(ونسخ وصف في الحكم) كنسخ وصف فرضية صوم عاشوراء دون أصل شرعيته، وكذلك الزيادة على النص أنه نسخ وصف المقدر بما كان بل الزيادة على ما ذكر في الكتاب.
(فمثل صحف إبراهيم ﵇) وكذلك صحف غيره ممن تقدم نبينا من الرسل ﵈، فقد علمنا بما يوجب العلم قطعًا أنها قد كانت نازلة من السماء تقرأ ويعمل بها قال الله تعالى: (إنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى (١٨) صُحُفِ إبْرَاهِيمَ ومُوسَى) وقال تعالى: (وإنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ) ثم لم يبق شيء من ذلك في أيدينا تلاوة ولا عملًا به فلا طريق
[ ٣ / ١٥٣٦ ]
لذلك سوى القول بانتساخ التلاوة والحكم فيما يحتمل ذلك، وله طريقان: إما صرف الله القلوب عنها، وإما موت من يحفظها من العلماء لا إلى خلف.
وقوله: (وكان هذا جائزًا في القرآن) راجع إلى المذكور قبله وهو النسخ إما بصرفها عن القلوب أو بموت العلماء.
(فأما بعد وفاته فلا).
فإن قلت: كل ضروب النسخ بعد وفاة النبي ﵇ غير جائز وقبله كان جائزا، فما وجه تخصيص هذا الضرب بقوله: وكان هذا جائزًا في حياة النبي ﵇؟
قلت: نعم كذلك إلا أن التصور العقلي يقتضي تصور مثل هذا النسخ؛ لأن مثل هذا النسخ لا يعتمد على وجود النبي ﷺ وبقائه؛ لأن لا يقتضي ناسخًا شرعيًا يقوم مقام المنسوخ حتى يشترط فيه بقاء النبي ﵇ بخلاف سائر ضروب النسخ، فإن ذلك إنما يكون بورود الوحي الذي هو ناسخ على النبي ﵇، فلذلك اشترط بقاء النبي ﵇ في ذلك؛ لأن الوحي لا ينزل إلا على النبي ﵇.
[ ٣ / ١٥٣٧ ]
وأما النسيان الذي هو نتيجة رفع الله الذكر عن القلوب أو موت العلماء لا خلف فغير موقوف وجوده إلى وجود النبي ﵇، فلما توهم صحة النسخ عقلًا بمثل هذا الطريق بعد وفاة النبي ﵇ خص عدم جوازه بما بعد وفاة النبي ﵇، فصار كأنه قال: هذا لا يتصور شرعًا وإن تصور عقلا لحكمة تدعو إليه، وهي ما ذكره في الكتاب بقوله: صيانة للدين إلى آخر الدهر، وثبت ذلك بوعد الله تعالى حفظه لما أنزله على رسوله ﵇ بقوله تعالى: (إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) ويتبين به أنه لا يجوز نسخ شيء منه بعد وفاته بطريق الاندراس وذهاب حفظه من قلوب العباد.
فإن قلت: ما جوابنا لمن استدل من بعض الملحدين على جوازه بما روي أن أبابكر الصديق﵁- كان يقرأ: "لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم"، وأنس﵁- كان يقول: "قرأنا في القرآن: بلغوا عنا قومنا إنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا" وقال عمر ﵁: "قرأنا آية الرجم في كتاب الله ووعيناها" وقال أبي بن كعب ﵁: "إن
[ ٣ / ١٥٣٨ ]
سورة الأحزاب كانت مثل سورة البقرة أو أطول منها" واستدل الشافعي بما هو قريب من هذا في عدد الرضعات، فإنه صحح ما يرويه عن عائشة ﵂: "وإن مما أنزل في القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن فنسخن بخمس رضعات معلومات، وكان ذلك مما يتلى في القرآن بعد وفاة النبي ﵇"
قلت: يبطل تلك التمسكات كلها قوله تعالى: (إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) ومعلوم أنه ليس المراد منه الحفظ لديه، فإن الله تعالى يتعالى من أن يوصف بالنسيان والغفلة، فعرفنا أن المراد الحفظ لدينا، فالغفلة والنسيان متوهم بنا، وبه ينعدم الحفظ إلا أن يحفظه الله ﷿، ولأنه لا يخلو شيء من أوقات بقاء الخلق في الدنيا عن أن يكون فيما بينهم ما هو ثابت بطريق الوحي فيما ابتلوا به من أداء الأمانة التي حملوها. إذ العقل لا يوجب ذلك وليس به كفاية بوجه من الوجوه، وقد ثبت أنه لا ناسخ لهذه الشريعة بوحي ينزل بعد وفاة رسول الله ﵇، ولو جوزنا- هذا وهو الذهاب عن القلوب أو بموت العلماء- في بعض ما أوحي إليه وجب القول بتجويز
[ ٣ / ١٥٣٩ ]
ذلك في جميعه فيؤدي إلى القول بأن لا يبقى شيءئ مما ثبت بالوحي بين الناس في حال بقاء التكليف وأي قول أقبح من هذا!
