قال الإمام مولانا بدر الدين الكردري -﵀-:الأصل ما يبنى عليه غيره، والفرع ما يبنى على غيره. ثم قال ناقلًا عن الإمام العلامة مولانا شمس الدين الكردري -﵀-: فأهل الجاهلية عند الحلول والارتحال كانوا ينشدون الأشعار، فرفعت الشريعة ذلك، وشرعت ذكر اسم الله -تعالى- مكانه، فقالوا: بسم الله أحل وبسم الله أرتحل، فعلى هذا كان في (بسم الله)
[ ١ / ١٤٣ ]
محذوف، إما في الأول، أي أبدأ أو ابتدائي بسم الله، أو في الآخر أي بسم الله أبدأ أو ابتدائي. وفي (الرحمن) مبالغة، حتى شمل المؤمن، والكافر، والمطيع، والعاصي، كالعطشان، والغضبان. وفي (الرحيم) دوام، كالجليس والأنيس والنديم، وهذا في حق المؤمن.
قوله -﵀-: (الحمد لله خالق النسم، ورازق القسم).
اعلم: أن المصنف -﵀- راعي في هذه الألفاظ ما هو المقُول في شرط التصنيف، وهو أن ذكر التحميد متضمنًا مضمون التأليف من شرط صحة التصنيف، وهذا كذلك، وذلك أن هذا الكتاب صُنف لبيان أصول الفقه.
والفقه: معرفة النفس مالها وما عليها، وهو المنقول عن أبي حنيفة -
[ ١ / ١٤٤ ]
﵀- فلما كان الفقه معرفة النفس بدأ الشيخ -﵀- كتابه بقوله: (خالق النسم)، فإن النَّسم جمع نسمة، وهي الإنسان. كذا في الصحاح. ثم أعقبه بقوله: (ورازق القسم) أي الأعطية، لما أن النَّسم محتاجة إلى الأرزاق للبقاء، فكان فيه ذكر ابتداء وجود الأناسي وذكر بقائهم، وهو المرادون في خلق العالم، وإليه وقعت الإشارة في قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾، فكان في ذكر ابتداء خلق الأناسي
[ ١ / ١٤٥ ]
وذكر بقائهم عند ابتداء ذكر كتاب أصول الشرائع التي هي مشروعة على الأناسي مناسبة ظاهرة.
ثم إن الله تعالى لما خلق هذا النَّسم على طبائع مختلفة، وأهواء متشتتة، وخلق متفاوتة، بخصائص ولوازم لا تدخل تحت الحصر والوهم، ولا تنضبط في الفهم، من موجبات الحكمة كان مبدعًا للبدائع.
فلذلك قال: (مبدع البدائع)، ثم لما جُبلت هذه البدائع التي هي الأناسي على طبائع متبائنة تهيجهم الشهوة وتزعجهم الغضبة على حسب مألوف طبعهم، ومن جراه يقع بينهم التجاذب، والتضاغن، والتقاتل بحيث يقع به الإفناء. كانوا محتاجين إلى الدين المانع من تلك المخالفة، والجامع على الألفة والموافقة. وهو شرع الشارع الشرائع، فقال: (وشارع الشرائع).
ثم ذكر الوصف الحميد للشرائع؛ لترغيب الطلبة في اكتساب المفاخر الدنيوية وإحراز السعادات العُقبوية، فقال: (دينا رضيًا، ونورًا مضيًا، وذكرًا للأنام، ومطية إلى دار السلام).
فإن قوله: (وذكرًا للأنام) أي وشرفًا، كما في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ أي شرفكم، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ أي لشرف لك.
[ ١ / ١٤٦ ]
وقيل في قوله: (ونورًا مضيًا): صنعة التخيل، كأنه تخيل بهذا قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ فالسراج: الشمس، وهي ضياء كما في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً﴾، فكأنه جعل الدين شمسًا أي في غاية الظهور والوضوح، وقمرًا أيضًا أي فيه نوع خفاء مع ذلك، فإن الدين في نفسه بين واضح جلي لا يستتر على ذي عينين، وبين خفي مبهم مشكل لا يكاد ينجلي إلا لذي لب متأمل يدرك بتأمله، كالقمر لا يرى فيه شيء إلا بتكلف وتبصر.
ثم انتصاب قوله: (دينًا رضيًا ونورًا مضيًا) على الحال من قوله: (الشرائع) والعامل فيه شارع.
فإن قلت: وشرط الحال أن يكون فيهما معنى الصفة أو تأويل معنى الصفة، وليس هو في قوله: (دينًا) ولا في قوله: (نورًا) فلا يصح انتصابهما على الحال لعدم الشرط.
