(الحجج أربعة) ذكر بالتاء على تأويل البراهين أو الدلائل.
(أما القياس فلا يصح ناسخا لما نبين) يحتمل أن يكون حوالة التبيين على غير هذا الكتاب كما ذكر مثل هذا في موضع، منها: ما ذكره في باب الأداء والقضاء مسألة الأضحية بقوله: وإزالة التمول عن
[ ٣ / ١٥١٥ ]
الباقي عند أبي يوسف- على ما نبين في مسألة التضحية معناه أي في "المبسوط- فكذلك هاهنا، ويحتمل أن يكون ذلك هو ما ذكره في دليل أن الإجماع لا يصلح ناسخا، فإن فيه نوع إشارة إلى هذا، والله أعلم.
وأما الدليل على أن القياس لا يصلح ناسخا للكتاب والسنة هو أن الصحابة -﵁- كانوا مجمعين على ترك الرأي بالكتاب والسنة هو أن الصحابة -﵁- في حديث الجنين: "كدنا أن نقضي فيه برأينا وفيه سنة عن رسول الله ﵇" وقال ﵁: "لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره، ولكني رأيت رسول الله ﵇ يمسح على ظاهر الخف دون باطنه"ولأن القياس كيف ما كان
[ ٣ / ١٥١٦ ]
لا يوجب العلم، فكيف ينسخ بهم اهو موجب للعلم قطعا؛ وقد علم أن النسخ بيان مدة بقاء الحكم وكونه حسنا إلى ذلك الوقت ولا مجال للرأي في معرفة انتهاء وقت الحسن.
(واحتج بقوله تعالى: (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَاتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا» فوجه التمسك به أن الله تعالى شرط المثلية أو الخيرية في النسخ أي أن يكون الناسخ مثلا للمنسوخ أو خيرًا منه، والقرآن كلام الله غير مخلوق، وهو معجز، والسنة كلام مخلوق وهو غير معجز فلذلك قال: لا يجوز نسخ الكتاب بالسنة.
[ ٣ / ١٥١٧ ]
وكذلك (قوله تعالى: (قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي»
تنصيص على أنه ﵇ كان متبعا لكل ما أوحي إليه ولم يكن مبدلًا لشيء منه، والنسخ تبديل.
[ ٣ / ١٥١٨ ]
وقوله: (والوصية الأولى كانت معهودة، فلو كانت تلك الوصية باقية مع الميراث ثم نسخت بالسنة لوجب ترتيبه على المعهودة) أي لوجب ترتيب الميراث على الوصية المعهودة بقوله: من بعد الوصية معرفا بحرف العهد، ولم يقل ذلك بل قاله: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ) مطلقا، وهي تتناول كل ما ينطق عليه اسم الوصية بطريق البدل علة ما هو المعروف في المطلق، فكانت آية المواريث مطلقة بعد المقيد، فإطلاق المقيد نسخ للمقيد كتقييد المطلق، فإنه نسخ للمطلق على ما يجيء إن شاء الله تعالى.
فعلم بهذا أن هذه الآية بإطلاقها التي هي قوله: (يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ) حيث قال: فلو كانت تلك الوصية باقية مع الميراث ثم نسخت بالسنة: "إلى آخره؛ لأن أول تلك السنة دال على أن السنة متأخرة عن قوله تعالى (يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ) الآية، وهو قوله ﵇: "إن الله
[ ٣ / ١٥١٩ ]
تعالى أعطى لكل ذي حق حقه فلا وصية لوارث" أي أعطى كل ذي حق حقه في قوله تعالى: (يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ) الآية، فكانت متأخرة عنه لا محالة (وقصره على حدود لازمة)، كالثمن والربع والنصف.
