حكم القول بما لم يسبق به قول
القول بما لم يسبق به قول يشمل أن يأتي المجتهد بقول يكون أولًا، أو ثانيًا، أو ثالثًا، ويؤتى بالقول الأول - غالبًا - في النوازل، وعمل العلماء أنهم لا يتوقفون في النوازل دون أن يبينوا الحكم فيها، ولم يخل الزمن من مجتهد يبين للناس أمور دينهم، وذكر ابن القيم أنه إذا حدثت حادثة فإنه "يُسْتَحَبُّ أَوْ يَجِبُ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَأَهْلِيَّةِ الْمُفْتِي" (^١)، والكلام في النوازل غير مراد في البحث.
إنما المراد القول في مسألة سبق كلام العلماء فيها، فإن كان في المسألة قول واحد، فقد "اتفقوا على منع إحداث قول ثان" (^٢)، وقال ابن تيمية: "كُلُّ قَوْلٍ يَنْفَرِدُ بِهِ الْمُتَأَخِّرُ عَنْ الْمُتَقَدِّمِينَ
_________________
(١) إعلام الموقعين، لابن القيم ٤/ ٢٠٥.
(٢) رَفْعُ النِّقَابِ عَنْ تنقِيح الشّهابِ، للشوشاوي ٤/ ٥٩٨.
[ ٢٧ ]
وَلَمْ يَسْبِقْهُ إلَيْهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ فَإِنَّهُ يَكُونُ خَطَأً" (^١)، وقال الشاطبي: "كُلُّ مَنْ خَالَفَ السَّلَفَ الْأَوَّلِينَ فَهُوَ عَلَى خَطَأٍ، وَهَذَا كافٍ" (^٢).
فأما إن كان في المسألة قولان (^٣)، فقد اختلف الأصوليون في حكم إحداث قول ثالث على ثلاثة أقوال (^٤):
القول الأول: أن إحداث قول ثالث لا يجوز مطلقًا، وهو قول جمهور الأصوليين (^٥).
_________________
(١) مجموع الفتاوى، لابن تيمية ٢١/ ٢٩١.
(٢) الموافقات، للشاطبي ٣/ ٢٨١.
(٣) يقول الشوكاني: "وَمِثْلُ الِاخْتِلَافِ عَلَى قَوْلَيْنِ: الِاخْتِلَافُ عَلَى ثَلَاثَةٍ أَوْ أَرْبَعَةٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَأْتِي فِي الْقَوْلِ الزَّائِدِ عَلَى الْأَقْوَالِ الَّتِي اخْتَلَفُوا فِيهَا مَا يَأْتِي فِي الْقَوْلِ الثَّالِثِ مِنَ الْخِلَافِ، ثُمَّ لَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِأَنْ يَكُونَ الْخِلَافُ فِيهَا عَلَى قَوْلَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ قَدِ اسْتَقَرَّ أَمَّا إِذَا لَمْ يَسْتَقِرَّ فَلَا وَجْهَ لِلْمَنْعِ من إحداث قول آخر" إرشاد الفحول ١/ ٢٢٩.
(٤) وهم يناقشون المسألة على أن القائل من أهل الاجتهاد، فمن لم يكن من أهله فهو مقلد وليس له الحق في أن يتكلم فيما لم يحط به خبرًا، ولا يجوز له أن يجتهد قولا جديدا لم يسبق إليه.
(٥) انظر: فتح القدير، لابن الهمام ١/ ٤٨٧، المحصول، لابن العربي، ص ١٢٣، شرح تنقيح الفصول، للقرافي، ص ٣٢٨، الإحكام، للآمدي ١/ ٢٦٨، البحر المحيط، للزركشي ٦/ ٥١٦، اللمع، للشيرازي، ص ٩٣، روضة الناظر، لابن قدامة ١/ ٤٣٠، المسودة، لآل تيمية ص ٣٢٦، العدة، لأبي يعلى ٤/ ١١١٣.
[ ٢٨ ]
القول الثاني: أن إحداث قول ثالث جائز مطلقًا، وهو قول بعض الأصوليين (^١).
القول الثالث: أن إحداث قول ثالث جائز بشرط ألا يرفع ما اتفق عليه القولان السابقان، وهو قول بعض الأصوليين (^٢).
