فالتفاوت بين القول الأول وبين الثالث إن في القول الأول شريعة من قبلنا تلزمنا على أنها شريعة من قبلنا، وفي القول الثالث تلزمنا على أنها شريعتنا، والتفاوت بين القول الثالث والرابع أن في القول الثالث أنها تلزمنا على أنها شريعتنا سواء قص الله تعالى أو لم يقص، وفي الرابع شرط اللزوم علينا أن يقص الله تعالى من غير إنكار، أو يقص الرسول ﵇ من غير إنكار.
[ ٣ / ١٥٧٤ ]
(الهدى: اسم يقع على الإيمان والشرائع) جميعًا; لأن الشرائع سبل الهدى وسبيل الله لا يكون إلا بالهدى. قال الله تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ) ولأن القرآن سمى هدى أي هاديًا كقوله تعالى: (هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) وهو يهدى إلى ماهو من موجبات العقل وإلى ماهو لا يعرف الا سمعًا، فعلم أن الكل هدى.
(ألا ترى أنها كانت تحتمل الخصوص في المكان في رسولين) أي
[ ٣ / ١٥٧٥ ]
الاختصاص في المكان يقتضى أن يكون الرسولان في مكانين; لأن الاختصاص في المكان لكل واحد منهما إنما يكون في مكانين، فكذلك في الزمان أيضًا، ونظير رسولين بعثًا في زمان واحد من غير تبعية بينهما موسى وشعيب ﵉، ونظيرهما بأن يكون أحدهما تبعًا للآخر موسى وهارون ﵉، فإن النبي ﵇ كان أصلًا في الشرائع وليس لأحد أن يقول: إن الانبياء كانوا قبله فكيف يكون هو أصلًا في شرائع النبيين قبله؟
لأنا نقول: لا يلزم من كونهم مقدمين كونهم أصلًا كالسنة قبل الظهر، فكان الأنبياء كلهم بمنزلة المؤسسين لقاعدته فكان هو أصلا في الشرائع.
(وكان وارثا لما مضى من محاسن الشريعة). قال الله تعالى: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ) والإرث يثبت ملكًا للوارث وهو بعينه كان ملكًا للمورث، فهذا يدل على أن شريعة من قبلنا تصير شريعة لرسولنا ﵇ عملًا بقضية الإرث، فعلى هذا كان الرسول المتقدم بمنزلة واحد من أمة محمد عليه
[ ٣ / ١٥٧٦ ]
السلام، وإلى هذا أشار ﵇ بقوله: "لو كان موسى حيًا لما وسعه إلا اتباعي".
(ومكارم الأخلاق) قال النبي ﵇: "بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".
وقيل: مكارم الأخلاق في ثلاثة: إعطاء من يحرمه، ووصل من يقطعه، والعفو عمن اعتدى عليه وحكي أن سلطان سمرقند كان واليًا من جانب سلطان غزنة فجنى في عمله فأرسل سلطان غزنة إليه رسولًا ليأتي به إليه، فعلمه سلطان سمرقند فشاور في ذلك أهل مجلسه، فقال شيخ من أهل مجلسه: أنا أذهب إليه لأجلك، وهو يعفو عنك، فذهب إليه وقال هذا الشعر:
[ ٤ / ١٥٧٧ ]
من كان يرجو عفو من هو فوقه عن ذنبه فليعف عمن دونه
فعفا عنه، وقيل:
آنكه سيمت نداد زر بخشش وآنكه يايت بريد سر بخشش
وآنكه زهرت دهد بدو ده قند وآنكه از تو برند بدوبيوند
تا شوي ازكتاب وصل وفراق دفتري از مكارم الأخلاق
(التهوك): التحير.
[ ٤ / ١٥٧٨ ]
وقوله: (من الأقوال) أي من الأقوال الثلاثة التي مر ذكرها في أول هذا الباب.
بهذا الشرط أي بشرط القصة من غير إنكار.
(لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ) وإنما أخبر الله تعالى ذلك عن صالح ﵇، ومعلوم أن محمدًا﵀- ما استدل به إلا بعد اعتقاده بقاء ذلك الحكم شريعة لنبينا ﵇.
واستدل أبو يوسف﵀- على جريان القصاص بين الذكر والأنثى بقوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) وبه كان يستدل الكرخي﵀- على جريان القصاص بين الحر والعبد والمسلم والذمي.
[ ٤ / ١٥٧٩ ]
والشافعي في هذا لا يخالفنا حيث استدل برجم النبي ﵇ اليهودين بحكم التوراة كما نص عليه بقوله ﵇: "أنا أحق من أحيا سنة أماتوها" على وجوب الرجم على أهل الكتاب وعلى أن ذلك صار شريعة لنبينا، ونحن لا ننكر ذلك أيضا ولكنا ندعي انتساخ ذلك بطريق زيادة شرط الإحصان لإيجاب الرجم في شريعتنا، ولمثل هذه الزيادة حكم النسخ عندنا.
وبين المتكلمين اختلاف في أن النبي ﵇ قبل نزول الوحي عليه هل كان متعبدًا بشريعة من قبله؟ فمنهم من أبي ذلك ومنهم من توقف ومنهم من قال: كان متعبدًا.
