قوله: (وأما المطلقة فنوع واحد)؛ لأن تنويعها بكون الوقت ظرفًا لها وسببا لوجوب وشرط للأداء أو معيارا أو مشكلا إنما ينشأ من كونها مؤقتة، وأما إذا لم تكن مؤقتة فلم تأت هذه الأشياء ولم يأت التنويع، بل كان في جميع الوقت أداء، ولم يكن الوقت سببا لها ولا ظرفًا ولا معيارًا ولا شرطًا للأداء.
قوله: (ظرفًا للمؤَّدي وشرطا للأداء).
فإن قيل قوله: شرطًا للأداء؛ مستغنى عنه؛ لأنه يُستفاد ذلك بقوله:
ظرفًا للمؤدي؛ فما فائدة ذكره؟
[ ١ / ٥١٥ ]
قلنا: لا نسلم ذلك؛ لأن قوله: شرطًا للأداء يغاير ظرفًا للمؤدَّي في المعنى؛ لأنه ظرف للمؤدَّي، والمؤدَّي غير الأداء فكانا غيرين.
والثاني- رُبَّ شيء يكون ظرفًا لشيء ولا يكون شرطًا لذلك الشيء، كالوعاء ظرف لما فيه وليس بشرط لوجوده؛ لأن يوجد بدون هذا الظرف فلا يلزم أن يكون شرطًا له، وبين هاهنا أن الوقت ظرفٌ للمؤدَّي وشرط للأداء، والأداءُ يختلف باختلاف صفة الوقت.
فإن قيل: أثر الوقت في نفس الوجوب لا في الأداء، وهذا لا يدل على كون الوقت سببًا.
قلنا: نعم إلا أنه لما خرج بالأداء الناقص عن العهدة. عُلم أن الوجوب قد صار ناقصًا بنقصان في موجبة وهو الوقت. ألا ترى أنه لو نذر، وقال: لله علىَّ أن أعتق رقبة، فأعتق رقبة مؤوفه بالزمانة أو بالعمى لا يخرج عن عهدة النذر. ولو قال: لله علىَّ أن أعتق هذه الرقبة وهي زَمنى أو عمياء فأعتقها يخرج من عهده النذر؛ لأنه أدَّاها كما أوجبها على نفسه.
فعلم أن الخروجَ بالناقص إنما كان لنقصانٍ في السبب، فكان دليلًا على
[ ١ / ٥١٦ ]
سببية الوقت.
(ويفسد التعجيل قبله) فإن قيل: ما فائدة هذا الوصف إذ في هذا الوصف يشترك السبب والشرط، فكيف ينهض للدلالة على السببية على الخصوص؟
قلنا: فيه فائدة التأكيد لقوله: يختلف باختلاف صفة الوقت، وهو وإن لم ينهض للدلالة على السببية بانفراده وهو مع ما ذكر قبله وهو قوله: والأداء يختلف باختلاف صفة الوقت؛ ينهضان للدلالة على السببية، والأولى فيه هو ما استوفيناه في «الوافي»
وقوله: (وهذا القسم) إشارة إلى قوله: نوع جُعل الوقت ظرفا للمؤدي وشرطًا للأداء وسببًا للوجوب؛ وهو وقت الصلاة.
(نوع منها ما يضاف إلى الجزء الأول) أي تضاف السببية إلى الجزء الأولى على عرضية الانتقال لا على القرار بخلاف الجزء الأخير من الوقت والدليل على السببية أنه لو أدى الصلاة في أول الوقت يخرج عن عهده فرض الوقت.
وأما إذا لم يؤدّ فيه تنتقل السببية إلى الجزء الذي يليه، وكذا إلى الآخر، وعند الشافعي -﵀- تتعين السببية في الجزء الأول على
[ ١ / ٥١٧ ]
وجه لا تسقط عن المكلف سببيته.
حتى إن المرأة إذا خاضت بعد ما مضى من الوقت قدر ما يسع فيه فرضيته.
[ ١ / ٥١٨ ]
لم يسقط عنها قضاؤه وعندنا إذا خاضت في الوقت سقط عنها فرضه وإن بقي شيء قليل، وهذا بناء على أصل وهو أن الخطاب بالأداء يتعجل في أول الوقت عند الشافعي، وأما عندنا فهو أن الجزء الأول من الوقت سبب للوجوب، فإدراكه يثبت حكم الوجوب وصحةُ أداء الواجب.
وهذا معنى ما نقل عن محمد بن شجاع - ﵀- أن الصلاة تجب
[ ١ / ٥١٩ ]
بأول جزء من الوقت وجوبا موسَّعا وهو الأصح، وأكثر العراقيين من مشايخنا ينكرون هذا، ويقولون: الوجوب لا يثبت بأول الوقت وإنما يتعلق الوجوب بآخر الوقت، ثم قال بعضهم: ما أدَّاه في أول الوقت نفل يمنع لزوم الفرض إياه في آخر الوقت كالوضوء قبل الوقت.
قال الإمام شمس الأئمة السرخسي -﵀- وهذا غلط بين؛ لأنه لا تتأدَّى هذه الصلاة إلا بينة الظهر، والظهر اسم للفرض دون النفل، ولو نوى النفل لم يصح نيته في حق أداء الفريضة.
(والثاني - ما يضاف إلى ما يلي ابتداء الشروع) أي بطريق انتقال السببية من الجزء الأول إلى الثاني. يعني إن اتصل الأداء بالجزء الأول كان هو السببَ وإلا تنتقل السببيةُ إلى الجزء الثاني، ثم إلى الثالث إلى آخره.
(ونوع آخر ما يضاف إلى الجزء الناقص عند ضيق الوقت وفساده) وهو الجزء الذي تتعين فيه السببية؛ لأنه لم يبق بعده من آخر الوقت ما يحتمل انتقال السببية إليه.
(والنوع الرابع - ما يضاف إلى جملة الوقت) وهو في حالة القضاء.
[ ١ / ٥٢٠ ]
(أن الوقت لما جعل سببًا لوجوبها وظرفًا لأدائها) إلى آخره.
فإن قيل: ما فائدة ذكر قوله: وظرفًا لأدائها؛ هاهنا مع أن مراد المصنف من هذا التقرير بيان أن الجزء من الوقت سبب لوجوب الصلاة لا كل الوقت، وهو يحصل بقوله: إن الوقت لما جعل سببًا لوجوبها لم يستقم أن يكون كل الوقت سببًان فعلم بهذا أنه لا فائدة في ذكر قوله: وظرفًا؛ هاهنا؟
قلت: بل في ذكره فائدة، وهي: أن وجوب الاقتصار على أدنى الأجزاء من أجزاء الوقت للسببية إنما نشأ من كون الوقت ظرفًا أيضًا للصلاة.
إذ لو لم يراع فيه جانب الظرفية لوجب أن يقال: إن وجوب الصلاة على المكلف إنما يتحقق بعد وجود الوقت بتمامه كما هو الأصل في سائر الأسباب. وهو في حالة القضاء لم يبق الوقت حينئذ ظرفًا للأداء.
فإن قلت: فعلى هذا كان ينبغي أن يذكر كون الوقت شرطًا للأداء أيضًا كما ذكر قبله هو أن الأداء يفوت بفواته.
قلت: أغنى عن ذكره ذكر الظرف، فإن كلًا منهما يقتضي أن يوجد المؤدى في الوقت.
[ ١ / ٥٢١ ]
(لم يستقم أن يكون كل الوقت سببًا؛ لأن ذلك يوجب تأخير الأداء عن وقته أو تقديمه على سببه).
بيان هذا أن الوقت سبب لما ذكر، وأن الوقت ظرف، فلو روعي فيه جهة السببية يلزم تأخير الأداء عن وقته؛ لأنه لا يتحقق المسبب ما لم يتحقق السبب بتمامه. لما أن المراد من السبب هنا العلة في حق العباد، فلما لم توجد العلة لا يوجد حكمها، وتمام السبب هنا إنما يكون بمضي الوقت، فلو روعي فيه جهة الظرفية حتى يحصل الأداء في الوقت يلزم تقديم الحكم على السبب؛ لأنه ليس لبعض السبب حكم السبب، فيكون الحكم متقدمًا على السبب حينئذ.
(وليس بعد الكل جزء مقدر) أي بعد ما خرج كل الوقت من أن يجعل سببًا لابد من اعتبار البعض، وليس البعض بأولى من البعض لعدم الأولوية، ولم يرد من الشارع جزء مقدر كالربع والثلث والنصف وغير ذلك بأنه سبب بدليل جواز الأداء قبل مضي الربع أو غيره، فوجب الاقتصار على الأدنى إذ
[ ١ / ٥٢٢ ]
هو المراد بكل حال لصلاحيته للسببية، ولا دليل على الزائد على الجزء الواحد فتعين هو للسببية، فلذلك إذا أدى بعد مضي جزء من الوقت صح، وإن قل ذلك الجزء.
قوله: (الحائض إذا طهرت وأيامها عشرة أن الصلاة تلزمها إذا أدركت شيئًا من الوقت قليلًا) ولا تشترط قدرتها على أن تغتسل وتدرك شيئًا من الوقت.
بخلاف ما إذا كانت أيامها دون العشرة، وانقطع الدم عنها وأدركت شيئًا من الوقت إن أدركته بعد القدرة على الاغتسال، ثم بالإدراك تجب صلاة ذلك الوقت عليها وإلا فلا ولهذه الفائدة قيد بقوله: "وأيامها عشرة".
(لكنه لم يوجب الأداء للحال) خلافًا للشافعي فإن عنده يجب الأداء في الحال حتى ظهر أثره في حق الحائض، وقد ذكرناه.
[ ١ / ٥٢٣ ]
(لأن الوجوب جبر من الله تعالى بلا اختيار من العبد)، وهذا تعليل لنفي لزوم الأداء في الحال، ولإثبات قوله: أفاد الوجوب بنفسه. بيانه أن أصل وجوب الشيء اشتغال الذمة به، ولا يراد به الفعل في الحال بدليل الوجوب على النائم والمغمى عليه والمجنون إذا انقطع الجنون والإغماء دون يوم وليلة.
ولا يجب الأداء عليهم إذ لو وجب لافتقر إلى القدرة التي يفتقر إليها الفعل، ولا قدرة لهؤلاء ولا فهم، وخطاب من لا يفهم بالأداء قبيح، وهذا لأن نفس الوجوب لشغل الذمة، ووجوب الأداء لتفريغ الذمة.
وتفريغ الذمة يستدعي ثبوت شغل الذمة، إذ تفريغ ما ليس بمشغول محال، فلذلك كان الخطاب بتفريغ الذمة حال تشغل الذمة محالًا كالرفع يقتضي سابقة الوضع، فالرفع حالة الوضع محال.
ولهذا قلنا فيمن قال: أنت طالق مع نكاحك، ثم تزوجها لم تطلق؛ لأن الطلاق رفع القيد والنكاح إثبات القيد، فرفع القيد حال ثبوت القيد محال، بل الرافع إنما يصح حال بقاء القيد، فكذلك هاهنا الخطاب بتفريغ الذمة إنما يصح في حال بقاء الشغل لا حال وجود الشغل.
ونفس الوجوب لما كان لشغل الذمة ولم يرد بها الفعل لم يقتض قدرة؛ لأن القدرة لتحصيل الفعل وليس في نفس الوجوب لزوم الفعل.
[ ١ / ٥٢٤ ]
ألا ترى أن ابن يوم أهل لنفس الوجوب وليس بأهل للزوم الفعل.
وقال الإمام شمس الأئمة السرخسي﵀- وقلنا نحن: الأداء إنما يجب بالطلب.
ألا ترى أن الريح إذا هبت بثوب إنسان وألقته في حجر غيره والثوب ملك لصاحبه، ولا يجب على من في حجره أداؤه إليه قبل طلبه؛ لأن حصوله في حجره كان بغير صنعه، فكذلك هاهنا الوجوب تسببه كان جبرًا لا صنع للعبد فيه، فإنما يلزمه أداء الواجب عند طلب من له الحق، قد خيره من له الحق في الأداء ما لم يتضيق الوقت. يقرره أن وجوب الأداء لا يتصل بثبوت حكم الوجوب لا محالة، فإن البيع بثمن مؤجل يوجب الثمن في الحال. إذ لو كان وجوب الثمن متأخرًا إلى مضي الأجل لم يصح البيع؛ لأنه حينئذ يكون البيع بلا ثمن.
فعلم أن نفس الوجوب ثابت في الحال، ووجوب الأداء يكون متأخرًا إلى حلول الأجل، فهاهنا أيضًا وجوب الأداء يتأخر إلى توجه المطالبة.
وقوله: (ليس من ضرورة الوجوب تعجل الأداء) أي تعجل وجوب الأداء. هذا تقرير لما ذكرنا من بيان انفصال نفس الوجوب عن وجوب الأداء، وبيان أنهما لا يتلازمان (بل الأداء متراخ) أي بل وجوب الأداء متراخ بدليل ثبوت الثمن والمهر في ذمة ابن يوم، ولا خطاب ولا لزوم للفعل عليه.
[ ١ / ٥٢٥ ]
(فأما الوجوب فبالإيجاب) أي الوجوب حكم إيجاب الله تعالى بسببه. كذا في "التقويم".
