(إن وجوب الأحكام متعلق بأسبابها) أي بعللها.
لأن السبب الحقيقي هو: ما يكون طريقا إلى الحكم من غير أن يضاف إليه وجوب ولا وجود كما في العلامة على ما ذكر بعيد هذا، لكن الفرق بينهما إنما يقع بذلك الذي ذكر بعده بقوله: (لكنه تتخلل بينه وبين الحكم علة لا تضاف إلى السبب) كما فى دلالة السارق، فإن سرقة السارق علة لكون المال المدلول عليه مسروقا، وتلك العلة غير مضافة إلى الدال حتى لا يؤاخذ الدال لا بقطع اليد ولا بضمان المال، وليس للعلامة هذا الوصف، ولأن السبب قد
[ ٤ / ٢٠٤٠ ]
يكون له حكم العلل حتى يؤاخذ بضمان المال (كما في قود الدابة وسوقها) على مال إنسان فأتلفته، ولا يكون للعلامة حكم العلل أصلا.
(لأنه جزاء المباشر) قيل: حد المباشرة أن يتصل فعل الإنسان بغيره ويحدث منه التلف كما لو جرحه أو ضربه فمات من ذلك، وحد التسبيب أن يتصل أثر فعله بغيره لا حقيقة فعله ويتلف بأثر فعله كما فى حفر البئر؛ لأن المتصل بالواقع أثر فعله وهو العمق الحاصل بحفره لا حقيقة فعله؛ لأن حقيقة فعله اتصلت بالمكان وهي الحفر. كذا قال الإمام بدر الدين الكردري﵀.
(إلا أنه جعل السبب المؤكد بالعمد الكامل بمنزلة المباشرة) والسبب هو الشهادة الكاذبة تأكدت باستيفاء القصاص فكان سببا مؤكدا، والعمد الكامل هو تعيين الشهود المشهود عليه بالقتل بخلاف وضع الحجر وأمثاله، فإنه لم
[ ٤ / ٢٠٤١ ]
يوجد فيه العمد الكامل حيث لم يعين واضع الحجر أحدا للقتل ليكون قاصدا لقتله بالتسبب، فلذلك لم يجب فيه القصاص وإن وجد فيه التسبيب أيضا.
(لما سبق من قبل) أي في باب معرفة الأسباب بقوله: وقلنا لا تجب- أي الكفارة- على المسبب الذي قلنا؛ لأنها من الأجزية؛ (لأن المباشرة أضيفت إليه)؛ لأن تمكن المباشرة للقاتل من القتل إنما ثبت بشهادة الشهود، ولهذا صح أن يقول القاتل: باشرت القتل بشهادتهم، وكذلك صح للحاكم أن يقول: حكمت بشهادتهم، إلا أن حقيقة الإتلاف بمباشرة الولي القتل وذلك باختياره فكان سببا بمعنى العلة.
(فبقى الأول) وهو شهادة الشهود الشهادة الكاذبة، والثاني وهو مباشرة الولي القتل.
[ ٤ / ٢٠٤٢ ]
(ولهذا لم يصلح لإيجاب ما هو جزاء المباشرة) وهو الحرمان من الميراث ووجوب الكفارة والقصاص، فإن هذه الأحكام الثلاثة إنما تثبت بالمباشرة لا غير.
(لم يرجع على الدال بقيمة الولد) لما قلنا وهو قوله: لأنه صاحب سبب محض.
وقال الإمام شمس الأئمة﵀- لأن إخباره سبب للوصول إلى المقصود، ولكن تخلل بينه وبين المقصود وهو الاستيلاد ما هو علة فهو غير مضاف إلى السبب الأول.
(بخلاف ما إذا زوجها على هذا الشرط) بأن يقول: زوجتكها على أنها حرة؛ (لأنه صار صاحب علة)؛ لأن ما لزم عليه لزم بالاستيلاد،
[ ٤ / ٢٠٤٣ ]
والاستيلاد حكم ذلك التزويج المقيد بالوصف؛ لأن شرط الحرية صار وصفا للتزويج فكان لازما كالتزويج فكان ما لزم عليه مضافا إلى ذلك التزويج المقيد بالوصف.
(بخلاف المشتري إلى آخره يعني أنه المشتري) إذا استولدها ثم ظهر الاستحقاق فإنه يرجع بقيمة الأولاد؛ لأن بمباشرة عقد الضمان التزم صفة السلامة عن العيب ولا عيب فوق الاستحقاق.
وأما بمباشرة عقد التبرع فلا التزام بسلامة المعقود عليه عن العيب.