(أي بهذا الفرض) أي بهذا القدر المذكور في قوله تعالى: (يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ) (نسخ الحكم الأول)، وهو حكم قوله تعالى: (الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ) فحينئذ كان الحديث مقررًا لموجب قوله تعالى: (يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ) وهذا لأن الفاء في قوله ﵇: "فلا
[ ٣ / ١٥٢٠ ]
وصية لوارث" دخلت على الحكم وهو حكم بيان الميراث بأن لا وصية لوارث، فكان مقررًا لقوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ).
(إلانا أنا قد روينا عن عمر) ﵁- بضم الراء على بناء المفعول- (أن الرجم كان مما يتلى) في القرآن على ما قال: لولا أن الناس يقولون إن عمر زاد في كتاب الله لكتبت على حاشية المصحف: "الشيخ والشية إذا زنيا فارجموهما البتة" فعلى هذا كان هذا نسخ الكتاب بالكتاب لا نسخ الكتاب بالسنة، (ولأن قوله تعالى: (أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا) مجمل فسرته السنة). وإليه أشار النبي ﵇ بقوله: "خذوا عني خذواعني قد جعل الله لهن سبيلا".
[ ٣ / ١٥٢١ ]
وحاصله إن حديث الرجم لا يصلح ناسخًا؛ لأن ذلك إما كتاب على ما قاله عمر﵁- أو غير كتاب، فإن كان كتابًا كان ذلك نسخ الكتاب بالكتاب لا نسخ الكتاب بالسنة على ما ذكرنا، وإن لم يكن كتابًا كان هو تفسيرًا لمجمل الكتاب، والتفسير لا يسمى نسخًا كما روي عن النبي ﵇: "أنه مسخ على ناصيته" فهو تفسير لمجمل قوله تعالى: (وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ) في حق المقدار لا نسخ، ولا خلاف لأحد في أن بيان المجمل في كتاب الله تعالى بالسنة يجوز.
(وإن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ الآية)، فإن (هذا حكم نسخ بالسنة) يعني أن قوله تعالى: (فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُم مِّثْلَ مَا أَنفَقُوا) حكم منصوص في القرآن فقد انتسخ وناسخه لا يتلى، فعرفنا أن نسخه ثبت بالسنة.
[ ٣ / ١٥٢٢ ]
(ما غرم فيها زوجها) أي من الصداق وغيره، (وفي ذلك أقوال مختلفة).
قال بعضهم: إن هذا الحكم نسخ بآية القتال. كذا ذكره في: "التيسير".
وقال بعضهم: نسخ حكم الكتاب بترك الناس العمل به، فإن قوله: (وآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا) وقوله: (واسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ ولْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا) الحكم متروك من غير أن يكون في تركه كتاب أو سنة، ولكن الناس لما أجمعوا على تركه ترك، وهذا أمثاله في حكم عرف ثبوته على الخصوص لمعنى ثم انعدم المعنى.
فأمل ما لا يعقل معناه فيجب العمل بالكتاب ولا يترك بترك الناس.
وقال بعضهم: إنه صار منسوخًا بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ) كذا في "شرح التأويلات".
وقال بعضهم: المراد منه الإعانة لمن أصيب بفوت ما أدى من المهر
[ ٣ / ١٥٢٣ ]
لامرأته التي أرتدت إلى دار الحرب، والإعانة هذه أمر مندوب إليه غير منسوخ على ما ذكر في الكتاب، وكذلك اختلف في تفسير قوله: «فَعَاقَبْتُمْ» فلما اختلف في تأويله بمثل هذه الاختلافات لم يصح الاحتجاج به على حكم معين، فلما رأى الإمام المحقق شمس الأئمة -﵀- فساد مثل هذه التمسكات ف جواز نسخ الكتاب بالنسة، ورأى ديل جوازه على ما نذكر.