(ولهذا كانت الاستطاعة مقارنة للفعل) أي لأجل ما ذكرنا من المعنى وهو أن نفس الوجوب لا يفتقر إلى فعل المكلف وقدرته كانت الاستطاعة مقارنة للفعل، فكما أن نفس الوجوب لا يفتقر إلى فعل المكلف وقدرته، كذلك وجوب الأداء لا يفتقر إلى وجود الفعل والقدرة الحقيقية؛ لأن القدرة الحقيقية مقارنة للفعل، فنفس الوجوب ينفصل عن وجوب الأداء.
كذلك وجوب الأداء ينفصل عن وجود نفس الفعل والقدرة الحقيقية؛ لأن الوجود من وجوب الأداء غير مراد عند أهل السنة والجماعة. إذ لو كان مرادًا لوجد الإيمان من جميع الكفرة؛ لأنه يستحيل تخلف المراد عن إرادة الله تعالى، وتخلف المراد عن الإرادة عجز واضطرار، والله تعالى متعال عنه،
[ ١ / ٥٢٦ ]
والكفار كلهم مخاطبون بالإيمان، ولم يوجد الإيمان منهم حال كفرهم.
وكذلك العبادات المفروضة على المؤمنين فإنهم مخاطبون بها ثم قد لا يوجد منهم، فثبت أن وجود الفعل غير مراد من وجود الخطاب، فحصل
[ ١ / ٥٢٧ ]
من هذا كله أشياء ثلاثة: نفس الوجوب، ووجوب الأداء، ووجود الفعل، فنفس الوجوب بالسبب، ووجوب الأداء بالخطاب، ووجود الفعل بإرادة الله تعالى، لكن عدم الفعل من العبد بعد توجه الخطاب؛ لعدم إرادة الله تعالى إياه لا يكون حجة للعبد لأن ذلك غيب عنه، فكان العبد ملزمًا محجوبًا عليه بعد توجه الخطاب عليه عند سلامة الآلات وصحة الأسباب.
والتكليف يعتمد هذه القدرة؛ لأن الله تعالى أجرى العادة بخلق القدرة الحقيقية عند إرادة العبد الفعل ومباشرته إياه، ووجود الفعل يفتقر إلى هذه القدرة الحقيقية، فكان قوله: "ولهذا كانت الاستطاعة مقارنة للفعل" يتصل بقوله: "ليس من ضرورة الوجوب تعجل الأداء" لأن الاستطاعة مقارنة للفعل الذي يوجد من المكلف، فلو كان نفس الوجوب يوجب تعجل الأداء لكانت الاستطاعة مقارنة لنفس الوجوب.
وقوله (كثوب هبت به الريح) احتراز عن الغصب، (وفي مسألتنا لو يوجد المطالبة بدلالة أن الشرع خيره في وقت الأداء فلا يلزمه
[ ١ / ٥٢٨ ]
الأداء. يعني أن التخيير ينافي المطالبة بالأداء.
فإن قلت: يشكل على هذا إذا حال الحول على نصاب رجل فإنه يطالب بالأداء مع أنه مخير في الأداء، حتى إذا فرط في الأداء ولم يؤد الزكاة حتى هلك النصاب كله سقط عنه الزكاة.
فبهذا يعلم أن التخيير لا ينافي المطالبة بل يجتمعان.
قلت: بل ينافي المطالبة بالأداء؛ لأن التخيير إثبات الخيار للمخاطب في أي وقت شاء يؤدي فيه، والمطالبة بالأداء إلزام على المخاطب بالأداء في أول الوقت الذي خاطبه بالأداء غير أن محل الواجب في الزكاة النصاب، والحق لا يبقى بعد فوات محله، كالعبد الجاني والعبد المديون إذا ماتا، والشقص الذي فيه الشفعة إذا صار بحرًا بطل خطاب المولى بالدفع أو الفداء وبطل حق الشفعة.
بخلاف ما نحن فيه، فإن الواجب على الذمة فكان ما نحن فيه كصدقة الفطر والحج، فإن محل الواجب فيهما ذمته لا ماله، وذمته باقية بعد هلال المال فيبقى الواجب لبقاء محله، فكذا فيما نحن فيه حتى إن في الزكاة إذا
[ ١ / ٥٢٩ ]
مات المخاطب بعد حولان الحول قبل الأداء يبقى إثم التأخير أيضًا، لتحقق تقصيره خصوصًا على قول الكرخي، فإن وجوب الأداء في الزكاة بعد حولان الحول على الفور عنده، وفي رواية عن أبي يوسف﵀- أيضًا.
(وتبين أن الوجوب حصل بأول الجزء خلافًا لبعض مشايخنا) وهو ما ذكرت قبل هذا أن أكثر العراقيين من مشايخنا ينكرون هذا، ويقولون: الوجوب لا يثبت بأول الوقت، وإنما يتعلق الوجوب بآخر الوقت، ويستدلون على ذلك بما لو حاضت المرأة في آخر الوقت، فإنه لا يلزمها قضاء تلك الصلاة إذا طهرت. كذا ذكره الإمام شمس الأئمة﵀-.
ولكنا نقول: إن الوجوب يحصل بأول جزء من الوقت، لكن سببية ذلك الجزء لوجوب الصلاة على سبيل الزوال والانتقال لا على سبيل التقرر، وإنما يتقرر السببية للجزء الأخير من الوقت للمعنى الذي ذكرنا، وفائدة سببية الجزء الأول إنما تظهر في حق صحة الأداء، وعدم لزم القضاء على تلك المرأة، إنما كان لانعدام إدراكها للجزء المتقرر سببيته، وهي طاهر عن الحيض.
[ ١ / ٥٣٠ ]
وقوله: (وأن الخطاب بالأداء) معطوف على قوله: إن الوجوب حصل بأول الجزء".
(ثم إذا انقضى الجزء الأول انتقلت السببية إلى الجزء الثاني ثم) وثم إلى الآخر؛ لأن الجزء الثاني جزء من الوقت كالجزء الأول، فيكون سببًا لعدم ما يزاحمه كالجزء الأول، فإنه كان سببًا لعدم ما يزاحمه.
ثم الجزء الأول حال وجود الجزء الثاني معدوم، والمعدوم لا يعارض الموجود، فإذا صار الجزء الثاني موجودًا قلنا بانتقال السببية غليه؛ لأن كون الجزء الأول سببًا كان بطريق الضرورة وهو عدم المزاحم، فإذا وجد المزاحم كان هو للسببية أولى لوجوده وعدم المزاحم.
ولعلمنا بأن كل جزء من الوقت صالح للسببية، ولأنه لو لم تنتقل السببية عن الجزء الأول إلى الثاني لا يخلو إما أن يضم إليه الجزء الثاني والثالث ويجعل الكل سببًا لا يجوز هذا؛ لأن المعدوم لا يجوز أن يكون جزءًا
[ ١ / ٥٣١ ]
للسبب الموجود، وإما أن لا يضم إليه الجزء الثاني لا يجوز هذا أيضًا؛ لأن جعل الموجود سببًا أولى من جعل المعدوم سببًا عند إمكان جعل الموجود سببًا؛ لأن المعدوم لا يعارض الموجود.
فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون الجزء الأول سببًا، ثم بانقضائه لم تنعدم سببيته كما في كل الوقت إذا انقضى تبقى سببيته بعد انعدامه. علم بهذا أن انعدامه لا يمنع سببيته؟
قلت: ذاك إنما يكون في الجزء المتقرر سببيته كما في الجزء الأخير لا في الجزء الذي سببيته على عرضية الزوال كما في الجزء الأول، وهذا لأنه لو كانت سببية الجزء الأول باقية بعد انعدامه ولم تنتقل إلى الجزء الثاني يلزم أن يكون المؤدي في الجزء الثاني قاضيًا، وبالإجماع أن أداءه لم يكن قضاء بل أداءً إذا وجد في الوقت.
علم بهذا أن سببيته قد انتقلت من الجزء الأول إلى الثاني وكذلك إلى الآخر، وهذا هو الجواب عما يقال: إنه لما قيل بسببية الجزء الأول عند وجوده بعد ذلك لا يحتاج إلى انتقال السببية إلى الجزء الثاني؛ لأن بقاء الحكم يستغني عن بقاء السبب فلا يحتاج إلى الانتقال؛ لأنا نقول: لم لم ينتقل كان المؤدي في الجزء الثاني قاضيًا لا مؤديًا.
كما قلنا عند عدم الانتقال عن الجزء الأخير بأن المؤدي خارج الوقت قاضٍ لا مؤد، وبالإجماع أن من أدى في الجزء الثاني هو مؤدٍ لا قاض. علمنا
[ ٢ / ٥٣٢ ]
أن السببية قد انتقلت من الجزء الأول إلى الثاني.
فإن قلت: يحتمل أن يكون كونه أداء في الجزء الثاني باعتبار وجود شرط الأداء وهو بقاء الوقت؛ لأن لوقت الصلاة أوصافًا سببية الوجوب وشرطية الأداء وظرفيته، فكانت السببية متقررة للجزء الأول وإن انعدم، كما تكون متقررة له بعد انعدامه بجميعه.
قلت: لا كذلك بل السببية أيضًا انتقلت من الجزء الأول إلى الثاني ثم وثم إلى الآخر كالشرط. بدليل تغيير أحوال من أدرك الجزء الثاني والثالث إلى الآخر من السفر والإقامة والحيض والطهر وغيرها.
وتغيير أحوال المدرك إنما هو عند قيام السبب لا الشرط، فلو كانت السببية متقررة للجزء الأول بعد انعدامه لما غيرت أحوال من أدرك الجزء الثاني إلى آخر الوقت فرضه كما لو صار قضاء محضًا لا يتغير حالة في حق القضاء وإن وجد المغير.
ثم لما وجب نقل السببية من الجزء الأول إلى الثاني لضرورة الأداء ينبغي أن يكون بعد وجود السبب كان الجزء الذي هو متصل بالأداء أولى بالاعتبار من غيره؛ لأن الجزء الواحد لما صلح للسببية وجب تقريرها للجزء الثاني الذي وجد الأداء بعيده متصلًا به أولى؛ لأنه لابد من تقدم السبب على وقت الأداء وكان ما يلي الأداء به أولى. إذ في ضم الجزء السابق على الأداء
[ ٢ / ٥٣٣ ]
إلى الجزء المتصل بالأداء تخط في السببية عن الجزء المتصل بالأداء الصالح للسببية بلا دليل، وثبوت المدلول بلا دليل لا يجوز.
(وإذا انتهى إلى آخر الوقت حتى تعين الأداء لازمًا استقرت السببية لما يلي الشروع في الأداء).
قال زفر﵀- إذا تضييق الوقت على وجه لا يفضل عن الأداء تتعين السببية في ذلك الجزء.
ألا ترى أنه ينقطع اختياره ولا يسعه تأخيره، فلذلك لا يتغير بعد ذلك بعارض من سفر أو حيض أو غيرهما وعندنا لا يتعين ذلك الجزء للسببية بل ينتقل إلى آخر جزء من الوقت، فيتغير بعارض حتى لو سافر في الجزء الأخير من الوقت يتغير فرضه من الأربع إلى الركعتين.
ومن اللزوم إلى السقوط إذا حاضت المرأة، وإنما لا يسعه التأخير لكيلا يفوت شرط الأداء، وهو الوقت على ما هو عليه الظاهر من عدم امتداد الوقت بعده، ولكن ما بعده من أجزاء الوقت صالح لانتقال السببية إليه فيتحقق التفويت بمضيه.
فإن قلت: جعل تعين الأداء بطريق اللزوم دليلًا على استقرار السببية في
[ ٢ / ٥٣٤ ]
قوله: حتى تعين الأداء لازمًا استقرت السببية؛ وليس كذلك بل ذلك إنما يصح على قول زفر، وأما عندنا فالسببية تنتقل من الجزء إلى الجزء بعد تعين الأداء بطريق اللزوم، فإن الأداء يتعين لازمًا في الوقت الذي لا يسع فيه إلا أربع ركعات لكي يقع ما أداه من صلاته أداءً لا قضاء حتى لو تكره باختياره يأثم، ومع ذلك انتقال السببية ثابت، حتى وإن فرض المقيم بالسفر يتغير من الأربع إلى الركعتين، وإن كان سفره بعد تعين الأداء، وقد ذكرت أن التغيير إنما كان عند قيام السببية، ثم كيف قال باستقرار السببية لذلك الوقت؟
قلت: معنى قوله "استقرت السببية" أي استقرت السببية في حق لزوم الأداء وفوت اختيار التأخير لا في حق انتقال السببية من الجزء إلى الجزء، وهذا لأن المكلف لما كان عاقلًا بالغًا مسلمًا كان الظاهر من حاله أنه يشرع في الأداء كي لا يقع في إثم التأخير، فكان هو معتقدًا لاستقرار السببية في حقه على وجه لا يجوز التأخير عنه.
