وَمِمَّا ينشأ من الْجَهْل والتعصب تَفْوِيت فرض من فروض الله تَعَالَى مَعَ إِمْكَان اقامته على رَأْي مُجْتَهد جليل بل رَأْي جمع من الْمُجْتَهدين وَذَلِكَ أَن جهلة المتعصبين يمتنعون وَيمْنَعُونَ من جمع الصَّلَاتَيْنِ فِي السّفر الَّذِي ذهب إِلَى جَوَازه الإِمَام
[ ١٣١ ]
الشَّافِعِي وَغَيره من صدر الْإِسْلَام رَحْمَة الله عَلَيْهِم وَيُؤَدِّي ذَلِك إِلَى تَفْوِيت الْفَرْض رَأْسا وَذَلِكَ إِنَّهُم لما يعزمون على السّير عِنْد الزَّوَال مثلا فيصلون الظّهْر لأوّل وَقتهَا ويمتنعون من جمع الْعَصْر اليها فيركبون ويسيرون بِنَاء على إِنَّهُم قد لَا يتهيأ لَهُم النُّزُول إِلَّا مَعَ الْمغرب أَو الْغُرُوب بِحَيْثُ لَا يَتَّسِع الْوَقْت إِلَى
[ ١٣٢ ]
الطَّهَارَة وَالصَّلَاة وخصوصا فِي حق من تتعسر الطَّهَارَة عَلَيْهِ فتفوتهم الفرصة وَقد كَانُوا يُمكنهُم أَدَاؤُهَا فِي الْمنزل فِي الْمَكَان الَّذِي كَانُوا بِهِ مَجْمُوعَة جمع تَقْدِيم إِلَى الظّهْر على مَذْهَب الإِمَام الشَّافِعِي رَحْمَة الله عَلَيْهِ وعَلى مَذْهَب غَيره مِمَّن جوز الْجمع لأجل السّفر فيمتنعون عَن ذَلِك ويرضون بتفويتها وَلَا يرضون بِفِعْلِهَا على مَذْهَب مُجْتَهد يجوز لَهُم
[ ١٣٣ ]
أَو يجب عَلَيْهِم اتِّبَاعه وَالْحَال مَا قرر لِأَن تَحْصِيل الْفَرْض من وَجه مقدم على تفويته من كل وَجه وَمَا هَذَا إِلَّا مَحْض التعصب وَالْجهل وَقد ذكر الإِمَام الْأَجَل ظهير الدّين الْكَبِير المرغيناني عَن أستاذه السَّيِّد الإِمَام أبي شُجَاع ﵀
[ ١٣٤ ]
تَعَالَى انه سُئِلَ شمس الْأَئِمَّة الْحلْوانِي عَن كسالي بُخَارى أَنهم يصلونَ الْفجْر وَالشَّمْس طالعة فَهَل نمنعهم من ذَلِك فَقَالَ لَا يمْنَعُونَ لأَنهم لوا منعُوا يتركونها أصلا ظَاهرا أَي مِمَّا يظْهر من حَالهم وَلَو صلوها تجوز عِنْد أَصْحَاب الحَدِيث وَلَا شكّ أَن الاداء الْجَائِز عِنْد الْبَعْض أولى من التّرْك أصلا هَذَا جَوَاب الْحلْوانِي وناهيك بِهِ إِذْ هُوَ شيخ الْمَذْهَب فِي عصره تخرج بِهِ الفحول النظار من أَئِمَّتنَا كشمس الْأَئِمَّة السَّرخسِيّ
[ ١٣٥ ]
وفخر الْإِسْلَام البزودي صَاحب المبسوطين وأضرابهم من رُؤَسَاء الْمَذْهَب الَّذين هم قدماء الدَّهْر وَعُظَمَاء مَا وَرَاء النَّهر
هَذَا مَعَ أَن الْجَاهِل المتعصب الغبي يَكْفِيهِ إيقاعها مَجْمُوعَة مَعَ الظّهْر تقليدا الإِمَام الشَّافِعِي وَغَيره ثمَّ إِن أَرَادَ الِاحْتِيَاط وَأدْركَ فِي الْوَقْت فسحة أَعَادَهَا على مذْهبه أَو قَضَاهَا بعد
[ ١٣٦ ]
الْمغرب احْتِيَاطًا إِن لم تطعه نَفسه فِي أَدَائِهَا مَجْمُوعَة مَعَ الظّهْر وَالله اعْلَم والموفق لَا رب غَيره وَهُوَ حسبي وَنعم الْوَكِيل