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: أن إجماع العلماء على قولين دليل على بطلان ما عداهما، كما أن الإجماع على قول واحد دليل على بطلان ما عداه (^٣).
_________________
(١) روي عن بعض الحنفية، والظاهرية. انظر: الإحكام، لابن حزم ١/ ٥٦٠، التبصرة، للشيرازي، ص ٣٨٧، الإحكام، للآمدي ١/ ٢٦٨، روضة الناظر، لابن قدامة ١/ ٤٣٠، إرشاد الفحول، للشوكاني ١/ ٢٢٩.
(٢) روي عن الإمام الشافعي، واختاره الآمدي، وابن الحاجب، والرازي، وابن اللحام، والطوفي. انظر: شرح تنقيح الفصول، للقرافي، ص ٢٢٨، الإحكام، للآمدي ١/ ٢٦٨، ٤٣٠، المحصول، للرازي ٤/ ١٢٨، بيان المختصر، للأصفهاني ١/ ٥٩٠، المختصر في أصول الفقه، لابن اللحام، ص ٧٩، شرح مختصر الروضة، للطوفي ٣/ ٩٢.
(٣) انظر: العدة، لأبي يعلى ٤/ ١١١٣، المعتمد، لأبي الحسين البصري ٢/ ٤٥.
[ ٢٩ ]
نوقش: بأن اختلافهم على قولين إجماع على جواز القولين، وإقرار أن هذه المسألة اجتهادية، وليست قطعية، ولا يكون القول الثالث باطلًا، إلا إذا اشترطوا عدم إحداثه (^١).
الدليل الثاني: أن ذلك يوجب نسبة الأمة إلى الخطأ، وإلى تضييع الحق، والغفلة عنه؛ فإنه لو كان الحق في القول الثالث، كانت الأمة قد أخطأته، وضيعته وغفلت عنه، وخلا العصر من قائم لله بحجته، ولم يبق منهم عليه أحد وذلك محال (^٢).
نوقش: بأنه إنما يلزم من ذلك نسبة الأمة إلى الخطأ، وتضييع الحق، والغفلة عنه، أن لو كان الحق في المسألة معينًا، وأجمعوا فيه على قول واحد، وأما فيما اختلفوا فيه فلا؛ لأن غاية ذلك تخطئة بعضهم في أمر، وتخطئة البعض الآخر في غير ذلك الأمر (^٣).
_________________
(١) انظر: الإحكام، للآمدي ١/ ٢٦٩، شرح مختصر الروضة، للطوفي ٣/ ٨٩، أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله، للسلمي، ص ١٣٣.
(٢) انظر: روضة الناظر، لابن قدامة ١/ ٤٣١، الإحكام، للآمدي ١/ ٢٦٨.
(٣) انظر: الإحكام، للآمدي ١/ ٢٦٩، نهاية السول، للأسنوي ص ٢٩٢.
[ ٣٠ ]
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول: أن الصحابة -﵃- اجتهدوا في هذين القولين، ولم يصرحوا بتحريم إحداث قول ثالث (^١).
نوقش: بأن الصحابة -﵃- كذلك لو اجتمعوا على قول واحد لم يصرحوا بتحريم إحداث القول الثاني، مع أنه لا يجوز لمخالفته لإجماعهم (^٢).
يجاب: بأنه لو كان في المسألة إجماع قطعي لحرم مخالفته، أما إذا اجتهد أحد الصحابة -﵃- في مسألة ولم يجمع الصحابة على قوله فإنه يجوز لمن بعدهم الاجتهاد كما اجتهدوا.
الدليل الثاني: أن الاختلاف على قولين دليل تسويغ الاجتهاد، والقول الثالث حادث عن الاجتهاد فكان جائزًا (^٣).
نوقش: بأن الاختلاف على قولين دليل تسويغ الاجتهاد إذا كان الاجتهاد في طلب الحق من القولين، فأما إحداث القول
_________________
(١) انظر: روضة الناظر، لابن قدامة ١/ ٤٣٠.
(٢) انظر: روضة الناظر، لابن قدامة ١/ ٤٣٠، شرح مختصر الروضة، للطوفي ٣/ ٩٠.
(٣) انظر: الإحكام، للآمدي ١/ ٢٦٩، التبصرة، للشيرازي، ص ٣٨٨.
