهاني ١/٦١٥. ٣ انظر المختصر مع شرح العضد ٢/٣١-٣٢،٦٠-٦١،٧٩-٨٠،١٧٩،٢٥٣. ٤ انظر المرجع السابق ٢/٤٤. ٥ انظر شرح العضد على مختصر ابن الحاجب ٢/٤٤. ٦ انظر حاشية التفتازاني على شرح العضد ٢/٤٤.
[ ١٢٢ ]
بمنزلتها، فيجوز إثباته بغير قطعي١، مع أنه قد يعترض - في مواطن الخلاف - على بعض الأدلة بأنه غير قطعي فلا يجدي في الأصول٢، وإذا اعترض عليه في الاستدلال بدليل غير قطعي في أصول الفقه فقد يجيب بمذهب شيخه القاضي أبي الطيب الطبري، وهو جواز الاستدلال على الأصول بخبر الواحد٣، بل ربما أطلق ذلك دون نسبته إلى شيخه٤.
والظاهر - والله أعلم - أن اشتراط الدليل القطعي في أصول الفقه لا يَسلم فيه دليل، وعليه فيجوز الاستدلال في مسائل أصول الفقه بما يجوز أن يستدل به في غيرها من المسائل الشرعية، فما كان عليه دليل قطعي من قواعد هذا العلم فهو من القطعيات، وما لم يُقدر على إثباته منها إلا بالدليل الظني الراجح فليس قطعيا وإنه حجة وهو من أصول الفقه.
بيد أن أمهات المسائل المذكورة في علم أصول الفقه قطعية، كحجية الكتاب والسنة عموما، وحجية خبر الواحد العدل المتصل خصوصا، وحجية الإجماع، وحجية القياس، وحجية العموم، وأن الأمر للوجوب والنهي للتحريم، ووجوب الترجيح عند التعارض والتعادل، ووجوب العمل
_________________
(١) ١ انظر شرح اللمع١/٢٩٨، ٤٣٥، وانظر مثل ذلك في التمهيد لأبي الخطاب١/٣٧١. ٢ انظر المرجع السابق١/٥٤٩. ٣ انظر المرجع السابق١/٤٣٥، ٢/٧٨٣،٥٩٥ ٤ انظر المرجع السابق١/١٣٨.
[ ١٢٣ ]
بالراجح من ذلك، وحجية قول المفتي للمستفتي ونحو ذلك، فكل ذلك عليه أدلة يقطع بها المحققون من علماء أصول الفقه وغيرِهم، ممن يستقرئ أدلتها من الكتاب العزيز، والسنة النبوية، وعمل الصحابة ﵃، والتابعين من بعدهم رحمة الله عليهم.
وهذا ما ذكره القرافي ونقله عن العلماء وأيده، وهو أن أصول الفقه قطعية لمن استقرأ أدلته ووقف على أقضية الصحابة واطّلع على مناظراتهم وفتاويهم في مظان الاستدلال بتلك المسائل وفي غير مظانها من مصادر الشريعة الواسعة، فإن المستقرئ لما ورثه الخلف عن السلف من الصحابة ومن بعدهم من فتاويهم وأقضيتهم، وما كان عليه عملهم عند البحث عن أدلة الأحكام وعند الاختلاف في الأحكام، يقطع بكثير من القواعد الموصلة إلى الفقه، أما من قصر عن استقراء ذلك ولم يقف إلا على نزر يسير مما هو مسطور في مظان الاستدلال على تلك المسائل فلا يضيره إذ عجز عن القطع أن يعمل بما ثبت عنده بغالب الظن والراجح الصحيح من الأدلة الشرعية، لأنه ربما استدل العلماء على أصول الفقه بقدر من أدلتها ليثبتوا أصل المسألة وتكون تفاصيل ذلك متفرقة في مواضع أخرى١.
_________________
(١) ١ انظر نفائس الأصول ١/ق١٧-أ، ب، ٢/ق١١-ب، ١٢-أ، ٢٢-أ، ٢٤٦-أ، ب، وشرح تنقيح الفصول /٣٣٨-٣٣٩، وانظر المستصفى (بولاق) ٢/٣٥٧-٣٥٨ فقد ذكر جملة من القطعيات في أصول الفقه.
[ ١٢٤ ]