اختار الحسن البصري جواز صلاة التطوع مضطجعًا دون عذر (^١)، قال ابن تيمية: "وَلَا يُعْرَفُ لِصَاحِبِهِ سَلَفُ صِدْقٍ مَعَ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مِمَّا تَعُمُّ بِهَا الْبَلْوَى؛ فَلَوْ كَانَ يَجُوزُ لِكُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُصَلِّيَ التَّطَوُّعَ عَلَى جَنْبِهِ وَهُوَ صَحِيحٌ لَا مَرَضَ بِهِ كَمَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ التَّطَوُّعَ قَاعِدًا وَعَلَى الرَّاحِلَةِ؛ لَكَانَ هَذَا مِمَّا قَدْ بَيَّنَهُ الرَّسُولُ -ﷺ- لِأُمَّتِهِ وَكَانَ الصَّحَابَةُ تَعْلَمُ ذَلِكَ، ثُمَّ مَعَ قُوَّةِ الدَّاعِي إلَى الْخَيْرِ لَا بُدَّ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ، فَلَمَّا لَمْ يَفْعَلْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَشْرُوعًا عِنْدَهُمْ" (^٢)، وقال: "وَلَمْ يُجَوِّزْ أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ صَلَاةَ التَّطَوُّعِ مُضْطَجِعًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، وَلَا يُعْرَفُ أَنَّ أَحَدًا مِنْ السَّلَفِ فَعَلَ ذَلِكَ" (^٣)، وقال: "وَمَعْلُومٌ أَنَّ التَّطَوُّعَ بِالصَّلَاةِ مُضْطَجِعًا بِدْعَةٌ لَمْ يَفْعَلْهَا أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ" (^٤).
_________________
(١) انظر: سنن الترمذي ٢/ ٢٠٩. رقم (٣٧٢).
(٢) مجموع الفتاوى، لابن تيمية ٧/ ٣٦.
(٣) المرجع السابق.
(٤) مجموع الفتاوى، لابن تيمية ٢٣/ ٢٤٢.
[ ٧٧ ]
ومذهب الشافعية وقول عند الحنابلة أنه يجوز التطوع مضطجعًا من غير عذر (^١)، قال ابن تيمية: "وَجَوَازُهُ وَجْهٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد" (^٢)، وقال "وَقد طرد ذَلِك طَائِفَة من أَصْحَاب أَحْمد وَغَيره وجوزوا التَّطَوُّع مُضْطَجعا لمن هُوَ صَحِيح وَهُوَ قَول مُحدث بِدعَة" (^٣).
وقد ذكر ابن عثيمين حديث: «إِنْ صَلَّى قَائِمًا فَهُوَ أَفْضَلُ وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا، فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ القَائِمِ، وَمَنْ صَلَّى نَائِمًا، فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ القَاعِدِ» (^٤)، ثم قال: "وهو يدل على جواز التنفل مضطجعًا، وقد نقله ابن مفلح عن الحسن البصري، وقال: هو مذهب حسن، ونقله ابن هانئ عن أحمد، واختاره بعض الأصحاب، وهو الأصح للشافعية" (^٥).
وقال: "وذهب بعضُ العلماء: إلى الأخذ بالحديث. وقالوا: يجوز أنْ يتنفلَ وهو مضطجع، لكن أجره على النصف من أجر صلاة القاعد، فيكون على الرُّبع مِنْ أجر
_________________
(١) انظر: المجموع، للنووي ٣/ ٢٧٦، نهاية المحتاج، للرملي ١/ ٤٧١، الإنصاف، للمرداوي ٢/ ١٨٩.
(٢) مجموع الفتاوى، لابن تيمية ٧/ ٣٦.
(٣) مختصر الفتاوى المصرية، لابن تيمية، ص ٥٨.
(٤) رواه البخاري، أبواب تقصير الصلاة، باب صلاة القاعد، برقم (١١١٥).
(٥) البيان الممتع، لابن عثيمين، ص ١٣٩.
[ ٧٨ ]
صلاة القائم، وهذا قولٌ قويٌّ؛ لأن الحديث في صحيح البخاري، ولأنَّ فيه تنشيطًا على صلاة النَّفل؛ لأن الإنسان أحيانًا يكون كسلانًا وهو قادر على أنْ يُصلِّي قاعدًا؛ لكن معه شيء مِنْ الكسل؛ فيُحِبُّ أنْ يُصلِّي وهو مضطجعٍ، فمن أجل أنْ ننشِّطَهُ على العمل الصَّالح نَفْلًا نقول: صَلِّ مضطجعًا، وليس لك إلا رُبع صلاة القائم، ونصف صلاة القاعد، ولهذا رَخَّصَ العلماءُ في صلاة النَّفل أن يشرب الماء اليسير من أجل تسهيل التطوُّع عليه، والتطوُّع أوسع من الفرض" (^١).