قلت: فيهما معنى الصفة؛ لوجود معنى الصفة في صفتهما، وهو قوله: (رضيًا، ومضيًا) فكأنه قال: وشرع الشرائع في حال كونها دينًا رضيًا، أي
[ ١ / ١٤٧ ]
منعوتًا بالرضا. فكان هذا عين نظير ما ذكر في «الكشاف» في أول حم السجدة في قوله: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾. وقال: هو نصب على الحال؛ أي فصلت آياته في حال كونه قرآنا عربيا.
وكذا ذكر أيضا في سورة الزمر في قوله: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرآنًا عَرَبِيًّا﴾ وهو حال مؤكدة كقولك: جاءني زيد رجلًا صالحًا وإنسانًا عاقلًا، فأوقع قوله: ﴿قُرآنًا﴾ حالًا مع أنه غير صفة لكونه موصوفًا بصفة، فكأنه قيل: موصوفًا بالعربية، فكذلك هنا.
ولما وصف الله تعالى بكونه خالق النِسم، ورازق القسم، ومُبدع البدائع كان مستوجبًا للحمد، فقال: (أحمده على الواسع والإمكان). وإنما خص الوسع والإمكان؛ لأن الحمد لله تعالى على قدر ما يستحقه الله تعالى ليس في وسع البشر ولا في وسع غيره.
ثم ذكر الإمكان مع الوسع؛ لأن الإمكان أعم من الوسع فكانا متغايرين، فصح عطف أحدهما على الآخر، وهذا لأن الوسع عبارة عن القدرة على الشيء والطاقة فيه، فربما كان الشيء ممكنًا في نفسه لكن لم يكن هو مقدورًا
[ ١ / ١٤٨ ]
له عليه في الحال كالألوف المنقودة من الدنانير والصباح الممسودة من الجواري مثلًا، فإنها ليست في مقدورك وإن كانت ممكنة في نفسها.
(الرضوان): الرضا.
قوله -﵀-: (وأصلي عليه، وعلى آله، وأصحابه، وعلى الأنبياء، والمرسلين).
فإن قلت: سلمنا أن نبينا ﵇ أفضل الأنبياء، فتقديمه على الأنبياء كان أمرًا مستحقًا، فأما الصحابة فليسوا بمفضلين على الأنبياء؛ لما أن الولي -وإن جل قدره- لا يساوي درجة النبي، فكيف الفضل عليها؟ ثم مع ذلك كيف قدم الشيخ -رحمه اله- ذكر الآل والأصحاب على ذكر الأنبياء والمرسلين في ذكر الصلاة عليهم؟!
[ ١ / ١٤٩ ]
قلت: ليس هذا من قبيل تفضيل الولي على النبي، بل من قبيل تتميم الصلاة على نبينا - ﷺ -.
فإن تقديم نبينا ﵇ على سائر الأنبياء لما كان أمرًا مسلَّما كان تقديم وتتميم الصلاة عليه على سائر الأنبياء أيضًا وجب أن يكون أمرًا مسلمًا.
قوله: (العلم نوعان). فقوله: (العلم) مبتدأ، و(نوعان) خبره، فمن شرط المبتدأ أن يكون أخص من الخبر أو مساويًا له ليفيد فائدته، وأما أن يكون المبتدأ أعم من الخبر فلا، فلذلك لا يقال: الحيوان إنسانٌ، ولكن يقال: الإنسان حيوان أو حيوان ناطق.
ثم العلم عام؛ لأنه يتناول علم الفقه والنحو والنجوم غير ذلك.
وقوله: (نوعان) خاص، لما أن العلم أنواع لا نوعان فحسب، فلا يستقيم هذا من حيث الظاهر، لكن المصنف -﵀- أراد من هذا العلم الخاص بدلالة حاله؛ لأنه في بيان الصول، وبيان ما هو للكلف، وما هو عليه، فكان تقديره: العلم الذي نحن بصدده نوعان، أو العلم الذي ابتلينا به نوعان، أو العلم المنجيء نوعان، فكان المبتدأ مساويًا للخبر.