وأما ما روي من تلك الأخبار التي رويتها فشاذ لا يكاد يصح شيء منها، ويحمل قول من قال في آية الرجم في كتاب الله في حكم الله كما قال: (كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) كذا قاله الإمام شمس الأئمة﵀-.
(لقوله تعالى: (إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ».
قيل: المراد به الحفظ بعد وفاة النبي ﵇؛ لأن النسخ جائز حال حياته، ولأن النسخ في الأغلب إنما يكون بإذهاب شيء وإثبات شيء آخر مكانه وإثبات النسخ بعد وفاته غير متصور، فلم يكن ذهاب شيء منه أيضًا لكونه محفوظًا عن التغيير إلى آخر الدهر.
حكي أن نصرانيًا كان يكتب مصاحفنا ويبيع، فبلغ إلى قوله تعالى: (ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا) فكتب: (ومن يبتغ الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين)؛ فخرج صبي من المكتب ونادى بأعلى صوته، فقال: ما القرآن هكذا بل القرآن: (ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا) الآية.
[ ٣ / ١٥٤٠ ]
(وأما القسم الثاني) - وهو نسخ الحكم دون التلاوة، (الثالث) - وهو نسخ التلاوة دون الحكم.
وقوله: (ومن الناس)، وإنما يستعمل مثل هذه الصيغة فيمن لا يعتبر قوله.
(أن الإيذاء باللسان وإمساك الزواني في البيوت نسخ حكمه وبقيت تلاوته)، وهو قوله تعالى: (واللاَّتِي يَاتِينَ الفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ فَإن شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي البُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ المَوْتُ)
(وكذلك الاعتداد بالحول) وهو قوله تعالى: (والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ ويَذَرُونَ أَزْوَاجًا وصِيَّةً لأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إلَى الحَوْلِ غَيْرَ إخْرَاجٍ). (ومثله كثير)،
[ ٣ / ١٥٤١ ]
كقوله تعالى: (فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً) فإن حكم هذا قد انتسخ بقوله: (فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا وتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ) وبقيت التلاوة وحكم التخيير بين الصوم والفدية قد انتسخ ببقوله: (فَلْيَصُمْهُ)، وبقيت التلاوة وهي قوله تعالى: (وأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ) وكذلك قوله تعالى: (لَكُمْ دِينُكُمْ ولِيَ دِينِ) وقوله تعالى: (فَاعْفُوا واصْفَحُوا) نسخ حكمهما بآية السيف وهي قوله تعالى: (فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدتُّمُوهُمْ)
(وما هو قائم بمعنى صيغته) وهو الإعجاز.
[ ٣ / ١٥٤٢ ]
(ولا تهمة في روايته وجب الحمل على أنه نسخ نظمه وبقي حكمه) يعني انتسخت تلاوته في حياة رسول الله ﵇ بصرف الله القلوب عن حفظها إلا قلب ابن مسعود﵁- لما ذكرنا أن مثل ذلك وقت حياة النبي ﵇ جائز، فبقيت تلاوته في حفظه ليكون الحكم باقيا بنقله، فإن خبر الواحد موجب للعمل به، وقراءته لا تكون دون روايته وانتهى الآخر وهو الحكم.
(وجب الحمل على أنه نسخ نظمه وبقي حكمه) أي لا يحمل على أنه كان هو زاد ذلك النظم من تلقاء نفسه ثم لما لم يبق ذلك النظم لم يبق الحكم الثابت؛ لما أن هذا قول وحش لا يفوه به من له ضعف الإسلام؛ لأن من صنع مثل هذا على الاعتقاد كان كافرًا فكيف من هو من أجلاء الصحابة- رضوان الله عليهم أجمعين- والمتشرفين بتشريف قوله ﵇: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" خصوصًا في حقه إذ هو المتلقى منه عامة أحكام الشرع وذلك بعيد جدًا، فلذلك حمل على أنه نسخ
[ ٣ / ١٥٤٣ ]
نظمه وبقي حكمه، ثم ذلك النسخ لا يحمل على أنه كان بعد وفاة النبي ﵇ كما مر.
(وهو ما ذكرنا) وهو جواز الصلاة.