قال: فبهذا تبين أنه لا يؤخذ نسخ حكم ثابت بالكتاب هو ثابت بالسنة ابتداء، وإنما يؤخذ من ذلك الزيادة بالسنة على الحكم الثابت بالكتاب نحو ما ذهب إليه الشافعي﵀- في ضم التغريب إلى الجلد في حد البكر، فإنه أثبته بقوله: "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام"، ومثل هذه الزيادة عندنا نسخ، وعنده بيان التخصيص ولا يكون نسخًا.
ثم قال: الحجة لإثبات جواز نسخ الكتاب بالسنة قوله تعالى: (وأَنزَلْنَا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ) فإن المراد به بيان حكم غير متلو في الكتاب مكان حكم آخر هو متلوعلى وجه تتبين به مدة بقاء الحكم الأول
[ ٣ / ١٥٢٤ ]
وثبوت الحكم الثاني، والنسخ ليس إلا هذا
والدليل على أن المراد هذا لا ما توهمه الخصم من بيان الحكم المنزل في الكتاب أنه قال: (مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ) ولو كان المراد الكتابب لقال: ما نزل إليك، كما قال (بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إلَيْكَ مِن رَّبِّكَ) والمنزل إلى الناس الحكم الذي أمروا باعتقاده والعمل به، وذلك يكون تارة بوحي متلووتارة بوحي غير متلو، وهوما يكون مسموعًا من رسول الله ﵇ مما يقال إنه سنة، فقد ثبت بالنص أنه كان لا يقول ذلك بوحي: قال الله تعالى: (ومَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى (٣) إنْ هُوَ إلاَّ وحْيٌ يُوحَى)
[ ٣ / ١٥٢٥ ]
(والدليل المعقول أن النسخ لبيان مدة الحكم، وجائز للرسول بيان حكم الكتاب) أي بيان حكم الكتاب في مدة مشروعيته، فعلى هذا التقرير يكون هو ﵇ مبينًا للوقت فيما هو منزل من الكتاب فحينئذ لم يبق فيه خلاف لأحد؛ لأن له تبيين ما نزل إليه من الكتاب بالاتفاق لقوله تعالى: (وأَنزَلْنَا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ).
فإن قيل: ففي هذا اختلاط البيان بالنسخ، وبالاتفاق بين البيان والنسخ فرق.
قلنا: لا كذلك، فإن كل واحد منهما في الحقيقة بيان إلا أن البيان المحض يجوز أن يكون مقترنًا بأصل الكلام كدليل الخصوص في العموم فإنه لا يكون إلا مقارنًا، وبيان المجمل فإنه يجوز أن يكون مقارنًا، فأما النسخ فبيان لا يكون إلا متأخرًا، وبهذه العلامة يظهر الفرق بينهما، فأما أن يكون النسخ غير البيان فلا.
كذا ذذكره الإمام شمس الأئمة﵀-.
قوله: (وأما السنة فإنما ينسخ بها حكم الكتاب دون نظمه) إلى
[ ٣ / ١٥٢٦ ]
آخره، فإن كلا منهما في إيجاب الحكم سواء.
فإن قلت: هذا مناقض لقوله قبل هذا بخطوط "وترك رسول الله ﵇ آية في قراءته فلما أخبر به فقال: "ألم يكن فيكم أبي؟ " فقال: بلى يا رسول الله لكني ظننت أنها نسخت. فقال ﷺ: "لو نسخت لأخبرتكم" فإنما ظن النسخ من غير كتاب يتلى حيث استدل بهذا الحديث على جواز نسخ الكتاب بالسنة، وفي ذلك الحديث ظن نسخ نظم الكتاب بالسنة، فعلى وفاق ذلك يلزم أن يجوز نسخ نظم الكتاب بالسنة وإلا يتناقض.
وكذلك هذا القول مناقض لما ذكره شمس الأئمة﵀- بقوله: والدليل عليه أنه لا خلاف بيننا وبين الخصم في جواز التلاوة دون الحكم، ونسخ تلاوة الكتاب إنما يكون بغير الكتاب إلى آخره وغير الكتاب قد يكون السنة وقد يكون ذلك رفع حفظه عن القلوب.
