(إما أن يقع الطعن مبهمًا) بان قال: هذا الحديث غير مقبول، أو قال: هو مطعون، ولم يفسر سبب الطعن، أو قال: إن الراوي فاسق، أو مطعون ولم يفسر.
(وأما القسم الأول) وهو طعن الصحابة﵃- فيما لا يحتمل الخفاء.
(علم أن القسمة من رسول اللهﷺ-) أي خير بين أصحابه حين أفتحها.
[ ٣ / ١٣٥٨ ]
فقال: طبق الراكع كفيه أي جعلهما بين فخذيه، (لكنه رأى رخصة) أي رخصة تخفيف؛ لأنه كانت يلحقهم المشقة في التطبيق مع طول الركوع، لأنهم كانوا يخافون السقوط على الأرض فأمروا بالأخذ بالركب تيسيرًا عليهم لا تعيينًا عليهم، فلأجل هذا التأويل لم يترك العمل بظاهر الحديث الذي فيه أمر بالأخذ بالركب الدس: الإخفاء.
[ ٣ / ١٣٥٩ ]
فقد (طعن) بعض المتعنتين (في أبي حنيفة﵁-) أنه دس ابنه ليأخذ كتب أستاذه حماد﵁- وكان يروي من ذلك، وهذا في أصله ليس بصحيح، ولئن صح فإنه﵀- أعلى حالًا وأجل منصبًا من أن ينسب إلى أنه دس ابنه ليأخذ الكتب على وجه التمويل والاستتار، بل إن
[ ٣ / ١٣٦٠ ]
كان للاستيناف ومقابلة حفظه بكتب أستاذه بإجازة من له ولاية الإجازة فيزداد معنى الإتقان له، فإنه كان لا يستجيز الرواية إلا عن حفظ.
(التدليس): كتمان عيب السلعة عن المشتري، (وذلك أن تقول: حدثني فلان عن فلان من غير أن يتصل الحديث بقوله: حدثنا) أي لا يقول: قال حدثنا فلان قال حدثنا فلان. يعني بإعادة قال حدثنا لا بإعادة عن.
(لأن هذا يوهم شبهة الإرسال) أي يحتمل أن يكون ترك راويًا آخر بينهما لإفادة علو الإسناد؛ لأنه يجوز أن يقل لمن لم يكن وقت النبي
[ ٣ / ١٣٦١ ]
﵇: عن النبي ﵇ أنه قال: كذا، وهذا لأنه لو قال: حدثنا فلان عن فلان عن رسول الله ﵇ كان هو صادقًا، وإن حدثه فلان بواسطة عشرة رواة، وأما إذا قال: حدثنا فلان قال حدثنا فلان إلى أن قال: حدثنا رسول الله ﵇ كذا- لم يبق فيه شبهة الإرسال؛ لأن ذلك يستعمل في المشافهة.
(مثل قول سفيان الثوري حدثني أبو سعيد) أراد به الحسن البصري.
(مثل الكلبي وأمثاله) كالحسن البصري ومسروق،
[ ٣ / ١٣٦٢ ]
وعلقمة، (وقد يحسن في منزل القدوة ما يقبح في منزل العزلة) كالمزاح بالجد وأكل الأطعمة الشهية، وتكثير الاختلاط بالناس وتقبيل امرأته وهي صائمة أو حائض أو هو صائم.
(وينعكس ذلك مرة) بان يحسن في منزل العزلة ويقبح في منزل القدوة، وذلك عكس ما ذكرناه، وإن تجانب امرأته في الليل والنهار ترك الاختلاط بالناس.
[ ٣ / ١٣٦٣ ]
ألا ترى إلى معاملة موسى ﵇ مع العبد الصالح كيف حسن عنده ما قبح عند موسى ﵇، وموسى ﵇ كان من أهل القدوة، والعبد الصالح من أهل العزلة، فقال له موسى حين قتل نفسًا منكرًا لقتله: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ فحسن قتل النفس عنده، وقبح عند موسى ﵇، ولذلك يجب على المفتي أن يأمر الناس في بعض المواضع بأخ الرخص كما في ماء الحمام وغيره تيسيرًا عليهم، ولا يرضاه الزهاد من المجاهدين.
(ومثال ذلك) أي ومثال ما لا يعد ذنبًا في الشريعة؛ (الركض): در ائيدن ستور باي زدن من حد نصر.
(وطعن بعضهم بالمزاح). المزح: الدعاء به من حد منع، والاسم المزاح- بالضم-، وأما المزاح- بالكسر- فمصدر مازحة. كذا في «الصحاح» فكان هاهنا بالكسر بدلالة قوله: (بركض الدابة) (وهو أمر ورد به الشرع)،
[ ٣ / ١٣٦٤ ]
وهو ما روي عن النبي ﵇ حيث قال لمن سأله الناقة: «لأحملنك على ولد الناقة، فقال السائل: كيف يطيق لي ولد الناقة! فقال النبي ﵇: كل ناقة ولد الناقة» فقال السائل: كيف يطيق لي ولد الناقة، ومثله أيضًا حديث العجوز وهو معروف.
(وهذا أثبت متنًا من حديث أبي سعيد) الخدري﵁- أي
[ ٣ / ١٣٦٥ ]
حديث عبد الله بن ثعلبة بن صغير العذري﵁- أثبت متنًا؛ لأن فيه الأمر بأداء نصف صاع من بر.
وأما متن حديث أبي سعيد الخدري «كنا نؤدي على عهد رسول الله - ﷺ - صاعًا منا لحنطة» فليس فيه ما يدل على الوجوب لاحتمال أن يكون ذلك
[ ٣ / ١٣٦٦ ]
زيادة على الواجب، ونحن لا ننكر ذلك.
(وقد ذكرنا بعضه فيما تقدم) وهو نحو عمل الراوي بخلافه بعد ما بلغه الحديث، ونحو الإنكار والامتناع عن العمل. (ومن طلبها في مظانها) وهي كتب الجرح والتعديل.
(التعارض): هو أن يتعرض لحكم الدليل الأول بالإبطال لا لنفس الدليل والتناقض: هو أن يتعرض للدليل الأول بالإبطال على وجه لا
[ ٣ / ١٣٦٧ ]
يبقى هو حجة أصلًا، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
* * *
[ ٣ / ١٣٦٨ ]