(وما يقع به ختم باب السنة).
[ ٤ / ١٥٨٠ ]
باب متابعة أصحاب النبي ﵇
وإنما جعل متابعتهم ختم باب السنة لاحتمال أنهم سمعوا من رسول الله ﵇، ولما كان متابعة أصحاب النبى ﵇ بطريق الاحتمال في السماع منه وقع مؤخرا من الذي كان السماع منه قطعيا.
(البردعي) -بالدال المهملة- هكذا كان مسموعا من شيخي -﵀- ومقيدا بقيده، وهذا الإمام -﵀كان عظيم القدر والمنزلة في الفقه والورع حيث أنه بلغ في بغداد في سفر الحجاز ورأى فيه نفاة القياس منهم
[ ٤ / ١٥٨١ ]
داود الأصفهاني وعلل هو في مسألة بيع أم الولد وادعى جوازه، وقال: تيقنا بجواز بيعها، فيبقى ما كان على ما كان.
وعارضه أبو سعيد البرادعي وقال: تيقنا بعدم جواز بيعها أي فيما إذا كان الولد في بطنها وشككنا في جواز بيعها، فيبقى ما كان على ما كان، فحينئذ عزم على الإقامة في بغداد فقال: ليس الحج علي بفريضة، وإظهار الحق بنشر العلم على فريضة، ونام في ليلة ذلك اليوم، ورأى في المنام قارئا يقرأ قوله تعالى: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ) واستيقظ من نومه، فسمع مناديا ينادي أيها الناس أجركم الله
[ ٤ / ١٥٨٢ ]
فقد مات داود الأصفهاني.
(ومنهم من فصل في التقليد) أي ومن المشايخ وأمثالهم مثل ابن مسعود وابن عباس ومعاذ بن جبل -﵃- (في هذا الباب) أي في باب تقليد الصحابي.
[ ٤ / ١٥٨٣ ]
(وأفسدوا شراء ما باع بأقل مما باع) قبل نقد الثمن والقياس يجوزه كذا في "التقويم".
[ ٤ / ١٥٨٤ ]
(لا وجه له غير هذا إلا التكذيب) أي تكذيب الصحابي. (وذلك باطل) أي القول بالتكذيب باطل؛ لأن الله تعالى أثنى عليهم بقوله: (والسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ والأَنصَارِ)
وقال النبي ﵇ "اتقوا الله من أصحابي" أي من القول بما يوجب نقضهم.
(واحتمال الخطأ قي اجتهادهم كائن لا محالة)؛ لأنهم ما كانوا معصومين من الخطأ.
(وكانوا لا يدعون الناس إلى أقوالهم) فلو كان قول الواحد منهم مقدما على الرأي لدعا الناس إلى قوله كما كان رسول الله ﵇ يدعو الناس إلى العمل بقوله، وكما كانت الصحابة يدعون الناس إلى العمل بالكتاب والسنة وإلى العمل بإجماعهم فيما أجمعوا عليه إذ الدعاء إلى الحجة واجب.
[ ٤ / ١٥٨٥ ]
(وإذا كان كذلك) أي إذا كان احتمال الخطأ ثابتا لم يجز تقليد مثله (وجب الاقتداء بهم في العمل بالرأي مثل ما عملوا)، فإنهم كانوا يعملون بالرأي عند عدم وجدان النص، ولا يقلد بعضهم لبعض فلو قلدناهم لكنا مخالفين لهم ولا يكون حينئذ عملنا في الرأي مثل عملهم.
(ومن ادعى الخصوص) أي ومن قال بوجوب تقليد الخلفاء الراشدين وأمثالهم لا غيرهم استدل بقول النبي ﵇: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي".
(وبما روي في هذا الباب من اختصاصهم مما دل على ما قلنا) أي الحديث الذي روي في باب التقليد من تقليد الخلفاء الراشدين على
[ ٤ / ١٥٨٦ ]
الخصوص دليل على أن الخلفاء الراشدين ومن يماثلهم في العلم والورع يقلدون على الخصوص لا غيرهم.
أما تقليد الخلفاء على الخصوص بمثل هذه الأخاديث فظاهر وأما تقليد من يماثلهم فلمشاركتهم في العلم والورع لما أن وجوب اتباع الخلفاء لا لذاتهم بل لعلمهم وورعهم في الدين ومن يشاركهم في ذينك الوصفين كان واجب الاتباع أيضا؛ إذ الاشتراك في العلة يوجب الاشتراك في الحكم، فكان وجوب اتباع الخلفاء بعبارة النص، ووجوب اتباع من يماثلهم بدلالة النص مع أن النص ورد في غير الخلفاء أيضا دالا على وجوب الاتباع كقوله ﵇ في حق عبد الله بن مسعود ﵁: "رضيت لأمتي ما رضيه ابن أم عبد" وكقوله ﵇ في حق معاذ ﵁: "أفقهكم معاذ" وكقوله في حق عائشة ﵂: "خذوا ثلثي دينكم من هذه
[ ٤ / ١٥٨٧ ]
الحميراء" وقوله: (وقد كانوا يسكنون عن الإسناد) جواب شبهة ترد على قوله: أحدهما احتمال السماع والتوقيف بأن يقال لو كان السماع من رسول الله ﵇ ثابتا لهم لأسندوا الحديث إليه.
