اختار الشوكاني أن الجماع لا يبطل الحج، فقد قال: "لا دليل على ان الجماع عمدًا مبطل للحج فكيف يبطل الجماع سهوًا أو جهلًا" (^١)، وقال: "فمن وطئ قبل الوقوف أو بعده، قبل الرمي، أو قبل طواف الزيارة؛ فهو عاصٍ يستحق العقوبة، ويُغفر له بالتوبة، ولا يبطل حجُّه، ولا يلزمه شيء، ومن زعم غير هذا فعليه الدليل المرضي" (^٢).
وهو قول لم يسبق إليه، قال ابن قدامة: "أَمَّا فَسَادُ الْحَجِّ بِالْجِمَاعِ فِي الْفَرْجِ، فَلَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْحَجَّ لَا يَفْسُدُ بِإِتْيَانِ شَيْءٍ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ إلَّا الْجِمَاعَ. وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ، فَقَالَ: إنِّي وَقَعْت بِامْرَأَتِي، وَنَحْنُ مُحْرِمَانِ. فَقَالَ: أَفْسَدْت حَجَّك … وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو. لَمْ نَعْلَمْ لَهُمْ فِي عَصْرِهِمْ مُخَالِفًا".
_________________
(١) السيل الجرار، للشوكاني ٢/ ٢٠٥.
(٢) وبل الغمام، للشوكاني ١/ ٥٦٦.
[ ٨٢ ]
وقال ابن حزم: "وَاتَّفَقُوا أَنْ جماع النِّسَاء فِي فروجهن ذَاكِرًا لحجه يفْسخ الاحرام وَيفْسد الْحَج" (^١)، وقال ابن القطان: "وأجمعوا أن من وطئ قبل وقوفه بعرفة فقد أفسد حجه" (^٢)، وقال الشنقيطي: "ولا خلاف بينهم أنه لا يفسد الحج من محظورات الإحرام، إلا الجماع خاصة … وإذا علمت أقوال أهل العلم في جماع المحرم، ومباشرته بغير الجماع، فاعلم أن غاية ما دل عليه الدليل: أن ذلك لا يجوز في الإحرام; لأن الله تعالى نص على ذلك في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، أما أقوالهم في فساد الحج وعدم فساده، وفيما يلزم في ذلك، فليس على شيء من أقوالهم في ذلك دليل من كتاب ولا سنة، وإنما يحتجون بآثار مروية عن الصحابة. ولم أعلم بشيء مروي في ذلك عن النبي -ﷺ- إلا حديثًا منقطعًا لا تقوم بمثله حجة" (^٣) فذكره وبيَّن علّته، ثم ذكر الآثار التي صحت عن بعض الصحابة والتابعين -﵃- ثم
_________________
(١) مراتب الإجماع، لابن حزم، ص ٤٢.
(٢) الإقناع في مسائل الإجماع، لابن القطان ١/ ٢٥٧.
(٣) أضواء البيان، للشنقيطي ٥/ ٢٩ - ٣٤.
[ ٨٣ ]
قال: "فهذه الآثار عن الصحابة وبعض خيار التابعين هي عمدة الفقهاء في هذه المسألة" (^١).
ووافق القنوجي الشوكاني في اختياره ونقل نص كلامه السابق في وبل الغمام (^٢)، وفسر محمد رشيد رضا الرفث في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، بقوله: "إِنَّهُ يَجُوزُ حَمْلُهَا عَلَى جَمِيعِ مَعَانِيهَا الْحَقِيقِيَّةِ … وَيَكُونُ النَّفْيُ الْمُرَادُ بِهِ النَّهْيُ فِي بَعْضِهَا لِلتَّحْرِيمِ كَالرَّفَثِ بِمَعْنَى الْجِمَاعِ لَا يُفْسِدُ النُّسُكَ، وَفِي بَعْضِهَا الْآخَرِ لِلْكَرَاهَةِ الشَّدِيدَةِ كَالرَّفَثِ بِمَعْنَى الْكَلَامِ الصَّرِيحِ فِي أُمُورِ الْوِقَاعِ" (^٣).
واختار هذا الرأي من المعاصرين الشيخ عبدالمحسن العبيكان، فقال: "أما الوطء فهو من المحظورات، ولم يثبت فيه فدية معينة، وقد أوجب جمع من العلماء فيه الدم … ولم أجد لهم ما يصح الاستدلال به؛ ولذا أرى أنه لا يفسد حجه، وعليه
_________________
(١) أضواء البيان، للشنقيطي ٥/ ٢٩ - ٣٤.
(٢) انظر: الروضة الندية، للقنوجي ١/ ٥٦٥.
(٣) تفسير المنار، لمحمد رشيد رضا ٢/ ١٨٢.
[ ٨٤ ]
في كل الأحوال الفدية الواردة في حديث كعب بن عجرة المتقدم (^١)؛ قياسًا على سائر المحظورات" (^٢).