(﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾ فسيق الكلام لإيجاب النفقة على الوالد)، فأول الآية: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ الآية، ومعنى الآية- والله أعلم- والأمهات المطلقات يرضعن أولادهن أي هن أحق بإرضاع الأولاد من أجنبيات ليسترضعهن الآباء؛ لأنهن أرق عليهم وألطف بهم، ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ أي الأب وأريد به الجمع ﴿رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ وهذا على طريق الأجر؛ لأنهن تحتجن إلى ما يقمن به أبدانهن ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي من غير إسراف ولا تقصير. ومنهم من حمل الآية على الوالدات المنكوحات، وجعل
[ ٢ / ١٠٣٦ ]
الرزق والكسوة والنفقة دون الأجر، فظاهر الآية تدل على أنها في المطلقة؛ لأن ما قبلها وما بعدها في حق المطلقات. كذا في "التيسير".
ودلت الآية على أن الأم أحق برضاع ولدها وليس للأب أن يسترضع غيرها إذا أرضعته؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ وهذا أمر، وإن كان صيغته الخبر، ودلت أيضًا على أن الأم مخيرة بين أن ترضع أو لا ترضع؛ لأنه قال: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ فبهذا يندفع سؤال من سأل: لما كانت الوالدات مأمورات بالإرضاع كان ينبغي أن يجب الإرضاع عليها.
قلنا: ذلك الأمر مصروف إلى الاستحباب بهذا الدليل، ولقوله تعالى أيضًا: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ وذكر في "الكشاف" ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾. أي وعلى الذي يولد له وهو الوالد، -وله في محل الرفع على الفاعلية نحو ﴿عَلَيْهِمْ﴾ في ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ -.
(لأنه نسب إليه بلام الملك) أجمعوا على أنه لا يصير أحق به ملكًا؛ لأن الولد لا يصير ملكًا للوالد، فدل أنه اختص بالأب نسبًا فكان نسبه إلى الآباء فإن قلت: ما فائدة تخصيص نسبة الأولاد إلى الآباء مع أن الولد كما ينسب
[ ٢ / ١٠٣٧ ]
إلى الأب فكذلك نسب إلى الأم؟
فيقال: هذا ولد فلانة كما يقال: هذا ولد فلان، فالولد بجملته منسوب إلى كل واحد منهما كاملًا، وكذلك نصيب الولد في الإرث بينهما على السواء؟
قلت: فائدته تظهر في حق الأمور التي تميز بها بين نسب ونسب، فيصلح الولد لذلك الأمر إن اعتبرنا فيه جانب الأب، ولا يصلح له إن اعتبرنا فيه جانب الأم.
كما في الإمامة الكبرى وهي الخلافة، فإن كان أبوه قرشيًا يصلح الولد لها وأمه أي نسب كانت، وفي عكسه لا يصلح الولد لها، وكذلك في الكفارات يعتبر نسب الآباء دون الأمهات، وكذلك في اعتبار مهر المثل يعتبر نسب الآباء دون الأمهات.
(وفيه إشارة إلى أن للأب حق التمليك)، والفرق بين حق التمليك وحق الملك فلمن له حق التملك ولاية، وأن يجعل ذلك الشيء ملكًا لنفسه في المستقبل.
فأما في الحال فليس له فيه ملك بوجه من الوجوه كالشفيع له أن يتملك الدار المبيعة إن شاء.
وأما ليس فيه حق الملك بوجه في الحال، وحق الملك عبارة عن الملك من وجه في الحال كالمكاتب، فإن له حق الملك في نفسه حتى لا يملك المولى وطء الجارية المكاتبة؛ لأن لها في نفسها حق ملك وهو ملك اليد، وليس
[ ٢ / ١٠٣٨ ]
للأب في مال الابن من وجه، ولهذا يملك الابن وطء جاريته، فلو كان للأب في ماله ملك من وجه لما ملك الابن وطء جاريته.
(وعليه تبنى مسائل كثيرة) منها: أن الأب لا يحد بوطء جارية ابنه وإن علم حرمتها عليه.
ومنها أن نفقة الأب تفرض على الابن إن كان محتاجًا والابن موسر.
سواء كان الأب قادرًا على الكسب أو لم يكن.
هكذا ذكره الإمام خواهر زادة﵀- بخلاف الابن إذا كان بالغًا وهو قادر على الكسب لا يجب على الأب نفقته باعتبار أن للأب زيادة فضله على الولد.
ألا ترى أنه يستحق مال ولده باعتبار الحاجة الضرورية كالنفقة وتعتبر الضرورة كاستيلاد جارية الابن بخلاف الولد، ولم يكن هذا الفرق بينهما إلا باعتبار؛ لأنه الملك في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾.
ومنها أن نفقة خادمة الأب واجبة على الابن سواء كانت الخادمة امرأة
[ ٢ / ١٠٣٩ ]
أو جارية، بخلاف نفقة خادمة الابن حيث لا تجب على الأب. كذا في "النفقات البرهانية" و"فتاوى قاضي خان".
(وفيه إشارة إلى أن النفقة تستحق بغير الولاد) أي وفي آخر هذه الآية إشارة إلى هذا، وهو قوله تعالى ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ وهي نفقة ذوي الأرحام.
فإن قيل: هذا الحكم معلوم بعبارة النص، فإن النص سيق لإيجاب النفقة وهو قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾ وبعد ذلك قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ معطوف عليه، فكان ذلك عبارة لا إشارة، فكيف سماه إشارة النص؟
قلنا: نعم سيق الكلام لإيجاب النفقة على الوارث، لكن لم يسق الكلام على أن يأخذ الاشتقاق علة لإثبات النفقة. ألا ترى أن النفقة لا تجب إذا لم يكن أهلًا للإرث بأن كان الوارث كافرًا سوى قرابة الولاد.
[ ٢ / ١٠٤٠ ]
(وهو اسم مشتق من معنى) أي اسم مأخوذ من اسم له معنى، فإن الوارث مأخوذ من الإرث، فيجب أن يكون الإرث علة لوجوب النفقة، فلذلك وجب بناء الحكم على معناه كما في (الزاني والسارق).
فإن قلت: لو كان وجوب النفقة مبنيًا على علة الإرث ينبغي أن تدور وجوبها مع الإرث أينما دار وجودًا وعدمًا كما في الزاني والسارق وليس كذلك، فإنا نجد وارثًا في غير الولاد، وليس عليه النفقة، وغير وراث وجبت عليه النفقة، فإن الرجل المعسر إذا كان له خال وابن عم يكون نفقته على خاله ويحرز ميراثه ابن عمه.
قلت: وجوب النفقة مبني على علة الإرث، لكن الاعتبار لأهلية الإرث لا لإحرازه، فالحاصل أن تأثير إحراز الإرث في وجوب النفقة إنما هو في ذوي الأرحام لا في غيرهم، وأما في حق ذوي الأرحام بمقابلة غير ذوي الأرحام تعتبر أهلية الإرث لا إحرازه. بيان ذلك أن الرجل إذا كان له عم
[ ٢ / ١٠٤١ ]
وخال فالنفقة على العم دون الخال؛ لأنهما استويا في المحرمية وترجح العم على الخال بكونه وارثًا حقيقة، وكذلك إذا كان له عم وعمة وخالة فالنفقة على العمة والخالة على قدر ميراثها، وأما في حق ذوي الأرحام بمقابلة غير ذوي الأرحام فالمعتبر هو أهلية الإرث لا إحرازه، كما ذكرناه في صورة الخال وابن العم، فإن النفقة على الخال؛ لأنه ذو رحم محرم منه والإرث لابن العم؛ لأنه عصبه وهو مقدم على ذوي الأرحام.
قال شمس الأئمة السرخسي﵀-: وفيه دليل أيضًا على أن النفقة للوالدين على الأولاد لا تكون باعتبار ميراثهما، فإنه اعتبر صفة الوراثة في حق سائر القرابات، فعرفنا أن فيما بين الأولاد والأب إنما يعتبر نفس الولاد؛ ولهذا قلنا في أصح الروايتين: أن المعسر إذا كان له ابن وبنت وهما موسران فنفقته عليهما نصفان، ثم معنى قوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ أي وعلى وارث الصغير عند عدم الأب مثل ما كان على الأب من أجر إرضاع الولد للمرضعة.
(وفيه إشارة إلى استواء الكل في الحظر؛ لأنه قال: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ أي الكف عن هذه الجملة، فكان حظر الكل بطريق واحد) أي
[ ٢ / ١٠٤٢ ]
الكف عن هذه الأشياء المذكورة في الآية ثبت بخطاب واحد، فكان الكل كشيء واحد لما عرف أن الأمرين المختلفين فصاعدًا لا يجوز أن يراد بلفظ واحد لما ذكرنا في المشترك، إلا أن يجعل الأشياء المختلفة واحدة في المعنى فحينئذ يراد باللفظ الواحد. كالأشياء المختلفة والمتضادة يتناولها اسم الشيء، إذًا الكل في معنى الشيئية وهو الوجود واحد، (فلم يكن للجماع اختصاص ولا مزية)، فلذلك قلنا: إن الكفارة إذا وجبت بالجماع وجبت بالأكل والشرب لكونها واحدة تقديرًا.
ألا ترى أن غسل جميع اليدين لما وجب بخطاب واحد وهو قوله ﴿فاطهروا﴾ صار جميع اليدين كعضو واحد حتى جاز نقل البلة من عضو إلى عضو بخلاف الوضوء، فإن نقل البلة من اليد إلى الرجل ومن الوجه إلى اليد لا يجوز؛ لأن كل واحد من هذه الأعضاء ثبت بخطاب على حدة، ولا يلزم أن الصلاة وجبت بخطاب واحد والأركان فيها متفاوتة في القوة والضعف، فإن السجدة أقوى من الركوع والقيام؛ لأنا نقول: إن الأصل فيه ما ذكرنا. إلا إذا قام الدليل على مزية البعض، وفي الصلاة قام الدليل على مزية البعض، فإن من سقط عنه السجود سقط عنه القيام والركوع، وإن كان قادرًا عليهما، ولأن الصلاة عبادة والعباد تنبئ عن التذلل والتواضع، يقال:
[ ٢ / ١٠٤٣ ]
طريق معبد أي مذلل، والتواضع والتذلل في السجود أكثر، فصار أقوى لهذا.