قلت: قيل معنى قوله: "فإنما ينسخ بها حكم الكتاب دون نظمه" أي على وجه تقوم السنة مقام نظم الكتاب، وبهذا التأويل ينفي التناقض.
أو نقول: إن الذي ذكرته من الحديث هو من حيث اقتضاء الدليل أي إن الدليل لا يفصل بين أن تكون السنة ناسخة لنظم الكتاب؛ لأن كلا
[ ٣ / ١٥٢٧ ]
منهما وحي يوحى إليه فيصلح أن يكون كل منهما مبينًا لانتهاء وقت مشروعية الآخر، وأن الذي ذكر هنا بقوله:
وأما السنة فإنما ينسخ بها حكم الكتاب دون نظمه" هو من حيث الوجود أي إنما وجد نسخ السنة للكتاب وجد في نسخ حكم الكتاب لا في نظمه كما في رواية عائشة ﵂: "ما قبض رسول الله حتى أباح الله تعالى له من النساء ما شاء" فكان هذا منها حكاية سنة نسخت قوله تعالى: (لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ) من حيث الحكم لا من حيث النظم.
وكذلك فيما ذكره الإمام شمس الأئمة﵀- بأن هذا من حيث الزيادة على النص.
وذلك مثل حديث مشهور رفاعة في اشتراط الدخول للزوج الثاني في التحليل، وهذا حديث مشهور زيد على مطلق قوله تعالى: (فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ).
[ ٣ / ١٥٢٨ ]
وكذلك زيدت فرضية السجود مرتين على مطلق قوله تعالى: (ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا) ونحوهما.
(كان المنسوخ مثل الناسخ لا محالة)؛ لأن كلا منهما في إيجاب الحكم على السواء، فكانا متماثلين، (ولو وقع الطعن بمثله لما صح ذلك) جواب لقوله: "لأنه لو نسخ القرآن به" أي بالحديث لكان مدرجة إلى الطعن.
قلنا: مثل ذلك موجود أيضًا في نسخ الكتاب بالكتاب ونسخ السنة بالسنة، ومع ذلك لم نقل نحن جميعًا بكون ذلك مدرجة إلى الطعن فكذلك هاهنا، وهذا لأنا قد بينا حكمة جواز النسخ بقولنا: إن ورود الأوامر والنواهي لمنفعة المخاطبين، فجاز أن تختلف منافع المخاطبين باختلاف الأوقات كما يختلف أمر الطبييب ونهيه في حق المريض بسبب اختلاف حاله.
ولما لم يكن نسخ الكتاب بالكتاب ونسخ السنة بالسنة مؤديًا إلى التناقض وتطرق الطاعنين إلى الطعن في رسول الله ﵇ لم يكن القول بجواز نسخ الكتاب بالسنة مؤديا إليه بل هو مؤد إلى تعظيم رسول الله ﵇ وإلى قرب منزلته من حيث إن الله تعالى فوض بيان الحكم الذي هو وحي في الأصل إليه ليبينه بعبارته، وجعل لعبارته من الدرجة ما تثبت به مدة الحكم
[ ٣ / ١٥٢٩ ]
الذي هو ثابت بوحي متلو حتى يتبين به انتساخه.