(علم التوحيد والصفات) وإنما ذكر علم التوحيد والصفات هنا مع أنه في بيان أصول الفقه لا في بيان أصول الدين؛ لأنه لما حصر العلم -أي العلم الذي اُبتلي بتعلُّمه- على نوعين لا غير، وجب عليه بيان ذينك النوعين، حتى
[ ١ / ١٥٠ ]
أن شمس الأئمة والقاضي أبا زيد -رحمهما الله- لما لم يذكرا في كتابيهما حصر العلم على نوعين، لم يذكرا علم التوحيد والصفات. ثم المصنف -﵀- إنما ذكر حصر العلم على هذين النوعين؛ لأن العلم الذي يهمنا ويسعدنا ويبلغنا إلى درجة الكمال في الدنيا والآخرة، هذا العلم وإن كان اكتساب غيره أيضًا قد يكون من المناقب السنية والفضائل العلية، لكن يكون لك على وجه الوسائل إلى هذا العلم، لا على وجه المقاصد بنفسه. ثم قدم بيان علم أصول الدين على علم الشرائع والأحكام؛ لأن علم أصول الدين أصل جميع العلوم -على ما قررنا في صدر «الوافي» -فوجب تقديمه على غيره.
التوحيد: يكي دانستن، ويكي كفتن، ويكي اعتقاد كردن.
(والصفات) أي العلم بأن لله تعالى صفات؛ من العلم والقدرة، والحياة، وغيرها من صفات الكمال. والله تعالى قديم بجميع صفاته. فيعلم بهذا أنه من المثبتة لا من المعطلة كالمعتزلة.
[ ١ / ١٥١ ]
(وعلم الشرائع) أي العلم بالمشروعات من السبب، والعلة، والشرط، والعلامة، والفرض، والواجب، والسنة وغير ذلك من المشروعات، فكان الشرائع أعم من الفقه والأحكام؛ لأن الفقه هو: الوقوف على المعنى الخفي وعلى الدلائل الشرعية، والحكم هو: الأثر الثابت بالعلة، فكانا أخص من الشرائع كما ترى، ولكن الأحكام هي المقصودة منها، فأفردها بالذكر.
(والأصل في النوع الأول التمسك بالكتاب والسنة). أي الأصل في علم التوحيد والصفات التمسك بالكتاب.
فإن قلت: لا نسلم أن الأصل فيه التمسك بالكتاب والسنة؛ لأنه لو كان
[ ١ / ١٥٢ ]
فيه الأصل الكتاب، لما كان أهل الفترة مؤاخين بالتوحيد، بل هم مؤاخذون به بدليل قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾، هذا تنصيص على أن أهل الجاهلية كانوا مؤاخذين بالإيمان قبل نزول الكتاب إليهم. إلى هذا أشار في «التأويلات».
قلت: نعم كذلك، إلا أن ما ذكره المصنف -﵀- في حق أهل التوحيد تدينا، بدليل ما ذكره في النظير من أهل الاعتزال والخوارج، إلا أن بعضهم بسبب الأهواء والبدع ربما أفضى مذهبهم إلى القول بالاشتراك مع أنهم ينزهون أنفسهم عنه، كقول أهل الاعتزال بأن أفعال العباد مخلوقة لهم، فكانوا قائلين بإشراك العباد في الخلق لله تعالى، فقال المصنف في مثل هذا: إن الأصل في نفي الإشراك وإثبات التوحيد التمسك بالكتاب والسنة،
[ ١ / ١٥٣ ]
ففي الكتاب دليل على أن أفعال العباد ليست بمخلوقة لهم لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، وأفعال العباد شيء، فكان الله خالقا لها أيضًا، وكذلك في الصفات.
وأما قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ﴾، ففي حق أهل الكفر من أهل الجاهلية صريحًا، ولم يكن لهم الكتاب، فكان عليهم أن يتأملوا في التوحيد فيؤمنوا بالله وحده؛ لوضوح الدلائل عليه على ما قال القائل:
وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد
فلما لم يتأملوا في التوحيد حتى بقوا على الإشراك كانوا مؤاخين لذلك، ولأن كل واحد من أهل الحق والباطل يدَّعي أن الذي قلته هو موجب العقل لا موجب الهوى، فلا بد من حاكم يحكم بأن الذي قاله هذا الصواب، وهو
[ ١ / ١٥٤ ]
موجب العقل لا موجب الهوى، وأما الذي قاله الآخر فهو موجب الهوى وهو باطل، وذلك الحاكم هو الكتاب والسنة، فلما تم الحكم بالكتاب والسنة صار كأن الأصل الكتاب وما يتبعه فيه؛ لأن العبرة للمتمم لا للمبتدئ، فلذلك أضاف الأصالة في التمسك في التوحيد إلى الكتاب والسنة.
(ومجانبة الهوى والبدعة). فالهوى: ميلان النفس إلى ما يستلذ إليه الطبع من غير دليل شرعي على شرعيته، والبدعة هي: الأمر المحدث الذي لم يكن هو من فعل الصحابة ولا من التابعين ولا ما اقتضاه الدليل الشرعي، فكان الهوى على هذا التفسير بالنسبة إلى نفسه، والبدعة بالنسبة إلى غيره.