فإن قلت: ما الفرق بين ما إذا فاتته صلاة في المرض الذي يعجز فيه عن الركوع والسجود، ثم يقضيها في الصحة كان الواجب عليه قضاؤها قائمًا بالركوع والسجود، ولو فاتته صلاة في الصحة ثم يقضيها في المرض الذي لا يقدر على الركوع والسجود يقضيها بالإيماء حيث يعتبر فيهما حال القضاء لا حال الأداء الذي فاتت الصلاة عن وقتها، وبين هذه المسألة التي نحن فيها وهي ما إذا فاتت الصلاة عن المسافر أو عن المقيم حيث يعتبر فيهما حال الأداء
[ ٢ / ٥٣٥ ]
الذي فاتت الصلاة عن وقتها لا حال القضاء على ما ذكر في الكتاب؟
قلت: الفرق بينهما ظاهر وهو أن المرض لا تأثير له في إسقاط أصل الصلاة على ما عليه الصحيح من المذهب، بل له تأثير في الوصف لتكون الطاعة بحسب الطاقة، فكان وجوب القضاء فيه بحسب طاقته إذ لو اعتبر فيه حال وجوب الأداء ووجب القيام والركوع والسجود كان مخالفة للنص النافي للحرج، هو قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ وقد نص على هذا صاحب الشرع بقوله ﵇: (صل قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا) الحديث، ومثل هذا يقتضى الحصر بهذه الأحوال كما في آية الظهار في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ وهو بإطلاقه يتناول المؤدي والقاضين فلذلك لم يعتبر فيه حال وجوب الأداء.
فعلم بهذا أنا لو اعتبرنا في المرض حال وجوب الأداء إما أن يلزم فيه مخالفة النص أو ترك إطلاق الحديث الذي يقتضي الحصر وهو أن يكون طاعته بحسب طاقته بخلاف السفر، فإن له تأثير في تغيير أصل الصلاة بحكم الحديث، وهو قوله ﵇: (إنها صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته).
واعتبار التغيير هناك باعتبار الوقت على ما ذكر في الكتاب، وهو أن
[ ٢ / ٥٣٦ ]
الوقت سبب لوجوب الصلاة، والمغير إذا اتصل بسبب الوجوب عمل عمله فلا يتغير بعد ذلكن والفقه فيه هو: أن السفر إنما جعل مغيرًا للصلاة عند قيام الوقت من الكثرة إلى القلة حتى اعتبر فيه حال وجوب الأداء، ولو يجعل في المرض كذلك؛ لأن الرخصة في السفر متعلقة بمشقة متوهمة أقيم السبب الظاهر مقام المشقة، وكذلك دخول الوقت سبب ظاهر لوجوب الصلاة على المكلف فتناسب إلحاق الظاهر بالظاهر، فقرن كل واحد منهما بالآخر فلم يتغير بعد ذلك بحالة القضاء، وأما الرخصة في المرض فمتعلقة بمشقة حقيقية فاقتضت عجزًا حقيقيًا، وذلك إنما يكون حال فعل الصلاة خصوصًا على أصل قول أهل السنة والجماعة: إن الاستطاعة مقارنة بالفعل، فتناسب إلحاق الحقيقية بالحقيقية، فلم يعتبر لذلك فيه حال وجوب الأداء بل اعتبر فيه حال فعل وهو حال القضاء.
ووجه آخر في الفرق بينهما وهو الأوجه هو أن نقول: لا يمكننا القول في حق المريض بالاعتبار بحال وجوب الأداء أصلًا، فإنا لو قلنا بذلك إما أن نقول: إن المريض الذي هو غير قادر على القيام والركوع والسجود وهو مأخوذ عليه أن يؤدي الصلوات التي فاتته حال صحته بالقيام والركوع والسجود وهو محال؛ لأن ذلك تكليف ما ليس في الوسع، والله تعالى تبرأ عنه بقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ وبقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ
[ ٢ / ٥٣٧ ]
عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾.
وإما أن نقول: إن الصحيح الذي هو قادر على القيام والركوع والسجود هو غير مأمور في قضاء الصلوات التي فاتته حال مرضه بالقيام والركوع والسجود بل يقضيها بالإيماء، وذلك أيضًا باطل؛ لأن ذلك يوجب ترك العمل بإطلاق قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ وقوله: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ وغيرهما، وهذه الآية غير متعرضة لحال دون حال، فكان موجبها الإتيان بذلك الموجب إذا كان قادرًا على القيام والركوع والسجود فلا يجوز ترك ذلك الموجب، وأما المسافر في قضاء صلاة فائتة في حالة السفر تقررت عليه بركعتين فلا تتغير بعد ذلك وإن وجد المغير، حتى إن المسافر لو اقتدى بمقيم في قضاء الصلاة لا يجوز وإن كان الاقتداء مغيرًا في الجملة.
ألا ترى أنه لو اقتدى بمقيم في بقاء الوقت تتغير صلاته من الركعتين إلى الأربع، ومع ذلك لا يجوز اقتداؤه بالمقيم خارج الوقت لتقرر الصلاة عليه بركعتين وكذلك في عكسه إذا فاتت الصلاة عن مقيم تقررت عليه بأربع، فلا تتغير بعد ذلك بالسفر؛ لتقررها بالأربع بخلاف حال المرض على ما قلنا.
[ ٢ / ٥٣٨ ]
(وإذا كان ذلك الجزء فاسدًا) أي ناقصًا؛ لأنه نص محمد﵀- أن الصلاة لا تفسد وقوله: (وهو فيها لم يتغير) أي لم يتغير من الكمال إلى النقصان فلذلك (لم يفسد).
وقوله: (ووجهه) إلى آخره. جواب للإشكال الذي ذكره بقوله: ولا يلزم "بخلاف حالة الابتداء" أي حالة ابتداء التطوع في الوقت الفاسد، فإنه لا يصح، فكان هذا تتمة رواية هشام.
(وهو ما ذكرنا من شغل الأداء) أي من شغل المصلي الصلاة بالأداء.
[ ٢ / ٥٣٩ ]
وقوله: وهو راجع إلى ما ذكره من بيان الضرورة، وذلك الشغل إنما يتحقق فيما إذا صلى في جزء من الوقت (فانتقل الحكم إلى ما هو الأصل) أي فلذهاب الضرورة عن جعل الجزء سببًا انتقل الحكم إلى ما هو الأصل وهو أن يكون كل الوقت سببًا، وإنما قلنا: إن الأصل ذاك لما أن الإضافة دليل السببية، والإضافة تكون بكل الوقت لا بجزئه حيث يقال وقت صلاة الظهر، ووقت صلاة العصر وغيرهما، فاسم وقت كذا اسم لكله لا لجزئه، فلذلك كان الأصل أن يكون كل الوقت سببًا.
وهذا التقرير جواب عما ورد شبهة على قوله: "فإذا انتهى إلى آخر الوقت حتى تعين الأداء لازمًا استقرت السببية" بأن يقال: لما استقرت السببية على الجزء الأخير من الوقت، وهو في وقت العصر وقت فاسد وجب أن يصح قضاء صلاة العصر في اليوم الثاني في مثل ذلك الوقت؛ لأنه وجب ناقصًا فيتأدى بصفة النقصان.
فأجاب عنه بهذا وقال: انتقال السببية من جزء إلى جزء إلى أن بلغ إلى الجزء الأخير لضرورة أن تقع صلاته في الوقت بصفه الأداء، وأما إذا ذهب
[ ٢ / ٥٤٠ ]
الوقت فاتت تلك الضرورة، فأضيف القضاء إلى جميع الوقت الذي ذهب، وأكثر أجزاء الوقت الذاهب كان صحيحًا لا فاسدًا، فصال كأن جميع الوقت كان صحيحًا، فلذلك لا يقضى في الوقت الناقص.
(فلم يجز أداؤها) أي أداء قضائها.
(ولا يلزم إذا أسلم الكافر في آخر الوقت) إلى آخره. ونقض المسألة إنما يتوجه على تقدير عدم الجواز. وجه الورود هو أنه لما ذكر قوله: "وإذا كان ذلك الجزء فاسدًا انتقص الواجب فيؤدي بصفة النقصان" ورد عليه ما إذا اسلم الكافر في ذلك الوقت، ثم لم يؤد ذلك إلى أن جاء مثل ذلك الوقت الذي هو وقت الاحمرار فقضى تلك الصلاة التي وجبت عليه بصفة النقصان فإنه لا يجوز.
وقال الإمام شمس الأئمة السرخسي﵀- في جواب هذا: وإنما يتأدّى بصفة النقصان عند ضعف السبب إذا لم يصر دينًا في الذمة. واشتغاله بالأداء يمنع صيرورته دينًا في الذمة، وأما إذا لم يشتغل بالأداء حتى تحقق
[ ٢ / ٥٤١ ]
التفويت بمضي الوقت، صار دينًا في ذمتهن فيثبت بصفة الكمال.
ثم قال: وهذا هو الانفصال عن الإشكال الذي يقال على هذا إذا أسلم الكافر بعد ما احمرت الشمس ولم يصل، ثم أداها في اليوم الثاني بعد ما احمرت الشمس فإنه لا يجوز؛ لأن مع تمكن النقصان في السببية إذا مضى الوقت صار الواجب دينًا في ذمته بصفة الكمال.
وهذا لأن النقصان في الأداء متحمل بسبب شرف الوقت، فإذا فات الوقت لا يتحمل النقصان؛ لأنه لا جابر للنقصان في الفائت بخلاف ما إذا كان الوقت باقيًا، فإن فضيلة الأداء جابرة لذلك النقصان. ومثله من نذر اعتكاف رمضان هذه السنة أداء وقضاء على ما مر تقريره.
(لم يقبل التعين بتعيينه قصدًا ونصًا) بأن يقول: عينت هذا الجزء للسببية لا يتعين ويجوز الأداء بعده، وإنما يتعين ذلك بالفعل في ضمن الأداء كما في كفارة اليمين، فكم من شيء يثبت ضمنًا ولا يثبت قصدًا، وهذا لأن تعيين الشرط أو السبب ضرب تصرف فيه، يعني لو عين العبد الجزء المعين
[ ٢ / ٥٤٢ ]
للسببية بالقول وتعين هو بتعيينه على وجه لا يبقى الجزء الذي بعده سببًا للوجوب، كان هو شركة للشارع في وضع الأسباب.
وبهذا خرج الجواب عما ورد شبهة على هذا القول من خرج إلى السفر باختياره كان واضعًا لسبب قصر الصلاة وفطر الصوم، ولم يكن ذلك شركة في وضع السبب فكيف يكون هذا شركة؟
والجواب عنها أن المسافر باشر السفر بقصده واختياره، والشارع جعل السفر سببًا للقصر والفطر فلم يكن المسافر واضعًا لسبب القصر والفطر، فلا يكون شركة، فكان هو نظير من لبس الخف فإنه يترخص بالمسح عليه، فلا يكون هو واضعًا سبب رخصة المسح بقصده؛ لأن قصده لبس الخف لا وضع سبب الرخصة. بل الشارع هو الذي وضع سببها، فكذا هنا.
(وإنما على العبد أن يرتفق بما هو حقه) أي للعبد أن ينظر إلى رفقه، فإن كان في أول الوقت، بأن كان له شغل في آخر الوقت يصلي في أول الوقت ويتعين للسببية أول الوقت حكمًا ضمنًا لفعله وطلب رفقه، وإن كان رفقه في الجزء الثاني من الوقت إلى الآخر فكذلكن وإن كان رفقه في آخر الوقت بأن كان له شغل في أول الوقت فصلى في أخر الوقت، ويتعين آخر الوقت للسببية ضمنًا لفعله إذ له الاختيار الضروري، وأما الاختيار الكلي فـ لله تعالى وحده: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾.
[ ٢ / ٥٤٣ ]
(لأنه مشروع أفعالًا معلومة) هذا احتراز عن الصوم، فإنه شيء واحد مقدر بمقدار النهار.
(ومن حكمه: أن النية شرط ليصير ما له مصروفًا إلى ما عليه) أي ليصير ما له من حقه من منافع أفعاله التي كانت له بطريق العادة في قيامه وركوعه وسجوده مصروفًا إلى ما عليه من العبادة، وذلك إنما تكون العبادة بالنية، وهذا الذي ذكره من الحكم غير مختص بالصلاة، بل النية شرط في جميع العبادات في الصوم وغيره، ولعدم اختصاص هذا الحكم بالصلاة لم يورده في "التقويم" وذكر حكمًا آخر مكانه يختص بوقت الصلاة فقال: ومن حكمه أن الصبي إذا بلغ لآخر الوقت بحيث لا يمكنه الأداء فيه لزمه الفرض؛ لما ذكرنا أن السبب جزء من الوقت، وقد أدركه وبضيق الوقت عجز عن الأداء، والقدرة على الأداء ليس بشرط لنفس الوجوب.
(ومن حكمه: أن تعيين النية شرط) أي أن يعين بقوله: صلاة الظهر،
[ ٢ / ٥٤٤ ]
أو صلاة العصر، وغيرهما.
(بالاسم المطلق) وهو اسم الصلاة. (لما لزمه التعيين لما قلنا لم يسقط) أي التعيين (بضيق وقت الأداء)، وهذا لأن وقت الصلاة في أصله كان ظرفًا فلا ينقلب من كونه ظرفًا إلى كونه معيارًا، وإن بقي وقت لا يسع فيه إلا أربع ركعات فرض الوقت، وإنما ذكر هذا لدفع شبهة ترد عليه، وهي صوم رمضان، فإنه لما قدر فرضه بوقته لم يحتج هناك إلى تعيين فرض الوقت كما في صوم رمضان، فكيف احتيج هنا إليه ولم يحتج في الصوم.
