اختار أبو الحسين ابن اللبان أن المطلقة ثلاثًا إن كانت ممن تحيض أن عدتها حيضة، قال ابن كثير: "له اختيارات غريبة، وأقوال عجيبة، فمن ذلك ما حكاه أبو الحسين بن القاضي أبي يعلى بن الفراء الحنبلي، في كتابه رءوس المسائل، عن أبي الحسين بن اللبان من أصحابنا: … وأن المطلقة ثلاثًا إن كانت ممن تحيض استبرأت بحيضة فقط، ولا عدة عليها سواها، فإن كانت صغيرة، أو آيسة، فلا شيء عليها، وتحل للأزواج في الحال، وكذا المتوفى عنها زوجها قبل الدخول لا عدة عليها … وهذه اختيارات غريبة جدًا" (^١).
وقد قوى ابن تيمية أنها تعتد بحيضة واحدة لكنه اشترط ألا يكون القول مخالفًا للإجماع، فقال عن القول الأول وهو أنها تعتد بثلاث حيض: " فَإِنْ كَانَ هَذَا إجْمَاعًا: فَهُوَ الْحَقُّ وَالْأُمَّةُ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ" (^٢)، وذكر البعلي أن اختيار ابن تيمية أنها تعتد بحيضة، ثم قال: "علَّق
_________________
(١) طبقات الشافعيين، لابن كثير، ص ٣٥٦.
(٢) مجموع الفتاوى لابن تيمية ٣٢/ ٣٤٢.
[ ٩٣ ]
أبو العباس القول بذلك على أن لا يكون الإجماع على خلافه، وقد حكى القاضي أبو الحسين ابن الفراء القول بذلك عن ابن اللبان" (^١).
وتحدث ابن عبدالهادي عن فتاوى ابن تيمية فقال: "فَفِي بعض الْأَحْكَام يُفْتِي بِمَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده من مُوَافقَة أَئِمَّة الْمذَاهب الْأَرْبَعَة وَفِي بَعْضهَا قد يُفْتِي بخلافهم أَوْ بِخِلَاف الْمَشْهُور من مذاهبهم، وَمن اختياراته الَّتِي خالفهم فِيهَا أَوْ خَالف الْمَشْهُور من اقوالهم … وَالْقَوْل باستبراء المختلعة بِحَيْضَة وَكَذَلِكَ الْمَوْطُوءَة بِشُبْهَة والمطلقة آخر ثَلَاث تَطْلِيقَات" (^٢).
وقال ابن عثيمين: "قال شيخ الإسلام ﵀: إن كان أحد قال بأن المطلقة ثلاثًا لا يلزمها إلا حيضة واحدة - استبراء - فهذا هو الحق. قال صاحب الاختيارات: إنه قد نقل عن ابن اللبان القول بذلك، وعلى هذا فيكون قولَ شيخ الإسلام،
_________________
(١) الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية، للبعلي، ص ٤٠٦.
(٢) العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، لابن عبدالهادي، ص ٣٣٨ - ٣٣٩.
[ ٩٤ ]
وأن المطلقة ثلاثًا تستبرأ فقط؛ لأن مقتضى النظر أن من لا رجعة عليها، لا تعتد إلا بحيضة، تُرك في المطلقة ثلاثًا؛ لأنه خلاف الإجماع" (^١).
وقد تكلم ابن القيم عن الذين علقوا القول على وجود قائلٍ به، فقال: "وقسم توقفوا وعلَّقوا القول، فقالوا: إن كان في المسألة إجماعٌ فهو أحق ما اتبع، وإلَّا فالقول فيها: كيت وكيت، وهو موجب الدليل، ولو عَلِم هؤلاء قائلًا به لصرحوا بموافقته، فإذا عُلم به قائلٌ، فالذي ينبغي ولا يجوز غيره أن يضاف ذلك القول إليهم؛ لأنهم إنما تركوه لظنهم أنه لا قائلٌ به، وأنه لو كان به قائلٌ لصاروا إليه، فإذا ظهر به قائلٌ لم يجز أن يضاف إليهم غيرُه إلَّا على الوجه المذكور، وهذه الطريقة أسلم" (^٢).