قَالَ جَامعهَا مُحَمَّد عبد الْعَظِيم الْمَكِّيّ الْحَنَفِيّ غفر الله ﵎ لَهُ ولوالديه ولسائر الْمُسلمين ثمَّ بعد تسطير هَذِه الأسطر ظَفرت فِي أثْنَاء المطالعة بعدة من النقول تؤيد مَا ذكرته بِهَذِهِ الرسَالَة وَتشهد لَهُ لم أنشط لإلحاقها ثمَّ رَأَيْت كلَاما للْإِمَام الْكَبِير الْمُجْتَهد فِي الْعُلُوم رَأس الْفُقَهَاء والمحدثين الشهير بِابْن تَيْمِية
[ ١٣٧ ]
الْحَنْبَلِيّ رَحمَه الله تَعَالَى فَأَحْبَبْت تَعْلِيقه فِي ذيل هَذِه الرسَالَة وَهُوَ مؤيد لما أَشَرنَا إِلَيْهِ مُطَابق إِلَى جَمِيع مَا أوردته فِيهَا فَالْحَاصِل وَإِن كَانَ فِي كَلَامي زِيَادَة إِيضَاح وَبَيَان فَهُوَ لَا يُخَالِفهُ بل يعضده وَيُؤَيِّدهُ وَلَفظ مَا رَأَيْته
سُئِلَ الإِمَام الْعَلامَة شيخ الْإِسْلَام تَقِيّ الدّين أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن عبد الْحَلِيم بن عبد السَّلَام بن تَيْمِية الْحَنْبَلِيّ رَحمَه الله تَعَالَى عَن أهل الْمذَاهب الْأَرْبَعَة هَل يَصح اقْتِدَاء بَعضهم بِبَعْض فِي الصَّلَوَات الْمَفْرُوضَة وَغَيرهَا أم لَا وَهل قَالَ أحد من السّلف أَنه لَا يُصَلِّي بعض الْمُسلمين خلف بعض إِذا اخْتلفت مذاهبهم أم
[ ١٣٨ ]
لَا وَهل قَائِل ذَلِك مُبْتَدع أم لَا واذا فعل الإِمَام مَا يعْتَقد أَن صلَاته مَعَه صَحِيحَة والمأمون يعْتَقد خلاف ذَلِك مثل أَن يكون الإِمَام تقيأ أَو رعف أَو احْتجم أَو لمس النِّسَاء بِشَهْوَة أَو مس ذكره أَو قهقه فِي صلَاته أَو أكل مَا مسته النَّار أَو أكل لحم الْإِبِل وَصلى وَلم يتَوَضَّأ وَهُوَ لَا يعْتَقد وجوب الْوضُوء من ذَلِك أَو كَانَ الإِمَام لَا يقْرَأ الْبَسْمَلَة أَو لم يتَشَهَّد التَّشَهُّد الْأَخير أَو لم يسلم من الصَّلَاة وَالْمَأْمُوم يعْتَقد وجوب ذَلِك فَهَل تصح صَلَاة الْمَأْمُوم وَالْحَالة هَذِه أفتونا مَأْجُورِينَ وَلكم الثَّوَاب
[ ١٣٩ ]
أجَاب رَحمَه الله تَعَالَى الْحَمد لله رب الْعَالمين نعم تجوز صَلَاة الْمُسلمين بَعضهم خلف بعض كَمَا كَانَ الصَّحَابَة والتابعون لَهُم بِإِحْسَان وَمن بعدهمْ من الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة رضوَان الله عَلَيْهِم اجمعين يُصَلِّي بَعضهم خلف بعض مَعَ تنازعهم فِي هَذِه الْمسَائِل الْمَذْكُورَة وَغَيرهَا وَلم يقل أحد من السّلف الصَّالح رَحِمهم الله تَعَالَى إِنَّه لَا يصلى بَعضهم خلف بعض وَمن أنكر ذَلِك فَهُوَ مُبْتَدع ضال مُخَالف للْكتاب وَالسّنة واجماع سلف الْأمة وأئمتها وَكَانَ الصَّحَابَة والتابعون وَمن بعدهمْ مِنْهُم من يقْرَأ الْبَسْمَلَة وَمِنْهُم من لَا يَقْرَأها وَمِنْهُم من يجْهر بهَا وَمِنْهُم
[ ١٤٠ ]
