اختار ابن تيمية أن الحالف بالطلاق لم تطلق منه امرأته وأن عليه كفارة يمين، وإن كَانَ قصد الحالف حضًا أو منعًا ولم يرد الطلاق فهي يمين، قال الذهبي: "وذهب شيخنا ابن تيمية -وهو من أهل الاجتهاد لاجتماع الشرائط فيه- أنّ الحالف عَلَى شيء بالطلاق لم تطلق منه امرأته بهذه اليمين، سواء حنث أو بر، ولكن إذا حنث في يمينه بالطلاق قَالَ: يكفر كفارة يمين، وقال: إنّ كَانَ قصد الحالف حضًا أو منعًا ولم يرد الطلاق فهي يمين، وإنّ قصد بقوله: إنّ دخلت الدار فأنت طالق، شرطًا وجزاءً فإنّها تطلق ولا بد، كما إذا قَالَ لها: إنّ أبريتني من الصداق فأنت طالق، وإن زنيت فأنت طالق. وإذا فرغ الشهر فأنت طالق، فإنها تطلق منه بالإبراء، والزنا، وفراغ الشهر، ونحو ذَلِكَ. لكن ما علمنا أحدًا سبقه إلى هذا التقسيم ولا إلى القول بالكفارة، مَعَ أنّ ابن حزم نقل في كتاب الإجماع لَهُ خلافًا في الحالف بالعتاق والطّلاق، هَلْ يكفر كفارة يمين أم لَا؟ ولكنه لم يسم من قال بالكفارة … ولم يأتنا نص عَنْ أحدٍ من البشر بكفارة لمن يحلف بالطلاق، وقد أفتى بالكفارة شيخنا ابن تيمية مدّة
[ ١٠٣ ]
أشهر، ثمّ حرَّم الفتوى بها عَلَى نفسه من أجل تكلم الفُقَهاء في عرضه، ثم مُنع من الفتوى بها مطلقًا" (^١).
وقال ابن عثيمين: "يمين الطلاق أول من نشره هو شيخ الإسلام ابن تيمية، لا يعرف يمين الطلاق في السلف (^٢)، الذي عرف هو يمين العتاق، لكن يمين الطلاق لم يكن معروفًا … أنا أقول لكم الآن لم يكن اليمين بالطلاق معروفًا ومشهورًا إلا من شيخ الإسلام فما بعد، " (^٣).
والذي نشره ابن تيمية هو الكفارة في يمين الطلاق، أما يمين الطلاق فقد كان موجودًا من قبل كما قال ابن حزم:
_________________
(١) تاريخ الإسلام، للذهبي ٧/ ١٦٠.
(٢) قال ابن تيمية: " وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ الصَّحَابَةِ شَيْءٌ فِي الْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ فِيمَا بَلَغَنَا بَعْدَ كَثْرَةِ الْبَحْثِ وَتَتَبُّعِ كُتُبِ الْمُتَقَدِّمِينَ والمتأخرين؛ بَلْ الْمَنْقُولُ عَنْهُمْ إمَّا ضَعِيفٌ؛ بَلْ كَذِبٌ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ وَإِمَّا أَلَّا يَكُونَ دَلِيلًا عَلَى الْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ؛ فَإِنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَحْلِفُونَ بِالطَّلَاقِ عَلَى عَهْدِهِمْ"، وذكر ابن القيم أنه صح عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁- أنه لَا يَقْضي بِالطَّلَاقِ عَلَى مَنْ حَلَفَ بِهِ فَحَنِثَ. انظر: مجموع الفتاوى ٣٢/ ٨٥، إعلام الموقعين، لابن القيم ٤/ ٧٥ - ٧٦.
(٣) التعليق على مقدمة المجموع، لابن عثيمين، ص ٢٥٥.
[ ١٠٤ ]
"وَاخْتلفُوا فِي الْيَمين بِالطَّلَاق أهوَ طَلَاق فَيلْزم أَوْ يَمِين فَلَا يلْزم" (^١)، فالخلاف بينهم إنما كان في: هل يلزم منه الطلاق أو يكون لغو يمين فلا يلزم الطلاق ولا الكفارة؟ فجمهور العلماء على أنه يلزمه طلاق، والقول الثاني أخذ به بعض العلماء وهو أنه لا يلزمه طلاق ولا كفارة (^٢).