فأما فيما نحن فيه لم يقم الدليل على مزية البعض فكان الكل سواء.
(وفيه إشارة إلى أن النبية في النهار منصوص عليه لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾)؛ لأنه لما أباح هذه الأشياء إلى آخر الليل والصوم عبادة تفتقر إلى النية، وقوله: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ أمر بالإتمام فكان امتثال هذا الأمر إنما يقع بعد الفجر لا محالة، عملًا بكلمة التراخي وهي ثم، والإتمام فعل اختياري لا يتصور بدون العزيمة، فتكون النية في النهار منصوص عليها (إلا أنا جوزنا تقديم النية على الصبح بالسنة) لا لأن يكون الليل أصلًا فيه؛ لأن النية لصيرورة الإمساك عبادة، وفعل الصوم قط لا يوجد في الليل، فجواز النية في الليل لا يكون أصلًا بل يكون الجواز في الليل ثابتًا بالسنة.
فإن قيل: فعلى هذا التقدير ينبغي أن تكون النية في النهار أفضل، والأمر بخلافه.
قلنا: النية في الليل أفضل؛ لأنه يكون عملًا بالسنة والكتاب جميعًا؛ لأنا
[ ٢ / ١٠٤٤ ]
جوزنا النية في النهار بإشارة النص وهي غير نافية لجواز النية في الليل، وعملنا بالسنة في الأفضلية كما فعلنا في غير هذا في الوضوء المنوي والوضوء المرتب ومع التسمية، فيكون هذا مكملًا لما كان فرضًا في التسمية والنية والترتيب والوضوء وغير ذلك.
(فالإطعام جعله طاعمًا) أي آكلًا كسائر الأفعال كالإجلاس جعله جالسًا. (خلافًا لبعض الناس) وهو حمدان بن سهل وهو يقول: لا يتأدى
[ ٢ / ١٠٤٥ ]
بالتمليك، وإنما بالتمكين فقط لظاهر قوله تعالى: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾، والإطعام فعل متعد لازمه طعم يطعم وذلك الأكل دون الملك، ففي التمليك لا يوجد حقيقة الإطعام والكلام محمول على حقيقته. كذا في "المبسوط".
(أن الإباحة جزء من التمليك في التقدير)؛ لأن الطعام قضاء حاجة واحدة وهي حاجة الأكل، وللمساكين حوائج كثيرة، (والملك سبب لقضاء الحوائج) وقضاء الحوائج أمر باطن، (فأقيم الملك مقامها والتمليك بمنزلة قضائها كلها). ألا ترى أن الفقير صار مصرفًا في الزكاة لهذا؛ لأن الصرف إليه سبب دفع الحاجة.
فعلم أن الإباحة جزء من التمليك، فالتعدية إلى التمليك في الإطعام
[ ٢ / ١٠٤٦ ]
تعدية إلى الإباحة إلى غيرها من الحوائج، فكان أولى بالجواز (فاستقام تعديته) أي بطريق الدلالة، (وهو مشتمل على هذا المنصوص عليه) وهو الإطعام الذي يدل على الإباحة، ومشتمل على غير المنصوص عليه من حاجة قضاء الدين وحاجة أجرة البيت وحاجة ما يشتري في البيت وغيرها.
(لأن الإعارة في الثياب منقضية قبل الكمال) أي قبل حصول المقصود بالثوب من دفع الحر والبرد وغير ذلك؛ لأن من الجائز أن يسترد المعسر الثوب قبل ذلك، وإنما قال هذا تأكيدًا لعدم جواز التعدية؛ لأنها لو كانت كاملة لا يجوز التعدية لكونها جزءًا من الكل والمنصوص عليه وهو الكل، فكيف وهي قاصرة! بخلاف الإباحة في الطعام؛ لأنه إذا وجد الأكل لا يمكن الاسترداد فلا
[ ٢ / ١٠٤٧ ]
يلزم من عدم جواز الإباحة في الثوب عدم جواز الإباحة في الطعام، لما أنهما يختلفان في تحصيل المقصود عند الإباحة.
والأولى في هذا أن يقال ما قال شيخي﵀- في معنى قوله: "لأن الإعارة في الثياب منقضية قبل الكمال" وهو أن الكفارة إنما تقع كاملة إذا خرج العين الذي يكفر به عن ملك المكفر، وحصل سد خلة الفقير عنده، فلذلك لا يتحقق في إعارة الثوب وإباحته؛ لأن المكفر إذا أعار الثوب للفقير إلى أن يبلى ويهلك في يده حينئذ خرج ذلك العين عن ملك المالك المكفر، وعند ذلك تتجدد حاجة الفقير، ولا يخرج المكفر عن عهدة الكفارة به؛ لأن ركن الكفارة على ما ذكرنا لم يوجد بخلاف الإطعام، فإن عين الطعام يخرج عن ملك المكفر إذا أكل الفقير، وبه يقضي حاجة الفقير، ولذلك وقع الفرق بين إباحة الطعام وإعارة الكسوة وإباحتها.
(فهما في طرفي نقيض) أي إباحة الطعام وإعارة الثوب على ما بينا من قضاء حاجة الفقير في إباحة الطعام، وتجدد حاجته في إعارة الثوب عند انقضاء الثوب، أو أراد بطرفي نقيض الإطعام والكسوة؛ لما أن الإطعام فعل والكسوة عين، والفعل مع اللافعل نقيضان، فكيف يقاس أحدهما بالآخر؟
(وكان قول الشافعي في قياس الطعام بالكسوة في الفرع والأصل معا غلطًا).
أما في الفرع فظاهر؛ لأن الكفارة في الفرع الذي هو الإطعام اسم للفعل
[ ٢ / ١٠٤٨ ]
المخصوص على ما ذكرنا، فكان جعله تمليكًا غلطًا في الفرع؛ لأنه خلاف مقتضى النص؛ لأن النص يقتضي الجواز بالإباحة وهو لم يجوز فكان غلطًا، أو كونه غلطًا في الفرع هو أن شرط صحة القياس أن لا يكون المقيس الذي هو الفرع منوص عليه، وهو قد قاس المنصوص مع خلاف ما اقتضاه النص على منصوص آخر.
وأما الغلط في الأصل: فإن المنصوص عليه في الأصل الذي هو الكسوة عين، والفعل غير منصوص، فإنما يشترط الفعل في الأصل ليصير العين كفارة؛ لأن العين بدون الفعل لا يكون كفارة، فكان الفعل فيه ضمنيًا وتبعًا وفي الفرع قصدًا، فكان في قياسه قياس الفعل القصدي على الفعل الضمني، فإثبات التسوية بينهما مع وجود هذا التفاوت كان غلطًا في الأصل؛ لأن القياس في هذا أن يكون الفعل الذي هو التمليك في الأصل منصوصًا عليه على وجه لا تجوز الإباحة فيه حتى يكون قياس الإطعام عليه مثلًا له، وليس كذلك فكان غلطًا.
(ومن قضية الإطعام الحاجة إلى الطعم) فلما تجددت الحاجة بتجديد الأيام كان المسكين الواحد في المعنى المساكين كان المقصود سد الخلة، وذلك يتجدد بتجدد الأيام، فكان هو في اليوم الثاني بمعنى مسكين آخر بتجدد سبب
[ ٢ / ١٠٤٩ ]
الاستحقاق له، ولأن الإطعام يقتضي طعامًا لا محالة، فمعنى الآية ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾، وقد أدى ذلك بخلاف الشاهد الواحد، وإن كرر شهادته في مجلسين لا يصير في معنى شاهدين؛ لأن المقصود هناك طمأنينة القلب، فبتكرار الواحد شهادته لا يحصل المقصود، فكان المسكين الواحد بمنزلة رأس الواحد في باب صدقة الفطر حيث يكون رأسًا آخر في السنة الثانية باعتبار تجدد وصف المؤنة.
فكذلك نصاب الزكاة يتجدد باعتبار تجدد الحول القائم مقام النماء، والقاطع لشغب أن أربعة أمنًا من شعير لما صلحت أن يصير أربعين منا باعتبار تجدد السبب حتى جاز أداء أربعة أمنا مقام أربعين منا بأن يؤدي أربعة أمنا من شعير إلى مسكين، ثم يشتريها منه ويؤديها إلى مسكين آخر حتى تمت عشرة مساكين بهذا الطريق، وجازت الكفارة بهذا الطريق صلح أيضًا أن يكون المسكين الواحد في اليوم الثاني مسكينًا آخر، وهذا لأن لتجدد السبب تأثيرًا في تغيير العين، فكذلك لتجدد الوصف كما في الزكاة على ما ذكرنا. وقوله: (وجوزتم ذلك) أي مع أنه ليس فيه عدد ولا قضاء الحوائج المتجددة.
[ ٢ / ١٠٥٠ ]
(هذا الذي تقول حاجة اللبوس) أي حاجة الثوب الذي يلبس، فإن اللبس اسم لما يلبس، وأجاب في "المبسوط" عن هذا السؤال بقوله: قلنا نعم، الحاجة إلى الملبوس كذلك أي يتجدد بتجديد الأيام- وإنما يتجدد في كل ستة أشهر- ولكنا أقمنا التمليك مقامه في باب الكسوة- أي مقام تجديد الحاجة- والتمليك يتحقق في كل يوم، وإذا أقيم الشيء مقام غيره سقط اعتبار حقيقته في نفسه، وهذا لأن الحاجة لا نهاية لها إلا أنه لا يجوز أداء الكل دفعة واحدة للتنصيص على تفريق الأفعال، وذلك بتفريق الأيام في حق الواحد، وقد يحصل أيضًا بتفريق الدفعات في يوم واحد، إلا أنه ليس لذلك حد معلوم، فقدرنا بالأيام وجعلنا تجدد الأيام في حق الواحد كتجدد الحاجة تيسيرًا.