(ولزوم طريق السنة). أي عقيدة الرسول ﵇ (والجماعة) أي عقيدة الصحابة.
(أدركنا مشايخنا) أي أستاذينا كالإمام أحمد الطواويسي،
[ ١ / ١٥٥ ]
والإمام شمس الأئمة الحلواني للمصنف -﵏-
(وعامة أصحابهم). وإنما قيد به لما أن بعض أصحاب أبي حنيفة -﵀- كان موسومًا بالبدعة والهوى كبشر المريسي.
[ ١ / ١٥٦ ]
(كتاب الفقه الأكبر) سماه أكبر لما أن كبارة العلم وشرفه بحسب كبارة المعلوم، فلما كان المعلوم منه ذات الله تعالى وصفاته، لا يكون علم أكبر من ذلك العلم، فلذلك استحق أن يسمى بالفقه الأكبر.
(وكتاب الرسالة) وهو كتاب بعثه أبو حنيفة -﵀- إلى عثمان البتي -﵀- وهو من أصحابه. (وأن ذلك كله بمشيئة الله) وقد
[ ١ / ١٥٧ ]
حكي أن محمودًا المتكلم -من المعتزلة- ناظر مع ابن فورك وهو من أهل السنة، فقال محمود: سبحان من تنزه عن الفحشاء.
وقال ابن فورك: سبحان من لا يجري في ملكه خلاف ما يشاء.
[ ١ / ١٥٨ ]
(وقال: لا يكفر أحد بذنب). أي إذا لم يقصد بذلك خلاف أمر الله، بل فعل ذلك لغلبة شهوة أو غضبة حملته إليه، لا على قصد المخالفة أو الاستهانة بالمعصية. فبهذا يعلم أنه لم يكن على مذهب الخوارج، فإن عندهم من عصى كفر سواء كانت المعصية صغيرة أو كبيرة.
(ولا يخرج به من الإيمان). يعلم بهذا أنه لم يكن على مذهب أهل الاعتزال، فإن عند المعتزلة من أذنب كبيرة يخرج به من الإيمان.
(ويترحم له) أي يبقى هو محلًا للرحمة، فإن صاحب الكبيرة إن مات من غير توبة من كبيرته كانت عاقبة أمره الجنة مرحمة عليه، ولا يخلد في النار. ويقال له أيضًا: ﵀.
(إمامًا صادقًا) أي كان هو مقتدي الأمة في العلوم الإسلامية على
[ ١ / ١٥٩ ]
التحقيق، ويحتمل أن المصنف -﵀- إنما قال هذا جوابًا لاعتراض معترض عسى أن يقول: إن أبا حنيفة -﵀- إنما قال هذه الأحكام في مصنفه هكذا -من إثبات الصفات وغيره -لا عن علم به وتبصر، فإنه كان مشتغلًا بتخريج المسائل الفقهية الشرعية، لا في أصول الدين؛ فإنه لم يكن له حظ منه. فرد هذا الاعتراض بقوله: وكان في أصول الدين إمامًا صادقًا لا كما يظنه جهلة أهل البدع.
(أن من قال بخلق القرآن). أي القرآن الذي هو صفة قائمة بذات الله تعالى.
وأما القرآن الذي هو مكتوب في مصاحفنا، ومحفوظ في صدورنا، ومقروء بألسنتنا، فلا خلاف بيننا وبين المعتزلة أنه مخلوق.
[ ١ / ١٦٠ ]
(فهو كافر)؛ لأن فيه إنكار الشرائع من الصلاة والزكاة وغيرهما، وهذا لأنه لما كان مخلوقًا لم يكن صفة لله تعالى، ولم يكن الله تعالى آمرًا ولا ناهيًا؛ لما أن أمره ونهيه إنما عُلما بالقرآن، فكان فيه القول بارتفاع الشرائع وبطلانها بمرة، وهو كفر صريح -نعوذ بالله من ذلك.
(وصح هذا القول عن محمد -﵀-).
قال الإمام العلامة مولانا شمس الدين الكردي -﵀-: وصل هذا القول إلينا عنهم بطريق الآحاد، وأما المشهور منهم فإنهم قالوا: لا تكفروا أهل قبلتكم.
(ودلت المسائل المتفرقة عن أصحابنا).
[ ١ / ١٦١ ]
منها: قوم صلوا بجماعة في ليلة مظلمة، فصلى كل واحد منهم إلى جهة، فمن علم منهم حال إمامه فسدت صلاته؛ لأن الإمام عنده مخطئ، فلو كان كل مجتهد مصيبًا في اجتهاده لما فسدت صلاته، كما إذا صلوا في جوف الكعبة.
