اختار ابن حزم أن رطوبة فرج المرأة لا ينقض الوضوء (^٣)، قال ابن عثيمين: "ولكن بعد البحث التام لم أجد أحدًا من العلماء قال: إنها لا تنقض الوضوء إلا ابن حزم، ولم نذكر له سابقًا حتى نقول: إن سلف الأمة يرون أن هذا لا ينقض الوضوء" (^٤)، وقال: "وأما اعتقاد بعض النساء أنه لا ينقض الوضوء، فهذا لا أعلم له أصلًا إلا قولًا لابن حزم ﵀ فإنه يقول: إن هذا لا ينقض الوضوء، ولكنه لم يذكر لهذا دليلًا" (^٥)، وكذلك قال الدكتور سامي الصقير عن قول ابن حزم: "إنه ليس له سلف" (^٦).
وقد اختار ابن عثيمين في أول قوليه أن رطوبة فرج المرأة ناقض للوضوء (^٧)، ثم ذكر أن قول ابن حزم أقرب للصواب لكنه لم يجد من سبقه إليه، ولا يريد الخروج عن إجماع الأمة، فقال: "أن هذا -أعني الرطوبة التي تخرج- يبتلى بها كثير من النساء أو أكثر النساء، ولكن بعد البحث التام لم أجد أحدًا من العلماء قال: إنها لا تنقض الوضوء إلا ابن حزم، ولم نذكر له سابقًا حتى نقول: إن سلف الأمة يرون أن هذا لا ينقض الوضوء، وأنا أقول: إذا وُجد أحد من سلف الأمة يرى أنه لا نقض بهذه الرطوبة فإن قوله أقرب إلى الصواب من القول بالنقض، أولًا: للمشقة، وثانيًا: لأن هذا أمر معتاد، ليس حدثًا طارئًا كالمستحاضة، بل هو أمر معتاد عند كثير من النساء، فإن وجدتم سلفًا من صدر هذه الأمة يرى أنه
_________________
(١) الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية، للبعلي، ص ٢٧.
(٢) انظر: الممتع، لابن عثيمين ١/ ٥٠٣، لقاءات الباب المفتوح، لابن عثيمين، اللقاء (٢١٤).
(٣) انظر: المحلى، لابن حزم ١/ ٢٣٦.
(٤) اللقاءات الشهرية، لابن عثيمين ٢/ ٢٧٠.
(٥) انظر: مجموع فتاوى ورسائل العثيمين ١١/ ٢٨٥.
(٦) انظر: شرح الروض المربع، لسامي الصقير ١/ ٣٢٣.
(٧) انظر: مجموع فتاوى ورسائل العثيمين ١١/ ٢٨٤ - ٢٨٧، ثمرات التدوين من مسائل ابن عثيمين، لأحمد القاضي، ص ٧١. مسألة (٥٢).
[ ٥٦ ]
لا نقض بخروج هذا السائل فقوله أقرب إلى الصواب، وأما إذا لم تجدوا فليس لنا أن نخرج عن إجماع الأمة" (^١).
ثم في آخر قوليه اختار أنه لا ينقض
_________________
(١) اللقاءات الشهرية، لابن عثيمين ٢/ ٢٧٠.
[ ٥٨ ]
الوضوء، فقال: " كل ما خرج من البدن لا ينقض الوضوء إلا البول والغائط، أما الدم والقيء والقيح وما يسميه النساء بالطهر الذي يسيل من فرج المرأة دائمًا، حتى إن بعض العلماء قال: سلس البول لا ينقض الوضوء أيضًا … وهذا القول ليس ببعيد من الصواب، وكنت بالأول أرى أنه ينقض الوضوء وأنه لا يجوز أن يتوضأ الإنسان للصلاة إلا بعد دخول وقتها لكن بعد أن راجعت كلام العلماء واختلافهم، وقوة تعليل من علل بأن هذا الوضوء لا فائدة منه إذ أن الحدث دائم تراجعت عن قولي الأول، وهذا القول أرفق بالناس بلا شك ولا سيما بالنسبة للنساء اللاتي يخرج منهن هذا السائل الدائم … والظاهر أيضًا أن الذي يصيب النساء هو الذي
[ ٥٧ ]
يصيب النساء السابقات، ولم يبلغ أن الرسول ﵊ أمر النساء أن تتوضأ لوقت كل صلاة، غاية ما هنالك المستحاضة على خلاف في هذا؛ فإن مسلمًا ﵀ أشار إلى أن قوله: توضئي لكل صلاة لم يصح، ولذلك حذفها عمدًا من حديثه، المهم الشيء المعتاد لا ينقض إلا البول والغائط فقط والريح؛ لأنه ثبت به الحديث" (^١).