(فكان يجب أن يصح الأداء على هذا متواترًا)؛ لأنه كلما أدى إلى الفقير هلك في يده واحتاج إلى كسوة أخرى، فصار محللا لأداء كسوة
[ ٣ / ١٠٥١ ]
أخرى، وأدنى ذلك يوم لجملة الحوائج؛ لأن التمليك لما صار قضاء للحوائج كلها لم يكن بد من زمان مضبوط تتجدد حاجته بتجدده، وهو اليوم، كما في تمليك الطعام لما أن ما دون اليوم ساعة غير مضبوطة فلا يدار الحكم عليه.
(ولا يلزم إذا قبض المسكين كسوتين من رجلين)، فوجه الإشكال هو أن المسكين إذا قبض الكسوتين من رجل واحد في ساعة واحدة لا يجوز عن كسوتين؛ لأن تملك إحداهما قضت حاجته فلم يجز الآخر، وهذا المعنى موجود فيما إذا قبض الكسوتين من رجلين في ساعة واحدة يجوز عنهما.
فعلم بهذا أن عدم الجواز في كسوتين في يوم واحد من رجل واحد لم يكن مبنيًا على ما ذكرتم من عدم تجدد حاجته في يوم واحد، فإن حاجته في يوم واحد كما لا تتجدد إذا قبض الكسوتين من رجل واحد كذلك إذا قبضهما من رجلين.
فأجاب عنه وقال: بل هو مبني على ما ذكرنا أيضًا إلا أن تمليك كسوة كل واحد من الرجلين في حق صاحبه حكم العدم، فلم يوجد في حق المعطى إلا أداء كسوة واحدة؛ لأن كل رجل مكلف بفعله لا بفعل غيره، فلم يكلف بالتفريق بخلاف الواحد، فإن تمليك الكسوتين فعله فيكلف بالتفريق.
[ ٣ / ١٠٥٢ ]
[دلالة النص]
(وأما دلالة النص فما ثبت بمعنى النظم لغة) يعني أن دلالة النص هي الحكم الذي لم يتناوله لفظ المنصوص، بل تناوله معنى لفظ المنصوص. مثل قوله تعالى: ﴿أف﴾ لا يتناول الضرب والشتم من حيث اللفظ؛ لأنهما لا يسميان تأفيفًا، فكان معنى قوله: "بمعنى النظم لغة لا استنباطًا" أي كل من يعرف العربية يعرف معنى النظم، هذا من غير توقف إلى الاجتهاد، وبه يقع الفرق بينه وبين القياس، فإن القياس يعرف بمعنى النظم أيضًا، لكن يتوقف عرفانه إلى الاجتهاد.
(مثل: الضرب اسم لفعل بصورة معقولة) أي معلومة وهي إيقاع آلة التأديب في محل قابل للتأديب، (ومعنى مقصود وهو الإيلام)، ولهذا قلنا: إن من حلف: إن ضربتك فعبده حر، فمات فضربه بعد الموت لا يحنث، (والتأفيف اسم لفعل بصورة معقولة)، وهو أن تقول: أفا له عند التضجر منه، (ومعنى مقصود وهو الأذى)، فصار استعماله في حق الوالدين
[ ٣ / ١٠٥٣ ]
حرامًا بمعناه لا بصورة النظم حتى لا يحرم على قوم لا يعقلون معناه.
أو كان هذا عندهم اسمًا لضرب كرامة. كذا في "التقويم".
(فأثبتنا الحكم بذلك المعنى بعينه في الأكل) والشرب.
فإن قيل: سؤال الأعرابي في المواقعة وقع عن الهلاك والإهلاك، فكيف يثبت الحكم بالدلالة في الأكل وهاهنا الهلاك لا الإهلاك، فيحتمل أن يكون هذا الحكم مرتبًا على المجموع؟
قلنا: الحكم مرتب على الهلاك فقط، ولهذا لو جامع امرأته وهي مسافرة
[ ٣ / ١٠٥٤ ]
غير صائمة أو ناسية تجب الكفارة عليه بالإجماع، وإن لم يوجد الإهلاك، فعلم أن وجوب الكفارة مرتب على الهلاك فقط؛ لأنه فوقه في الجناية، فإن دعاء الطبع إلى اقتضاء شهوة البطن أظهر منه إلى اقتضاء شهوة البطن عادة وهو النهر، فأما اقتضاء شهوة الفرج يكون بالليالي عادة، فكان الحكم ثابتًا بدلالة النص.
[ ٣ / ١٠٥٥ ]
(ومن ذلك أن النبي ﵇ قال "لا قود إلا بالسيف") لهذا الحديث معنيان:
أحدهما- لا قود يستوفى إلا بالسيف.
والثاني- لا قود يجب إلا بالسيف. إذ له طرفان: طرف الوجوب، وطرف الاستيفاء، فإن أريد به نفي الوجوب كان حجة لنا على الشافعي في مسألة الموالاة، وعلى أبي يوسف ومحمد- رحمهما الله- في القتل بالمثقل؛ لأنه قتل بغير السيف، ولا يجب فيه القصاص لظاهر هذا الحديث، وإن أريد به نفي الاستيفاء إلا بالسيف كان حجة لنا أيضًا على الشافعي وعليهما. أنه لما لم يستوفى إلا بالسيف لا يجب القصاص إلا به؛ لأن المماثلة شرط في ضمان العدوان ما أمكن، والقتل بالسيف لا يماثل القتل بسائر
[ ٣ / ١٠٥٦ ]
الآلات؛ لأن القتل يحصل بالسيف صورة ومعنى وبسائر الآلات إذا لم يكن جارحًا معنى، وهذا الحكم مرتب على القتل المطلق وهو القتل من كل وجه. كذا في "مبسوط" المصنف.
(وأراد به الضرب بالسيف) إلى آخره. تحقيق هذا أن الضرب بالسيف له صورة ومعنى مقصود وهو الجناية بالجرح وما يشبهه من نقض البنية، والحكم وهو الجزاء غير متعلق بالصورة بدليل وجوب القصاص بالضرب بالخنجر والسنان وغير ذلك، ولابد من رعاية المماثلة في الجزاء، فلو كانت الصورة داخلة لما وجب القصاص في غيره، فإذا صار المعنى هو المناط للحكم في المنصوص عليه يثبت هذا المعنى في غير المنصوص عليه بالمعنى الموجود في المنصوص عليه، إذ لو لم يثبت في غيره والمعنى بكماله موجود لكان تناقضًا، ولهذا لا يحتمل النص الخصوص؛ لأن معنى النص إذا وجد علة لا يتصور أن لا تكون علة ثم الحكم الثابت من هذا النص بدلالته القتل بالرمح والنشابة؛ لأن
[ ٣ / ١٠٥٧ ]
لعبارة النص معنى معلومًا في اللغة، وذلك المعنى كامل في القتل بالرمح والنشابة، وقد عرفنا أن المراد بذكر السيف القتل به لا قبضه، وإنما السيف آلة يحصل به القتل، وإذا حصل بآلة أخرى مثل ذلك القتل تعلق حكم القصاص به بدلالة النص لا بالقياس.
فإن قلت: لو كان الرمح أو النشابة مثلًا للسيف في القتل من كل وجه حتى وجب القصاص بكل منهما بدلالة النص لجاز استيفاء القصاص به أيضًا كما يجوز بالسيف، فكيف اعتبرت المثلية بينهما في سبب القصاص لا في استيفائه؟
قلت: إنما افترقا بسبب وجود زيادة التعذيب في القتل بالرمح على المقتول بالنسبة إلى القتل بالسيف، وذلك يصلح في الإلحاق بالسيف في السبب دون حكمة وهو الاستيفاء؛ لأن في السبب لزومًا لتعدية الحكم من الأدنى إلى العلى وذلك جائز في الحكم الثابت بدلالة النص كالضرب مع التأفيف، وأما الاستيفاء فلا يجوز؛ لأنه ليس لولي القصاص أن يستوفي زيادة على حقه لقوله تعالى: ﴿فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾، وأما إذا كان القتل الأول بالرمح فاستيفاء القصاص بالسيف كان إسقاط للزيادة من حقه، وللولي إسقاطها لا استيفاؤها، فلذلك افترقا.
وقوله: (وكان ثابتًا بذلك المعنى) أي وكان الحكم وهو الجزاء ثابتًا.
[ ٣ / ١٠٥٨ ]
للمعنى الذي قلنا لا بصورة الفعل إنما البدن وسيلة إلى صيانة الحياة، فلا يدخل في الأمر المقصود؛ لأن الوسائل لا تزاحم الأصول في كونها مناطًا للحكم.
فما يقوم بغير الوسيلة كان أكمل؛ لأنه يكون أشد في كونه قتلًا؛ لأن زهوق الروح في القتل بالسيف كان أسرع وجودًا من القتل بالمثقل، فإنه أبطأ وجودًا، فكان القتل بالمثقل أشد من هذا الوجه من القتل بالسيف، أو لأن القتل بالمثقل يكون قتلًا بغير واسطة لعدم احتمال البنية إياه، والقتل بالجرح لا يحتمل البنية بواسطة السراية، فإنه إذا ألقي على إنسان حجر الرحى لا يحتمله البنية بنفسها مع صفة سلامة البدن.