ومنها: ما ذكر في كتاب الإيمان: رجل قال: إن لم آتك غدًا إن استطعت فامرأته كذا. يقع على سلامة الآلات والأسباب. فإن قال: عنيت به حقيقة
[ ١ / ١٦٢ ]
الاستطاعة وهي القدرة المقارنة للفعل -صدق ديانة.
فعلم بهذا أنهم قالوا بوجود القدرة المقارنة للفعل، وفيه رد لمذهب أهل الاعتزال.
ومنها: أن من حلف ليقلبن هذا الحجر ذهبًا أو ليمسَّنَّ السماء. قال: انعقدت يمينه، وحنث عقيبها؛ لأن ذلك متصور بطريق الكرامة، وفيه أيضا رد لمذهب أهل الاعتزال.
ومنها: ما قالوا: إن القاضي إذا قضى بشهادة الفُسَّاق نُفَّذ قضاؤه بناء على أن المؤمن -وإن ارتكب كبيرة- يبقى مؤمنا، وفيه رد قول أهل الاعتزال.
وكذلك قالوا: إن اجتنب الكبائر قُبلت شهادته وإن ألم بمعصية
[ ١ / ١٦٣ ]
صغيرة، وفيه رد قول الخوارج.
ومنها ما ذكر في «الجامع الصغير» محمد عن يعقوب عن أبي حنيفة -﵏- في ميراث رجل قسم بين غرمائه، قال: لا آخذ من الغريم كفيلًا ولا من الوارث، هذا شيء احتاط به بعض القضاة، وهو مذهب أبي حنيفة -﵀- خلافًا لهما.
وقوله: «ظلم»، أي ميل عن سواء السبيل، وبهذا يعلم أن أبا حنيفة -﵀- كان يعتقد أن المجتهد يخطئ ويصيب؛ لأن الأصل في القاضي
[ ١ / ١٦٤ ]
أن يكون مجتهدًا خصوصًا في ذلك الزمان، ومع ذلك نسب قضاء بعض القضاة إلى الظلم، فكان مخطئًا في قضائه لا محالة، فكان أبو حنيفة -رحمة الله عليه- معتقدًا أن المجتهد قد يخطئ وقد يصيب، وهو مذهب أهل السنة والجماعة، خلافًا للمعتزلة، فإنهم يقولون: كل مجتهد مصيب.
ومنها: ما ذكر في كراهية (الجامع الصغير»: يكره أن يقول الرجل في دعائه: أسالك بمعقد العز من عرشك، أو بمقعد العز من عرشك. أجمعوا على أنه لا تجوز العبارة الثانية وهي من القعود؛ لأنها توجب حدوث صفة الله تعالى، والله تعالى بجميع صفاته قديم.
ومنها: أنهم بنوا مسائل كثيرة على الفعال الاختيارية من العباد، كما في الحدود والقصاص والغصوب، فعُلم بهذا أنهم لم يكونوا من المجبرة.
[ ١ / ١٦٥ ]
(حتى قال أبو حنيفة -﵀- لجهم) وهو جهم بن صفوان الترمذي رأس الجبرية، ومن مذهبه: أن الجنة والنار تفنيان، وأن الإيمان هو المعرفة فقط دون الإقرار، وأنه لا فعل لأحد على الحقيقة إلا لله تعالى، وأن العباد فيما ينسب إليهم من الفعال كالشجرة تحركها الريح، والإنسان مجبر في أفعاله لا قدرة له ولا إرادة ولا اختيار. كذا في «المغرب»، وهكذا أيضًا في «تبصير الأدلة».
(على ما نطق به الكتاب والسنة). نحو قوله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ الآية، وقوله عليه
[ ١ / ١٦٦ ]
السلام: «الصراط جسر ممدود على وجه جهنم».
وما روي عن النبي ﵇: أنه مر بقبرين جديدين فقال: «إنهما ليعذبان وما يعذبان بكبير؛ أما أحدهما فإنه كان لا يستتره البول، والآخر كان يمشي بالنميمة».
(هذا فصل يطول تعداده) أي النوع الأول وهو علم التوحيد والصفات
(والنوع الثاني علم الفروع وهو الفقه) أي علم الفقه فرع على علم أصول الدين، وهو علم التوحيد والصفات، فأصالة أصول الدين إنما تكون باعتبار إثبات حدوث العالم، فعلم إثبات حدوث العالم أصل جميع العلوم الإسلامية، وقد ذكرنا وجهه في «الوافي».