وقوله: (لأن البائع صار كفيلا) يعني إنما يرجع إلى البائع لكونه كفيلا لا لكونه تسبيبا.
(فصار كأنه قال له: إن ولدك حر بحكم بيعي فإن ضمنك أحد فأنا كفيل عنه) والإمام شمس الأئمة﵀- استضعف التعليل بطريق الكفالة وصحح ما ذكرته أولا فقال: الأول أصح؛ لأنه قال في كتاب العارية:
[ ٤ / ٢٠٤٤ ]
العبد المأذون إذا أجر دابة فتلفت باستعمال المستأجر ثم ظهر الاستحقاق رجع المستأجر بما يضمن من قيمتها على العبد في الحال والعبد لا يؤاخذ بضمان الكفالة ما لم يعتق، وهو مؤاخذ بالضمان الذي يكون سببه العيب بعد ما التزم صفة السلامة عن العيب بعقد الضمان.
(ولذلك لم يرجع بالعقر) يعني أن المستحق لو أخذ العقر من المشتري لا يرجع المشتري بما ضمن من العقر على البائع.
(فهو قيمة ما سلم له فلم يكن غرما) أي الذي سلم له من المنافع؛ لأنه استوفى المنافع واللازم بالعوض لا يسمى غرما. (الاستيناء) طلب الإنى، وهو الوقت.
[ ٤ / ٢٠٤٥ ]
(غير محفوظ بالبعد عن أيدي الناس بل) يدفع المالك شر العدوان عن ماله فلم تكن الدلالة إزالة للحفظ، وأيضا أنه لم يلتزم حفظه بخلاف المودع (على موجب العقد) أي عقد الإحرام.
(وكان صيد الحرم لكونه راجعا) أي لكون الحرم (راجعا إلى بقاع الأرض مثل أموال الناس) أي في كونه مضمونا باعتبار البقاع، فإن كان الصيد في بقعه لا يجوز التعرض فيها وهو الحرم يضمن من دل عليه إذا اتصل بالإتلاف، ولو كان خارج الحرم لا يضمن كما في أموال الناس، فإنها إن كانت مودعة عنده يضمن بدلالتها لكون الدلالة مباشرة جناية على ما التزمه من الحفظ بالتضييع، فأما إذا لم تكن مودعة عنده لا يضمن بالدلالة.
[ ٤ / ٢٠٤٦ ]
فإن قيل: الأجنبي أيضا التزم بعقد الإسلام أن لا يدل السارق على مال الآخر وقد ترك ما التزمه بالدلالة فينبغي أن يضمن أيضا.
قلنا: الالتزام هناك بعقد الإسلام كان مع الله فيقع عليه موجب ما تركه من الالتزام وهو الإثم حيث ترك ما التزمه، وهنا كان العقد واقعا مع المودع الذي هو صاحب المال فيقع عليه موجب ما تركه من الالتزام وهو الضمان مع الإثم.
(لأن ذلك سبب محض) أن لأن دفع الدافع السكين إلى الصبي سبب محض. (اعترض عليه علة) أي اعترض على ذلك السبب علة وهو وجؤه به نفسه.
(وإذا سقط عن يد الصبي عليه) أي على الصبي (فجرحه كان ذلك على الدافع)؛ لأن السقوط من يده لما كان بدون فعله الاختياري كان ذلك الجرح مضافا إلى السبب الأول، وهو مناولته إياه.
[ ٤ / ٢٠٤٧ ]
(فصار هو سببا له حكم العلل، وكذلك من حمل صبيا ليس منه بسبيل) أي ليس من الصبي بسبيل أي ليس له ولاية أخذ الصبي؛ حيث لم يكن وليا له فعطب بذلك الوجه أي فهلك الصبي بسبب ذلك الحر والبرد أو بسبب سبع كان فى ذلك الشاهق افترسه سبع أو سقط من ذلك الشاهق فهلك فإنه يضمن عاقلته؛ لأنه تسبب لموته.
أما إذا مات بمرض لم يضمن؛ لأنه يقال لولا تقريبه إياه إلى موضع أصابه فيه الحر والبرد وافتراس السبع لما هلك الصبي ولا يقال لولا أخذه من يد وليه لم يمت من مرضه.
وقوله: (لما ذكرنا) إشارة إلى قوله: لأن ذلك سبب محض اعترض عليه علة لا تضاف إليه بوجه- إلى أن قال: لأنه أضيف إليه العطب هنا.
[ ٤ / ٢٠٤٨ ]
(إذا كان صبيا يستمسك) أي يقدر على الجلوس على الدابة بدون أن يمسكه أحد.