فأجاب عنها بقوله: (لأن التوسعة أفادت شرطًا زائداّ وهو تعيين النية) إلى آخره (فلا يسقط هذا الشرط) وهو تعيين النية (بالعوارض ولا بتقصير العباد) يعني أن تأخير الأداء إلى آخر الوقت لا يخلو إما أن يؤخر بالعوارض نحو النوم والإغماء، أو بتقصير من المكلف بأن يؤخره اختيارًا، فلا يصلح كل منهما أن يكون مسقطًا هذا الشرط.
أما العوارض فإنها لا تدخل تحت الأصول؛ لأن الأصل عدم العارض، فلا يغير ذلك العارض الحكم الثابت بالأصل إلا بنص من الشارع ولم يوجد.
وأما التقصير فإن سقوط شرط تعيين النية نوع رخصة وترفيه، فلا
[ ٢ / ٥٤٥ ]
يستوجب التقصير رخصة غير ثابتة في الأصل، فإن التقصير مستوجب للتغليظ لا للترفيه.
وقيل: لا يسقط الشرط الأصلي بالعوارض؛ لأن العوارض لا تعارض الأصول.
ألا ترى أن العصمة الثابتة بالإسلام والدار لا تبطل بعارض الدخول في دار الحرب حتى لو دخل مسلمان دار الحرب وقتل أحدهما صاحبه تجب الدية، ولو بطلت العصمة بعارض دخول دار الحرب لما وجبت الدية. كما لو أسلما ثم ولم يهاجرا إلينا فقتل أحدهما الآخر، وهاهنا أيضًا باعتبار تعدد المشروع وجب عليه تعين الوصف فلا يسقط هذا بضيق الوقت؛ لأنه عارض، ولأن مشروعية غيره باقية بعد ضيق الوقت فكان المزاحم موجودًا، فيشترط تعيين النية.
(وإنما قلنا: إنه معيار له) أي أن الوقت معيار للصوم؛ لأنه (قُدر) أي لأن الصوم قٌدر بوقت الصوم وهو النهار حيث يطول ويقصر بقصره (وعرف به) أي عرف الصوم بالوقت. فقيل الصوم: عبارة عن الإمساك
[ ٢ / ٥٤٦ ]
عن الأكل والشرب والجماع نهارًا مع النية حيث دخل النهار في تعريف الصوم.
(لأن الشرع لما أوجب شغل المعيار به) أي بصوم شهر رمضان (وهو واحد).
فإن قيل قوله: وهو واحد "مستغنى عنه؛ لأن الشرع لما أوجب شغل الوقت به بعد ذلك لا يحتاج إلى قوله: وهو واحد"، لأن الشيء لما كان مشغولًا بشيء لا يتفاوت بعد ذلك أن يكون ذلك الشيء شيئًا واحدًا أو شيئين فلا يسع فيه غيره.
قلنا: ذكره لتأكيد قوله: "أوجب شغل الوقت" أو فيه بيان توحد المشروع في ركنه بخلاف الصلاة، فإن لها أركانًا مختلفة.
(فإذا ثبت له وصف) أي إذا ثبت للمعيار كونه مشغولًا بصوم رمضان انتفى غيره كالمكيل؛ لأن الله تعالى قال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ﴾ إلى قوله ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ بدأ الصوم من الخيط الأبيض ثم مده إلى الليل، والصوم عبادة شرعية فتراعى صيغة كلام الشرع، فلذلك كان
[ ٢ / ٥٤٧ ]
الواجب في صيرورة الصوم الشرعي صومًا شرعيًا شغل المعيار به، فإذا كان الصوم هكذا من الفجر إلى الليل يكون هو واحدًا في نفسه ضرورة، فإذا ثبت له وصف فرضية صوم رمضان من الله تعالى انتفى غيره من الأوصاف، فلم يبق غيره مشروعًا.
وهذا التعين لشهر رمضان إنما جاء من قبل محل الصوم وهو النهر، أما المنافع التي يتأدى بها الصوم فباقية على ملك مالكها كما كان قبل رمضان لا أن يستحق عليه منافعه؛ لأن ذلك يفضي إلى الجبر وهو منتف ضرورة، فلذلك احتيج إلى نية نفس الصوم ليقع عبادة.
(لأن شرع الصوم فيه عام) أي متناول للمقيم والمسافر.
(فانعدم فعله) أي انعدم فعل صوم المسافر لغير رمضان لعدم ما نواه أي لعدم الذي نواه من صوم غير رمضان كما في حق المقيم. يعني لو نوى المسافر واجبًا آخر لا يصح عندهما لعدم شرعية واجب آخر في رمضان كما في حق المقيم؛ لأن خطاب قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ عام
[ ٢ / ٥٤٨ ]
فيهما.
(وقال أبو حنيفة﵁- الوجوب واقع على المسافر) أي نفس الوجوب ثابت متقرر عليه لوجود كمال سببه وهو شهود الشهر، (ولهذا صح أداؤه بلا توقف) أي صح أداء المسافر صومه عن فرض الوقت بلا توقف، وهو دليل على تقرر فرض صوم الوقت الذي هو صوم رمضان عليه.
وهذا بخلاف المقيم إذا صلى الظهر في منزله يوم الجمعة. هو على سبيل التوقف إن لم يؤد الجمعة بعده يقع ما صلى عن فرض الوقت، وإن سعى إلى الجمعة وأدى الجمعة بحسب ما اختلفوا فيه بطل ظهره، وكذلك لو أدى الزكاة في أول الحول هو على سبيل التوقف هل يبقى عند حولان الحول غنيًا كما كان أم لا؟ فإن لم يبق غنيًا انقلب ما أداه تطوعًا وإلا يقع عن الفرض.
(إلا أنه رُخِّص له الترك) إلى آخره، فحاصل اختلاف الطرفين راجع إلى الأصل الذي ذكرناه في "الوافي" وهو انتفاء صوم آخر، إنما نشأ عندهما باعتبار نفس شهود الشهر وفي هذا المقيم والمسافر سواء، وعند أبي حنيفة-
[ ٢ / ٥٤٩ ]
﵀- إنما نشأ ذلك باعتبار وجوب الأداء وذلك لم يثبت في حق المسافر، فلا يثبت الانتفاء.
(وصار كونه ناسخًا لغيره) أي كون صوم رمضان ناسخًا في شهر رمضان لغيره من الصيامات، إنما يكون إذا أعرض عن الترخص وتمسك بالعزيمة وهو أن يصوم صوم رمضان. يعني أن صوم رمضان إنما يكون ناسخًا لسائر الصيامات على تقدير أن يصوم صوم رمضان. أما إذا ترخص بأن لم يصم صوم رمضان فلا، وله أي للمسافر ولاية الترخص ذلك، وهاهنا ترخص حيث لم يصم صوم رمضان فلم ينتف الصوم الذي هو غير صوم رمضان.
(فإذا لم يفعل بقي مشروعًا) أي إذا لم يصم صوم رمضان بقي صوم غير رمضان مشروعًا.
(والطريق الأول يوجب أن لا يصح النقل) وهو قوله: إلا أنه رخص له
[ ٢ / ٥٥٠ ]
الترك إلى آخره، وإنما لا يصح النفل على تقدير ذلك التعليل؛ لأن الترخص بصوم غير رمضان إنما ساغ له لصرف صومه إلى قضاء ما عليه وليس في صوم النقل قضاء ما عليه، فلا يجوز صوم النفل. بل يقع عن الفرض لوجود نفس الصوم، فصار هو بمنزلة من أطلق النية وهو يقع عن فرض الوقت على ما عليه الصحيح من الرواية.
(والثاني يوجب أن يصح) وهو قوله: "ولأن الأداء غير مطلوب منه" يعني أن أداء صوم رمضان الوقتي غير مطلوب من المسافر في الحال، فكان هذا الوقت في حقه بمنزلة شعبان في حق الكل من حيث إنه غير مطالب بصوم فرض الوقت، وصوم النفل في شعبان جائز من الكل، فكذا يجوز صوم النفل أيضًا من المسافر في شهر رمضان.
(لأن الترخص والترك) أي ترك العزيمة.
(بهذه العزيمة) أي بهذه النية المطلقة يعني لما لم يتحقق الترخص وهو الفطر لوجود نية الصوم تعين صوم الوقت؛ لعدم مزاحمة غيره من الصيامات
[ ٢ / ٥٥١ ]
كصوم الوقت، وهذا لأن المطلق يتناول الذات فقط، فلما لم يتناول هذا الإطلاق واجبًا آخر؛ لاحتياج الواجب إلى التعين بقي صوم النفل وصوم الوقت، وإنهما يؤديان بمطلق النية غير أن صرف مطلق النية إلى صوم الوقت أولى من صرفه إلى النفل؛ إما لأن النفل لا يجوز، أو لأن صوم الوقت عزيمة والنفل رخصة، فكان الأخذ بالعزيمة أولى.
وهذا هو الجواب عما لو قيل: ينبغي أن لا يصاب صوم الوقت بمطلق النية من المسافر؛ لأنه لم يتعرض لصوم الوقت لإطلاق النية؛ لأنا نقول: إن فرض الوقت يتعين بمطلق النية؛ لأنه وقته، والواجب الآخر لا يتأدى بمطلق النية في غير رمضان، فما ظنك في رمضان، فبعد ذلك بقي صوم لوقت وصوم النفل، فصرف مطلق النية إلى فرض الوقت أولى من صرفه إلى النفل لما ذكرنا.
(فوات شرط الرخصة) وهو حقيقة العجز. فيستوجب الرخص لعجز
[ ٢ / ٥٥٢ ]
مقدر أي لعجزه تقديرًا وإن لم يكن تحقيقًا، فوات شرط الرخصة وهو العجز التقديري يعني أن رخصة المسافر باعتبار سبب ظاهر- وهو السفر- قام مقام العذر الباطن، وذلك لا ينعدم بفعل الصوم فيبقى له حق الترخيص (فيتعدى) أي الحكم (بطريق التنبيه).
أي نبهنا الشارع بإباحة الفطر في هذا الوقت للمسافر على جواز الترخص له بأداء واجب آخر بالطريق الأولى؛ لأن الأول حاجة دنيوية والثاني حاجة دينية، وهي الأهم؛ لأن السعي في الحاجة الدينية سعي في تخليص نفسه عن عقوبة النار وهي أشد من مشقة تلحقه في السفر بسبب صوم القضاء؛ لأنه لو لم يصم صوم القضاء في سفره عسى هو لا يحيا إلى وقت الإقامة فيصوم فيه، فحينئذ يبقى في عقوبة ترك صوم القضاء وهي أدهى وأمر.
والتنبيه قد يكون إظهار العلة كما في قوله ﵇: "الهرة ليست بنجسة إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات" فالنبي ﵊ نبه بهذه العلة بأن الحكم منها متعد إلى غيرها من السواكن.
(وقال زفر﵀- ولما صار الوقت متعينًا) إلى آخره، هذه المسألة متصورة فيمن اعتاد الفطر في رمضان كالمريض والمسافر والمتهتك ثم لم يأكل ولم يشرب في يوم رمضان ولم يخطر بباله لا الفطر ولا الصوم، فعندنا لا
[ ٢ / ٥٥٣ ]
يصير صائمًا، وعند زفر يكون صائمًا، كذا ذكره فخر الإسلام في "شرح الجامع الصغير" وهذا لأنه لو نوى الفطر ثم لم يجد شيئًا يأكله لا يكون بهذا الإمساك صائمًا بالاتفاق؛ لأن نيته الفطر قطع إمساكه عن أن يكون صومًا.
وقال زفر: إن هذا الوقت صار متعينًا للفرض، ولم يشرع فيه غير صوم الوقت، فصارت منافعه مستحقة كفرض الوقت.
قلنا: هذا لا يجوز؛ لأن منافعه لو استحقت لوقع الصوم منه من غير اختياره وذلك جبر، والمأمور به أبدًا يكون فعلًا اختياريًا؛ لأنه لتحقيق الابتلاء، وذلك إنما يكون في الفعل الاختياري، ولا يلزم من عدم شرعية غير الفرض استحقاق منافعه، كما ينعدم في الليل أصلًا ولا استحقاق ثَمَّ.
إذ لو كان العدم باعتبار استحقاق المنافع يلزم أن يكون عدم شرعية الصوم في الليل باستحقاق المنافع وليس كذلك؛ لأن المنافع في الليل للعبد، فيثبت أن عدم شرعية غير الفرض ليس باستحقاق المنافع بل باعتبار أنه لم يشرع، وإذا لم يستحق منافعه يكون مأمورًا بصرف ما له من المنافع إلى ما عليه، وعدم العزيمة ليس بشيء، فلم يحصل به صرف ما له على ما عليه.