(وأما الحديث فدليل على أن الكتاب يجوز أن ينسخ السنة)؛ لأن السنة لما لم تقبل عند مخالفتها الكتاب ولم يعمل بالسنة عندها كان الكتاب ناسخًا لها كما لا يعمل بالمنسوخ عند ورود الناسخ، فكان هو دليلًا على جواز نسخ السنة بالكتاب، وقال الإمام شمس الأئمة﵀-: فقد قيل هذا الحديث لا يكاد يصح؛ لأن هذا الحديث بعينه مخالف لكتاب الله تعالى، فإن في الكتاب فرضية اتباعه مطلقا بمعنى قوله تعالى: (ومَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ومَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) وفي هذا الحديث فرضية اتباعه مقيدًا بأن لا يكون مخالفًا لما يتلى في الكتاب ظاهرًا، ولئن ثبت فالمراد به أخبار الآحاد لا المسموع ممنه بعينه أو الثابت عنه بالنقل المتواتر، وفي اللفظ ما دل عليه وهو قوله: "إذا روي لكم عني حديث" ولم يقل إذا سمعتم، وبه نقول: "إن بخبر الواحد لا يثبت نسخ الكتاب؛ لأنه لا يثبت كونه مسموعًا من رسول الله ﵇ قطعًا ولهذا لا يثبت به علم اليقين على أن المراد من قوله: "وما خالف فردوه" عند التعارض إذا جهل التاريخ بينهما حتى لا توقف على الناسخ والمنسوخ منهما فإنه يعمل بما في كتاب الله تعالى، ولا يجوز ترك ماهو ثابت في كتاب الله تعالى نصا عند التعارض ونحن هكذا نقول، وإنما الكلام فيما إذا عرف التاريخ بينهما.
[ ٣ / ١٥٣٠ ]
(أولم يكن في الصحة بحيث ينسخ به الكتاب) بأن يكون خبر الواحد، فإن الكتاب إنما ينسخ بالنسة المتواترة ويزاد عليه بالسنة المشهورة وهو نسخ عندها ولا يجوز شيء منهما بخبر الواحد.
فإن قلت: في هذا سؤال كلي وهو أن وقت جواز النسخ وقت حياة النبي ﵇؛ لأنه لا نسخ بعده فبوفاته انسد باب النسخ، وتقسيم السنن بالآحاد والمشهور والمتواتر بحسب النقلة، وذلك إنما يكون بعد وفاته؛ لأن من يشك في خبه بسبب أنه خبر الواحد فيمكن أن يحضر الحضرة النبوية ويسأل النبي ﵇ عن الخبر فيعلم عند ذلك صحة ما سمعه منه قطعًا وبتاتًا فكان كل الخبر قطعيًا، ولا يرد هذا التقسيم فبعد ذلك كيف يستقيم الترديد بقولنا: إذا كان الخبر متواترًا يصح النسخ به وإذا كان واحدًا لا يصح؟ فكان هذا في التعاقب نظير الإجماع من حيث إن وقت جواز النسخ لا يرد تقسيم الخبر، وإن وقت جواز التقسيم انسد باب النسخ، وقد ذكر أن النسخ بالإجماع لا يصح؛ لأنه لا يتصور النسخ للتعاقب على ما ذكرنا، فكذا هنا فما وجه صورة نسخ الكتاب بالسنة وصورة عكسه حينئذ؟
قلت: التنافي إنما يكون من حيث الصورة لا من حيث المعنى؛ لأن معنى قولنا: "يصح نسخ الكتاب بالخبر المتواتر والمشهور: أي يظهر النسخ الذي كان ثابتًا وقت حياة النبي ﵇ ل أن يثبت النسخ به ابتداء بعد وفاة النبي ﵇ إذ لا نسخ بعده.
[ ٣ / ١٥٣١ ]
وأما قولك: تقسيم الخبر بخبر الواحد والمشهور والمتواتر: إنما يستقيم بعد وفاة النبي ﵇ لا وقت حياته فهو غير مسلم، فإن أخباره كانت منقسمة على هذه الأقسام الثلاثة وقت حياته أيضا لكن لكون ذلك الوقت وقت جواز النسخ يثبت النسخ بخبر الواحد. إلى هذا كله أشار الإمام شمس الأئمة﵀- حيث قال: ثم إنما يجوز نسخ الكتاب بالسنة المتواترة أو المشهورة على وجه لو جهل التاريخ بينهما يثبت حكم التعارض.