(لأنه صار بمنزلة صاحب العلة لما وقعت المباشرة له) فيلزمه ما يثبت
[ ٤ / ٢٠٤٩ ]
بسبب المباشرة؛ لأن الغرم بإزاء الغنم بخلاف ما تقدم، وهو في قوله: لتأكل أنت؛ لأن كلام الآمر هناكل تسبيب محض قد تخلل بينه وبين السقوط ما هو علة وهو صعود الصبي الشجرة لمنفعة نفسه.
وكذلك في قوله: لنأكل نحن؛ لأن فعله وقع للآمر من وجه دون وجه فلا يجب الضمان بالشك أو لا ينقطع الحكم عن علته بالتردد، وأما هاهنا وهو في قوله: «لآكل أنا» فلما كان صعوده لمنفعة الآمر صار تسبيبه في معنى العلة بطريق الإضافة إليه.
(ومسائل ما يبتنى عليه أكثر من أن تحصى) ومن تلك المسائل: من أخرج ظبية من الحرم فولدت فهو ضامن للولد؛ لأنها بالحرم آمن صيدًا،
[ ٤ / ٢٠٥٠ ]
وبثبوت يده عليها يفوت معنى الصيدية، فيثبت به معنى إزالة الأمن في حق الولد بخلاف الغاصب فإنه لا يكون ضامنا للزوائد؛ لأن الأموال محفوظة بالأيدي فإنما يجب الضمان هنا بالغصب الذي هو موجب قصر يد المالك عن ماله، وذلك غير موجود في الزيادة مباشرة ولا تسبيبا إلى آخر ما ذكره الإمام شمس الأئمة﵀.
(لكنه لما كان يحتمل أن يؤول إليه سمي سببا مجازا) ونظير تسمية ما يؤول إليه قوله تعالى: (إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا) وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمْ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنْ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ) قيل: هو البيض
(وعندنا لشبهة المجاز شبهة الحقيقة) أي شبهة حقيقة العلة.
[ ٥ / ٢٠٥١ ]
(فلم يكن بد من أن يصير البر مضمونا بالجزاء) ليكون واجب الرعاية، وعند ذلك يتحقق المقصود من اليمين وهو الحمل المؤكد أو المنع المؤكد.
(صار لما ضمن به البر) وهو الكفارة في اليمين بالله ووقوع الطلاق والعتاق في التعليقات (شبهة الوجوب) أي الوقوع.
(فيكون للغصب حال قيام العين شبهة إيجاب القيمة)، ولهذا لو أبرأ المالك الغاصب صح قبل هلاك المغصوب ولو لم تكن القيمة واجبة لما صح؛ لأن الإبراء عن العين لا يصح وكذلك تصح الكفالة به، والكفالة إنما تصح بمقابلة الدين لا بمقابلة العين إلى آخر ما ذكرناه في موضع آخر.
(لم تبق الشبهة إلا في محله) أي في محل ثبوت الشبهة إلحاقا للشبهة بالحقيقة؛ لأن حكم الشبهة أبدا يؤخذ من حكم الحقيقة، وأن ما كان راجعا إلى المحل فالابتداء والبقاء فيه سواء.
[ ٥ / ٢٠٥٢ ]
(فإذا فات المحل) بإرسال الطلقات الثلاث (بطل) أي التعليق؛ لأن محلية الطلاق بمحلية النكاح، ولم يبق محلا للنكاح فلا يبقى محلا للطلاق بخلاف زوال النكاح بتطليقة أو تطليقتين؛ لأنها بقيت محلا للنكاح بعد.
(وعلى قوله: لا شبهة له أصلا) أي وعلى قول زفر ليس لقوله: أنت طالق «إن دخلت الدار» شبهة العلية أصلا (وإنما الملك للحال) هذا جواب يجيب به زفر عن شبهة ترد عليه على قوله: فإنه لما لم يجعل للتعليق حقيقة العلة ولا شبهتها كان ينبغي أن يصح تعليق الطلاق بدخول الدار في الأجنبية.
[ ٥ / ٢٠٥٣ ]
قال: وإن كان هو كذلك عندي لكن يشترط الملك حال التعليق لا باعتبار أن للتعليق شبهة العلة، بل يشترط الملك حال التعليق لتفيد اليمين فائدتها وهو ضمان البر بالجزاء؛ لأن الجزاء لا بد أن يكون مخيفا، وذلك بأن يكون غالب الوقوع أو متيقن الوقوع، فالغالب: فيما إذا كان التعليق فى الملك بدخول الدار وغيره، والمتيقن: فيما إذا كان التعليق بالملك؛ لأن الشيء إذا كان موجودا في الحال كان الظاهر بقاءه إلى الزمان الثاني واستمراره إليه، فإذا وجد الملك عند التعليق وحكم بصحته بناء على أن الظاهر بقاء الملك إلى وقت وجود الشرط بعد ذلك لا يضر فواته وهذا في فوات الملك بالإجماع.
