اختار سعيد بن المسيب أن العقد وحده يكفي لحلّ المطلقة ثلاثا لزوجها الأول، ولا يشترط الجماع، قال ابن المنذر: "ولا نعلم أحدًا من أهل العلم قال بقول سعيد" (^١)، وقال ابن عبدالبر: "وَانْفَرَدَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ﵀ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِقَوْلِهِ إِنَّ مَنْ تَزَوَّجَ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا فَقَدْ حَلَّتْ بِذَلِكَ النِّكَاحِ وَهُوَ الْعَقْدُ لَا غَيْرَ لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ … أَظُنُّهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ لَمْ يَبْلُغْهُ حَدِيثُ الْعُسَيْلَةِ هَذَا وَلَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ وَأَمَّا سَائِرُ الْعُلَمَاءِ مُتَقَدِّمُهُمْ وَمُتَأَخِّرُهُمْ فِيمَا عَلِمْتُ فَعَلَى الْقَوْلِ بِهَذَا الْحَدِيثِ (^٢) " (^٣).
_________________
(١) الإشراف، لابن المنذر ٥/ ٢٣٨.
(٢) وهو حديث عَائِشَةَ ﵂: جَاءَتْ امْرَأَةُ رِفاعَةَ القُرَظِيِّ النَّبِيَّ -ﷺ-، فَقَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ، فَطَلَّقَنِي، فَأَبَتَّ طَلَاقِي، فَتَزَوَّجْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ إِنَّمَا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ، فَقَالَ: «أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟ لَا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ» رواه البخاري، كتاب الشهادات، بَابُ شَهَادَةِ المُخْتَبِي، برقم (٢٦٣٩)، ومسلم، كتاب النكاح، بَابُ لَا تَحِلُّ الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا لِمُطَلِّقِهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، وَيَطَأَهَا، ثُمَّ يُفَارِقَهَا وَتَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا، برقم (١٤٣٣).
(٣) التمهيد، لابن عبدالبر ١٣/ ٢٣٠.
[ ٩٨ ]
ولم يوافق أحد سعيد بن المسيب على اجتهاده، قال عنه ابن تيمية: "هُوَ قَول شَاذ صحت السّنة بِخِلَافِهِ وانعقد الْإِجْمَاع قبله وَبعده" (^١).
وذكر القرطبي أن سعيد بن جبير وافق سعيد بن المسيب، فقال: "وَقَدْ قَالَ بِقَوْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ذَكَرَهُ النَّحَّاسُ فِي كِتَابِ (مَعَانِي الْقُرْآنِ) لَهُ، قَالَ: وَأَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ هَاهُنَا الْجِمَاعُ … إِلَّا سَعِيدَ بن جبير" (^٢)، وتابع القرطبي بعض المعاصرين (^٣).
ولعل في هذا النقل عن سعيد بن جبير وهمًا، فإن الذي انفرد عن أهل العلم هو سعيد بن المسيب وليس سعيد بن جبير، ولم يذكر أحد من أهل العلم-حسب بحثي المتواضع- هذا عن سعيد بن جبير إلا النحاس.
ونسب الزيلعي- وهو متأخر- هذا القول لداود الظاهري، وبشر المريسي (^٤)، ولم أجد من سبقه إلى هذا النسبة حتى
_________________
(١) مختصر الفتاوى المصرية، لابن تيمية، ص ٤٤٩.
(٢) تفسير القرطبي ٣/ ١٤٨. وانظر: معاني القرآن، للنحاس، ص ٢٠٦.
(٣) موسوعة الإجماع، لأسامة القحطاني وآخرين ٣/ ٢٨٤.
(٤) انظر: تبيين الحقائق، للزيلعي ٢/ ٢٥٨.
[ ٩٩ ]
الظاهرية أصحاب داود لم ينسبوه له (^١)، ولو كان قوله لاشتهر عند خصوم الظاهرية أكثر من شهرته عند أصحابه لمخالفته لظاهر الحديث، لكن لم يذكره أحد غير الزيلعي.
وقد ذكر صاحب كتاب فقه سعيد بن المسيب هذه النقول بصيغة التمريض، فقال: "ونُقل القول بعدم اشتراط الدخول عن سعيد بن جبير، وداود، وبشر المريسي" (^٢)، ولم يشر إلى غير القرطبي والزيلعي، وقد ذكر أن هذا القول اشتهر عن سعيد بن المسيب، وأشار إلى جملة من المراجع (^٣).