فأما خبر الواحد فلا يجوز النسخ به بعد رسول الله ﵇؛ لأن التعارض به لا يثبت بينه وبين الكتاب، فإنه لا يعلم بأنه كلام رسول الله ﵇ لتمكن الشبهة في طريق النقل، ولهذا لا يوجب العلم فلا تتبين به مدة بقاء الحكم الثابت بما يوجب علم اليقين.
فأما في حياة رسول الله ﵇ فقد كان يجوز أن يثبت نسخ الكتاب بخبر الواحد.
ألا ترى أن أهل قباء تحولوا في خلال الصلاة من جهة بيت المقدس إلى جهة الكعبة بخبر الواحد ولم ينكر ذلك عليهم رسول الله ﵇، وهذا لأن في حال حياته كان احتمال النسخ فأما بعده فلا احتمال للنسخ ابتداء ولابد من أن يكون مما يثبت به النسخ مستندا إلى حال حياته بطريق لا شبهة فيه وهو النقل المتواتر، وما يكون في حيز المتواتر.
قلت: وبقوله: ولابد من أن يكون ما يثبت به النسخ مستندًا إلى حال
[ ٣ / ١٥٣٢ ]
حياة النبي ﵇ بطريق لا شبهة فيه وهو النقل المتواتر "يعلم أن الذي يقال: إنما يجوز نسخ الكتاب بالخبر المتواتر" معناه يظهر النسخ الثابت وقت حياة النبي ﵇ فلم يبقى التنافي حينئذ بخلاف في الإجماع، فإن في القول بجواز النسخ بالإجماع ثبوت التنافي لا محالة من حيث الإجماع، فإن في اقول بجواز النسخ بالإجماع ثبوت التنافي لا محالة من حيث إن وقت جواز النسخ بالإجماع ثبوت التنافي لا محالة من حيث إن وقت جواز النسخ لا اعتبار للإجماع، ووقت اعتبار الإجماع لم يبق جواز النسخ، فلذلك قلنا: لا يتصور النسخ بالإجماع لثبوت التنافي بينهما. والتوقيت قائمًا في كل حكم؛ لأن الوحي كان ينزل حالًا فحالًا.
(فإن المراد بالخيرية فيما يرجع إلى العباد دون النظم بمعناه، فكذلك المماثلة) فيستقيم حينئذ إطلاق القول بأن الحكم الثاني مثل الأول أو خير منه على معنى زيادة الثواب والدرجة فيه، أو كونه أيسر على العباد أو أجمع لمصالحهم عاجلًا وآجلًا. إلا أن الوحي المتلو نظمه معجز، والذي هو غير متلو نظمه غير معجز لأنه عبارة مخلوق وهو وإن كان أفصح العرب فكلامه ليس بمعجز. ألا ترى ما تحدى الناس إلى الإتيان بمثل كلامه كما تحداهم إلى الإتيان بمثل سورة من القرآن، ولكن حكم النسخ لا يختص بالمعجز. ألا ترى أن النسخ يثبت بما دون الآية ولآية واحدة، واتفق العلماء على صفة الإعجاز في سورة وإن تكلموا فيما دون السورة، فعرفنا أن حكم النسخ لا يختص بالمعجز.
[ ٣ / ١٥٣٣ ]
وقوله: (على أنا قد بينا) إشارة إلى قوله: "وأما السنة فإنما ينسخ بها حكم الكتاب دون نظمه إلى آخره" فإنهما في حق الحكم متماثلان (على هذه الجملة) أي على وفاق هذه الجملة، فإن كل واحد من الحكمين ثابت بطريق الوحي وشارعه علام الغيوب، وإن كانت العبارة في أحدهما لرسول الله ﵇ فكانا متماثلين من حيث الحكم.
(الحنتم): شبوي سبز، (النقير): المنقور من الخشب، (المزفت): المطلى بالزفت وهو القار.
[ ٣ / ١٥٣٤ ]
****
[ ٣ / ١٥٣٥ ]