وأما إذا فات المحل فكذلك عند زفر﵀- أي لا يبطل التعليق أيضا كما لو فات الملك، والجامع بينهما بقاء فائدة اليمين وهو احتمال وجود الجزاء عند وجود الشرط بأن يقع التحليل بزوج آخر ثم يطلقها، ثم يتزوجها الزوج الأول ثم يوجد الشرط.
(والجواب عنه) أي عما استشهد به زفر من صحة التعليق بالملك مع فوات الحل عند التعليق يقول: (إن ذلك الشرط فى حكم العلل) أي النكاح فى حكم التطليق من حيث إن ملك الطلاق يستفاد بالنكاح فكان النكاح معملا للعلة والحكم كما يضاف إلى العلة يضاف إلى علة العلة لما عرف في مسألة الرمي.
قال في «التقويم»: فالرمي علة النفوذ، والنفوذ علة الإصابة، والإصابة
[ ٥ / ٢٠٥٤ ]
علة السراية، والسراية علة الموت.
وأقرب من هذا قود الدابة أو سوقها على مال فأتلفته الدابة كان القائد أو السائق ضامنا لإعماله العلة، ولما كان كذلك تعارض مقتضى مطلق التعليق بمقتضى التعليق بالنكاح، فمقتضى كل واحد منهما يضاد مقتضى الآخر؛ لأن مقتضى مطلق التعليق بقاء النكاح؛ لأن للتعليق شبهة حقيقة علة الطلاق على ما ذكرنا، فكما أن حقيقة علة الطلاق تقتضي بقاء النكاح فكذلك شبهتها؛ لأن حكم الشبهة أبدا يؤخذ من حكم الحقيقة، ومقتضى التعليق بالنكاح يقتضي عدم النكاح باعتبار أن النكاح إنما يتحقق فى محل لا نكاح فيه؛ لئلا يلزم إثبات الثابت، فرجحنا جانب علة العلة لقوته لما أن علة العلة قائمة مقام العلة في مواضع على ما ذكرنا، فألغي لذلك جانب مطلق التعليق الذي له شبهة العلة على ما ذكر قبل هذا في أواخر باب وجوه الوقوف على أحكام النظم بقوله: فتسقط هذه الشبهة بهذه المعارضة.
فكان المراد من قوله: «الشبهة السابقة» هي شبهة حقيقة علة الطلاق التي تحصل من مطلق التعليق، ونعني بمطلق التعليق ما وراء تعليق الطلاق بالنكاح كتعليق الطلاق بدخول الدار أو كلام زيد أو ضرب عمرو أو غير ذلك.
وقوله: «السابقة عليه» أي السابقة على وجود الشرط وهذا هو الواضح.
[ ٥ / ٢٠٥٥ ]
أو نقول: وهو المشهور فيما بين الناس وهو أن النكاح لما كان له حكم العلة على ما ذكرنا كان تعليق الطلاق بالنكاح بمنزلة تعليق الطلاق بالتطليق وهو باطل؛ لأن تعليق الحكم بما هو علته لا يصح كما إذا قال: إن طلقتك فأنت طالق وإن أعتقك فأنت حر؛ لأن المزيل قارن الزوال فلا يعمل كما إذا قال: أنت طالق مع انقضاء عدتك لما أن المزيل يعتمد الثبوت سابقا وزمان الزوال ليس بزمان الثبوت فلا يصح هذا التعليق لكونه تعليق الحكم بما هو علته معنى فلا يشتر قيام المحل؛ لأنه إنما يشترط لشبهة التطليق.
وهذه الشبهة قد بطلت فبقيت يمينا مطلقا لوجود الشرط، والجزاء صورة ومحل اليمين ذمة الحالف، فإذا وجد الشرط وجب الجزاء، فوجه المعارضة ما بينا من مضادة مقتضى كل واحد من شبهة حقيقة العلة التي تحصل بمطلق التعليق ومن كونه معلقا بالنكاح الذي هو بمنزلة علة العلة وكذلك بيان السابقة ما بينا، والله أعلم.
(فأما الإيجاب) أي الإيجاب (المضاف) إلى وقت فى المستقبل نحو قوله: أنت طالق غدا ونحو قوله: لله علي أن أتصدق بدرهم غدا (فهو سبب فى الحال) بخلاف التعليق وهو كالثمن المؤجل والزكاة قبل الحول.