[ ١ / ١٦٧ ]
(علم المشروع بنفسه) أي علم المبَّين حكمه، وهو علم الجواز والفساد، والحلال، والحرام.
(وهو معرفة النصوص بمعانيها) أي مع عللها، والسلف لم يستعملوا لفظ العلل، بل استعملوا المعاني مكان العلل، كما في قوله ﵇: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى معان ثلاث». أي إلا بإحدى علل، والدليل عليه تأنيث الإحدى، وكما في لفظ «القدوري»: والمعاني الناقضة.
[ ١ / ١٦٨ ]
ثم نظير ما ذكر من معرفة النصوص بمعانيها هو أن يعرف معنى قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾، أن المراد به انتقاض الطهارة بالخارج من السبيلين؛ بسبب أنه نجس خارج من بدن الإنسان، ويقيس عليه الفصد والحجامة بهذه العلة الجامعة بينهما. وهكذا أيضًا نظير (ضبط الصول بفروعها). أو نقول: هو أن يعرف أن الحقيقة مع المجاز لا تجتمعان، وهذا أصل، وفرعه وهو: أن يعرف أن المس لا يكون حدثًا في قوله تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ لأن المجاز -وهو الجماع- تعين مرادًا بهذا النص، فلا تبقى الحقيقة مرادة.
(والقسم الثالث وهو العمل به)؛ لأن العلم وسيلة، والمقصود العمل. قال ﵇ في دعائه: «أعوذ بالله من علم لا ينفع» وفسره بعلم لا يعمل به.
[ ١ / ١٦٩ ]
(حتى لا يصير نفس العلم مقصودًا)؛ لأن المقصود من هذه المشروعات الابتلاء، والابتلاء إنما يتحقق بالعمل والعلم لا بالعلم فحسب، ولا يقال: كيف جعل العمل من قسم العلم بقوله: «والقسم الثاني علم الفروع وهو الفقه، وهو ثلاثة أقسام » إلى آخره. مع أن العمل مغاير للعلم حدا وحقيقة، فكيف جعل العمل من قسم العلم؟
لأنا نقول: إن جعل العمل من قسم العلم حصل من تأويلنا للقسمة الأولى التي قسمها المصنف بقوله: «العلم نوعان»، أي العلم المنجيء من العقاب نوعان، والعلم إنما يكون منجيًا من العقاب أن لو كان العمل مقرونًا بذلك العلم.
(فإذا تمت هذه الوجوه كان فقيهًا). ذُكر أن أعرابيا دخل على رسول الله - ﷺ - وقال: علمني يا رسول الله سورة من القرآن، فعلمه سورة ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ حتى إذا بلغ إلى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه﴾ فقال الأعرابي: حسبي يا رسول الله، فقال ﵇: «فقه الرجل». سماه فقيهًا حين علم منه أنه يضم العمل إلى العلم.
(وقد دل على هذا المعنى) أي على ما ادعينا من أن الفقه عبارة عن إتقان المعرفة بالشيء مع العمل به.
[ ١ / ١٧٠ ]
(والحكمة): صواب كاري كردن دركردار ودر كفتار.
وقيل: الحكمة: هي العلم مع العمل؛ لأنه إنما يسمى الفعل حكمة إذا كان ذلك الفعل عن علم، ثم إنما يسمى الرجل العالم حكيمًا إذا عمل بما علم؛ لأنه إذا لم يعمل بعلمه كان سفيهًا لا حكيمًا. والتنكير في قوله: ﴿فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ تنكير تعظيم، كأنه قال: فقد أوتي خير كثير. يعني هو غاية في الخيرية والكثرة، كما تقول: مررت برجل أي رجل. أي كامل في الرجولية.
(وقد فسر ابن عباس -﵄- الحكمة في القرآن بعلم الحلال والحرام). فتفسير ابن عباس -﵄- جنس الحكمة المذكورة في
[ ١ / ١٧١ ]
القرآن بعلم الحلال والحرام لا يخلو من أحد وجهين: إما أن يكون العمل مقرونًا بذلك العلم، أو يكون المراد منه مجرد العلم بدون العمل، والثاني منتف بقرينة الخير الكثير، فإن ذلك عبارة عن حفظ النفس عن الآفات في الدنيا، ودفع العقوبات في العقبى، ولن يكون العلم كذلك إلا بالعمل به؛ فلذلك كانت الحكمة متضمنة لهذا العلم مع العمل، فحصل من هذا أن تفسير ابن عباس -﵄- الحكمة بعلم الحلال والحرام، والفقه عبارتان عن معبر واحد؛ فلذلك كان تفسير الحكمة بهذا تفسيرًا للفقه أيضًا.