وشكك ابن كثير في صحة هذا القول عن سعيد بن المسيب واستبعده، فقال: "وَاشْتُهِرَ بَيْنَ كَثِيرٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، ﵀، أَنَّهُ يَقُولُ: يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ مِنْ تَحْلِيلِهَا لِلْأَوَّلِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ عَلَى الثَّانِي. وَفِي صِحَّتِهِ عَنْهُ نَظَرٌ" (^٤)، ثم ذكر أن ابن المسيب ممن روى حديث العسيلة عن ابن عمر، ثم قال: "فَهَذَا مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنِ
_________________
(١) انظر: المحلى، لابن حزم ٩/ ٤١٦.
(٢) فقه سعيد بن المسيب، لهاشم جميل ٣/ ٣٥٣.
(٣) انظر: فقه سعيد بن المسيب، لهاشم جميل ٣/ ٣٥٣.
(٤) تفسير ابن كثير ١/ ٦٢٢.
[ ١٠٠ ]
ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا، عَلَى خِلَافِ مَا يُحْكَى عَنْهُ، فَبِعِيدٌ أَنْ يُخَالِفَ مَا رَوَاهُ بِغَيْرِ مُسْتَنَدٍ" (^١)، وقال صاحب كتاب فقه سعيد بن المسيب: "وما قاله ابن كثير حق … فلا بد من رجوعه عن قوله إلى ما بلغه عن رسول الله -ﷺ- " (^٢) وَجاء "فِي (كتاب الْقنية) لأبي الرَّجَاء مُخْتَار بن مَحْمُود الزَّاهدِيّ: إِنْ سعيد بن الْمسيب رَجَعَ عَنْ مذْهبه" (^٣).
ونفي صحة القول أو إثبات رجوعه يحتاج إلى برهان بعدما ثبت عنه أنه قال بهذا القول، أما استبعاد ذلك لأنه روى الحديث وبعيد أن يخالف ما رواه فهو لا يعد دليلًا بيّنًا؛ لأنه قد ثبت أن بعض العلماء خالفوا بعض الأحاديث التي رووها لأدلة أخرى، كما ثبت عن الإمام مالك في حديث البيعان بالخيار ما لم يفترقا (^٤).
وقد روى ابن حزم "مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا هُشَيْمٌ أَنَا دَاوُد بْنُ أَبِي هِنْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فِي الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا ثُمَّ
_________________
(١) المرجع السابق.
(٢) فقه سعيد بن المسيب، لهاشم جميل ٣/ ٣٥٣.
(٣) عمدة القاري، للعيني ٢٠/ ٢٣٦.
(٤) انظر: المدونة، للإمام مالك ٣/ ٢٢٢.
[ ١٠١ ]
تَتَزَوَّجُ؟ قَالَ سَعِيدٌ: أَمَّا النَّاسُ فَيَقُولُونَ: يُجَامِعُهَا، وَأَمَّا أَنَا فَإِنِّي أَقُولُ: إذَا تَزَوَّجَهَا بِتَزْوِيجٍ صَحِيحٍ لَا يُرِيدُ بِذَلِكَ إحْلَالًا، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا الْأَوَّلُ" (^١).
فهذا دليل على أنه خالف قول الناس عن علم به، ومن المستبعد ألا يعرف دليل قول هؤلاء الناس الذي خالفهم فيه، أو أنه لا يسألهم عن دليلهم، أو يتركه الناس دون أن يذكروا له الدليل، وقد يكون خلاف سعيد ابن المسيب مع الجمهور في مفهوم الحديث فهو يرى أن المرأة في حديث العسيلة لم ترد الزواج إلَّا للتحليل، وقد روي عنه أن نية المرأة كالرجل مؤثرة في العقد، قال ابن تيمية: "وَقَالَ الْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ وَغَيْرُهُمَا: إذَا هَمَّ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ فَهُوَ نِكَاحُ مُحَلِّلٍ، وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ" (^٢)، فأراد النبي -ﷺ- أن يغلق الباب على أهل التحليل باشتراط الجماع، فإن أهل المروءات تعاف نفوسهم الأذن لزوجته أن يجامعها رجل آخر لتعود له، فقد يكون ابن المسيب يرى أن من كان نكاحه للتحليل فلا يجوز له الرجوع، وأن من تزوجها بتزويج صحيح فيكفي العقد لعموم الآية، والحديث لا يخصصها، والله أعلم.
_________________
(١) المحلى، لابن حزم ٩/ ٤١٦.
(٢) الفتاوى الكبرى، لابن تيمية ٦/ ٢٩٨.
[ ١٠٢ ]