[ ٢ / ٥٥٤ ]
فإن قيل: قد وجد الإمساك منه بطريق الاختيار؛ لأن الكلام فيمن يجد ما يؤكل ومع ذلك تمسك عن الأكل حتى إن من نوى الفطر، ثم لم يجد شيئًا يأكله، لا يكون صائمًا بالاتفاق وقد مر، ثم لما كان الإمساك هنا بطريق الاختيار لم يكن إمساكه جبريًا، فحينئذ لم يصح هنا دفع قول زفر: بأن هذا الإمساك منه جبري لا اختيارين فلا يصح أن يكون عبادة.
قلنا: من الإمساك ما لا يكون اختياريًا بأن كان لا يجد شيئًا إذا كان مريضًا أو مغمى عليه قبل دخول ليلة رمضان، وما كان فيه اختياريًا يحتمل أن يكون عادة أو حمية فلا يكون عبادة بدون النية لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ والإخلاص إنما يتحقق بالنية؛ لأن النية لتمييز العبادة من العادة، وذلك لا يكون بدون اختياره عبادة لله، فتشترط النية لذلك.
وقوله: (كصاحب النصاب إذا وهب من الفقير بعد الحول) أي يكون مؤديًا للزكاة، وإن لم ينو بهبته الزكاة لتعين قدر الزكاة في هذا النصاب للزكاة.
فإن قيل: تمليك النصاب من الفقير بأي وجه أدي لا يقع عن الزكاة عند زفر؛ لأن الغنى قارن الأداء، فكيف أورده نظيرًا، وهو على خلاف مذهبه؟
[ ٢ / ٥٥٥ ]
قلنا: إيراده للنظير من حيث أن المستحق لشيء إذا وجد صرفه إلى ذلك الشيء يقع عن المستحق بأي وجه صرفه إليه كما في هبة النصاب للفقير، والهبة غير الصدقة، ومع ذلك تنوب الهبة عن الصدقة لوصول الحق إلى المستحق، فبعد ذلك يحتمل أن يكون المراد منه الفقراء بأن فرق النصاب بلفظ الهبة إلى الفقراء، فلم يكن الغنى مقارنًا للأداء، ولو كان المراد منه الفقير الواحد يجب على أن يحمل أنه الفقير المديون، أو وهبه إليه متفرقًا بعد ما صرف هو بعضه إلى حوائجه.
أو قال: على قود مذهبكم (وكأجير الواحد يستحق منافعه) فإن أجير الواحد إذا فعل فعلًا للمستأجر بأي وجه يفعله بطريق الإعانة أو التبرع كان فعله واقعًا عن الفعل الواجب؛ لاستحقاق المستأجر منافع فعله.
(بل الشرع لم يشرع في هذا الوقت مما يتصور فيه الإمساك قربة إلا واحدًا، فانعدم غير الفرض الوقتي؛ لعدم كونه مشروعًا لا باستحقاق منافعه).
فإن قلت: كما أن صوم غير رمضان غير مشروع، فكذلك الإمساك لغير
[ ٢ / ٥٥٦ ]
الصوم أيضًا غير مشروع في رمضان، فينبغي أن يتعين مطلق إمساكه لصوم رمضان على هذا التقدير.
قلت: نعم كذلك إلا أن الصوم عبادة، وتلك إنما تكون بأداء منه عن اختيار، فلا يتحقق ذلك بدون النية؛ لأن العدم ليس بشيء والعبادة شيء، فلا يصلح العدم أن يكون محققًا للوجود.
وقوله: (لأن عدم العزيمة ليس بشيء) هذا احتراز عن مسألة الزكاة فإن فيها لفظ الهبة وهو موجود، فيصلح أن يكون هو مجازًا عن الصدقة بدلالة أن المصروف إليه فقير، فكان المبتغي بها وجه الله تعالى دون العوض، وهو معنى الصدقة، فلذلك لم يتمكن من رجوع الهبة التي وهبها للفقير.
وكذلك لو وهب عشرة دراهم للفقيرين يجوز بالإجماع استعارة الهبة من الصدقة بخلاف ما نحن فيه، فإن فيه عدم العزيمة، والعدم لا يصلح أن يكون مستعارًا عن العزيمة بخلاف أجير الواحد؛ لأن المنافع وإن كانت مستحقة عليه فذلك لا يمنع وجوب الأجرة، ولا تقتضي نية وقوع منافعه عما استحق عليه؛ لأنه ليس بعبادة، والعبادة هي التي تفتقر إلى الاختيار، وأما الفعل المستحق من العبد، فقد يكون اختياريًا وقد يكون جبريًا، أما العبادة فلا تتحقق إلا بالاختيار فافترقا.
[ ٢ / ٥٥٧ ]
(وقال الشافعي: لما كانت منافعه بقيت على ملكه وجب التعيين) في أصله ووصفه؛ لأن معنى القربة معتبر في الصفة، كما هو معتبر في الأصل إلى آخره.
[ ٢ / ٥٥٨ ]
فزفر﵀- غلا في القول بتعين صوم رمضان حتى أسقط النية أصلًا في الأصل والوصف، مع أن العبادة لا تتحقق بدون النية أصلًا.
والشافعي﵀- أيضًا غلا في القول بعدم تعينه حتى اشترط النية في الأصل والوصف، وذلك الغلو تقصير منه في الاجتهاد لا لغاية تعين الله تعالى؛ لأن الله تعالى جعل صوم رمضان متعينًا حيث لم يجز فيه صوم غير رمضان.
ونحن توسطنا بينهما. لما أن دين الله بين الغلو والتقصير حيث اشترطنا النية في أصل الصوم؛ لتمتاز العبادة عن العادة؛ لأنه ما لم يعزم على الصوم لا يكون صارفًا ما له إلى ما هو مستحق عليه، ثم لما تعينت جهة الصوم بنية أصل الصوم حتى امتازت العبادة عن العادة لم يحتج إلى تعيين وصفه، وهو تعيين فرض الوقت؛ لأنه لما لم يشرع فيه غير صوم رمضان لأي معنى يحتاج إلى تعيين صوم رمضان، بل اشتراطه كان اشتراطًا لتعيين المعين، وهو لغو؛ لأن التعيين إنما يصح في المتردد بين الشيئين وهاهنا بعد وجود أصل الصوم منه في هذا الزمان لا اختيار له في صفته؛ لأنه لا يتصور أداؤه بصفة أخرى شرعًا، فلا يشترط التعيين في الصفة (فأصيب بمطلق الاسم) أي أصيب صوم رمضان بمجرد قوله: نويت أن أصوم (ولم يفقد بالخطأ في الوصف) أي لم يفقد صوم رمضان بل يوجد بخطئه في اسم صوم رمضان، بأن قال: نويت صوم التطوع أو واجب آخر، وهذا لأن صوم رمضان متعين في زمانه،
[ ٢ / ٥٥٩ ]
لعدم شرعية صوم غير رمضان، فكان مصابًا بمطلق الاسم ومع الخطأ في الوصف. كالشخص المتعين في المكان بأن لم يكن في الدار إلى زيد مثلًا يصاب هو باسم جنسه بأن قيل: يا إنسان، وبالخطأ في الوصف بأن قيل: يا عمرو، فيجيبه زيد.
أو نقول: لو أخطأ في وصفه وقال لأبيض: يا أسود، أو يا أحمر يجب عليه الجواب.
فإن قيل: ليس هذا الذي ذكره من صورة الخطأ، فإن الخطأ هو الوقوع في غير صواب من غير قصد وهاهنا لو كان قاصدًا فيه أو غير قاصد يصيب بصومه هذا صوم رمضان.
قلنا: المراد من الخطأ هنا هو عدم الإصابة في النية، لكن يصيب صوم رمضان هنا لوجود نية أصل الصوم وهو كان هنا لإصابة صوم رمضان لتعينه.
فإن قلت: إصابة صوم رمضان بمطلق الاسم لو كانت باعتبار تعينه في زمانه بحيث لم يشرع في ذلك الوقت غير صوم رمضان ينبغي أن لا يصيب المسافر صوم رمضان إذا أطلق النية عند أبي حنيفة﵁- لأن عنده صوم غير رمضان مشروع في حقه، وقد نص المصنف﵀- في هذا
[ ٢ / ٥٦٠ ]
الكتاب: أن المسافر إذا أطلق النية يقع صومه عن رمضان هو الصحيح فما وجهه؟
قلت: صرف المطلق إلى المقيد هناك لا لاعتبار أن صوم غير رمضان غير مشروع عنده، بل باعتبار دلالة حال المسافر، فإنه لما اختار الصوم مع تحمل المشقة العظيمة، فالظاهر أنه أراد الفرض الوقتي لا النفل.
كما أن الواجب الآخر لا يصاب بمطلق النية، فلو أصيب في حق المسافر بمطلق النية إما أن يصاب النفل أو الفرض الوقتي، والفرض الوقتي أولى من صوم النفل فحمل على الفرض الوقتي بدلالة حالهن فكان هذا كدلالة إطلاق الحج على حجة الإسلام لظاهر حال المؤدي، وإن كان يصح غيرها عند التصريح به.
فإن لحمل المطلق على المقيد أسبابًا كما أن التعيين في الزمان أو المكان يصلح لذلكن فكذلك دلالة حال المؤدي تصلح له أيضًا، فكان هذا منا قولًا بموجب العلة.
والقول بموجب العلة هو التزام ما يلزمه المعلل بتعليله، وهاهنا كذلك؛ لأن الشافعي لما علل لتقرير مذهبه بقوله: لما كانت منافعه مملوكة لم يكن بد من تعيين النية في حق صوم رمضان ليمتاز هو من سائر منافعه؛ قلنا بموجب ذلك القول، ونقول: لابد من تعيين النية إذ هو عبادة، فلابد للعبادة من
[ ٢ / ٥٦١ ]
النية لكن إطلاق النية منه تعيين له؛ لأن أن التعيين منه ساقط، وهذا لأن التعيين لا يخلو إما أن كان هو لتعيين غير المعين أو لتعيين المعين، فالأول غير ثابت هنا لتعينه في زمانه شرعًا حتى إن صوم غير رمضان غير مشروع في ذلك الوقت؛ لتعين هذا الوقت لصوم رمضان، والثاني لغو فلا يصح، فثبت بهذا أن التعيين فيه ثابت، فكان الإطلاق منه تعيينًا لا أن التعيين عنه ساقط.
(فإذا تراخى بطل) أي فإذا تراخى التعيين عن أول أجزاء الفعل بطل الفعل (فإذا اعترضت العزيمة) أي النية.
[ ٢ / ٥٦٢ ]
و(لأن إخلاص العبد) أي لأن نية العبد.
(وهذا بخلاف التقديم) وبهذا فرق الشافعي بين قوله هذا، وبين قولنا: لما يصح تقديم النية مع انفصاله عن الركن فلأن يصح التأخير، وهو متصل بالركن أولى.
(ولم يعترض عليه ما يبطله) أي لم يعترض على ما قدّم من النية على الصبح ما ينافيه ويبطله من الأكل في النهار وغير ذلك؛ لأن الشيء إنما يبطل بما يضادّه ولم يوجد؛ لأن الأكل والشرب والمباضعة في الليل لا ينافي الصوم؛ لأن من شرط المنافاة اتحادَ المحل، والليل ليس بمحل للصوم أصلًا، فالأكل وما يشبهه لا ينافي عزيمته (فبقي)؛ لان الشيء إذا ثبت لا يبطل إلا بما ينافيه ولم يوجد.
(فأما المعترض) أي المتراخى من النية من أول الصبح (لا يحتمل التقديم).
(وجب الفصل بين هذين الوجهين) أي بين وجهي التقديم والتأخير
[ ٢ / ٥٦٣ ]
يعني إذا قدم النية على الصبح في صوم القضاء يجوز، وإذا أخرّ النية عن الصبح لا يجوز، وهذا بالإجماع، فينبغي أن يكون فيما نحن فيه أيضًا على وفاق ذلك أن قدم النية يجوز وإن أخرّها لا يجوز.
(وهذا الإمساك واحد غير متجزئ صحة وفسادًا). بدليل أن المفسدَ إذا وُجد في آخر جزء من النهار يشيع في الكل، ولأن الإمساكات وإن كانت كثيرة فهي بمنزلة إمساكة واحدة لدخولها تحت خطاب واحد، وهو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ﴾.
فإن الأشياء الكثيرة إذا دخلت تحت خطاب واحد كان الكل كشيء واحد، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ لّما ثبت بخطاب واحد جُعل جميع الأعضاء كعضو واحد في حكم جواز نقل البَلّة من عضو إلى عضو آخر، بخلاف أعضاء الوضوء، فإنما لَّما ثبتت بخطابات مختلفة جُعلت أشياءُ في قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾.
فلم يجز نقل البلّة من عضو إلى عضو إلى آخر؛ وهذا لأن الألفاظ قوالب المعاني، ولا يُضرب لَبنان في ملبن واحد، ثم بالاتفاق لا يشترط اقتران النية بأداء جمعيه، فإنه لو لأغمي عليه بعد الشروع في الصوم تأدى صومه، ولا يشترط اقتران النية أيضًا بأول حال الأداء، فإنه لم قدم النية تأدى صومه وإن كان غافلًا عنه عند ابتداء الأداء بالنوم، وكان ذلك لدفع الحرج،
[ ٢ / ٥٦٤ ]
وهذا الحرج لا يندفع بجواز تقديم النية في جنس الصائمين، ففيهم صبي يبلغ ومجنون يفيق في آخر الليل.