أو نقول: فيتفسير ابن عباس -﵄- للمحكمة: يُعلَم العلم؛ لأنه فسر الحكمة أولا بعلم الحلال والحرام، وبتفسير أهل اللغة الحكمة: يُعلم العمل، ثم فسر ابن عباس ثانيًا الحكمة بالفقه، فبمجموع هذين التفسيرين يُعلم أن الفقه عبارة عن العلم مع العمل؛ لأن ابن عباس -﵄- جعل الفقه تفسير الحكمة، وهي عبارة عن العلم مع العمل، فكان تفسيره أيضًا كذلك، وغلا لا يكون تفسيرًا له. وكان شيخي -﵀- يقول: الفقه من له رواية، ودراية، وعمل.
[ ١ / ١٧٢ ]
وقوله: ﴿بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾. قيد الموعظة بالحسنة دون الحكمة؛ لأن الحكمة حسنة أينما كانت، وإلا لا تكون حكمة.
وأما الموعظة فقبيحة في غير موضعها.
(قال الشاعر) وهو رؤبة، ونسب هذا القول في «أساس البلاغة» إلى عطاء السندي، وقال فيه: (أرسلت فيها مقرما ذا تشمام).
[ ١ / ١٧٣ ]
(أرسلت فيها) أي في النوق. (قرمًا) أي فحلًا، فإن القَرْمَ: البعير المكرم الذي لا يحمل عليه ولا يذلل، ولكن يكون للفحلة، ومنه قيل للسيد: قَرْم.
(ذا إقحام): در اوردن جيزي در جيزي بعنف.
(طبًا) أي فحلًا ماهرًا بالضراب الضراب: كشتي كردن شتر.
(بذوات الأبلام): الأبلام -بفتح الهمزة-: جمع بلمة بتحريك اللام، يقال: ناقة بها بلمة شديدة إذا اشتدت ضبعتها. الضبعة -بقتح الباء-: بكشتي آمدن شتر. يقال: أبلمت الناقة إذا ورم محياؤها من شدة الضبعة، ورأيت شفتيه مبلميتين إذا ورمتا.
فوجه التمسك بهذا البيت هو أنه وصف القرم أولًا بالإقحام وهو عبارة عن العمل، وبالطب ثانيًا، وهو عبارة عن العلم، ثم أطلق عليه اسم الفقه، فعلم بهذا أن الفقه عبارة عن العلم والعمل به لغة.
فإن قيل: فعل الإرسال يتعدى إلى المفعول الثاني بكلمة «إلى» كما في
[ ١ / ١٧٤ ]
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ فكيف عُدي هاهنا بكلمة في؟
قلت: ذكر «في» هاهنا ليس لبيان التعدية إلى المفعول الثاني، بل لإعلام المحل وبيان كون النوق موضعًا للإرسال، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنذِرِينَ﴾.
(فمن حوى هذه الجملة كان فقيهًا مطلقًا)، وهو المراد بقوله ﵇: «ولفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد».
﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ جرابيرون نمي آيد ازهر كروهي يك كس. قال ابن عباس -﵄-: الطائفة تقع على الواحد
[ ١ / ١٧٥ ]
فصاعدًا، أي فلولا نفر من كل جماعة كثيرة جماعة قليلة، وللآية تأويلان:
أحدهما: أن النبي -﵇- إذا خرج للغزو كان المسلمون كلهم يرغبون في الخروج معه، فورد النهي عن الخروج جملة حفظًا لأهاليهم عن العدو؛ لأن العدو عسى أن يسبي أهاليهم عند غيبيتهم ويأخذ أموالهم.
والثاني: أن النبي -﵇- إذا قعد في المدينة وبعث السرايا إلى الآفاق كان يرغب المسلمون في الخروج مع السرايا جملة، فورد النهي عنه؛ لأنهم إذا خرجوا جملة لو نزل على رسول الله -﵇- شيء من الحكام لم يكن معه أحد يبلِّغه هو إلى من غاب وخرج إلى الغزو، فأمر بأن ينفر طائفة ويبقى طائفة؛ ليبلِّغ الشاهد الغائب ما نزل إليهم من القرآن.
فإن قيل: في هذه الآية نهى الكل عن أن ينفروا مع رسول الله -﵇- إلى الجهاد على ما ذكر في التأويل الأول، وأمر في الآية الأخرى بنفر الكل بقوله: ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ وقال: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾، وقال: ﴿فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا﴾.