(وذلك صحيح في أجناس الوحي) على ما يجيء قريبًا من هذا في باب تقسيم السنة وهو القسم الثالث من الوحي فإنه وحي يتبدى لقلب النبي ﵇ بلا شبهة كما قال الله تعالى: (لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ) وهو وحي بلا نظم، وكذلك الوحي الذي هو غير متلو وحي بلا نظم الكتاب، وكذلك الإلهام وحي في حق النبي ﵇ يثبت به الحكم ولا نظم له قال الله تعالى: (ومَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلاَّ وحْيًا أَوْ مِن ورَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا) وكذلك السنن كلها ثابتة بالوحي لما عرف، وليس لها نظم القرآن الذي يتلى.
(فمثل الزيادة)
[ ٣ / ١٥٤٤ ]
(على النص فإنها نسخ عندنا) اي هي بيان صورة نسخ معنى سواء كانت الزيادة في السبب أو الحكم.
أما في السبب فمثل اشتراط الإسامة في زكاة المواشي عندنا خلافًا لمالك وكذلك قال أصحابنا: إذا وجد المحدث من الماء ما لا يكفيه لوضوئه
[ ٣ / ١٥٤٥ ]
أو الجنب ما لا يكفيه لاغتساله فإنه يتيم ولا يستعمل ذلك الماء لأن الواجب استعمال الماء الذي هو طهور، وهذا بمنزلة بعض العلة في حكم الطهارة، فلا يكون موجبًا الوضوء به، فلذلك كان وجود لا يمنع التيمم.
وأما في الحكم فأكثر من أن تحصى كزيادة التتابع في صوم كفارة اليمين والظهار.
(وليس الشرط أن تكون الزيادة تخصيصًا) أي ليس بلازم أن يوجد التخصيص في كل ما زيد على النص؛ لأنه وجد التخصيص في فصل الرقبة على زعم الخصم لما أن الرقبة عامة على أصله تتناول الكافرة والمؤمنة فخصت بالمؤمنة.
وأما في فصل الجلد فلم يوجد التخصيص؛ لأن زيادة النفي على الجلد ليست بتخصيص؛ لأن الجلد لم يتناوله حتى يخص.
(لأن التقييد والإطلاق ضدان لا يجتمعان)؛ لأن الإطلاق غير
[ ٣ / ١٥٤٦ ]
متعرض للوصف والتقييد متعرض له، ولأن الإطلاق عبارة عن العدم والتقييد عبارة عن الوجود على ما ذكر في الكتاب، فكانا على طرفي تقيض.
(فأما التخصيص فتصرف في النظم أن بعض الجملة غير مراد بالنظم مما يتناوله النظم، والتقييد لا يتناوله الإطلاق) أي جمعًا للأوصاف كلها يقرره أن التخصيص للإخراج والتقييد للإثبات وأي مشابهة تكون بين الإخراج من الحكم وبين إثبات الحكم.
وحاصله أن في النص إذا ثبت صفة التقييد بقاء صفة الإطلاق غير متصور، فأما العام إذا خص منه شيء يبقى الحكم ثابتًا فيما وراءه بمقتضى لفظ العموم عرفنا أن التخصيص لا يكون تعرضًا لما وراء المخصوص بشيء بل ما بقي بعد الخصوص يبقى معمولًا بعمومه حتى أن أهل الذمة ومن بمعناهم لما خصوا من قوله تعالى: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) كان قتل من لا أمان له من المشركين واجبا بذلك النص.
[ ٣ / ١٥٤٧ ]
وأما النص المطلق بعد ثبوت صفة التقييد لم يبق المطلق معمولًا أصلًا بل النص المقيد كان هو المعمول، ألا ترى أن قوله تعالى: (فتحرير رقبة) لما قيد بصفة الإيمان لا تتأدى الكفارة بما يتناوله اسم الرقبة المؤمنة، فعرفنا أن التقييد في معنى النسخ لا التخصيص.
(ولا يشكل أن النفي إذا ألحق بالجلد) أي ولا يشتبه على أحد.
وقوله: (ولهذا) إيضاح لما ادعاه من أن الزيادة على النص نسخ.
(ولأن دليل النسخ ما لو جاء مقارنًا كان ناسخًا) أي لأن دليل النسخ شاء لو جاء مقارنًا كان معارضًا، وكذلك الإطلاق مع التقييد.
[ ٣ / ١٥٤٨ ]
وأما دليل الخصوص لوجاء مقارنًا للعام فلا يكون معارضًا بل يكون مبينًا علمنا أن دليل التخصيص ليس في معنى دليل النسخ بخلاف دليل التقييد، فإنه في معنى دليل النسخ على ما ذكرنا.
(حكم الوجود) أي حكم وجود الكل، والله اعلم.
[ ٣ / ١٥٤٩ ]