وفي يوم الشك هو ممنوع من نية الفرض قبل أن يتبين أمر الصوم، ونية النفل عنده لا يتأدى بها إذا تبين، وإذا بقي معنى الحرج قلنا: لما صح الأداء بنية متقدمة وإن لم تقارن حالة الشروع ولا حالة الأداء، فلأن يصح بنية متأخرة لاقترانها بما هو ركن الأداء كان أولى.
(والثبات على العزيمة حال الأداء) أي حال بقاء الأداء (ساقط بالإجماع)، حتى لم يجب عليه أن يقول: في جميع النهار نويت الصوم نويت الصوم إلى الآخر.
ألا ترى أنه إذا شرع في الصوم ثم أغمي عليه يصح الصوم منه وإنما قيد بقوله: "حال الأداء" أي حال الصوم احتراز عمن رجع عن نية الصوم في الليل، فإن رجوعه يصح.
وذكر في "الخلاصة" رجل نوى في الليل أن يصوم، ثم بدا له في الليل أن لا يصوم وعزم على ذلكن ثم أصبح من الغد وصام لا يكون صومه جائزًا؛ لأن عزيمته قد انتقضت بالرجوع.
[ ٢ / ٥٦٥ ]
(وصار حال الابتداء هاهنا) إلى آخره يعني أن ابتداء الصوم كبقاء الصلاة في أنه يتعذر اقتران النية بهما أو يتعسر، وصار بقاء الصوم بمنزلة ابتداء الصلاة في أنه لا يتعذر اقتران النية بهما.
(ثم هذا العجز أطلق التقديم) أي العجز عن النية حال ابتداء الصوم جوز تقديم النية عليه بالإجماع مع خلو اقتران النية مع ركن الصوم إلى آخره، وقد ذكرناه.
(ونقصان حقيقة الوجود عند الأداء) أي نقصان حقيقة وجود النية عند ابتداء أداء الصوم (على حد الإخلاص) يعني يشترط اقتران النية بالمنوي ليخلص لله تعالى. وذلك إنما يكون إذا كان محتملًا غيره؛ لأن النية تعيين بعض المحتملات، والإمساك في النهار قد يكون لله تعالى من حيث إنه قهر عدوه، وقد يكون لغير ذلك كحمية أو قلة اشتهاء أو غير ذلك، فلابد من النية ليتميز عن سائر المحتملات وهو حد الإخلاص.
(والعجز الداعي إلى التأخير موجود في الجملة).
فإن قيل: لو كان جواز التأخير باعتبار الحاجة والعجز الداعي إليه لاختص
[ ٢ / ٥٦٦ ]
ذلك بالمعذور، وعندكم القادر على تبييت النية لو ترك التبييت ونوى من النهار يجوز أيضًا.
قلنا: إنه لما لم يقدم النية وعجز عن التقديم فصار هو معذورًا أيضًا، ولأن الذي ذكره لا يقتضي الاختصاص بالمعذور، فإنه قال: العجز الداعي إليه في الجملة موجود، وليس يلزم من وجود العجز في الجملة وجوده على وجه العموم.
(ولهذا رجحان في الوجود) أي إذا أخَّر النية يوجد اقتران النية بالمنوي الذي هو فعل الصوم.
(وهو حد حقيقة الأصل)؛ لأن الأصل هو أن تنصل النية بالمنوي حقيقة، وحقيقة العارض أن تتصل النية بالمنوي تقديرًا، وهو فيما إذا نوى في أول الليل.
(ونقصان القصور عن الجملة بقليل يحتمل العفو)؛ لأن القليل يحتمل العفو في الجملة كالنجاسة وانكشاف العورة وغيرهما بخلاف الكثير.
يعني أن النية قاصرة في التأخير عن جملة الإمساكات؛ لأن النية عند ابتداء وجود الصوم لم تكن موجودة حقيقة.
[ ٢ / ٥٦٧ ]
فصار حاصل الكلام أن للتقديم فضلًا، ونقصانًا، وكذلك للتأخير فضل ونقصان، (فاستويا في طريق الرخصة) أي التقديم والتأخير كل منهما رخصة للمكلف، فيجب أن يكون كل منهما جائزًا، فرخصة التقديم ثابتة بالاتفاق فيجب أن تكون رخصة التأخير ثابتة؛ لأن الحكم إذا ثبت لأحد المتساويين يثبت للآخر ضرورة.
إذ لو يثبت لاختلفا حين استويا وهو محال، (بل هذا راجح)؛ لأن فيه شبه العزيمة؛ لأن العزيمة اقتران النية بالمنوي، وفيما ذكرنا بعض العزيمة موجود وهو اقتران النية بالمنوي، والمتقدم تمحض رخصة، وليس فيه شبه العزيمة لخلو جميع الصوم عن حقيقة النية، ومعنى الرخصة فيه هو بإقامة الأكثر مقام الكل، فكان في التقديم تمحض رخصة، وفي التأخير عمل بشيء من العزيمة، فكان هو أرجح.
فإن قيل: جعلت الدليل المجوز الذي هو دليل المساواة دليل الترجيح، وهذا لا يجوز؛ لأن أحد المتساويين لا يترجح على الآخر إلا بمرجح لا بنفسه.
قلنا: ليس كذلك؛ لأن دليل التسوية بينهما هو العجز؛ لأن العجز هو المجوز للتقديم والتأخير على ما ذكرنا، وأما ما ذكرنا من اقتران النية بالمنوي فشيء آخر سوى العجز فيثبت به الرجحان، ولئن سلمنا أن دليل الجواز فيهما هو المرجح لأحدهما. قلنا: يجوز ذلك إذا كان أحد الدليلين قويًا في ذاته.
[ ٢ / ٥٦٨ ]
ألا ترى أن أحد القياسين يجوز أن يترجح على الآخر لقوة فيه، كما قلنا في طول الحرة إنه لا يمنع الحر من نكاح الأمة، إنه نكاح يملكه العبد بإذن مولاه إذا دفع إليه مهرًا يصلح للحرة والأمة، وقال: تزوج من شيءت، فيملكه الحر كسائر الأنكحة، وهو أولى من قول الشافعي إنه يرق ماءه على غنية وذلك حرام عليه كالذي تحته حرة لقوة في تعليلنا على ما عرف، وكذلك المشهور يترجح على خبر الواحد كالآية راجحة على السنة، فعلم بهذا أن دليل المجوز يصلح أن يكون مرجحًا إذا كان قويًا في ذاته.
(وجب المصير إلى ما له حكم الكل من وجه خلفًا عن الكل من كل وجه) كما في المضمونات، إذا انقطع المثل صورة ومعنى أو ليس لها مثل يصار إلى الخلف وهو القيمة.
(ولا ضرورة في ترك هذا الكل الثابت تقديرًا فلم نجوزه بعد الزوال).
فإن قيل: لو أقام المسافر بعد الزوال أو أفاق المجنون بعد الزوال كان محتاجًا إلى النية بعد الزوال، فكانت الضرورة قائمة فيه أيضًا.
[ ٢ / ٥٦٩ ]
قلنا: لو اعتبرنا ذلك يلزم أن يوجد الصوم بدون النية، والصوم عبادة محتاجة إلى النية، فلابد أن تكون النية موجودة. إما في الكل الحقيقي أو في الكل التقديري لما أن العبادة لا اعتبار لها بدون نية العبادة، فكان القول بجواز العبادة بدون النية في الكل التحقيقي أو التقديري قولًا لا يخفى فساده.
فإن قيل: لما اعتبر الكل التقديري في هذا وجب أن يصح صومه إذا وجدت النية في ربع اليوم؛ لأن الربع قام مقام الكل في بعض الأحكام.
قلنا: لا كذلك لما أن القياس هو ما قاله الشافعي أن تكون النية بجميع المنوي، ثم لما عدل عنه بالدليل لم يكن بد من أن توجد النية في الذي يشبه الكل، ويقارنه من حيث الحقيقة وهو أكثر اليوم.
وأما الربع فليس له مقارنة بالكل الحقيقي إلى أنه ورد السمع بإقامته مقام الكل في بعض الأحكام، ولم يرد هنا سمع بإقامة الربع مقام الكل، فأجرينا الحكم على وفق القياس لذلك، فلم نقم الربع مقام الكل؛ ولأن الاحتياط هناك في إقامة الربع مقام الكل، والاحتياط هاهنا في إقامة الربع مقام الكل.
(وبطل الترجيح بصفة العبادة) يعني أن الشافعي يرجح مذهبه باعتبار الاحتياط في العبادة وهو أن الجزء الأول من النهار مفتقر إلى النية، فإذا خلا
[ ٢ / ٥٧٠ ]
منها فسد، وإذا وجدت النية بعد ذلك فقد اقترنت النية بأكثر النهار، فيجوز لاقتران النية بأكثر النهار فتعارض، فرجحنا جانب الفساد في العبادة احتياطًا.
قلنا: وهذا نوع ترجيح يرجع إلى حال الوجود؛ لأن الصحة والفساد للعبادة حال.
(والكثرة والقلة من باب الوجود) أي من باب وجود الموصوف؛ لأن المراد من الكثرة هو كثرة الأجزاء، والأجزاء إذا تكاملت كانت ذات الموصوف، فعلم بهذا أن الترجيح بالكثرة ترجيح بمعنى راجع إلى الذات.
فعند تعارض الترجيحين كان الترجيح بمعنى يرجع إلى الذات أولى من ترجيح بمعنى راجع إلى الحال لما يأتي بيانه (في أبواب الترجيح) أي في أنواع الترجيح؛ لأنه يذكر للترجيح إلا بابًا واحدًا لكن ذكر له أنواعًا.
(ولأن صيانة الوقت الذي لا درك له أصلًا على العباد واجبة)؛ لأ، الله تعالى فرض على عباده الأداء في هذا الوقت، ولا يمكن الأداء إلا في هذا الوقت، فيجب عليهم صيانة هذا الوقت ليتمكنوا من أداء العبادة، وصيانة
[ ٢ / ٥٧١ ]
الوقت تكون تارة باقتران النية بجميع الإمساكات هو الأصل، فإذا لم يصن العبد هذا الوجه أمكنه صيانة هذا الوقت بوجه آخر، وهو أن تقرن النية بأكثره لما أن الأكثر بمنزلة الكل، فيصار إلى هذا احترازًا عن فوت العبادة عن وقتها أصلًا، وقد قال النبي ﵊: (من فاته صوم يوم من رمضان لم يقضه صيام الدهر كله).
فإن قلت: هذا كله إنما يصح أن لو كان للذي قلته من جواز تأخير النية عن أول العبادة له نظير في الشرع، وليس له نظير فيه لاستلزام ذلك كون النية المتأخرة متقدمة ولا نظير له في الشرع.
وأما ما قاله الشافعي من جعل النية المتقدمة متأخرة تقديرًا فله نظير في الشرع كما في الصلاة والزكاة إذا تقدمت النية على التكبير ثم كبر للصلاة من غير حضور النية عنده، ونوى الزكاة عند عزل مقدار الواجب ولم تحضره النية عند الأداء إلى الفقير يجوز، ولما كان كذلك كان من الاحتياط أن يقال بالفساد ليقضه بعد مضي شهر رمضان حتى يخرج عن عهدة الفرض بيقين.
قلت: لا كذلك، بل الاحتياط فيما قلنا؛ لأنه لما دل الدليل على الجواز، ومع ذلك لو لم يؤد الفرض في وقته على حسبان أن ذلك مفسد لصومه يبقى
[ ٢ / ٥٧٢ ]
في إثم التفويت عن وقته لم يكن ذلك عملًا بالاحتياط.
وأما الذي قلته من جعل النية المتأخرة متقدمة، فليس كذلك بل فيما قلناه انقلاب الإمساكات الموقوفة إلى صوم الوقت عند وجود النية في أكثره لتعين الوقت لصوم الوقت، فلما وجدت النية في أكثره انقلبت الإمساكات إلى صوم الوقت؛ لأن النية المتأخرة صارت متقدمة، ولا ينكر أن يكون الأمر موقوفًا في أوله إلى أحد الحالين الذي يظهر في عاقبته في الحسي والشرعي في العبادة وغيرها، ففي الحسي من رمى سهمًا إلى إنسان فإن أمره موقوف، فإنه يصيبه أم لا؟ فعلى حسب اختلاف حاله يختلف حكمهن وفي غير العبادات من الشرعي بيع الفضولي والتعليقات.
وأما العبادات فكسلام من عليه سجدة السهو، فإن أمره موقوف على قول أبي حنيفة وأبي يوسف- رحمهما الله- أنه يسجد أم لا؟ فإن سجد عاد إلى حرمة الصلاة وإلا فلان وعلى ذلك تُبتنى صحة اقتدى المقتدي عليه وعدم صحته.
