الحمد لله، والصلاة والسلام على الرحمة المهداة، نبينا محمد وعلى آله وصحبه، ومن اقتفى هداه، أما بعد:
فمن قواعد الحياة أنها لا تدوم على وتيرة واحدة، بل هي في تغير دائم، وتطور مستمر، وهذه إحدى السنن الكونية، قال ابن خلدون: "إن أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونحلهم، لا تدوم على وتيرة واحدة، ومنهاج مستقر، إنما هو اختلاف على الأيام والأزمنة، وانتقال من حال إلى حال، وكما يكون ذلك في الأشخاص والأوقات والأمصار، فكذلك يقع في الآفاق والأقطار والأزمنة والدول سنة الله التي قد خلت في عباده" (^١).
وقد أدرك النبي -ﷺ- سنة التغير في الحياة فشجع أصحابه على الاجتهاد؛ ليعرفوا حكم الوقائع المستجدة مع تجدد
_________________
(١) مقدمة ابن خلدون، ص ٣٧ - ٣٨.
[ ٥ ]
الحياة، فعن عمرو بن العاص: -﵁- "أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» " (^١)، وقد أقر النبي -ﷺ- الصحابة الذين بعثهم إلى بني قريظة على اجتهادهم في أداء وقت صلاة العصر، مع الاختلاف بين الاجتهادين، فعن ابن عمر -﵁-، قال: "قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- لَنَا لَمَّا رَجَعَ مِنَ الأَحْزَابِ: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ العَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ» فَأَدْرَكَ بَعْضَهُمُ العَصْرُ فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نُصَلِّي، لَمْ يُرَدْ مِنَّا ذَلِكَ، فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-، فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ" (^٢)، وفي إقراره لهم -ﷺ- على هذا الاختلاف تشجيع لهم على الاجتهاد.
ولقد سار الصحابة -﵃- على النهج الذي رسمه لهم رسول الله -ﷺ-، وكانوا أولى الناس باتباع نهجه، واقتفاء سيرته، فكان لهم الكثير من الاجتهادات في شتى نواحي الحياة، يقول
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، برقم ٧٣٥٢، ومسلم، كتاب الأقضية، باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، برقم ١٧١٦.
(٢) رواه البخاري، كتاب صلاة الخوف، باب صلاة الطالب والمطلوب راكبًا وإيماءً، برقم ٩٤٦، ومسلم، كتاب الجهاد والسير، باب المبادرة بالغزو وتقديم أهم الأمرين المتعارضين، برقم ١٧٧٠.
[ ٦ ]
الجويني: "لم يخلُ أحد من علماء الصحابة من الاجتهاد في مسائل، وإن لم ينقل عنهم الاجتهاد في مسألة واحدة، فقد صح النقل المتواتر في مصير كل واحد منهم إلى أصل الاجتهاد في مسائل قضى فيها، أو أفتى بها" (^١).
وكان منهجهم أنهم يتفاعلون مع القضايا التي تحتاج لاستخراج حكم فيها، سواء كانت هذه القضايا في السياسة، أو القضاء، أو العبادات، أو المعاملات، أو الأحوال الشخصية (^٢)، فما كانوا يؤجلون النظر في معالجة النازلة لاستخراج حكمها، وفق ما وضعوه من معالم للاجتهاد (^٣)، وفتحوا بذلك لمن بعدهم من العلماء باب الاجتهاد، يقول ابن القيم: "فالصحابة -﵃- مثلوا الوقائع بنظائرها، وشبهوها بأمثالها، وردوا بعضها إلى بعض في أحكامها، وفتحوا للعلماء باب الاجتهاد، ونهجوا لهم طريقه، وبينوا لهم سبيله" (^٤).
_________________
(١) البرهان، للجويني ٢/ ١٤.
(٢) في كتاب اجتهادات الصحابة، لمحمد معاذ الخن، كثير من الأمثلة لاجتهادات الصحابة في شتى المجالات.