وقال الإمام شمس الأئمة﵀: فأما الإضافة إلى وقت لا تعدم السببية معنى كما يعدمه التعليق بالشرط، ولهذا قلنا في قوله تعالى: (فَعِدَّةٌ
[ ٥ / ٢٠٥٦ ]
مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) لا يخرج الشهر من كونه سببا حقيقة في حق جواز الأداء.
وقوله: (وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ) يخرج التمتع من أن يكون سببا لصوم السبعة قبل الرجوع من منى حتى لو أداه لا يجوز؛ لأنه لما تعلق بشرط الرجوع فقبل وجود الشرط لا يتم سببه معنى وهناك أضاف الصوم إلى وقت فقبل وجود الوقت يتم السبب فيه معنى حتى يجوز الأداء.
وقال الإمام الأرسابندي﵀: ولو قال: إذا جاء غد فلله علي أن أتصدق بدرهم فتصدق قبله لم يصح؛ لأن كلمة إذا كلمة شرط فإذا علقه بالشرط لم يبق سببا فلا يصح التعجيل بخلاف النذر المضاف فإنه سبب حتى لو قال: لله علي أن أتصدق بدرهم يوم الخميس فتصدق قبله صح لأن الإضافة دخلت على الحكم فاجلته فكان سببا في الحال، فإذا عجل المؤجل كما إذا عجل الدين المؤجل أو عجل الصوم في السفر.
(وأما السبب الذي له شبهة العلل فمثل ما قلنا في اليمين بالطلاق والعتاق) كمن قال لأجنبية: إن تزوجتك فأنت طالق. أو قال لعبد الغير:
[ ٥ / ٢٠٥٧ ]
إن ملكتك فأنت حر، وإنما أعاد ذكر هذه المسألة هاهنا بعد ما ذكر مرة؛ لأن ما ذكره قبل هذا كان بطريق التطفل؛ لأنه كان فى ذكر السبب الذي يسمى سببا مجازا، وذلك الذي ذكره اقتضى ذكر السبب الذي له شبهة العلل، وذكر ههنا قصدا تتميما لما ذكره من تعداد السبب بأنه مقسم أربعة أقسام.
فعلم بهذا أن الذي ذكره هنا كان لمعنى غير ذلك المعنى الذي اقتضى ذره قبل هذا.
فإن قلت: لا يتم هذا الذي ذكره أن السبب أربعة أقسام؛ لأن السبب الذي له شبهة العلل لما كان مثل ما ذكره من اليمين بالطلاق والعتاق وهو أيضا هو السبب الذي يسمى سببا مجازا على ما ذكر نظيره بذلك كانا شيئا واحدا فحينئذ كانت الأقسام ثلاثة.
قلت: لا، بل تمت الأربعة؛ فإن تعليق الطلاق بالنكاح هو السبب الذي له شبهة العلل علم ذلك بقوله: «والجواب عنه أن ذلك الشرط في حكم العلل» وبما ذكر قبل هذا في باب وجوه الوقوف بقوله: فأما تعليق الطلاق بالنكاح
[ ٥ / ٢٠٥٨ ]
فتعليق بما هو علة الطلاق ولو لم يجعل هكذا لم تتم الأربعة، فحصل من هذا كله أن تعليق الطلاق بالشرط على نوعين:
أحدهما: تعليق بشرط من الشروط كدخول الدار وكلام زيد وغيرهما بأن قال لامرأته: أنت طالق إن دخلت الدار، وهو الذي قاله وسبب وسمي به مجازا.
والثاني: تعليق الطلاق والعتاق بالملك بأن قال لأجنبية: إن تزوجتك فأنت طالق، أو قال لعبد الغير إن ملكتك فأنت حر. وهو الذي قاله: «وسبب له شبهة العلل». لكن هذا فى التقسيم وقع في القسم الثالث، وفي التقرير وقع في آخر الأقسام الأربعة؛ لما أن القسم الرابع الذي ذكره في التقسيم وهو السبب الذي في معنى العلة وهو نحو قود الدابة وسوقها على مال إنسان مر ذكره قبل هذا؛ فلذلك صرح هناك حين ذكره بقوله فيصير حينئذ من القسم الرابع لئلا يشتبه ما ذكره من التقسيم الذي قسمه على أربعة أقسام، ولا يرد مثل هذا الاشتباه على ما ذكره الإمام شمس الأئمة﵀- حيث جعل نظير السبب الذي له شبهة العلل حفر البئر فى الطريق وإرضاع الكبيرة الصغيرة فيما إذا كانتا ضرتين، والله أعلم.
[ ٥ / ٢٠٥٩ ]