وقد ذكر ابن حزم في كتابه الإجماع مجموعة من الأيمان كالحلف بِشَيْء من غير أَسمَاء الله أَوْ بنحر وَلَده أَوْ هَدْيه أَوْ نحر أَجْنَبِي أَوْ هَدْيه أَوْ بالمصحف أَوْ بِالْقُرْآنِ أَوْ بِنذر أخرجه مخرج الْيَمين أَوْ بِأَنَّهُ مُخَالف لدين الإسلام أَوْ بِطَلَاق، وغيرها، ثم قال بعدها: "أيكفر أم لَا كَفَّارَة عَلَيْهِ؟ " (^٣)، ولم يسم من قال بالكفارة في يمين الطلاق، وحتى في المحلى لما بحث المسألة لم يذكر أحدًا قال بالكفارة في يمين الطلاق، إنما ذكر من ألزمه بالطلاق، أو من لم يلزمه بشيء (^٤).
_________________
(١) مراتب الإجماع، لابن حزم، ص ١٥٩.
(٢) انظر: المحلى، لابن حزم ٩/ ٤٧٦ - ٤٧٩.
(٣) مراتب الإجماع، لابن حزم، ص ١٥٨.
(٤) انظر: المحلى، لابن حزم ٩/ ٤٧٦ - ٤٧٩.
[ ١٠٥ ]
واختار قول ابن تيمية بهذا التقسيم والكفارة الشيخ ابن باز (^١)، والشيخ ابن عثيمين (^٢)، واللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء (^٣).
وقد ذكر أحد الباحثين في اختيارات ابن باز أنه يختار هذا التقسيم والقول بالكفارة ثم قال: "وهو مذهب الظاهرية، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وهو قول شريح، وطاووس" (^٤).
ويُفهم منه أن شريح وطاووس والظاهرية يقولون كالقول الذي اختاره ابن باز فيكونون أسبق بهذا القول من ابن تيمية، لكن بالرجوع للمصادر التي أحال عليها الباحث تبين أن قولهم هو عدم اعتبار الحلف بالطلاق يمينًا وأن من حلف بالطلاق لا يلزمه شيء، ولم يقل أحد منهم أن اليمين تلزمه، وأن عليه الكفارة، قال ابن حزم: "وَالْيَمِينُ بِالطَّلَاقِ لَا يَلْزَمُ - سَوَاءٌ بَرَّ أَوْ حَنِثَ - لَا يَقَعُ بِهِ طَلَاقٌ، وَلَا طَلَاقَ إلَّا كَمَا أَمَرَ اللَّهُ ﷿،
_________________
(١) انظر: فتاوى نور على الدرب، لابن باز، بعناية الشويعر ٢٢/ ١٧٧ - ١٧٨.
(٢) انظر: فتاوى نور على الدرب، لابن عثيمين ١٠/ ٣٩٣ - ٣٩٤.
(٣) انظر: فتاوى اللجنة الدائمة ٢٠/ ١٢٨ - ١٢٩. الفتوى رقم (١٦٧٣٣).
(٤) اختيارات ابن باز الفقهية، لخالد آل حامد ٢/ ١٣٦٠.
[ ١٠٦ ]
وَلَا يَمِينَ إلَّا كَمَا أَمَرَ اللَّهُ ﷿ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ -ﷺ- " (^١)، وجاء في إعلام الموقعين: "إنَّ الْحَلِفَ بِالطَّلَاقِ لَا يَلْزَمُ، وَلَا يَقَعُ عَلَى الْحَانِثِ بِهِ طَلَاقٌ، وَلَا يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ وَلَا غَيْرِهَا، وَهَذَا مَذْهَبُ خَلْقٍ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، صَحَّ ذَلِكَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ … وَصَحَّ ذَلِكَ عَنْ طَاوُسٍ … فَهَؤُلَاءِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، وَشُرَيْحٌ وَطَاوُسٌ لَا يَقْضُونَ بِالطَّلَاقِ عَلَى مَنْ حَلَفَ بِهِ فَحَنِثَ" (^٢).
_________________
(١) المحلى، لابن حزم ٩/ ٤٧٦.
(٢) إعلام الموقعين، لابن القيم ٤/ ٧٥ - ٧٦.
[ ١٠٧ ]