(٣) انظر: أصول الفقه عند الصحابة معالم في المنهج، لعبدالعزيز العويد، ص ٢١٥.
(٤) إعلام الموقعين، لابن القيم ١/ ١٦٦.
[ ٧ ]
وظل العلماء على ذلك حتى انتهت عصور أئمة المذاهب، ودُونت آراؤهم، وشاع العمل بها، ثم رأى بعض العلماء أن في هذه المذاهب كفاية، وأن على المسلم التزام مذهب منها (^١)، وأنه لا يوجد مجتهد بعد أئمة المذاهب، فقد نقل الصنعاني عنهم قولهم في الاجتهاد الْمُطلق أنه "اختتم بالأئمة الْأَرْبَعَة حَتَّى أوجبوا تَقْلِيد وَاحِد من هَؤُلَاءِ على الْأمة" (^٢)، وقال
_________________
(١) اختلف العلماء في حكم إلزام المسلم بمذهب معين، وعدم الخروج منه على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه يجب التمذهب، ولا يجوز الخروج من المذهب، القول الثاني: أنه لا يجب التمذهب، ولا يجوز الخروج من المذهب لمن التزم مذهبًا، القول الثالث: أنه لا يجب التمذهب، ويجوز الخروج من المذهب لمن التزم مذهبا، والراجح هو القول الثالث؛ وذلك لأنه لا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله، ولم يوجب الله ولا رسوله على أحد من الناس أن يتمذهب بمذهب رجل من الأمة فيقلده دون غيره، ولم يرد عن الصحابة -﵃- أنهم أوجبوا على العوام تعيين المجتهدين، ووجوب الاقتصار على مفت واحد دون غيره. انظر: المستصفى، للغزالي ٤/ ١٥٤، البحر المحيط، للزركشي ٨/ ٣٧٥، عقد الجيد في أحكام الاجتهاد والتقليد، لولي الله الدهلوي ص ٣١، إرشاد الفحول، للشوكاني ٢/ ٢٥٢، مجموع الفتاوى، لابن تيمية ٢٠/ ٢٢٢، مطالب أولى النهى، للرحيباني ١/ ٣٩٠.
(٢) إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد، للصنعاني، ص ٢٧.
[ ٨ ]
ابن الصلاح: "وقد ذكر بعض الأصوليين منا: أنه لم يوجد بعد عصر الشافعي مجتهد مستقل" (^١).
وقد يكون السبب في حصر الاجتهاد على عصور الأئمة "ادّعاء الاجتهاد من غير أهله، والتصدي للفتوى وإبداء الآراء المخالفة لأبسط الأسس والقواعد الشرعية، ولذلك أعلن كثير من العلماء غلق باب الاجتهاد؛ لسد الطريق أمام الجهال أو أنصاف العلماء، للوقوف حصرًا على أقوال المذاهب المنتشرة والسائدة" (^٢).
إضافة إلى "عدم اعتداد الْعَامَّة باجتهادات الْعلمَاء المعاصرين وثقتهم بالعلماء الْمُتَقَدِّمين وخوف الْحُكَّام من اسْتِمْرَار الاجتهاد لما كَانَتْ تسببه اجتهادات بعض الْمُجْتَهدين لَهُمْ من تشويش وإحراج وقلق، يَتَّضِح جليًا بعد إمعان النّظر فِي هَذِه الْأَسْبَاب بِأَنْ مخاوف الْعلمَاء فِي اسْتِمْرَار الاجتهاد الْتَقت مَعَ رَغْبَة الْحُكَّام والساسة على إغلاق الِاجْتِهَاد وَإِنْ اخْتلفت الْمَقَاصِد والأهداف" (^٣).
_________________
(١) أدب المفتي والمستفتي، لابن الصلاح، ص ٩٣.
