نُقل إجماع الصحابة -﵃- على أن أكثر مدة النفاس أربعون يومًا، وإنما جاء الخلاف بعدهم، قال الجوهري: "وأجمع الصحابة أن أكثر مدة النفاس إذا لم ينقطع الدم أربعون يومًا، وإنما جاء الخلاف بعدهم" (^٢)، وقال ابن عبدالبر: "قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَقْصَى مُدَّةِ النِّفَاسِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِي وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَعَائِذِ بْنِ عُمَرَ وَالْمُزَنِيِّ وَأُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﵇ وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ صَحَابَةٌ لَا مُخَالِفَ لَهُمْ فِيهِ" (^٣)، وقال
_________________
(١) ثمرات التدوين من مسائل ابن عثيمين، لأحمد القاضي، ص ٧١. مسألة (٥٣).
(٢) نوادر الفقهاء، للجوهري صـ ٥٢ - ٥٣.
(٣) الاستذكار، لابن عبدالبر ١/ ٣٥٤.
[ ٦٢ ]
ابن رجب: "أكثر العلماء على أن أكثره أربعون يومًا، وحكاه بعضهم إجماعًا من الصحابة، قالَ إسحاق: هوَ السنة المجمع عليها … قالَ الطحاوي: لم يقل بالستين أحد من الصحابة إنما قاله بعض من بعدهم. وكذا ذكر ابن عبد البر وغير واحد. " (^١).
ومع أن القول بأن أكثر مدة النفاس ستون يومًا لم يقل به أحد من الصحابة -﵃- وإنما جاء بعدهم فقد أخذ به كثير من الفقهاء وهو مذهب المالكية (^٢)، والشافعية (^٣)، ورواية عند الحنابلة (^٤)، واختيار ابن عثيمين (^٥)، والإجماع الذي نُقل عن الصحابة -﵃- إجماع سكوتي، وهو-على الخلاف في حجيته- ظني، وليس قطعيًا.
واختار ابن حزم أن أكثر مدة النفاس سبعة أيام (^٦)، وهو قول لم يسبق إليه، قال ابن رجب: "وقد اعتمد ابن حزم على هَذا
_________________
(١) فتح الباري، لابن رجب ٢/ ١٨٨.
(٢) انظر: الشرح الصغير، للدردير ١/ ٢١٧.
(٣) انظر: نهاية المحتاج، للرملي ١/ ٣٥٧.
(٤) انظر: الإنصاف، للمرداوي ١/ ٣٨٣.
(٥) انظر: الممتع، لابن عثيمين ١/ ٥١٢.
(٦) انظر: المحلى، لابن حزم ١/ ٤١٣.
[ ٦٣ ]
الحديث في ان الحائض والنفاس مدتهما واحدة، وأن أكثر النفاس كأكثر الحيض، وَهوَ قول لَم يسبق إليه، ولو كانَ هَذا الاستنباط حقًا لما خفي على أئمة الإسلام كلهم إلى زمنه" (^١). والحديث الذي اعتمد ابن حزم عليه هو قول النبي -ﷺ- لعائشة ﵂ لما حاضت في الحج: " «مَا لَكِ أَنُفِسْتِ؟» قالت: نعم" (^٢)، وكذا قول أم سلمة ﵂: "بَيْنَا أَنَا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- مُضْطَجِعَةٌ فِي خَمِيصَةٍ، إِذْ حِضْتُ، فَانْسَلَلْتُ، فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي، قَالَ: «أَنُفِسْتِ» قُلْتُ: نَعَمْ، فَدَعَانِي، فَاضْطَجَعْتُ مَعَهُ فِي الخَمِيلَةِ" (^٣)، قال ابن حزم: "لَا حَدَّ لِأَقَلِّ النِّفَاسِ، وَأَمَّا أَكْثَرُهُ فَسَبْعَةُ أَيَّامٍ لَا مَزِيدَ … إنَّ دَمَ النِّفَاسِ هُوَ حَيْضٌ صَحِيحٌ، وَأَمَدُهُ أَمَدُ الْحَيْضِ وَحُكْمُهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ حُكْمُ الْحَيْضِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ -ﷺ- لِعَائِشَةَ - ﵂ - «أَنُفِسْتِ» بِمَعْنَى حِضْتِ فَهُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ" (^٤).
_________________
(١) فتح الباري، لابن رجب ٢/ ٢٤.
(٢) رواه البخاري، كتاب الحيض، بَابُ كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الحَيْضِ وَقَوْلُ النَّبِيِّ -ﷺ-: «هَذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ»، برقم (٢٩٤).
(٣) رواه البخاري، كتاب الحيض، بَابُ مَنْ سَمَّى النِّفَاسَ حَيْضًا، وَالحَيْضَ نِفَاسًا، برقم (٢٩٨).
(٤) المحلى، لابن حزم ١/ ٤١٣ - ٤١٥.
[ ٦٤ ]
وهذا القول من ابن حزم لم يأخذ به أحد، قال الشيخ عبدالكريم الخضير: "وأغرب ابن حزم حيث زعم أن النفاس كالحيض، أكثره سبعة أيام … وهذا لا شك أنه قول غريب لا حظ له من النظر ولا الأثر" (^١).