[ ٣١ ]
الثالث من غيرهما فلا؛ لأنهم قد أجمعوا على بطلانه، وهذا كما لو أجمعوا في حادثة على إبطال حكم فيها فينقطع الاجتهاد في ذلك الحكم، ولا يمنع ذلك من الاجتهاد فيها على غير ما أجمعوا على بطلانه (^١).
يجاب: بأنه لا يسلم أن الخلاف على قولين إجماع منهم على إبطال إحداث قول ثالث مالم ينصوا على إبطاله، وقياس إحداث قول ثالث على إبطال حكم في حادثة قياس مع الفارق؛ لأنهم نصوا على إبطال الحكم في الحادثة خلافًا لإحداث القول الثالث الذي لم ينصوا على إبطاله.
الدليل الثالث: أن الصحابة -﵃- إذا استدلوا بدليل، وعللوا بعلة، جاز لمن بعدهم الاستدلال بدليل آخر، والتعليل بعلة أخرى، فكذلك إذا كان لهم قول جاز لمن بعدهم إحداث قول آخر (^٢).
نوقش: بأن الدليل يختلف عن الحكم؛ فالدليل يؤيد الحكم السابق لا يخالفه، بعكس الحكم الجديد، فإذا أجمعوا على أمر
_________________
(١) انظر: التبصرة، للشيرازي، ص ٣٨٨.
(٢) انظر: روضة الناظر، لابن قدامة ١/ ٤٣١، العدة، للقاضي أبي يعلى ٤/ ١١١٤.
[ ٣٢ ]
واستدلوا بدليل من القرآن، جاز لمن بعدهم أن يستدل بدليل آخر من السنة يؤيد ما أجمعوا عليه، ولا يجوز مخالفة ما أجمعوا عليه بإحداث حكم آخر (^١).
الدليل الرابع: أن إحداث قول ثالث وقع في هذه الأمة من غير نكير (^٢).
يناقش: بعدم التسليم فجمهور العلماء على إنكار ذلك، وكتب الأصول طافحة بنقل كلامهم في منع إحداث قول ثالث، كما سبق بيانه في عرض الأقوال.
أدلة القول الثالث:
أصحاب القول الثالث جمعوا بين أدلة القول الأول وأدلة القول الثاني، واستدلوا بأن القول الثالث إذا رفع ما اتفق عليه القولان السابقان خالف ما أجمعوا عليه، وإذا لم يرفع ما اتفق عليه القولان لم يخالفه، بل وافق كل واحد من القولين من وجه وخالفه من وجه، فهو جائز إذ ليس فيه خرق للإجماع (^٣).
_________________
(١) انظر: العدة، للقاضي أبي يعلى ٤/ ١١١٤.
(٢) انظر: الإحكام، للآمدي ١/ ٢٦٩، روضة الناظر، لابن قدامة ١/ ٤٣١.
(٣) انظر: الإحكام، للآمدي ١/ ٢٦٩، إرشاد الفحول، للشوكاني ١/ ٢٢٩.
[ ٣٣ ]
يناقش: بأن اختلافهم على قولين إجماع منهم على أن هذه المسألة اجتهادية، وليست من الأمور القطعية، فمجال الاجتهاد فيها سائغ، حتى وإن رفع هذا الاجتهاد ما اتفق عليه القولان السابقان، مالم يخالف هذا الاجتهاد نصًا، أو إجماعًا قطعيًا فيرد.
الترجيح: بعد عرض الأقوال، وأدلة كل قول، ومناقشة الأدلة، تبين لي أن لكل قول أدلة قوية، والأقرب -والله أعلم- أن الراجح أن إحداث قول ثالث جائز، ما لم يخالف هذا القول نصًا قطعي الدلالة والثبوت أو إجماعًا قطعيًا؛ لأن في اختلاف العلماء إقرارًا منهم بأن هذه المسألة اجتهادية، والاجتهاد سائغ فيها، فلا يرد هذا الاجتهاد لأنه قول جديد، بل يرد إذا خالف نصًا، أو إجماعًا قطعيًا، وأن عمل العلماء على ذلك فإنك لا تكاد تجد إمامًا مجتهدًا إلا وله قول لم يسبق إليه.
[ ٣٤ ]