وما كان عمله بدون الواسطة كان أكمل؛ فحينئذ كان ثبوت الحكم القصاص في القتل بالمثقل بدلالة النص كما في الضرب مع التأفيف.
[ ٣ / ١٠٥٩ ]
(والجواب لأبي حنيفة﵁- عن هذا) أن يقول: لا شك أن الجناية في الموضعين كان أكثر جناية من الجناية في موضع واحد، فلذلك كان الكمال في نقض البنية بما يكون عملًا في الظاهر والباطن جميعًا، فعلى هذا اعتبار مجرد عدم احتمال لابنية إياه مع صفة سلامة البدن قضاء بمقابلته، والناقص لا يصلح أن يكون أصلًا ومناطًا للحكم فيما يندرئ بالشبهات، وإنما ثبتت به الأحكام التي تثبت بالشبهات كالدية والكفارة.
والدليل على أن ما ينقض البنية ظاهرًا وباطنًا كامل بمقابلة الذي لا ينقض البنية ظاهرًا وإن كانت البنية لا تحتمله حكم حل الزكاة، فإنه يختص بما ينقض البنية ظاهرًا وباطنًا ولا يعتبر فيه مجرد عدم احتمال البنية إياه، (بل الكامل يجعل أصلًا ثم يتعدى حكمه إلى الناقص إن كان من جنس ما يثبت بالشبهات) كالمعاملات وغيرها.
ألا ترى أن من حلف لا يبيع فباع بشرط الخيار أو باع بيعًا فاسدًا يحنث وإن كان الكامل في البياعات هو البيع البات الصحيح.
ألا ترى أنهما لا يثبتان الملك للمشتري بمجرد البيع بل لسقوط الخيار في
[ ٣ / ١٠٦٠ ]
شرط الخيار، ووجود القبض في البيع الفاسد، وكذلك حرمة المصاهرة تثبت في أصلها بالكامل وهو الجزئية والبعضية، ثم تعدي حكمه إلى الناقص، وهو التقبيل والمس بالشهوة وغير ذلك.
(هو الكامل في النقض على مقابلة كمال الوجود) أي نقض البنية ظاهرًا وباطنًا هو الكامل في النقض استدلالًا على مقابلته من كمال وجود استيفاء القصاص يعني أن القصاص إنما يستوفى بما ينقض البنية ظاهرًا وباطنًا، فيجب أن يكون كمال سببه أيضًا شيئًا هو ناقض للبنية ظاهرًا وباطنًا لتحقق البقاء سواء بسواء.
(والقصاص مقابل بذلك) لقوله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (ومعنى الإنسان بدمه وطبائعه) عند أهل الإسلام. إذ الإنسان عندهم إنسان بصورته ومعناه، (فلا تتكامل الجناية إلا بجرح يريق دمًا) وما ينقض الباطن والظاهر جميعًا.
فأما القتل بدون نقض الظاهر فناقض فلا يتعدى الحكم إليه؛ لأن هذه
[ ٣ / ١٠٦١ ]
عقوبة تندرئ بالشبهات.
وقوله: "فأما الجسم ففرع" لا يريد به أن البدن غير داخل في معنى الإنسان، وإنما أراد- والله أعلم- أن مجرد الجسم بدون الطبائع بمنزلة الفرع.
وأما الروح فلا يقبل الجناية؛ لأنه غير محسوس، وليس بمعنى مكانه حتى يتصور القصد إليه بالجناية، ومعنى الإنسان خلقه بدمه وطبائعه لما عرف أن الإنسان إنسان بصورته ومعناه لا بمعناه دون صورته كما ذهب إليه الفلاسفة.
كذا ذكره الإمام بدر الدين الكردري﵀- وأراد بالطبائع الطبائع الأربع وهي: الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة؛ فلا تتكامل الجناية على معنى الإنسان الذي هو عبارة عنها لا يخرج بذلك دمًا، فإذا أراد دمه على وجه أثر ذلك في الظاهر والباطن كان قصدًا منه على إهلاك معنى الإنسان وكان موجبًا للقصاص، وإنما ذكر القصد؛ لأن القصاص لا يجب بدون القصد إلى إهلاكه وإن أراق دمه حتى هلك.
وإنما شرطنا هذا المجموع وهو إراقة الدم بالجرح على وجه يفضي إلى الهلاك والقصد فيه لكي يكون هذا القتل مثلًا للقتل الذي يستوفى به القصاص، فإن هذا المجموع شرط فيه بالاتفاق، فيجب أن يكون في القتل الذي هو سببه أيضًا شرطًا حتى يحصل التماثل بينهما لما أن النص ورد به
[ ٣ / ١٠٦٢ ]
وهو قوله تعالى: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾.
(لأنه في الحرمة فوقه) لما أن هذا الفعل وهو اللواطة في هذا المحل لا يتصور حله ولا ينكشف حرمته بكاشف أصلًا، وفعل الوطء في المرأة يتصور حله بالنكاح وملك اليمين، (وفي سفح الماء فوقه)؛ لأنه يضيع الماء على وجه لا يتخلق منه الولد (وفي الشهوة مثله)، وبهذا القيد يقع الاحتراز عن وطء البهيمة، وإنما قلنا: أنه مثل الزنا في الشهوة؛ لأن اشتهاء المحل في حق هذا الفعل لمعنى الحرارة واللين وهو موجود فيه.
ألا ترى أن الذين لا يعرفون الشرع لا يفصلون بينهما، بل يرجحون ذلك على الزنا في الشهوة كما أخبر الله تعالى عن قول قوم لوط بقوله: ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾.
قال أبو حنيفة﵁-: (الكامل أصل في كل باب، والكامل في سفح الماء الزنا) لا اللواطة؛ لأن المعنى من سفح الماء هو إهلاك البشر؛ لأن ولد الزنا هالك من وجه لعدم من ينفقه ويريبه، فكان الزنا بمعنى القتل من
[ ٣ / ١٠٦٣ ]
هذا الوجه، ولهذا إذا أكره الرجل على الزنا بالقتل لا يرخص له الإقدام على ذلك، فإذا أقدم عليه أثم؛ لأن فيه معنى القتل كما لو أكره على قتل رجل آخر بالقتل لا يرخص له الإقدام لما ذكرنا ولهذا إذا أكرهت المرأة على الزنا بالقتل يرخص لها وإن كان الامتناع أفضل؛ لأن زناها ليس في معنى القتل؛ لأن نسب الولد يثبت منها وكان سفح الماء في اللواطة أنقص من هذا الوجه.
(وأما تضييع الماء فقاصر؛ لأنه قد يحصل بالعزل) ومن حيث إفساد الفراش أيضًا الزنا كامل واللواطة قاصرة؛ لأنه لا يتصور أن يكون المفعول فراشًا.
(وكذلك الزنا أيضًا كامل بحاله؛ لأنه يغلب وجوده لوجود الشهوة الداعية إلى الزنا من الطرفين ففسد الاستدلال بالكامل على القاصر)؛ لأن
[ ٣ / ١٠٦٤ ]
وجوب الحد في الزنا هو كامل لم يدل على وجوب الحد في اللواطة التي هي قاصرة؛ لأن من شرط إثبات الحكم بدلالة النص كون المحل الذي هو غير منصوص أكمل من المحل المنصوص كما في الضرب بالنسبة إلى التأفيف، أو كانا متماثلين من كل وجه كما في زنا ماعز، وزنا غيره من المحصنين، وهاهنا المتنازع فيه ناقص والزنا كامل، فلا يمكن فيه القول بثبوت الحد بالاستدلال على حكم الحد في الزنا؛ لأنه لا مساواة بينهما فلا يثبت الحد فيه بدلالة النص.
(لأن الخطأ عذر مسقط حقوق الله تعالى) أي الحقوق التي هي متعلقة
[ ٣ / ١٠٦٥ ]
بأحكام الآخرة بالاتفاق.
(في اليمين المعقودة) أي المنعقدة إذا صارت كاذبة، أي إذا حنث لقيام معنى النص وهو صيرورته كاذبًا وزيادة، وهو كونه كاذبًا من الأصل.
(لا تخلو الكفارة عن معنى العبادة العقوبة).
أما معنى العبادة فلأنها تؤدى بما هو طاعة وهو الصوم وتشترط النية وتجب مع الشبهات، أو لأنه لما جنى لم يكن بد من أن يفعل طاعة بعده لتكون ساترة وماحية لتلك الجناية، قال ﵇: "أتبع السيئة الحسنة تمحها".
وأما معنى العقوبة فلأنها وجبت جزاء زجرًا بمقابلة جنايته، ولهذا لم تجب
[ ٣ / ١٠٦٦ ]
بالمباح المحض، ولما كانت بين العبادة والعقوبة لم يكن ب من أن يكون سببها أيضا دائرًا بين الحظر والإباحة لتكون جهة العبادة مضافة إلى جهة الإباحة؛ لأن سبب العبادة هو الشيء الذي لا حظر فيه، وجهة العقوبة مضافة إلى جهة الحظر؛ لأن المحظور المحض يصلح سببًا للعقوبة أبدًا كما في الحدود والقصاص، وإنما يفعل هكذا ليكون الأثر على وفاق المؤثر، فاعتبر هذا بالأحكام التي ثبتت بالنص القطعي والخبر المشهور وخبر الواحد والقياس.
(فلا تجب إلا بسبب دائر بين الحظر والإباحة)، وهذا لأن المسبب يجب أن يكون مناسبًا للسبب، والعبادة المحضة لا تصلح أن تكون أثرًا للجناية؛ لأن الجناية تستدعي كون الجزاء عقوبة وهذا أولى.
والمباح المحض لا يصلح أن يكون سببًا لوجوب الكفارة مع كون العبادة فيها راجحة، وإن المباح يحتمل أن يصير سببًا لوجوب العبادة كملك نصاب كامل، فلأن لا تكون الجناية المحضة سببًا لوجوب الكفارة مع كون العبادة فيها راجحة أولى.