(٢) الوجيز في أصول الفقه الإسلامي، لمحمد الزحيلي ٢/ ٣٠٤.
(٣) إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد، للصنعاني، ص ٢٦.
[ ٩ ]
ووُضع للاجتهاد شروط شديدة لو طبقت "لَمْ يُوجَدْ مُجْتَهِدٌ إِلَّا فِي النُّدْرَةِ" (^١)، يقول ابن عثيمين: "وهذه الشروط لو أردنا أن نطبقها لم نجد مجتهدًا منذ تسعمائة سنة؛ لأنها شروط قاسية" (^٢).
بل تجاوز الأمر إلى إخراج بعض الأئمة من درجة هذا الاجتهاد عالي الأسوار مغلَّق الأبواب؛ "فَالشَّافِعِيُّ عِنْدَهُمْ مقلِّد فِي الْحَدِيثِ لَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ الِاجْتِهَادِ فِي انْتِقَادِهِ وَمَعْرِفَتِهِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ كَذَلِكَ" (^٣)، وهو أيضًا ملتزم بِمذهب إِبْرَاهِيم النخعي وأقرانه ولَا يخرج عَمَّا ذهب إِلَيْهِ فُقَهَاء الْكُوفَة إِلَّا مَا شَاءَ الله وَكَانَ اجتهاده فِي التَّخْرِيج فقط ولم يكن مجتهدًا مطلقًا (^٤)، وأحمد بن حنبل "ليس بفقيه، لكنه مُحَدِّث" (^٥)، و"مقلّده قليل لبعد مذهبه عن الاجتهاد" (^٦)، إلى غير ذلك من دركات الكلام.
_________________
(١) الموافقات، للشاطبي ٥/ ٤٦.
(٢) شرح نظم الورقات، لابن عثيمين، ص ٢٢١.
(٣) الموافقات، للشاطبي ٥/ ٤٦.
(٤) انظر: حجة الله البالغة، للدهلوي ١/ ٢٥١.
(٥) ذيل طبقات الحنابلة، لابن رجب ١/ ٣٤٧.
(٦) مقدمة ابن خلدون، ص ٥٦٦.
[ ١٠ ]
وقد استولى على بعض أتباع المذاهب "التعصب المذهبي، والعكوف على نصوص الأئمة والفقهاء السابقين، وإثارة الخلافات المذهبية، والمناظرات والمجادلات الضيقة، والوقوف على الفروع الفقهية والجزئيات الخلافية" (^١)، مِمَّا جعل الْكثير مِنْ العلماء "يحجم عَنْ الِاجْتِهَاد خوفًا من أَنْ يكيد لَهُ أعداؤه ويرموه بالابتداع فوقفوا عِنْد أَقْوَال الْمُتَقَدِّمين" (^٢).
وكان من أثر ذلك "أن فترت الهمّة، وجمد النشاط، وخف الاجتهاد إلى أدنى مستواه، وانصرف معظم الفقهاء إلى تدوين الكتب المذهبية والخلافية، واختصارها في متون، ثم وضع الشروح والحواشي عليها، وجمع أقوال إمام المذهب، ولمّ شتات الوجوه وأقوال الأصحاب والأتباع" (^٣).
ومالم يكن للمتقدمين قول فلا يجرؤ أحد من أهل العلم على قول لا سابق به، حتى لو وجد ما يدعمه من مقاصد الشريعة، وأدلتها، وقواعدها، "ولم ينج من هذه الظاهرة سوى القلة النادرة" (^٤).
_________________
(١) الوجيز في أصول الفقه الإسلامي، لمحمد الزحيلي ٢/ ٣٠٤.
(٢) إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد، للصنعاني، ص ٢٦.
(٣) الوجيز في أصول الفقه الإسلامي، لمحمد الزحيلي ٢/ ٣٠٤.
(٤) تاريخ التشريع الإسلامي، للقطان، ص ٣٩٨.
