اختار الشيخ مصطفى الزرقا أنه يجوز تغريم المدين المماطل غرامة مالية يدفعها للدائن مقابل الضرر الناتج عن فوات الربح، أو وقوع ضرر حقيقي، ولم يسبق إلى هذا القول، فقد قال: "لم يعالج فقهاء المذاهب فيما أعلم قبلًا هذه المسألة - أعني تعويض الدائن عن تأخير الوفا. المستحق في المداينات - ولم يبحثوها، مرد ذلك في تقديري إلى ثلاثة أمور: الأول: لم يكن لهذا الأمر من
_________________
(١) الفروسية، لابن القيم ١/ ٩٥.
(٢) انظر: حاشية ابن عابدين ٦/ ٤٠٣.
(٣) انظر: نهاية المحتاج، للرملي ٨/ ١٦٨.
(٤) انظر: المغني، لابن قدامة ٩/ ٤٧١.
(٥) انظر: المحلى، لابن حزم ٥/ ٤٢٥.
[ ٨٦ ]
الأهمية والتأثير في حركة التعامل والتجارة كما أصبح له في العصر الحاضر. الثاني: أن وصول الدائن إلى حقه عن طريق القضاء عند تأخير المدين ومماطلته كان ميسورًا وسريعًا على خلاف ما هو عليه اليوم في عصرنا الحاضر. الثالث: أن هذه المسألة فيها من الحساسية الشرعية ما يمكن أن يكون من جملة العوامل في عدم بحثها، وهي خوف الوقوع في الربا" (^١).
ولم يُسلِّم له جمهور الفقهاء المعاصرين هذا الرأي، وقوله أن الفقهاء لم يبحثوها، بل بحثوها ولم يفردوها؛ لأنها داخلة عندهم في عموم الربا، فيكون هو أول من قال بهذا الرأي.
وقد صدر برفضه عدد من قرارات المجامع، والهيئات العلمية، فقد جاء في قرار المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورته الحادية عشر عام ١٤٠٩ هـ ما نصه: "إن الدائن إذا شرط على المدين أو فرض عليه أن يدفع له مبلغًا من المال غرامة مالية جزائية محددة أو بنسبة معينة إذا تأخر
_________________
(١) وقد نشر بحثه لأول مرة في مجلة أبحاث الاقتصاد الإسلامي، مركز النشر العلمي في جامعة الملك عبد العزيز، العدد الثاني، ١٤٠٥ هـ صـ ٨٩.
[ ٨٧ ]
عن السداد في الموعد المحدد بينهما، فهو شرط أو قرض باطل، ولا يجب الوفاء به بل ولا يحل، سواء كان الشارط هو المصرف أو غيره؛ لأن هذا بعينه هو ربا الجاهلية الذي نزل القرآن بتحريمه" (^١).
وجاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورته السادسة المتعلق ببيع التقسيط ما يلي: "ثالثًا: إذا تأخر المشتري المدين في دفع الأقساط عن الموعد المحدد، فلا يجوز إلزامه أي زيادة على الدين، بشرط سابق أو بدون شرط؛ لأن ذلك ربًا محرم. رابعًا: يحرم على المدين المليء أن يماطل في أداء ما حل من الأقساط، ومع ذلك لا يجوز شرعًا اشتراط التعويض في حالة التأخر عن الأداء" (^٢)، وجاء في معيار المدين المماطل المعتمد من المجلس الشرعي لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية، ما يلي: " (ب) لا يجوز اشتراط التعويض ا
_________________
(١) قرارات مجلس المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي، رابطة العالم الإسلامي، الأمانة العامة، من دورته الأولى عام ١٣٩٨ هـ، حتى دورته الثامنة عام ١٤٠٥ ص ٢٦٨.
(٢) مجلة المجمع الفقهي، العدد السادس، ١/ ٤٤٧ - ٤٤٨.
[ ٨٨ ]
لمالي … سواء كان التعويض عن الكسب الفائت (الفرصة الضائعة)، أم عن تغير قيمة العملة. (ج) لا تجوز المطالبة القضائية للمدين المماطل بالتعويض المالي نقدًا أو عينًا عن تأخير الدين" (^١).
وقد أخذ برأي الشيخ مصطفى الزرقا وهو جواز تعويض الدائن عما فاته من ربح، أو ما وقع عليه من خسائر كلٌ من الشيخ عبدالله بن منيع (^٢)، والدكتور الصديق محمد الأمين الضرير (^٣)، والدكتور عبدالحميد السائح (^٤)، والدكتور عبد الحميد البعلي (^٥).
_________________
(١) المعايير الشرعية لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية، ص ٣٤.
(٢) انظر: بحث مطل الغني ظلم وأنه يحل عرضه وعقوبته، ضمن فتاوى وبحوث للشيخ ٣/ ١٩١.
(٣) انظر: مجلة جامعة الملك عبد العزيز، الاقتصاد الإسلامي، المجلد الخامس ١٤١٣ هـ، ص ٧٠.
(٤) انظر: أعمال الندوة الفقهية الرابعة لبيت التمويل الكويتي، المنعقدة في الكويت ٦ - ٨ جمادى الآخرة ١٤١٦ هـ، ص ٢٧٤.
(٥) انظر: أساسيات العمل المصرفي الإسلامي الواقع والآفاق، للبعلي، ص ٥٧.
[ ٨٩ ]
ورأى الدكتور زكي الدين شعبان (^١)، والدكتور محمد زكي عبد البر (^٢)، والدكتور سليمان التركي (^٣)، بأنه لا يجوز تعويض الدائن عما فاته من ربح، ويجوز تعويض الدائن عما وقع عليه من خسائر. فأخذوا برأي الشيخ مصطفى الزرقا في التعويض عن الخسائر فقط.