(واليمين عقد مشروع).
أما عقد فلأنه ربط جزء الكلام بجزئه الآخر لإثبات حكم مطلوب.
[ ٣ / ١٠٦٧ ]
وأما مشروع فلقوله ﵇: "من كان منكم حالفًا فليحلف بالله أو ليذر".
(والكذب غير مشروع) وهو الحنث في اليمين إنما صارت سببًا للكفارة عند الحنث.
فعلم أن سبب الكفارة دائر بين الحظر وهو الحنث وبين الإباحة وهي اليمين.
وأما الخطأ فدائر بين الوصفين؛ أعني الحظ وهو ترك التثبت والتأمل في الرمي وبين الإباحة وهي مشروعية نفس الرمي والاصطياد، فيصلح أن يكون سببًا لوجوب الكفارة لاشتماله على الحظر والإباحة.
فإن قيل: يشكل على هذا كفارة الظهار والفطر، فإن كلًا من الظهار والفطر العمد محظور محض ليس فيهما شائبة الإباحة، ومع ذلك وجبت فيهما الكفارة؟
[ ٣ / ١٠٦٨ ]
قلت: لا بل فيهما أيضًا معنى الإباحة موجود.
أما في الظهار فإن علماءنا﵏- لم يوجبوا الكفرة بمجرد قوله لامرأته: أنت علي كظهر أمي؛ لأن ذلك منكر من القول وزور، وهو بانفراد ليس بسبب لها، وإنما سببها ما تردد بين الحظر الإباحة، وذلك إنما يتحقق بالعزم على الجماع الذي هو إمساك بالمعروف، وهو الأمر المباح كما في اليمين باجتماع اليمين مع الحنث يتحقق سبب الكفارة، غير أن هناك ما هو المحظور متأخر عن الإباحة وفي الظهار على العكس.
وأما في كفارة الفطر فإن العمد للفطر وإن كان محظورًا محضًا لكن إطلاق قوله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا ولا تسرفوا﴾ أو إطلاق إباحة الوقاع في أصله أورث شبهة الإباحة بالنظر إلى أصل هذه الأشياء، فإن هذه الأفعال في أصولها مباحة، فكان فيها أيضًا اجتماع الحظر والإباحة، ولكن مع ذلك لما كانت جهة العمدية راجحة فيها كانت جهة العقوبة راجحة أيضًا حتى سقطت بالشبهة، وتداخلت الكفارتان بخلاف سائر الكفارات على ما يجيء بيانها إن شاء الله تعالى في باب معرفة الأسباب والعلل.
وقوله: (ولا يلزم) جواب إشكال يعني لو قال الشافعي﵀- قد قلتم: إن الكبيرة لا تصلح سببًا للكفارة ومع ذلك أوجبتم الكفارة في القتل العمد بالحجر العظيم وهو كبيرة؟
[ ٣ / ١٠٦٩ ]
فقال في جوابه: "ولا يلزم " إلى آخره.
(لأن فيه شبهة الخطأ) أي في القتل بالحجر وما أشبهه شبة الخطأ من حيث استعمال الآلة التي لم توضع للجرح والقتل، والآلة وضعت لتتميم القدرة الناقصة، فكانت الآلة داخلة في فعل العبد، فتمكنت الشبهة في الفعل، فلا يجب القصاص، إذ هو مما يسقط بالشبهات وتجب الكفارة إذ هي مما يحتاج في إثباتها وهو معنى قوله في الكتاب: "فعمت القود والكفارة" أي القود بالإسقاط والكفارة بالإيجاب.
(فتثبت بشبهة السبب) أي لأن في الكفارة جهة العبادة فتثبت العبادة بالشبهة، فكذلك هاهنا تثبت الكفارة بشبهة سبب الخطأ كما تثبت بحقيقة سبب الخطأ.
(أحكام القرآن) اسم كتاب للجصاص.
(وقد جعله في الكتاب شبهة العمد) أي وقد جعل القتل بالحجر العظيم في "المبسوط" شبهة العمد، فكان نصًا على الكفارة؛ لأن التنصيص على أنه شبهة العمد تنصيص على وجوب الكفارة باعتبار أن موجب شبهة
[ ٣ / ١٠٧٠ ]
العمد ذلك أي وجوب الدية على العاقلة، ووجوب الكفارة على القاتل.
ألا ترى أن من أشرع في طريق روشنا أو ميزابًا فسقط وهلك به إنسان، أو حفر بئرًا على قارعة الطريق أو وضع حجرًا فيها فهلك به إنسان كانت الدية على العاقلة ولا تجب على مباشرة الكفارة، وإنما جعلنا القصور في الآلة شبهة في الفعل دون المحل؛ لأن الفعل ينشأ من القدرة والآلة متممة للفعل، فكانت الآلة من القدرة، فكانت من جنس الفعل معنى، فكيف أن تكون الشبهة فيها شبهة في الفعل كذلك.
وأما المحل فشرط الفعل وكان غير الفعل لا محالة، فلم تكن الشبهة في شرط الفعل مؤثرة في الفعل، فلذلك لم تجب الكفارة لشبهة في المحل.
(وإذا قتل مسلم حربيًا مستأمنًا عمدًا لم تلزمه الكفارة مع قيام الشبهة) حتى أثرت تلك الشبهة في وجوب القصاص؛ حيث لم يجب القصاص بقتل المستأمن، يعني لما تحققت الشبهة في القتل بالحجر العظيم حتى وجبت الكفارة، ولم يجب القصاص كان ينبغي أن تجب الكفارة في قتل المستأمن
[ ٣ / ١٠٧١ ]
عمدًا؛ لأن في قتله أيضًا تحققت الشبهة حتى لا يجب القصاص بقتله، وإن كان قتله أيضًا محظورًا كما في القتل بالحجر العظيم، والحكم أنه لا تجب الكفارة بقتل المستأمن.
وأجاب عنه بقوله: (لأن الشبهة في محل الفعل)، وتحقيق الجواب هو أن الشبهة في قتل المستأمن في المحل لا في الفعل؛ إذ الفعل عمد محض، فكان معصية محضًا، والكفارة جزاء الفعل الذي هو دائر بين الحظر والإباحة، فلذلك لم يصلح أن يكون هذا الفعل سببًا للكفارة، فكان هذا نظير قتل الأب ابنه بالسيف عمدًا.
وأما عدم وجوب القصاص فيه لا باعتبار شبهة في عله بل باعتبار شبهة في المحل، لأن المستأمن وإن كان حرام التعرض في دار الإسلام وهو في دار الحرب في التقدير حتى يرث هو من أهل الحرب، ولا يستدام سكناه في دار الإسلام، ولا يرث من الذمي وإن كانا في دار الإسلام، ولما كان كذلك لم تقع المماثلة بينه وبين المسلم والذمي، فلذلك لم يجب القصاص؛ لأن القصاص إنما يجب على المسلم والذمي لأجل من هو محصون الدم على التأبيد كالمسلم والذمي؛ لأن القصاص مبني عن المماثلة لغة.
ولهذا يجب القصاص على المستأمن بقتل المستأمن لوجود المماثلة بينهما، وإنما قلنا: إن الكفارة جزاء الفعل؛ لأنها واجبة لله تعالى علينا زجرًا على المباشر، فكانت هي جزاء الفعل المحظور من وجه، ولا تجب بإزاء المحل؛ لأن الواجب بإزاء المحل إنما يجب جبرًا بما يجب جبرانًا، والله تعالى يتعالى عن النقصان والجبران فتجب جزاءً للفعل له كسائر الأجزية الواجبة
[ ٣ / ١٠٧٢ ]
بإزاء الفعل من نحو الحدود والزنا والسرقة.
(فاعتبرت في القود) أي الشبهة التي كانت في محل الفعل وهي شبهة حل القتل اعتبرت في إسقاط القود؛ (لأنه مقابل) أي لأن القود مقابل بالمحل.
ألا ترى أن وجوب القصاص ينافي الدية، والدية بدل المحل، فلو لم يكن القصاص مقابلًا بالمحل لما نافى في الدية؛ لأن اتحاد المحل من شرط المنافاة.
ألا ترى أن المحرم إذا قتل صيدًا مملوكًا لإنسان يجب عليه جزاء الإحرام، ويجب عليه قيمة المقتول، إذ لا تنافي بينهما؛ لأن أحدهما- وهو الكفارة- جزاء الفعل المحض دون المحل بوجه، والقيمة بدل المحل من كل وجه، فلم يتنافيا فلو لم يكن القصاص مقابلًا بالمحل بوجه من الوجوه لأمكن وجوب القصاص والدية جميعًا.
قوله: (من وجه) قيد به؛ لأن القصاص جزاء الفعل في الحقيقة؛ لأنه جزاء القتل، ولهذا يتعدد بتعدد الفاعل، فإن ألف رجل إذا قتلوا رجلًا عمدًا يجب على كل واحد منهم القصاص، ولو كان مقابلًا بالمحل لوجب قصاص واحد كما قلنا في عشرة رجال وهم حلال صيد الحرام يجب جزاء واحد إذ هو بدل المحل، وبيان كونه مقابلًا بالمحل من وجه أن يعتبر في عصمة المحل، ولا يجتمع مع الدم.
[ ٣ / ١٠٧٣ ]
وقوله: (ولهذا قلنا إن سجود السهو متصل) بقوله: "فلا يجب إلا بسبب دائر بين الحظر والإباحة".
(ولم يصلح أن يكون السهو دليلًا على العمد) أي دلالة لما قلنا أي وجوب الكفارة في القتل الخطأ دون القتل العمد، (فوجب به الكفارة على المرأة استدلالًا به)؛ لأنه لما وجبت الكفارة على الرجل بسبب جنايته على الصوم باختياره وجبت على المرأة أيضًا لوجود هذه العلة في حقها بتمامه؛ لأنها جنت على صومها بالتمكين من المواقعة معها باختيارها.