وكذلك من صلى الظهر في منزله يوم الجمعة، فإنه هل يسعى إلى الجمعة بعده أم لا؟ فعلى ذلك بقاء ظهره صحيحًا وعدم بقائه، وهو كثير النظير كمن صلى الوقتية مع تذكر الفائتة عند قلة الفوائت على قول أبي حنيفة﵀- وكصاحبة العادة إذا انقطع دمها فيما دون عادتها وصلت صلوات، فأمر صلاتها موقوف إلى عود الدم، وعدم عوده بالفساد والصحة، ولما كان كذلك
[ ٢ / ٥٧٣ ]
كان ما قلناه من توقف الإمساكات إلى وجود النية منه في أكثر النهار لتعين الوقت لصوم الوقت طريقًا مسلوكًا في الشرع وغيره، فكيف يقال إنه غير معهود في الشرع!!
وإلى هذا المعنى أشار في الكتاب بقوله: "ولم نقل بالاستناد ولا بفساد الجزء الأول مع احتمال الصحة" (إن أداء العبادة في وقتها مع النقصان أولى) خصوصًا في حق صوم رمضان، وقد جاء الحديث (من فاته صوم يوم من رمضان لم يقضه صيام الدهر كله).
وقوله: (فصار هذا الترجيح متعارضًا) أي صار ترجيح الشافعي مع ترجيحنا متعارضين فإن ترجيحنا بكون العبادة مؤداة في وقتها مع النقصان تقتضي الصحة مع النقصان، فيعارضه ترجيح الشافعي بقوله: إن الجزء الأول من النهار لما عري عن النية حكم بفساد العبادة فتعارضا؛ لأن كل واحد من الترجيحين راجع إلى حال وجود العبادة بخلاف ترجيحنا الأول، فإن ذلك ترجيح بمعنى راجع إلى ذات الوجود، وترجيح الشافعي راجع إلى حال الوجود، فترجح ترجيحنا هناك فلم يعارضه ترجيح الشافعي، فلذلك كان هو دالًا على وجوب الكفارة بخلاف الترجيح الثاني؛ لأنه ضعف
[ ٢ / ٥٧٤ ]
بالمعارض، فصار له شبهة عدم الصوم فلا تجب الكفارة.
قوله: (لم نقل بالاستناد ولا بفساد الجزء الأول) جواب عما قاله الشافعي، وهو قوله: وجب التعيين من أوله، فإذا خلا عن النية فسد ونية العبد في النهار لا تظهر فيما مضى والجواب: إنا لا نقول بطريق الاستناد بأن توجد النية في الوقت الذي نوى من النهار، ثم يرجع قهقرى إلى أول النهار بأن تجعل النية المتأخرة متقدمة. بل نقول: إن نية العبد وإخلاصه كانت موجودة في أول النهار تقديرًا لتوقف إمساكات أول النهار إلى وجود النية في أكثر النهار، فلم يفسد الجزء الأول لذلك.
وعند النية في أكثره كان صومه صحيحًا؛ لوجود النية في بعضه تقديرًا وفي أكثره تحقيقًا، كما جعلت النية المتقدمة على الصبح موجودة عند الصبح تقديرًا، فكذا في عكسها إذا تأخرت النية ووجدت في أكثر النهار جعلت
[ ٢ / ٥٧٥ ]
موجودة مقترنة بجميع النهار تقديرًا إقامة للأكثر مقام الكل، وهذا لأن النية إذا وجدت حقيقة في أول النهار فهو في معنى تقدير النية من وجه؛ لأن النية إنما يحتاج إليها ليصير الإمساك قربة إذا وجد الإمساك على خلاف العادة، ولا يظهر قرته في أول النهار لقصوره؛ لأن القربة فعل يلحق بها إلى البدن مشقة ولا مشقة في أول النهار؛ لأن كل أحد يعتاد الإمساك في أول النهار فصار كونه قربة تقديرًا.
(وفاء لحق الصوم وتوفيرًا لحظه) أي مساويًا لحق الصوم وتكميلًا لنصيبه. يعني لما كانت القربة تقديرًا في أول النهار واحتاجت تلك القربة التقديرية إلى النية التقديرية لا زائدة عليها، فلذلك كان تجويز تلك القربة التقديرية بالنية التقديرية مناسب لحال تلك القربة فتجوز، وهذا معنى قوله: "فصار إثبات العزيمة فيه تقديرًا لا تحقيقًا وفاءً لحقه".
(وعلى هذا الأصل قلنا) أي من الأصل الذي ذكرنا بقولنا: وهذا
[ ٢ / ٥٧٦ ]
الإمساك واحد غير متجزٍ صحة وفسادًا.
وقال الإمام شمس الأئمة السرخسي﵀- وعلى هذا الأصل قلنا في صوم النفل إنه لا يتأدى بدون العزيمة قبل الزوال؛ لأن الركن الذي به يتأدى الصوم لا يتجزى وجودًا، ولا يتصور الأداء إلا بكماله، وصفة الكمال لا تثبت بالنية بعد الزوال حقيقة ولا حكمًا، وتثبت بالنية قبل الزوال حكمًا باعتبار إقامة الأكثر مقام الكل، ولا يرد على ما قلنا: الإمساك الذي يندب إليه المرء في يوم الأضحى إلى أن يفرغ الإمام من الصلاة فإن ذلك ليس بصوم، وإنما حنُدب إليه لما ذكر في الكتاب.
ولهذا ثبت هذا الحكم في حق أهل الأمصار دون أهل السواد، فلهم حق التضحية بعد طلوع الفجر، وليس لأهل المصر أن يضحوا إلا بعد الصلاة حتى فسد بوجود المنافي؛ من الأكل والشرق والحيض والنفاس.
(ومن هذا الجنس الصوم المنذور في وقت بعينه) أي من جنس إذا صار متعينًا للصوم؛ إما بشرع الشارع كرمضان أو بنذر العبد بإذن الشارع يصاب بمطلق النية ونية النفل، ويتوقف الإمساك في أول النهار لهذا المتعين أي إذا
[ ٢ / ٥٧٧ ]
نوى النفل أو أطلق النية كان ناويًا للمنذور؛ لأن إيجاب العبد معتبر بإيجاب الله تعالى.
(لما انقلب بالنذر صوم الوقت)، وهو النفل لا يقبل وصفين متضادين، لأن النفل لا مؤاخذة فيه، وفي الوجوب مؤاخذة، فإذا ثبت الوجوب انتفى النفل ومع الخطأ في الوصف بأن نوى النفل.
(وولايته لا تعدوه)؛ لأن الولاية للعبد قاصرة.
(لحقه فلا) أي فلا يصح تعيينه لحق صاحب الشرع فاعتبر في احتمال ذلك العارض وهو القضاء والكفارة. (بما لم ينذر) يعني نذره لا يظهر في إبطال هذا الوقت من أن يكون محلًا للقضاء والكفارة؛ لأن ولايته لا تعدوه. إذ لو ظهر نذره في ذلك صار تبديلًا للمشروع، وذا لا يصح كمن سلم وعليه سجدتا السهو يريد به قطع الصلاة تبطل هذه العزيمة؛ لكونه مبدلًا للمشروع، فكذلك هاهنا.
[ ٢ / ٥٧٨ ]
(فمثل الكفارات المؤقتة بأوقات) أي المؤقتة بالنهر دون الليالي.
(والوقت فيها معيار لا سبب) فإن السبب نذره، (ومن حكمها أنها من حيث جعلت قربة لا تستغني عن النية) إلى آخره. اجتمع فيها الأمران؛ كونها قربة وكونها غير معينة، فمن حيث إنها قربة لا تستغني عن النية لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ وذلك بالنية والفعل وذلك في أكثر الإمساك الذي له حكم الكل.
(ومن حيث إنها غير متعينة لا يتوقف الإمساك) على العارض من القضاء والكفارة، بل يتوقف على أصل المشروع (وهو النفل)؛ لأن الشيء إنما يتوقف على الأمر الأصلي لا على الأمر العارضي. (لأنه محتمل الوقت) - بفتح الميم على صيغة اسم المفعول- لأن الواجب محتمل الوقت لا موجبه (وإنما التوقف على الموضوعات الأصلية) أي الإمساك في أول الوقت بغير نية متوقف على نية النفل هو الموضوع الأصلي، (فأما إذا توقف على وجه) أي
[ ٢ / ٥٧٩ ]
على النفل في مسألتنا وعلى صوم رمضان.
(فهو المشكل منه) أي من النوع الرابع (وهو حج الإسلام)، فوجه الإشكال فيه من وجهين:
أحدهما- بالنسبة إلى سنة واحدة وهو أن أشهر الحج تشبه وقت الصلاة من حيث إن الوقت يفضل عن الأداء؛ لأن الحج أركان معلومة تؤدى في أزمنة متعينة وأمكنة متعينة فصار كوقت الصلاة، فصار الوقت ظرفًا له، وتشبه وقت الصوم من حيث إنه لا يسع فيها إلا حج واحد، فصار الوقت معيارًا له، وفي وقته اشتباه أيضًا، فالحج فرض العمر ووقته أشهر الحج من
[ ٢ / ٥٨٠ ]
سنة من سني العمر، فباعتبار أن أشهر الحج من السنين التي تأتي من عمره كان الوقت يفضل عن الأداء فكان موسعًا، ومن حيث إن ذلك من عمره محتمل في نفسه لا يفضل فصار مضيقًا، فلذلك صار أمره مشتبهًا.
(وأشهر الحج) من هذا العام بمنزلة يوم أدركه في حق قضاء رمضان يعني في حق عدم التعيين.
وقيل: للحج شَبَهٌ بأربعة أشياء: فإن له شبهًا بالظرف، وشبهًا بالمعيار، وشبهًا بالمطلق، وشبهًا بالمؤقت، فمن حيث إنه لم يستوعب أشهر الحج كان له شبه بالظرف، ومن حيث إنه لا يتأدى فيها إلا حج واحد كان له شبه بالمعيار، ومن حيث إن العمر وقته كان له شبه بالمطلق عن الوقت كالزكاة، ومن حيث إنه لا يتأدى إلا في وقت خاص كان له شبه بالمؤقت، فكان داخلًا في أشكاله لذلك فكان مشكلًا.
(ولا يصير كذلك إلا بشرط الإدراك)، في هذا نفي قول محمد-
[ ٢ / ٥٨١ ]
﵀- فإنه يقول: العام الثاني مزاحم للأول، وإن لم يدركه كاليوم الثاني مزاحم لليوم الأول في قضاء رمضان في حق عدم التعيين، فلا يتعين الذي يليه إلا بتعينه بطريق الأداء. يعني لا بطريق القول لتعين أحد الأشياء الثلاثة في باب كفارة يمين بالفعل دون القول، (ويصير الساقط بطريق التعارض
[ ٢ / ٥٨٢ ]
كالساقط في الحقيقة). يعني أن الحياة والممات في السنة الآتية سواء؛ لأن الموت في هذه المدة غير نادر كما أن الحياة غير نادر فاستويا فتعارضا فلا يثبت إدراك العام الثاني فسقط بتعارض الحياة والممات.
فصار الساقط حقيقة، يعني صار كأن أشهر الحج لا توجد بعد هذا قط ولو كان كذلك لا يحل له التأخير فكذلك هاهنا.
أو نقول: العام القابل معدوم، والعام الذي لحقه الخطاب به موجود، والمعدوم لا يعارض الموجود، فسقط بطريق التعارض يعني بسبب أنه لم يصلح معارضًا له، فسقط كخبر الواحد لما لم يصلح معارضًا للخبر المشهور فسقط، فصار كأن خبر الواحد لم يرد البتة بسبب أنه لا يثبت موجبه بمقابلة الخبر المشهور، ولا يقال: الحياة ثابتة في الحال، فتبقى كذلك عملًا بالاستصحاب؛
[ ٢ / ٥٨٣ ]
لأنا نقول: الانفصال عن السنة الثانية ثابت في الحال، فيبقى كذلك عملًا بالاستصحاب، فتعارض استصحاب الحال مع استصحاب الحال فتساقطا.
(فيصير كوقت الظهر في التقدير) يعني كما أن تأخير صلاة الظهر عن وقتها لا يحل، فكذلك تأخير الحج عن وقته لا يحل أيضًا. إلا أن هناك يكون قضاء وهنا يبقى أداء لبقاء وقته وهو وقت العمر، لكن في إثم التأخير صار كتأخير الصلاة عن وقتها، ثم يحتمل أن تكون فائدة تعيين الظهر- وإن كان سائر أوقات الصلوات كذلك هي أيضًا- هي أول صلاة فرضت على النبي ﵊، فلذلك افتتح محمد بن الحسن﵀- الجامع الصغير
[ ٢ / ٥٨٤ ]
بذلك لهذا.
(بخلاف الصوم) أي بخلاف أيام قضاء الصوم التي أدركها، فإنه لو أخر قضاءه عن اليوم الأول إلى الثاني من غير إثم، وهذا جواب عما قاله محمد﵀- بقوله: كصوم القضاء وإلى العبد تعيينه.
(والتعارض) للحال قائم يعني أن الأيام كلها موجودة، والكل سواء في كونها صالحة للقضاء فيها فتعارضت، وليس أحدها أولى من الآخر وإلى العبد تعيينه، وفي بعض النسخ والتعارض (للحال غير قائم) يعني أن الموت لا يعارض الحياة؛ لأن الموت في الغد من غير علامة نادر، فلم تتعارض الحياة والممات، فالحياة ثابتة في الأيام كلها، فالوجه الأول من النسخ يرجع إلى تعارض الأيام في الاستواء في المحلية، والوجه الثاني منها يرجع إلى الحياة والممات.