[ ١١ ]
وقد رماهم مخالفوهم بشتى الأوصاف، وأوذوا نفسيًا وبدنيًا (^١)، وكان جوابهم لهم: بأنه "يجوز أن لا يتقدم به قائل ولكن لا يلزم انعقاد الإجماع على خلافه؛ إذ لعل تلك النازلة تكون قد نزلت فأفتى فيها بعض العلماء أو كثير منهم أو أكثرهم بذلك القول ولم يستفت فيها الباقون ولم تبلغهم فحفظ فيها قول طائفة من أهل العلم، ولم يحفظ لغيرهم فيها قول، والذين حُفظ قولهم فيها ليسوا كل الأمة فيحرم مخالفتهم … فنحن في مخالفتنا لمن ليس قوله حجة أعذر منكم في مخالفتكم لمن قوله حجة فإن كنتم معذورين في مخالفة الدليل لقول من بلغتكم أقوالهم مع أنهم ليسوا كل الأمة فنحن في مخالفتهم لقيام الدليل أعذر عند الله ورسوله منكم" (^٢).
وظل هذا هو الغالب على الحياة العلمية، فكل قول لم يسبق به قائل يرفض، ويقاوم القول وقائله، وتكثر التآليف بين الرد والجواب، وتحشد جميع الأدلة في نصرة الآراء، ومن المحير للقارئ أنه يجد أن كل عالم من الأئمة المتبوعين
_________________
(١) انظر: كتاب الممتحنون من علماء الإسلام، لسليمان العثيم، ففيه الكثير من القصص التي تبين ذلك.
(٢) الصواعق المرسلة، لابن القيم ٢/ ٥٨٢.
[ ١٢ ]
أتى بقول لم يسبق إليه، وأن الذين يردون القول الذي لم يسبق إليه، قد قبلوا أقوالا لم يسبق إليها، وتجد في الآراء التي يؤيدونها استدلالا بأدلة، ثم لا يقبلون بهذه الأدلة إذا استدل بها خصمهم عليهم، فيجدون من المسوغات لردها، ما يستدل به عليهم خصمهم في رد آرائهم.
ثم بعد زمن تصبح بعض هذه الأقوال المرفوضة مقبولة، وقد تكون عليها الفتوى في بعض البقاع، وما كان منتشرًا مقبولًا قد يصبح مهجورًا محاربًا، وهذا ما يدعوا الباحث للنظر في هذه القضية، ودراستها تأصيلًا وتطبيقًا، ليصل لنتيجة فيها أو يقارب، وهو ما حفزني لكتابة هذا البحث في (القول بما لم يسبق به قول، دراسة فقهية تأصيلية تطبيقية)، وقد قسمته بعد المقدمة إلى:
تمهيد، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف بعنوان البحث
المطلب الثاني: تهيب العلماء من القول بما لم يسبق به قول.
المبحث الأول: حكم القول بما لم يسبق به قول.
المبحث الثاني: مخالفة النص أو الإجماع.
[ ١٣ ]
المبحث الثالث: تطبيقات فقهية لأقوال لم يسبق بها قول، وفيه عشرون مطلبا تفصيلها في البحث.
المبحث الرابع: القول بما لم يسبق به قول بين التأصيل والتطبيق (ابن عثيمين أنموذجًا)
الخاتمة؛ وفيها أبرز النتائج.
وبعد؛ فقد بذلت الجهد في إخراج هذا البحث على أتم وجه، لكنَّ العمل البشري لا يخلو من نقص، فما تم منه فمن تيسير الله وفضله، وما نقص فمن تقصيري والشيطان، عسى الله أن يتوب عليَّ ويتجاوز عني إنه هو الغفور الرحيم.
كتبه:
د. مرضي بن مشوح العنزي
جوال: ٠٠٩٦٦٥٠٣٣٨٠٣٣٢
إيميل: murdi ١٠٠@hotmail.com
[ ١٤ ]