[اقتضاء النص]
(وأما المقتضى) فما كان غير مذكور حقيقة (يثبت شرطًا لصحة) المذكور، والنص المذكور يسمى مقتضيًا؛ لأنه يقتضي ذلك، والمقتضى إنما يثبت إذا صلح تبعًا للمقتضي إذ هو شرطه.
فأما إذا كان أصلًا له فلا يثبت بطريق الاقتضاء؛ إذ فيه جعل الأصل تبعًا، وهذا لا يجوز كما قال أصحابنا: إن الكفار لا يخاطبون بالشرائع ولا يقال
[ ٣ / ١٠٧٤ ]
بأنهم مخاطبون بالصلاة وغيرها من الشرائع بشرط نقص الإيمان اقتضاء؛ لأن الإيمان أصل الشرائع، فلا يجوز أن يثبت الإيمان تبعًا للشرائع، وكذلك إذا وجبت الكفارة على عبد وقال له مولاه: كفر بهذا العبد عن يمينك لا يثبت الإعتاق بهذا بطريق الاقتضاء؛ لأن الأهلية للإعتاق أصل فلا يثبت بطريق الاقتضاء.
(وقال الشافعي﵀ فيه بالعموم) ونظير ذلك ما ذكره بعد
[ ٣ / ١٠٧٥ ]
هذا بصفحة بقوله: ومثال خلاف الشافعي إن أكلت فعبدي حر إلى آخره.
(فيبقى على أصله) أي على أصل العدم (فيما وراء صحة المذكور)؛ لأن ذلك ثابت لحاجة السامع في تصحيح المقتضي المذكور إلى إثبات المقتضى الذي هو غير مذكور، والثابت بالحاجة يتقدر بقدرها، ولا حاجة إلى إثبات صفة العموم للمقتضى، فإن الكلام فيد بدونه وهو نظير تناول الميتة لما أبيح للحاجة تقدر بقدرها وهو سد الرمق، وفيما وراء ذلك من الحمل والتمول والتناول إلى الشبع لا يثبت حكم الإباحة فيها بخلاف المنصوص، فإنه عامل بنفسه فيكون بمنزلة حل الذكية يظهر في حكم التناول إلى الشبع وغيره مطلقًا.
وقوله: (وشرطا) معطوفًا على مقتضى العتق من حيث المعنى، أي يتضمن البيع اقتضاء للعتق، وشرطًا له على أنه مفعول له.
(حتى يثبت بشروط العتق) يعني أن البيع يثبت اقتضاء للآمر بالإعتاق عنه بألف لا يثبت بنفسه بل يعطى له حكم ذلك الشيء.
[ ٣ / ١٠٧٦ ]
ألا ترى أن محل الإقامة شرط لصحة الإقامة قصدًا حتى لا تصح في المفازة، ولو ثبتت الإقامة ضمنًا يشترط محل الإقامة للمتضمن كالجندي يصير مقيمًا في المفازة بدخول الإمام في المصر فاعتبر في البيع شرط الأصل، فكذلك هاهنا يثبت بشرط العتق حتى لا يشترط فيه ما يشترط في البيع القصدي من القبول وغيره، وكذلك لو كان الآمر ممن لا يملك الإعتاق كالصبي لم يثبت البيع بهذا الكلام ولو صرح المأمور بأن قال: بعته منك بألف وأعتقته لم يجز عن الآمر؛ لأنه لم يقع هذا جوابًا لكلامه، بل كان ابتداء، ووقع العتق عن نفسه؛ لأن الآمر ما أمره ببيع مقصود، وإنما أمره ببيع ثابت ضرورة العتق، فإذا أتى به مقصودًا لم يأت بالذي أمره فوقع عنه ولم يقع عن الآمر.
وكذلك من قال لامرأته: حجي ونوى الطلاق لم يصح، وإن اقتضى الحج ذهابًا؛ لأنه اقتضاه ضرورة أن الحج لا يتصور إلا بذهاب، وثبت ذهاب لتصحيح الحج لا ذهاب مطلق، وذهاب الحج لا يحتمل معنى الطلاق.
(ولهذا قال أبو يوسف﵀-) أيضًا لقوله: "حتى يثبت بشروط العتق" الذي هو المقتضي لا بشروط الهبة التي هي المقتضى.
[ ٣ / ١٠٧٧ ]
(والاستغناء عن القبض وهو شرط أولى)؛ لأن رتبة الركن أقوى من رتبة الشرط؛ لأن الركن يتوقف عليه وجود الشيء، والشرط يتوقف عليه وجود الشيء، والشرط يتوقف عليه جواز الشيء، فكان وجود الماهية بالركن ولا مدخل للشرط في الماهية.
(والبيع الفاسد مثل الهبة) في حق اشتراط القبض في ثبوت الملك.
لأن (رقبة العبد بحكم العتق يتلف على ملك المولى)؛ لأن الإعتاق للملك، فملكه يتلف بإعتاقه فيكون تالفًا على ملكه (ورقة العبد غير مقبوض للطالب ولا للعبد ولا هو محتمل للقبض)؛ لأنه تالف، ولا يتصور القبض في التالف، فلا يمكن القول بجعل العبد قابضًا بطريق النيابة عن الآمر بخلاف ما إذا قال: أطعم عن كفارتي فأطعم المأمور، فإنه يجوز، فيثبت الملك للآمر، وإن لم يقبض؛ لأنه أمكن القول بجعل الفقير نائبًا عن الآمر في
[ ٣ / ١٠٧٨ ]
القبض لكون الطعام قائمًا، فجعل الفقير نائبًا عن الآمر تصحيحًا للأمر بالإطعام.
أما هاهنا فبخلافه؛ لأن المالية هالكة تالفة في يد نفسه يحتمل أن تكون الكناية راجعة إلى المولى؛ لأن العبد في يد المولى، فتكون مالية رقبته في يد المولى ضرورة، ويحتمل أن تكون راجعة إلى العبد؛ لأنه مال وهو في يد نفسه حسًا، وكذلك للعبد يد شرعًا، فلهذا يصح اشتراط العمل لعبد رب المال في المضاربة ويستحق قسطًا في الربح، ولو لم يكن للعبد بدل كان هذا اشتراط العمل لرب المال وهو لا يجوز.
ألا ترى أن العبد إذا أودع شيئًا ليس للمولى أن يسترد ما أودعه من يد المودع.
(لأن ثبوت المقتضى بهذا الطريق) وهو السقوط.
(ودليل السقوط) وهو كونه ثابتًا في ضمن الإعتاق (يعمل في محله) أي محل السقوط. معناه أن القبض والتسليم في الهبة لا يحتمل السقوط فلم يكن القبض محتملًا للسقوط فلم ينتصب الدليل على سقوطه؛ لأن سقوطه لو كان بطريق الاقتضاء- والاقتضاء أمر شرعي- فيجب أن يكون سقوطه في الشرع جائزًا في الجملة، حتى يقال بالسقوط بطريق الاقتضاء وليس كذلك،
[ ٣ / ١٠٧٩ ]
فلم يمكن ثبوت السقوط بطريق الاقتضاء بخلاف القبول على ما ذكر في المتن.
(ولم يتكلم؛ صح) يعني كان البيع بينهما تامًا من غير ذكر القبول.
(ولهذا كان رجعيًا)، وكذلك يقع به الطلاق على المعتدة من طلاق بائن، ولو كان وقوع الطلاق به بائنًا لما وقع به الطلاق لما أن البائن لا يلحق البائن، وهذا كله على أن وقوع الطلاق بقوله: اعتدي بطريق الاقتضاء لا بطريق الكناية.
فإن قلت: لو كان وقوع الطلاق بقوله: "اعتدى" بطريق الاقتضاء لما وقع الطلاق به في هذه الصورة، وهي ما إذا قال للمعتدة: "اعتدي" لأن للمقتضي هاهنا- وهو قوله: اعتدي- صحة بدون المقتضى وهو طلقتك؛ لأن ثبوت المقتضى كان لضرورة تصحيح المقتضى المذكور قبله وإلا فلا يثبت.
قلت: إنما وقع الطلاق بقوله: اعتدي؛ لأن موجب الأمر هو وجوب الاعتداد الذي وقع وجوبه مضافًا إلى الأمر بالاعتداد، وليس ذلك إلا أن وقع به الطلاق الثاني بمقتضى الأمر بالاعتداد، وإلا كان الاعتداد عليها قبل هذا الأمر كان واجبًا بطلاقه قبله، فلابد لقوله: "اعتدي" من فائدة جديدة وهي
[ ٣ / ١٠٨٠ ]
وقوع الطلاق به اقتضاء
(ونوى خصوص الطعام والشراب لم يصدق عندنا) وعند الشافعي يصدق وقال: لأن الأكل في قوله: "إن أكلت" يقتضي مأكولًا، وذلك كالمنصوص عليه، فكأنه قال: إن أكلت طعامًا، ولما كان للمقتضى عموم على قوله عمل فيه نية التخصيص، وعندنا لا تعمل؛ لأنه لا عموم للمقتضى، ونية التخصيص فيما لا عموم له لغو، بخلاف ما لو قال: إن أكلت طعامًا، وكذلك لو قال: إن اشتريت، أو قال: إن لبست، أو قال: إن ركبت.
وعلى هذا لو قال: إن اغتسلت الليلة- ونوى الاغتسال من الجنابة- لم تعمل نيته. بخلاف ما لو قال: "إن اغتسلت غسلًا" فإن هناك نيته تعمل فيما بينه وبين الله تعالى. كذا ذكره الإمام شمس الأئمة- رحمه الله تعالى- في "أصول الفقه".