وقد نقل الدكتور أحمد القاضي فتوى لابن عثيمين في ٢٠/ ١/ ١٤١٨ هـ يرى فيها أنها ناقض للوضوء (^٢)، ثم في ٧/ ٧/ ١٤٢٠ هـ، اختار ابن عثيمين أنه غير ناقض بعد بحث واسع فيها، قال القاضي: "جرى بحث واسع هذه الليلة في مسألة المستحاضة، وحكم رطوبات فرج المرأة، ومن به سلس بول … إن رطوبات فرج المرأة … غير ناقضة للوضوء، وهو ما جزم على الفتيا به هذه الأيام، وفاقًا لابن حزم، وأن ذلك بمنزلة الريق في الفم، والدمع في العين" (^٣).
_________________
(١) لقاءات الباب المفتوح، لابن عثيمين، اللقاء (٢١٤) في اليوم السادس من شهر جمادى الثانية عام (١٤٢٠ هـ)
(٢) انظر: ثمرات التدوين من مسائل ابن عثيمين، لأحمد القاضي، ص ٧١. مسألة (٥٢).
(٣) ثمرات التدوين من مسائل ابن عثيمين، لأحمد القاضي، ص ٧١. مسألة (٥٣).
[ ٥٩ ]
وقد أنكر أحد الباحثين نسبة عدم النقض لابن عثيمين، فقال: "هذا القول المنسوب للشيخ العلامة ابن عثيمين ﵀ لا تظهر لنا صحة نسبته إليه، وغاية ما هنالك أنه علق على بحث حول الموضوع للدكتورة رقية المحارب بما عبارته: راجعته فرأيت أقوى دليل على أن الرطوبة لا ينتقض بها الوضوء أن الأصل عدم النقض إلا بدليل (^١). انتهى. وهذا لا يفيد أنه يفتي بهذا القول بحال، وهذه فتاواه المسموعة والمكتوبة ليس فيها تصريح منه ﵀ بأنه يتبنى هذا القول ويفتي به، بل فيها التصريح بعكس ذلك" (^٢)، وقال أحد طلبة الشيخ: "عامة أهل العلم أن رطوبة فرج المرأة تنقض الوضوء، وهو ما اختاره شيخنا ﵀ وإن كان في آخر عمره رحمة الله عليه يسأل ويبحث: هل ثمة أحد من أهل العلم قال بهذا القول؟ وكان ﵀ بوده لو أن أحدًا قال بهذا القول حتى يفتي بالجواز، وبعضهم قد نقل في الفترة الأخيرة أن الشيخ كان
_________________
(١) انظر: حكم الرطوبة، لرقيّة المحارب، وكلام الشيخ مكتوب على غلاف البحث بخطه.
(٢) موقع إسلام ويب، مركز الفتوى، فتوى: هل غير العلامة ابن عثيمين فتواه حول انتقاض الوضوء برطوبة فرج المرأة؟
[ ٦٠ ]
يفتي بعدم نقض الوضوء من رطوبة فرج المرأة، ونقلت إحدى الباحثات في كتاب لها، أن الشيخ ﵀ كان يفتي بعدم النقض (^١)، لكن الذي أعرفه من كلامه رحمة الله عليه، أنه مات وهو يرى النقض، كقول الجمهور، ولا أعرف أحدًا ذكر أنه لا ينقض الوضوء إلا هذه الباحثة في كتابها، وأما البقية فإنهم ينقلون عن الشيخ عدم النقض" (^٢).
ولعل العذر لهذين الباحثين أن الشيخ غيَّر رأيه في آخر حياته، وفتواه في كتاب لقاءات الباب المفتوح، وثمرات التدوين قبل وفاته بسنة وأشهر قليلة، فلعل الباحثين لم يعلما بذلك، خصوصًا أن الذي يبحث عن رأي الشيخ في هذه المسألة يرجع لشروحاته على المتون العلمية أو مجموع الفتاوى -وليس فيها إلَّا رأيه الأول-، ونادرًا ما يرجع الباحث لمثل هذين الكتابين، إضافة إلى تأخر طبعهما، وأما صحة نسبة القول للشيخ فلا شك فيها، ففي لقاءات الباب المفتوح نقلت
_________________
(١) انظر: حكم الرطوبة، لرقيّة المحارب، وكتبت الباحثة على ورقة الغلاف: "راجعه الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين، وأقر ما جاء فيه على غلاف البحث بخطه".
(٢) شرح كتاب زاد المستقنع، لفهد المطيري، كتاب الطهارة (٢)، ص ١٣١.
[ ٦١ ]
كلامه بنفسه الذي بيّن فيه تراجعه عن قوله الأول، وفي ثمرات التدوين نقلت كلام تلميذه أحمد القاضي وقد نقل عن شيخه أن رطوبة فرج المرأة غير ناقضة للوضوء، ثم قال: "وهو ما جزم على الفتيا به هذه الأيام، وفاقًا لابن حزم" (^١).