وقالوا: قال النبي ﵇ كذا، فأجاب عنه بهذا.
(ولاحتمال فضل إصابتهم في نفس الرأي) لبركة صحبة الرسول ﵇ وتقدمهم على من بعدهم في الخيرية من حيث الزمان على ما قال عليه
[ ٤ / ١٥٨٨ ]
السلام: "خير القرون الذين أنا فيهم ثم الذين يلونهم" الحديث وقال ﵇: "لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه".
ودل على هذا المعنى قوله تعالى: (لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ) الآية، فلما ثبت لهم الفضيلة من حيث الذات ومن حيث الزمان كانوا يوفقون لإصابة الرأي ما لا يوفق غيرهم لمثله، فكان رأيهم أبعد عن احتمال الخطأ من رأي من بعدهم.
(لتكون السنة بجميع وجوهها) وهي المتواتر والمشهور والآحاد والمرسل والمسند والقولي والفعلي وشبهها وهي: أقوال الصحابة.
[ ٤ / ١٥٨٩ ]
(فقد ضيع الشافعي عامة وجوه السنن) حيث لم يجعل المراسيل حجة وقدم القياس على خبر الواحد، ولم يقلد قول الصحابة مع احتمال السنة فيه (مدرجة) أي طريقا.
(قام الشرع بخصاله) أي بما يقتضيه ويتصف به من أصوله وفروعه.
(وهذا الاختلاف) أي الاختلاف في جواز التقليد وعدمه (في كل ما ثبت عنهم من غير خلاف بينهم ومن غير أن يثبت أنه بلغ غير قائله فسكت مسلما له) أي صورة مسألة الخلاف في جواز التقليد بقول الصحابة وعدم جواز التقليد به فيما إذا ورد قول من صحابي فيما يدرك بالقياس ولم
[ ٤ / ١٥٩٠ ]
ينقل من غيره في حكم ذلك القول تسليم ولا رد إذا لو كان وروده فيما لا يدرك بالقياس كان قول الواحد منهم حجه بلا خلاف بين أصحابنا المتقدمين والمتأخرين حتى أخذنا بقول علي -﵁- في تقدير المهر بعشرة دراهم وأخذنا بقول أنس -﵁- في تقدير أقل الحيض بثلاثه أيام وبقول عائشة -﵂- في أن الولد لا يبقى في البطن أكثر من سنتين ولو نقل من غيره تسليم لذلك القول كان ذلك إجماعًا منهم فلا يجوز الخلاف فيه لمن بعدهم، ولو نقل من غيره رد كان ذلك إختلافًا بينهم في حكم ذلك القول بالرأي (وذلك يوجب الترجيح فلو تعذر الترجيح وجب العمل بأيهما شاء)، ولا يجوز لغير الصحابي أن يقول قولًا ثالثًا
[ ٤ / ١٥٩١ ]
يخالف قولهما لأن الحق لا يعدوهم فكان الصحابيان مجمعين على رد الثالث من القول إذ الإختلاف على القولين إجماع منهم على بطلان القول الثالث.
(ثم لا يجوز العمل بالثاني الا بدليل على ما مر في باب المعارضة) وهو قوله: وإذا عمل بذلك أي بأحد القياسين لم يجز نقضه إلا بدليل فوقه يوجب نقض الأول حتى لم يجز نقض حكم أمضى بالإجتهاد بمثله -إلى أن قال- وأما الذي لا يحتمل الإنتقال فرجل صلى في ثوب على تحري طهارته حقيقيه أو تقديرًا قم تحول رأيه فصلى في ثوب آخر على تحري أن هذا طاهر وأن الأول نجس لم يجز ما صلى في الثاني إلا أن يتيقن بطهارته.
(وإن كان ممن ظهر فتواه في زمن الصحابة) من التابعين كالحسن
[ ٤ / ١٥٩٢ ]
وسعيد بن المسيب والنخعي والشعبي.
(ووجه القول الأول أن شريحًا خالف عليًا -﵁-)
[ ٤ / ١٥٩٣ ]
وقال الإمام شمس الأئمة -﵀- وقد صح أن عليا ً - ﵁- تحاكم إلى شريح وقضى عليه بخلاف رأيه في شهادة الوالد لوالده ثم قلده القضاء في خلافته.
(وابن عباس -﵄- رجع إلى قول مسروق -﵀- في النذر بذبح الولد) فأوجب عليه شاةٌ بعد ما كان يوجب عليه مائةٌ من الإبل.
الأبظر -بالباء الموحدة والظاء المعجمة- هو الذي في شفته بظارة وهي: هنة ناتئة في وسط الشفة العليا ولا تكون لكل أحد وجعله عبدًا حيث قال: أيها العبد الأبظر لأنه وقع عليه سباء في الجاهلية والله أعلم.
[ ٤ / ١٥٩٤ ]