[ ٣ / ١٠٨١ ]
(أو إن اغتسلت غسلًا) يعني يصدق إذا نوى تخصيص الأسباب؛ لأن الغسل اسم لفعل وضع من قبل الأسباب وهو نكرة في موضع النفي، فيصير عامًا، وإذا نوى سببًا دون سبب صدق ديانة.
(لعدم الشبهة) يعني لا شبهة أن السؤال عن الأهل لا عن القرية فصح الحذف؛ إذ الحذف إنما يجوز في مثل هذا؛ أي فيما إذا لم يكن فيه شبهة لثبوت ذلك المحذوف.
وأما إذا كان فيه شبهة فلا يصح كما قالت المعتزلة في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ أي إلى ثواب ربها.
قلنا: لا يصح هذا الإضمار للشبهة، فإنه لو صح إضمار ذلك يصح إضمار النعمة وغيرها.
(والمقتضى لتحقيق المقتضي لا لنقله)؛ لن المقتضى إنما يثبت ليصح
[ ٣ / ١٠٨٢ ]
المقتضي، فكيف يبطل وينقل عما أريد به لصحة المقتضي؟ وهذا نقض الأصول؛ إذ لو لم يصح المقتضي المذكور عند وجود المقتضى كان وجود المقتضى لإبطاله لا لتصحيحه، وهو باطل.
(فلم يسقط عموم هذا الحديث من قبل الاقتضاء) قيد بهذا احترازًا عن قول القاضي الإمام أبي زيد﵀- فإنه جعل سقوط عموم هذا الحديث من قبل الاقتضاء، والمصنف والإمام شمس الأئمة﵏- لم يجعلاه من قبيل المقتضى، والإمام شمس الأئمة حاكيًا قول القاضي في قوله ﵇: "الأعمال بالنيات" ليس المراد عين العمل، فإن ذلك يتحقق بدون النية، وإنما المراد الحكم ثبت كذلك بمقتضى الكلام.
فقال الشافعي﵀-: يعم ذلك حكم الدنيا والآخرة فيما يستدعي القصد، والعزيمة من الأعمال قولًا بعموم المقتضى، وقلنا: المراد به حكم الآخرة وهو أن ثواب العمل بحسب النية؛ لأن ثبوته بطريق الاقتضاء ولا عموم للمقتضى. إلى هذا حكى شمس الأئمة نقل قول القاضي أبي زيد﵀- بهذا الطريق، ثم قال شمس الأئمة﵀-: وعندي أن هذا
[ ٣ / ١٠٨٣ ]
سهو من قائله، فإن المحذوف غير المقتضى لما أن ثبوت المحذوف يكون لغة وثبوت المقتضى يكون شرعًا لا لغة، ففي قوله ﵇: "الأعمال بالنيات" إنما لم يثبت العموم هنا؛ لأن المحذوف وهو الحكم بمنزلة المشترك في أنه يحتمل كل واحد من الأمرين على الانفراد، ولا عموم للمشترك.
فأما أن يجعل المحذوف ثابتًا بمقتضى الكلام فلا، وهكذا أيضًا ذكر الكلام في قوله ﵇: "رفع عن أمتي الخطأ" فإن عند التصريح بالحكم يتحول الرفع إلى الحكم لا إلى ما وقع التنصيص عليه مع المحذوف.
وقوله: (ولهذا قلنا) إيضاح لقوله: "فأما الاقتضاء فأمر شرعي ضروري" مثل تحليل الميتة بالضرورة.
وحاصله أن قوله: (أنت طالق) وصف للمرأة بالطلاق، وصفة الطالقية
[ ٣ / ١٠٨٤ ]
غير قائمة لها، وكان هذا الوصف في أصله من حيث اللغة لغوًا وكذبًا، كقوله: أنت جالس لرجل هو قائم، وأنت مريضة لامرأة وهي صحيحة؛ لما عرف أن فعل البيان هو الإخبار والإظهار لا الإنشاء، كما أن فعل سائر الجوارح هو الإنشاء لا الإظهار والإخبار، وإذا كان كذلك كان أنت طالق إخبارًا لغة لا إنشاء أمر لم يكن في المحل كقوله: أنت عالم، هو إخبار لا إنشاء علم في المحل حتى لا يثبت العلم في المحل بهذا اللفظ، وإن قال ذلك مرارًا، فعلى هذا كان قوله: أنت طالق كذبا لغة أنه لم يطلقها قبل، فكان ثبوت الطلاق بهذا اللفظ- الذي لو خلى هو واللغة يكون كذبًا وهدرًا- شرعًا لا لغة، فكان ثابتًا اقتضاء لا لغة؛ لأن ثبوت الطلاق قبيل هذا القول لتصحيح هذا القول، فيثبت بقدر الضرورة وهو تصحيح المنطوق، وإنها تندفع بواحد، فلم تصح نية الثلاث.
وكذلك هذا التخريج في: طلقت؛ لأنه لغة إخبار عن فعل موجود فيما مضى ولم يطلق قبل فكان من طريق اللغة هدرًا وكذبًا كما في قوله: "ضربت" إذا لم يسبق منه الضرب ليكون هذا القول بناء عليه، فأما إذا ثبت المصدر بهذا اللفظ ليصح هذا القول من غير وجود في الماضي يكون اقتضاء شرعيًا لا لغويًا، فيكون ثابتًا بطريق الضرورة، ولا ضرورة في الثلاث، فلا يثبت به الثلاث.
فإن قيل: والضرورة إنما تتحقق في قوله: "أنت" أن لو بقي إخبارًا؛ لأن الإخبار به إنما يكون أن لو كانت المرأة موصوفة قبل هذا بالطالقة، ولم تكن
[ ٣ / ١٠٨٥ ]
مطلقة قبل هذا حتى يصح الإخبار به.
وأما إذا كان هو الإنشاء لم تثبت هذه الضرورة، ولم يكن اقتضاء موجب أن تصح نية الثلاث.
قلنا: ففي الإنشاء أيضًا لا تثبت نية الثلاث؛ لأن الإنشاء بمنزلة فعل الجوارح، وفعل الجوارح إذا كان واحدًا لايكون متعددًا حتى إن ضربة واحدة لا تكون ضربات بالنية، فكذا هنا. أو نقول: هاهنا حقيقة الإخبارية باقية مع كونه إنشاء، بل الإخبار فيه هو الأصل حتى أنه إذا كان للرجل امرأتان إحداهما مطلقة والثانية منكوحة فقال: إحداكما طالق لا تطلق المنكوحة لانصراف خبره إلى المطلقة.
(أما البائن) فإنه في الحال يتصل بالمحل، وعند اتصاله بالمحل يتنوع إلى خفيفة وغليظة، فكان متنوعًا في نفسه، فلذلك صار محلًا للنية إذ هي تعين تفسير بعض محتملات اللفظ فيصح.
أما قوله: "أنت طالق" فإنه في الحال غير متصل بالمحل لما عرف أن حكمه تعلق بانقضاء العدة، وإنه في الحال انعقاد العلة وإنه غير متنوع؛ لأنه لا يتنوع في الانعقاد؛ لأن الحرمة الغليظة إنما تثبت بواسطة العدد، وإنه خارج عن نفس الطلاق أو هو غير متنوع في نفسه كما تنوع البائن إلى غليظة وخفيفة،
[ ٣ / ١٠٨٦ ]
فلم تصادف النية المتنوع في فصل الطلاق فصادفت في فصل البائن، فكذلك عملت النية في قوله: "أنت بائن" دون قوله: "أنت طالق"
وقوله: لم يكن المصدر هاهنا ثابتًا لغة؛ لأن النعت يدل على المصدر الثابت بالموصوف لغة ليصير الوصف من المتكلم بناء عليه، فأما أن يصير الوصف ثابتًا بالواصف بحقيقته تصحيحًا لوصفه فأمر شرعي.
تحقيق هذا ما ذكره المصنف في "مبسوطه" هو أن قوله: "أنت طالق" وصف لها فيقتضي وجود الطلاق من قبلها لا من قبل الزوج لغة كقولك: خارج يقتضي وجود الخروج من قبل من وصف بأنه خارج.
وقوله: "ضارب" يقتضي وجود الضرب ممن وصف بأنه ضارب. هذا هو قضية اللغة وهاهنا هذا اللفظ يقتضي وجود الطلاق من قبل الزوج. دل أن وجود الطلاق من قبله أمر شرعي ضرورة صحة الكلام، فيقدر بقدر ما يصح به الكلام، وكذلك قوله: "طالق" إخبار عن وصف لها لغة فيقتضي طلاقًا ماضيًا لا حالًا كقوله: "مطلقة"، وطلقتك" على ما بينا.
فصار الحاصل أن كل موضع كان الطلاق فيه مقتضى اللفظ لغة على الطلاق مذكورًا حتى تصح نية الثلاث كما في قوله: "طلقي نفسك" بعلة أنه كل لا يعله أنه يحتمل العدد، وفي كل موضع يثبت شرعًا ضرورة صحة الكلام لا يقتضي العلة لا يجعل كالمذكور، فلا تعمل النية فيه بل يثبت بقدر ما يصح به الكلام كما في قوله: أنت طالق أو مطلقة أو طلقتك. وقوله:
[ ٣ / ١٠٨٧ ]
"بالواصف" أي بكلام الواصف، فكان شرعيًا، ولما كان أمرًا شرعيًا لم يكن المذكور لغة فلا يصح التعميم.
(وأما طالق فلا يتصل بالمرأة للحال).
ألا ترى أنه يجري الإرث بينهما والإرث حكم من أحكام النكاح، ولذلك يحل له مسها ووطؤها ويمكن من مراجعتها على كره منها، ولو انقطع النكاح لما تمكن من مراجعتها كما في الطلاق البائن؛ (لأن حكمه) وهو الانقطاع (في الملك تعلق بالشرط) وهو انقضاء العدة (وحكمه في الحل معلق بكمال العدد) وهو الثلاث، (فيصير العدد أصلًا)، وما كان ثبوته بطريق الأصالة لا يثبت هو بطريق الاقتضاء؛ لأن في الاقتضاء معنى التبعية؛ وإنما ثبت العدد عند الذكر ولم يذكر العدد فلا يثبت موجب العدد لذلك.
