لا تكاد تجد إمامًا مجتهدًا إلا وله قول لم يسبق إليه، فقد نقل ابن حزم عن ابن جرير الطبري أنه وجد للشافعي أربعمائة مسألة أتى فيها بقول لم يسبق إليه (^١)، ثم قال ابن حزم معقبًا على قول الطبري: "وهكذا القول حرفًا حرفًا في أقوال ابن أبي ليلى وسفيان والأوزاعي وزفر وأبي يوسف ومحمد بن الحسن والحسن بن زيادة وأشهب وابن الماجشون والمزني وأبي ثور وأحمد وإسحاق وداود ومحمد بن جرير ما منهم أحد إلا وقد صحت عنه أقوال في الفتيا لا يعلم أحد من العلماء قالها قبل ذلك القائل ممن سمينا وأكثر ذلك فيما لا شك في انتشاره واشتهاره" (^٢).
_________________
(١) انظر: الإحكام، لابن حزم ٤/ ١٨٩.
(٢) الإحكام، لابن حزم ٤/ ١٨٩.
[ ٤٧ ]
بل ذكر ابن حزم أنه "من ثقف هذا الباب فإنه يجد لأبي حنيفة ومالك والشافعي أزيد من عشرة آلاف مسألة لم يقل فيها أحد قبلهم بما قالوه" (^١)، وقال: "ولقد أخرجنا لهم مئين من المسائل ليس منها مسألة إلا ولا يعرف أحد قال بذلك القول قبل الذي قاله من هؤلاء الثلاثة" (^٢)، وقد ذكر أحد الباحثين في اختيارات ابن تيمية أنه وجد له من أول كتاب الطهارة إلى آخر أحكام سجود السهو ست مسائل لم يقل بها أحد غيره (^٣).
ولا شك أن غالب هذه المسائل التي ذكرها ابن حزم عن الأئمة كانت في نوازل حدثت في عصرهم بسبب تغير الأعراف وأحوال الناس ولم يتعرض لها من قبلهم فاجتهدوا فيها، فكان قولهم فيها قولا جديدًا لم يسبقوا إليه، وهذا هو الواجب على أهل العلم، وهي سنة العلماء من عهد الصحابة -﵃-، كما يقول الجويني: "لست أحاذر إثبات حكم لم يدونه الفقهاء، ولم يتعرض له العلماء … ولكني لا أبتدع،
_________________
(١) الإحكام، لابن حزم ٥/ ٨٨.
(٢) الإحكام، لابن حزم ٤/ ١٨٩.
(٣) انظر: اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية الفقهية، لعايض الحارثي وآخرين ٢/ ٥٧٤.
[ ٤٨ ]
ولا أخترع شيئًا، بل أُلاحظ وضع الشرع، وأستثير معنىً يناسب ما أراه وأتحرّاه، وهكذا سبيل التصرف في الوقائع المستجدة التي لا توجد فيها أجوبة العلماء معدة، وأصحاب المصطفى -ﷺ- ورضي عنهم، لم يجدوا في الكتاب والسنة إلا نصوصًا معدودةً، وأحكامًا محصورةً، محدودةً، ثم حكموا في كل واقعة عنَّت، ولم يجاوزوا وضع الشرع، ولا تعدوا حدوده; فعلَّمونا أن أحكام الله تعالى لا تتناهى في الوقائع، وهي مع انتفاء النهاية عنها صادرةٌ عن قواعد مضبوطة" (^١).
وهذا ما جعل ابن حزم يجد هذا العدد من الأقوال التي أحصاها لهؤلاء الأئمة التي لم يسبقوا إليها، ويذكرها دعوة منه لمقلديهم أن يجتهدوا كما اجتهد أئمتهم، ويقتفوا سيرتهم، ولا يتوقفوا مكتوفي الأيدي عند النازلة التي لم يجدوا لإمامهم قولا فيها، ومع ذلك فإن لهؤلاء الأئمة أقوالًا في مسائل قديمة قالوا فيها بأقوال لم يسبقوا إليها لكنها كانت قليلة مقارنة بالعدد الذي ذكره عنهم ابن حزم وهذا الذي يهمني في البحث وهو الذي سأنقله عنهم في التطبيقات القادمة بإذن الله.
_________________
(١) غياث الأمم في التياث الظلم، للجويني، ص ٢٦٧.
[ ٤٩ ]
والأقوال التي قال بها الأئمة ولم يسبقوا إليها منها ما هو مردود ومهجور حتى عند بعض علماء مذهب الإمام، ومنها ما هو مقبول ومعمول به إما عند أتباع المذهب إلى عصرنا هذا، أو عند غيرهم بحيث يأخذ بهذا القول أحد العلماء الكبار فيشتهر بعده هذا القول نتيجة لمكانة هذا العالم.
وقد سبق: أن من شروط إحداث قول جديد ألا يخالف نصًا قطعيًا في ثبوته ودلالته، أو إجماعًا قطعيًا، لكنَّ قبول القول ورفضه ليس بالضرورة يقاس بهذا المعيار، فقد يُرد القول لمخالفته نصًا ظنيًا في ثبوته أو دلالته أو لمخالفته إجماعًا ظنيًا، أو لمخالفته ما عليه العمل، أو تقليدًا للمذهب، أو تعصبًا له، فالمجتهد له شروط لاجتهاده، لكن ليس بالضرورة أن يقبل منه الاجتهاد، وكم من قول لم يقبل وهو لم يخالف نصًا قطعيًا في ثبوته ودلالته ولا إجماعًا قطعيًا، بل قد تدعمه-أحيانًا- بعض الأدلة، وقد تجري على قائله محن وعقوبات، أقلها أنه لا يسلم من الألسنة الحداد.
وفي هذا المبحث سأذكر بعض الأقوال التي قال بها بعض الأئمة ولم يسبقوا إليها وقُبل هذا القول وأُخذ به أو
[ ٥٠ ]
رفض، وسيكون المنهج فيه أن أنقل قول الإمام الذي لم يسبق إليه، وأبين سبق هذا الإمام بهذا القول وأنه لم يقل به أحد قبله، ثم أذكر من أخذ بهذا القول-حسب الجهد-، وقد أذكر من رفض القول ولكن لم أطرد في ذلك؛ لأن الغالب هو رفض جمهور العلماء أو كلهم للأقوال المحدثة، اكتفاء منهم بما عليه أسلافهم، وأنه لن يأتي اللاحق بقول خفي دليله على من سبقه من أهل العلم الذين حفظوا هذه الأدلة ودونوها لمن بعدهم.
ولن أناقش هذه الأقوال؛ لأن غرض البحث بيان وجود أقوال للأئمة قالوا بها ولم يسبقوا إليها، وقد أشير - أحيانًا - لبعض الأدلة لبيان حجة القائل أو لبيان رفض قوله؛ حماية لبعض الأئمة من ظن السوء بهم أنهم يخالفون النصوص، فقد يُظن أن العالم خالف النص قطعي الدلالة والثبوت فأبين مأخذه، وسيكون البحث في المسائل التي كانت موجودة من زمن الصحابة -﵃-، وكان هذا الإمام هو أول من قال بهذا القول من عصر الصحابة -﵃- إلى عصره، لأن في هذا المسائل تتبين أهمية الإتيان بقول لم يسبق إليه.
[ ٥١ ]