من لَا يجْهر بهَا وَكَانَ مِنْهُم من يقنت فِي الْفجْر وَمِنْهُم من لَا يقنت وَمِنْهُم من يتَوَضَّأ من الْحجامَة والرعاف والقيء وَمِنْهُم من لَا يتَوَضَّأ من ذَلِك وَمِنْهُم من يتَوَضَّأ من لمس النِّسَاء بِشَهْوَة وَمَسّ الذّكر وَمِنْهُم من لَا يتَوَضَّأ من ذَلِك وَمِنْهُم من يتَوَضَّأ مِمَّا مسته النَّار وَمِنْهُم من لَا يتَوَضَّأ من ذَلِك وَمِنْهُم من يتَوَضَّأ من أكل لُحُوم الْإِبِل وَمِنْهُم من لَا يتَوَضَّأ من ذَلِك وَمَعَ هَذَا كَانَ بَعضهم يُصَلِّي خلف بعض مثل مَا كَانَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَالشَّافِعِيّ وَغَيرهم رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ يصلونَ خلف أَئِمَّة أهل الْمَدِينَة من الْمَالِكِيَّة وَغَيرهم وَإِن كَانُوا لَا يقرؤن الْبَسْمَلَة لَا سرا وَلَا جَهرا وَصلى
[ ١٤١ ]
الرشيد إِمَامًا وَكَانَ قد احْتجم فصلى الإِمَام أَبُو يُوسُف خَلفه وَلم يعد صلَاته وَكَانَ أفتاه الإِمَام مَالك بِأَنَّهُ لَا وضوء عَلَيْهِ وَكَانَ الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل يرى الْوضُوء من الرعاف والحجامة فَقيل لَهُ فِي ذَلِك إِذا كَانَ الإِمَام قد خرج مِنْهُ الدَّم وَلم يتَوَضَّأ تصلي خَلفه فَقَالَ كَيفَ لَا أُصَلِّي خلف مَالك وَسَعِيد بن الْمسيب
[ ١٤٢ ]
وَفِي الْجُمْلَة فَهَذِهِ الْمسَائِل لَهَا صُورَتَانِ إِحْدَاهمَا أَن لَا يعرف الْمَأْمُوم أَن إِمَامه فعل مَا يبطل الصَّلَاة فَهَذَا يُصَلِّي خَلفه بِاتِّفَاق السّلف وَالْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَغَيرهم وَلَيْسَ فِي هَذَا خلاف مُتَقَدم وَإِنَّمَا خَالف بعض المتعصبين من الْمُتَأَخِّرين فزعموا أَن الصَّلَاة خلف الْحَنَفِيّ لَا تصح وان أُتِي بالواجبات لِأَنَّهُ أَدَّاهَا وَهُوَ لَا يعْتَقد وُجُوبهَا وَقَائِل هَذَا القَوْل إِلَى أَن يُسْتَتَاب كَمَا يُسْتَتَاب أهل الْبدع أحْوج مِنْهُ إِلَى يعْتد بِخِلَافِهِ فَإِنَّهُ مازال الْمُسلمُونَ على عهد النَّبِي ﷺ وعهد خلفائه ﵃ يُصَلِّي بَعضهم بِبَعْض واكثر الْأَئِمَّة لَا يميزون بَين الْمسنون والمفروض بل يصلونَ الصَّلَوَات الشَّرْعِيَّة وَلَو كَانَ الْعلم
[ ١٤٣ ]
بِهَذَا وَاجِبا لبطلت صَلَاة أَكثر الْمُسلمين وَلم يُمكن الِاحْتِيَاط فَإِن كثيرا من ذَلِك فِيهِ نزاع وأدلة خُفْيَة وَأكْثر مَا يُمكن المتدين أَن يحْتَاط من الْخلاف وَهُوَ لَا يجْزم بِأحد الْقَوْلَيْنِ فان كَانَ الْجَزْم بِأَحَدِهِمَا وَاجِبا فَأكْثر الْخلق لَا يُمكنهُم الْجَزْم بذلك وَهَذَا الْقَائِل لَيْسَ مَعَه إِلَّا تَقْلِيد بعض الْفُقَهَاء وَلَو طُولِبَ بأدلة شَرْعِيَّة تدل على صِحَة قَول إِمَامه دون غَيره لعجز عَن ذَلِك وَلِهَذَا لَا يعْتد بِخِلَاف مثل هَذَا فَإِنَّهُ لَيْسَ من أهل الِاجْتِهَاد