(فكان مختصرًا من الكلام) أي من الكلام المطول وهو قوله لها: أطلب منك فعل الطلاق، وهو المطول المصدر مذكور لغة فكان مذكورًا في المختصر أيضًا؛ لأنه يعمل عمل المطول على نحو سائر الأفعال كقولك: اضرب واجلس وغيرهما، وستقيم طلب الفعل المتعدد والمتوحد في المستقبل، فكان
[ ٣ / ١٠٨٨ ]
المصدر ثابتًا لغة (فاحتمل الكل والأقل).
وأما وقوع الطلاق في قوله: "طلقت" فشرعي؛ لأنه لم يوجد منه طلاق قبله حتى يخبر عنه، بل كان قوله: "طلقت" إنشاء للطلاق شرعًا كسائر أفعال الجوارح، والفعل حال وجوده يستحيل أن يتعدد بالعزيمة كالخطوة والضربة يستحيل أن تكون خطوتين وضربتين بالنية، فكذلك لم تصح نية الثلاث في قوله: "طلقت" أو نقول: لما كان قوله: "طلقت" إنشاء شرعًا صار بمنزلة سائر الجوارح من الأفعال، وفي أفعال سائر الجوارح لا يقدر المصدر؛ لأن المصدر إنما يذكر في فعل اللسان وهو القول لا في أفعال الجوارح.
ألا ترى أنه إذا كسر شيئًا بيده مثلًا لا يقدر له المصدر بل إذا أخبر عنه بقوله: كسر أو كسرت، حينئذ يقدر المصدر فيه لكونه في القول.
(ونوى السكنى في بيت واحد) أي غير معين (أنه يصح).
(لكن نية جمل البيوت تصح) أي نية بيت غير معين تصح. من أجمل
[ ٣ / ١٠٨٩ ]
الكلام إذا أبهم، والجمل جمع الجملة.
(لأنه راجع إلى تكميل فعل المساكنة) أي نية المساكنة معه في بيت واحد إنما تصح؛ لأنه نوى أتم ما يكون من المساكنة، فإن أعم ما يكون من المساكنة في بلدة، والمطلق من المساكنة في عرف الناس في دار واحدة، وأتما ما يكون من المساكنة في بيت واحد في هذه النية ترجع إلى بيان نوع المساكنة الثابتة بصيغة كلامه بخلاف تعين المكان.
وقوله: (لكن اليمين وقعت على الدار وهو قاصر عادة) لدفع شبهة ترد على قوله: "وإنما تتحقق بين الاثنين على الكمال إذا جمعهما بيت واحد" وهي أن يقال: لما كانت المساكنة في البيت الواحد كاملة ينبغي أن تقع اليمين عليها بدون النية، فأجاب عنها بهذا وقال: وإن كان ذلك كذلك إلا أنه يقع على الدار أيضًا عرفًا وعادة.
(ولا يلزم عليه رجل قال لصغير) إلى آخره أي لا يلزم على ما ذكرنا أي ما ثبت بطريق الاقتضاء ليس بعام هذه المسألة (وهي أم معروفة) أي لهذا الولد.
[ ٣ / ١٠٩٠ ]
(لكن المقتضى) وهو النكاح (غير متنوع) أي إلى نكاح يوجب الإرث وإلى نكاح لا يوجب الإرث بل كل نكاح يوجب الإرث على ما عليه الأصل بقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ الآية، ولا يشكل على هذا نكاح المسلم الكتابية، فإنه نكاح لا يوجب الإرث.
قلنا: إن ذلك ليس بأصل؛ لأن الكفر من العوارض، والعوارض لا تدخل تحت القواعد، ولما كان هكذا كان إثبات نكاح يوجب الإرث هاهنا بمنزلة إثبات بيع يوجب الملك في قوله: أعتق عبدك عني بألف درهم، ولما ثبت المقتضى لضرورة حاجة المقتضي المذكور في صحته إليه يثبت أيضًا ما كان من ضرورات المقتضى الذي هو غير مذكور، ولأن الشيء إذا ثبت إنما يثبت بلوازمه ولواحقه التي لا تنفك هي منه، فإن قيل: النكاح الفاسد غير موجب للإرث مع أن النكاح الفاسد أحد نوعي النكاح عند أبي حنيفة﵁- حتى أن الإذن بالنكاح ينتظم الفاسد والصحيح عند أبي حنيفة﵁.
علم بهذا أن النكاح متنوع إلى نكاح موجب الإرث وإلى نكاح لا يوجبه.
[ ٣ / ١٠٩١ ]
قلنا: إنما تناولهما عند ذلك لإطلاق لفظ النكاح في الإذن، واللفظ المطلق يجري على إطلاقه وفيما نحن فيه ليس فيه اللفظ حتى يثبت فيه إطلاق اللفظ بل يثبت النكاح ضرورة ثبوت المقتضى، فلذلك انصرف ذلك النكاح الثابت بطريق الاقتضاء إلى ما هو المعهود في الشرع لا على الإطلاق والتعميم، والنكاح المعهود في الشرع هو النكاح الذي يوجب الإرث وهو النكاح الصحيح لا الفاسد مع أن الإمام شمس الأئمة﵀- في أحد الوجهين أثبت النكاح في مسألة الكتاب بطريق الدلالة لا بطريق الاقتضاء، فقال: ثبوت النكاح هاهنا بدلالة النص لا بمقتضاه، فإن الولد اسم مشترك إذ لا يتصور ولد فينا إلا بوالد ووالدة، فالتنصيص على الولد يكون تنصيصا على الوالد والوالدة دلالة بمنزلة التنصيص على الأخ يكون كالتنصيص على أخيه؛ إذ الأخوة لا تتصور إلا بين شخصين، وقد بينا أن الثابت بدلالة النص يكون ثابتًا بمعنى النص لغة لا أن يكون ثابتًا بطريق الاقتضاء.
وجعل الإمام القاضي أبو زيد﵀- ثبوت النكاح هاهنا بطريق الإشارة لا بالدلالة ولا بالاقتضاء ذكره في "التقويم" ثم قال: وهذه "أي الإشارة والدلالة والاقتضاء" حدود متشابهة ما يميز بينهما إلا الفهم المنصف، ثم قال: وشيء منها لا يحتمل الخصوص، أما المقتضى فلأنه لا عموم له.
وأما الدلالة فلأنها تعم بحسب عموم العلة، والعلة بعد ما ثبتت علة لا
[ ٣ / ١٠٩٢ ]
تحتمل الخصوص لما ذكرنا أن الخصوص لبيان أن قدر المخصوص لم يدخل تحت النص.
فأما بعد الدخول فلا يكون تخصيصًا بل يكون تركًا، ولأن الخصوص والعموم من أوصاف اللفظ في الحكم الثابت بدلالة النص اللفظ معدوم، فلم يكن فيه العموم، ولما لم يكن فيه العموم لم يكن فيه التخصيص؛ لأن التخصيص إنما يتحقق في الحكم الذي ثبت باللفظ العام.
فإن قيل: اشتراط الطهارة في المكان للصلاة ثبت بدلالة النص ومع ذلك صار هو مخصوصًا بقدر الدرهم وما دونه.
قلنا: ليس هذا من قبيل التخصيص الحكم الثابت بدلالة النص بل هذا هو قبيل إثبات حكم النص على وفاق الحكم الثابت بعبارة النص وهو طهارة الثوب، فإن خصوص الطهارة بقدر الدرهم وما دونه ثبت أولًا في الثياب حتى إذا كانت النجاسة بقدر الدرهم وما دونه في ثوب لا يمنع جواز الصلاة، فكذلك في المكان على وفاق ذلك.
(وأما الثابت بإشارة النص فيصلح أن يكون عامًا يخص)، وقال شمس الأئمة﵀-: وأما الثابت بإشارة النص فعند بعض مشايخنا لا يحتمل الخصوص أيضًا- ويحتمل أن يريد بقوله: "فعند بعض مشايخنا" القاضي
[ ٣ / ١٠٩٣ ]
الإمام أبا زيد، فإنه ذكر هكذا فقال: وأما الإشارة فلأنها زيادة معنى على معنى النص، وإنما يثبت بإيجاب النص إياه لا محالة فلا يحتمل الخصوص.
ثم قال شمس الأئمة﵀-: والأصح عندي أنه يحتمل ذلك؛ لأن الثابت بإشارة النص كالثابت بالعبارة من حيث إنه ثابت بصيغة الكلام، والعموم باعتبار الصيغة، وصورة ذلك تتحقق فيما قاله الشافعي في أن الشهيد لا يصلى عليه. تمسك في ذلك بإشارة النص التي هي عام وهو قوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾؛ حيث سماهم الله تعالى أحياء، والآية سيقت لبيان علو درجات الشهداء عند الله ولا صلاة على الأحياء، ثم لما أوردنا عليه حديث صلاة النبي ﷺ: "فإنه صلى على حمزة﵁- حين استشهد سبعين
[ ٣ / ١٠٩٤ ]
صلاة"؛ فقال هو في جوابه: خصت تلك الإشارة في حقه فبقيت في حق غيره على عمومها، ثم تأويل تكرار صلاة الجنازة عندنا أنه كان موضوعًا بين يديه فيؤتى بواحدة واحد فيصلي عليه رسول الله ﷺ، فظن الراوي أنه يصلي على حمزة﵁- في كل مرة، فقال: "صلى سبعين صلاة" فاحفظ صورة تخصيص الإشارة وأحكمها، فإنها عزيزة الوجود.
[ ٣ / ١٠٩٥ ]