وسواء كان هذا القول لابن تيمية أو لابن اللبان فهو قول لم يُسبق إليه، ففي موسوعة الإجماع أحد عشر عالمًا نقلوا الإجماع أن عدتها ثلاثة قروء (^٣)، منهم ابن تيمية، فقد قال:
_________________
(١) الممتع، لابن عثيمين ١٢/ ٤٧٢ - ٤٧٣.
(٢) انظر: الصواعق المرسلة، لابن القيم ٢/ ٥٨٠ - ٥٨١.
(٣) انظر: موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي، لأسامة القحطاني وآخرين ٣/ ٦٣٤ - ٦٣٥.
[ ٩٥ ]
"الطَّلَاقُ بَعْدَ الدُّخُولِ يُوجِبُ الِاعْتِدَادَ بِثَلَاثِ قُرُوءٍ بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ" (^١).
ولم ينقل الباحث في الموسوعة خلافًا في المسألة، وقال: "تحقق الإجماع على أن عدة المطلقة الحرة ذات الحيض ثلاثة قروء؛ وذلك لعدم وجود مخالف" (^٢). وقد سبق ذكر الخلاف، لكنه قول لم يسبق إليه، قال الدكتور أحمد الخليل: "ولم يوجد بعد البحث إلاّ مخالف واحد" (^٣).
وقوى هذا القول ابن القيم بشرط عدم وجود إجماع، فقال: "وَقِيلَ: بَلْ عِدَّتُهَا حَيْضَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ اخْتِيَارُ أَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ اللَّبَّانِ؛ فَإِنْ كَانَ مَسْبُوقًا بِالْإِجْمَاعِ فَالصَّوَابُ اتِّبَاعُ الْإِجْمَاعِ، وَأَنْ لَا يُلْتَفَتَ إلَى قَوْلِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْأَلَةِ إجْمَاعٌ فَقَوْلُهُ قَوِيٌّ ظَاهِرٌ" (^٤).
_________________
(١) مجموع الفتاوى، لابن تيمية ٣٢/ ٢٩٠.
(٢) موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي، لأسامة القحطاني وآخرين ٣/ ٦٣٥.
(٣) شرح زاد المستقنع، لأحمد الخليل ٥/ ٤٨٢. موجود في المكتبة الشاملة.
(٤) إعلام الموقعين، لابن القيم ٢/ ٥٥.
[ ٩٦ ]
وذكر ابن عثيمين أن المعنى والقرآن قد يدل على أن الحيضة الواحدة تكفي، وذكر له بعض الأدلة (^١)، لكنه قال في أحد المواضع: "أن الأحوط أن تعتد للعموم" (^٢)، وفي موضع آخر قال: "والذي يظهر لي أن الأخذ بالعموم هو الأولى" (^٣).
وقال الدكتور أحمد الخليل: "المطلقة آخر ثلاث تطليقات فهذه عند الجماهير بل حكي إجماعًا أنها تعتد بثلاثة قروء، والقول الثاني: أنها تعتد بحيضة واحدة وهو قول اختاره شيخ الإسلام وعلق القول به على وجود مخالف، وقد وجد المخالف وهو ابن اللبان - ﵀ - فإنه خالف الجماهير ورأى أنها تعتد بحيضة واحدة … من حيث الدليل القول الثاني قوي ولكني أقول لا ينبغي أبدا أن تعتد المطلقة آخر ثلاث تطليقات بحيضة واحدة، أولا لأنّ الإجماع محكي ولم يوجد بعد البحث إلاّ مخالف واحد ولهذا ليس من المستساغ أبدا أن تعتد بحيضة وتتزوج بعد ذلك لأنّ الخلاف في هذه المسالة قوي والاحتياط فيه متوجه" (^٤).
_________________
(١) انظر: التعليق على مقدمة المجموع، لابن عثيمين، ص ٣٨٦، تفسير سورة البقرة، لابن عثيمين ٣/ ١٠٣.
(٢) الممتع، لابن عثيمين ١٣/ ٣٨٣.
(٣) فتح ذي الجلال والإكرام، لابن عثيمين ٩/ ٤٤٣.
(٤) شرح زاد المستقنع، لأحمد الخليل ٥/ ٤٨٢. موجود في المكتبة الشاملة.
[ ٩٧ ]