(ولا يلزم أن النفل بقي مشروعًا) فوجه الورود هو أن الحج في السنة الواحدة لا يؤتي به إلا مرة واحدة، فلو تعينت السنة الأولى لحج الإسلام على
[ ٢ / ٥٨٥ ]
ما ذكره أبو يوسف كان ينبغي أن لا يبقى النفل مشروعًا في السنة الأولى كصوم رمضان، لما تعين في شهر رمضان انتفت مشروعية النفل.
فأجاب عنه بقوله: (لأنا إنما اعتبرنا التعيين احتياطًا واحترازًا عن الفوت). يعني أن تعين حجة الإسلام في السنة الأولى إنما نشأ من جانب الاحتياط والاحتراز عن الفوت لا من تعيين صاحب الشرع. بخلاف تعين صوم رمضان في شهر رمضان. هو إنما نشأ من تعيين صاحب الشرع فاثر ذلك التعيين لعموم ولاية صاحب الشرع بالنفاذ في سائر الصيامات في شهر رمضان سوى صومه.
(فظهر ذلك في حق الإثم لا غير) أي تعين حج الإسلام في السنة الأولى إنما ظهر في حق الإثم أي يأثم بالتأخير لا في حق نفي النفل ولا في حق القضاء بالتأخير إلى السنة الثانية.
فإن قلت: إن كان التأخير عن السنة الأولى التي أدرك المكلف الخطاب إلى السنة الثانية موجبًا للإثم لما أخر النبي ﵊ عن السنة الأولى التي أدركها الخطاب إلى أربع سنين، فإن فرضية الحج نزلت في سنة ست من الهجرة، وحج رسول الله ﵊ في سنة عشر منه.
[ ٢ / ٥٨٦ ]
قلت: منع بعض مشايخنا﵏- تأخير النبي ﵊ من السنة التي أدركه الخطاب، فقالوا: نزول فرضية الحج بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ وإنما نزلت هذه الآية في سنة عشر، وإنما النازل في سنة ست قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾.
وهذا أمر بالإتمام لمن شرع فيهن فلا يثبت به ابتداء الفرضية مع أن التأخير إنما لا يحل لما فيه من التعريض للفوت، ورسول الله ﵊ كان يأمن من ذلك؛ لأنه مبعوث لبيان الأحكام للناس، والحج من أركان الدين، فأمن أن يموت قبل أن يبينه للناس بفعله.
ولأن تأخيره كان لعذر، وذلك أن المشركين كانوا يطوفون بالبيت عراة ويلبون تلبية فيها شرك، وما كان التغيير ممكنًا للعهد، حتى إذا تمت المدة بعث عليا﵁- حتى قرأ عليهم سورة براءة، ونادى أن: "لا يطوفن بهذا البيت بعد هذا العام مشرك ولا عريان" ثم حج بنفسه.
[ ٢ / ٥٨٧ ]
ومن ذلك أنه كان لا يستطيع الخروج وحده بل يحتاج إلى أصحاب يكونون معه، فلم يكن متمكنًا من تحصيل كفاية كل واحد منهم ليخرجوا معه فلهذا أخره. هذا كله مذكور في "المبسوط" في آخر باب الحج عن الميت وغيره.
(فأما أن يبطل اختيار جهة التقصير والمأثم فلا). ومعنى هذا أن الحج عبادة، والعبادة فعل اختياري إذ لولا ذلك لما صلح أن تكون عبادة؛ لأن العبادة فعل لو أتى بها يثاب على ذلكن ولو تركنها وهي فرض يعاقب عليه، والفعل الجبري لا يصلح أن يكون عبادة.
ألا ترى أن وقت الظهر متعين لأداء الظهر بالإجماع ولا يبطل ذلك
[ ٢ / ٥٨٨ ]
باختياره جهة ترك الظهر فكذلك هاهنا، ولهذا لو اشتغل بالتطوع في آخر وقت الصلاة ولم يؤد الظهر جاز النفل، ويأثم بتأخير صلاة الظهر عن الوقت، فكذلك هاهنا أشهر الحج من العام الأول تتعين للحج وبقي الوقت صالحًا للنفل أيضًا ويأثم بتأخيره.
(ولا يلزم إذا أدرك العام الثاني). وجه الورود هو أن العام الأول لو تعين لحج الإسلام عند وجود استطاعته في العام الأول لما صار العام الثاني متعينًا له أيضًا عند التأخير إلى العام الثاني؛ لأن المتعين في وقت إذا فات وقته لا يبقى متعينًا على المكلف بالإتيان به إذا أدرك مثله في الزمان الثاني. كما أن صوم رمضان إذا فات وقته وأدرك في العام الثاني شهر رمضان، وكذلك مفوت الظهر إذا أدرك وقت الظهر من اليوم الثاني، وهاهنا يكون العام الثاني متعينًا أيضًا لأداء حج الإسلام.
فأجاب عنه بقوله: (لأنا إنما عينا الأول لوقوع الشك) أي في إدراك العام الثاني، (فإذا أدركه) ومثله من الشك موجود في العام الثاني يعني بأنه هل يدرك العام الثالث أم لا؟ فتعين العام الثاني له كتعين الأول. إذ موجب التعين هو الشك في الإدراك للعام الثاني وهو موجود فيه، فيثبت موجبه.
[ ٢ / ٥٨٩ ]
(وأن الحج أفعال عرفت بأسمائها) كالوقوف والطواف والسعي والرمي، (وصفاتها) ككيفية هذه الأفعال من صفة الوقوف والطواف والسعي والرمي وغيرها (لا بمعيارها) بخلاف الصوم، فإنه عرف بمعياره حتى عرف به، فقيل في جواب السائل ما الصوم؟ هو: عبارة عن الإمساك من المفطرات الثلاث نهارًا مع النية.
وأما الصلاة والحج فيعرفان بأسمائهما، فيقال في جواب ما الصلاة؟ هي عبارة عن قيم وركوع وسجود، ولا يقال هي صلاة الظهر أو صلاة العصر أو غيرهما وكذلك في الحج.
(وقال الشافعي﵀- لما عظم أمر الحج)؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ مقام قوله: ومن لم يحج وغيره من الوعيد (استحسنا في الحجر عن التطوع)، فإن عند الشافعي من لم يحج حج الإسلام إذا نوى النفل في الحج لا يقع عن النفل بل يقع عن حجة الإسلام.
[ ٢ / ٥٩٠ ]
فإن قلت: ما وجه الفرق له بين من نوى صوم النفل في شهر رمضان وبين من نوى حج النفل هاهنا، فهناك يلغو نيته ولا يجوز صومه لا عن الفرض ولا عن النفل، وهاهنا يقع عن الفرض ولا يقع عن النفل.
قلتك أما إلغاء نية النفل هاهنا، فبسبب ما ذكر في الكتاب هو معنى الحجر عن نية النفل؛ لأنه لم تحمل المشاق وحضر موضع الوقوف بعرفات، ونوى النفل مع أن عليه حج الإسلام في ذمته ولا يعلم حياته إلى السنة الآتية كان سفيهًا؛ لترك الشفقة على نفسه والسفيه يحجر عنده، فلما لغا نية النفل بسبب الحجر بقي مطلق نية الحج، وبمطلق النية يتأدى الفرض بالإجماع.
أو نقول: إنما ألغيت نية النفل؛ لأن النفل عبارة عن الزيادة في العبادة ولا يتصور ذلك قبل الأصل، فإذا لغت نية النفل بقي مطلق نية الحج وبه يتأدى الفرض، وهذا لأن بإلغاء نية النفل لا ينعدم أصل نية الحج؛ لان الصفة تنفصل عن الأصل في هذه العبادة.
ألا ترى أن بانعدام صفة الصحة لا ينعدم أصل الإحرام، فإن من فسد حجه يمضي في أفعاله كمن لم يفسد حجه.
أما الصوم فإن الصفة هناك لا تنفصل عن الأصل.
ألا ترى أنه بانعدام صفة الصحة ينعدم أصل الصوم، فلذلك لما بطلت هناك نية النفل وهو الوصف الأصلي بطل أصل الصوم، ولأن نية النفل لما
[ ٢ / ٥٩١ ]
بطلت في صوم رمضان بسبب أن شهر رمضان لم يشرع فيه غير صومه بقي مطلق نية الصوم من غير تعيين صوم رمضان، وقد ذكرنا أن صوم رمضان لا يتأدى عنده بمطلق نية الصوم، لما أن تعيين النية في أصل الصوم ووصفه شرط عنده، ولأن الصوم لا يتأدى بدون العزيمة، والحج قد يتأدى من غير عزيمة، فإن المغمى عليه يحرم عنه أصحابه فيصير هو محرمًا.
وقوله: (ومثل هذا مشروع) أي الحجر في الحج مشروع، ثم أوضح الحجر فيه بقوله: (فإنه صح بإطلاق النية وصح أصله بلا نية)، والرجل يحرم عن أبويه فيصح، وإن لم توجد العزيمة منهما. إلى هذا أشار الإمام شمس الأئمة﵀-.
(ولكنا نقول: الحجر عن هذا يفوت الاختيار، وهو ينافي العبادة) يعني أن الحج عبادة، والعبادة فعل اختياري لأن ما لا اختيار للعبد فيه لا يصلح أن يكون طاعة أو عصيانًا؛ لأن المقصود من الابتلاء تكليف العبد ليجب عليه الفعل الاختياري، أو يجب عليه الانتهاء عن الفعل الاختياري
[ ٢ / ٥٩٢ ]
ليصير مطيعًا إذا أطاع فيثاب عليه، ويصير عاصيًا إذا لم يطع فيعاقب عليهن وهذا إنما يحصل إذا كان للعبد اختيار.
وقال الإمام شمس الأئمة﵀- وفي إثبات الحجر بالطريق الذي قاله انتفاء اختياره، وجعله مجبورًا فيه، وهذا ينافي أداء العبادة، فيعود هذا القول على موضوعه بالنقض.
يعني أن الشافعي يسعى بهذا القول إلى تحقيق العبادة على وجه لا يبقى عليه وجوب عبادة حجة الإسلام، فيلزم منه نقض العبادة، فيبقى في عهدة فرض حجة الإسلام.
وقوله: (فأما الأفعال فلابد من أن يجري على بدنه) احتراز عن الشرط وهو الإحرام، يعني أن الأفعال وهي؛ الوقوف بعرفة والطواف بالبيت وغيرهما لابد أن يجري تلك الأفعال على بدن المغمى عليه بان أحضر هو بعرفات وطيف به حول البيت بخلاف الإحرام، فإنه يكون محرمًا بإحرام
[ ٢ / ٥٩٣ ]
الغير عنه، لأن الإحرام شرط والشرط قد يتحقق بفعل الغير.
وأما المشروط وهو الأفعال فلابد من أن يجري على بدنه، فإذا نوع النفل فقد صرح بأنه لم يحج عن الفرض، فإذا وقع عن الفرض وقع من غير اختياره فلا يقع مجزيًا عنه؛ لأنه لم توجد العبادة.
فإن قيل: إذا أغمي عليه، ووقفوه بعرفات وطافوا به حول البيت أجزاه، ولم يوجد منه الاختيار البتة؛ لأنه لا علم له ولا قدرة.
قلنا: إنما يجوز منه على أن له فيه اختيارًا لا على أنه فيه مجبور؛ لأن مرافقته أصحابه استعانة منهم أن يعينوه فيما يعجز هو عن تحصيله، وهذا منهم إعانة فصح بدلالة الأمر، فيكون اختيارًا تقديرًا.
ألا ترى أن الزكاة عبادة محضة وقد تتأدى بالنائب كالوكيل إذا أدى الزكاة والموكل مغمي عليه، والورثة يؤدون الزكاة بإيصاء المورث صح عنه وهو ميت ويكون فعلهم كفعله، وقوله: "بدلالة الأمر" وهو خروجه إلى سفر الحج مع رفقاء يريدون الحج.
وقوله: (لمعنى في المؤدِّي لا في المودَّي) بخلاف الإطلاق في الصوم، فإن فرض الوقت يتعين فيه بدلالة في المؤدَّى باعتبار أنه لا مزاحم له في وقته وفي إطلاق النية إلى حجة الإسلام لا إلى النفل لمعنى في المؤدِّي كما في (نقد البلد)، فإنه إذا كان في البلد نقود مختلفة ينعقد البيع على الأروج
[ ٢ / ٥٩٤ ]
عند الإطلاق لمعنى في المؤدِّي، وهو تيسر إصابتهن إلا إذا عين غيره صريحًا.
[الأمر المطلق هل يقتضي الفور أم التراخي]
(وأما المطلق عن الوقت) مثل وجوب الزكاة وصدقة الفطر والعشر.
(على ما أشرنا إليه) أي قبل هذا بورق أو نحوه بقوله: وقال الكرخي وجماعة من مشايخنا: إن هذا يرجع إلى آخره.
(ومن هذا الأصل) أي ومن الخاص.
[ ٢ / ٥٩٥ ]