قلنا: الجواب عنه من وجوه:
[ ١ / ١٧٦ ]
أحدها: أن هذه الآية نسخت الآيات التي توجب الخروج جملة.
والثاني: أمروا بنفر الكل عند قلة المؤمنين، فلما كثر المسلمون أُمروا بنفر البعض دون البعض.
والثالث: أُمروا بنفر الكل عند النفير، وأمروا بنفر البعض دون البعض في غير حال النفير.
(والإنذار هو الدعوة إلى العلم والعمل)، فهذا دليل على أن الفقه العلم والعمل؛ لأنه إنما يدعو الخلق بما عنده؛ حتى لا يصير من الذين يقولون ما لا يفعلون، ولا من الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم مندوبون إلى الإنذار، وإنما يكون مندوبًا إذا عمل بما عَلم.
«إذا فقهوا» فقه من باب شرُف للطبع، يقال: كرم الرجل إذا كان الكرم طبيعة له، وهنا أيضًا إنما يقال: فقه إذا صار الفقه طبيعة له وفقه من
[ ١ / ١٧٧ ]
باب علم، وذلك لا يكون للطبع، بل يقع ذلك أحيانًا، كما أن بخل كذلك، أي لا يكون للطبع، بل يكون أحيانًا كما قال الشاعر:
ولربما بخل الجواد وما به بخل ولكن ذاك نحس الطالب
ولربما جاد البخيل وما به جُود ولكن ذاك سعد الطالب
(هم السابقون في هذا الباب) أي لم يتقدمهم أحد في باب الفقه والاجتهاد الذي هو بذل المجهود. (ولهم الرتبة العليا والدرجة القصوى)
فالعليا: تأنيث الأعلى، والقصوى: تأنيث الأقصى وهو الأبعد.
فإن قلت: من أين وقعت المفارقة بين العليا والقصوى بالياء والواو مع أن كلًا منهما فُعلى -بضم الفاء-، وكل منهما واوي؛ لأنهما من عَلوت وقصوت؟
قلت: العليا جاءت على الأصل الذي اقتضته العربية دون القصوى، فإنها جاءت شاذة بالواو، وذلك أن الكلمة إذا ثنيت على فُعلى -بضم الفاء- وهي من بنات الواو تُقْلَب واوها ياء في الاسم كما في الدنيا، ولا تقلب
[ ١ / ١٧٨ ]
ياء في الصفة، بل يبقى على أصلها واوية كما في الغزوي تأنيث الأغزي.
وإنما فعلوا هكذا للفرق بين الاسم والصفة، وتخصيص الياء بالاسم حملًا للأخف على الأخف، فعلى هذا لكان من حق القصوى أن يقال: القصيا في جميع اللغات كما جاء في بعض اللغات القصيا أيضًا؛ لأنها عوملت معاملة الاسم كالدنيا، فكانت هي شاذة في ورودها بالواو، وفيها وجيه أيضًا في ورودها بالواو مع ذلك، وهو أن القصوى قد تستعمل مع الموصوف نحو قولك: الغاية القصوى، فكان فيها معنى الصفة باقية؛ فلذلك جاز بالواو، وحق هذا الكلام مقضي مع ما يناسبه ويواخيه في «الموصل في شرح المفصل».
(وهم الربانيون في علم الكتاب والسنة). الرباني: مرد عالم وخداى شناس. منسوب إلى الرب بزيادة الألف والنون للتأكيد كالحياني، والنوراني، والرقياني -بفتح الراء -والقياس فيه ربي، وأما كسرها وضمها فمن تغييرات النسب.
وقيل في تفسيره: إنه يُعلم صغار العلم قبل كباره.
(القدوة) بمعنى الاقتداء، كالأسوة بمعنى الائتساء وزنًا ومعنى. ثم معنى قوله: (وملازمة القدوة) أي أنهم يأخذون الأحكام من الكتاب أولًا ثم من الأحاديث، ثم من الإجماع، ثم من قول الصحابة، ثم يستعملون الرأي على ترتيب الفروع على الأصول، ولا يحطون رتبة النصوص عن منزلتها ولا يرفعونها عن منزلتها أيضًا.
[ ١ / ١٧٩ ]
(وهم أصحاب الحديث والرأي). يقال: رأي رأيا: بدل ديد، ورأي رؤيا: بخواب ديد، ورأي رؤية: بجشم ديد.
(فقد سلّم لهم العلماء)، فرُوي أن الشافعي قال: الناس كلهم عيال على أبي حنيفة -﵁- في الفقه. وبلغ ابن سريج وكان مقدَّمًا
[ ١ / ١٨٠ ]
من أصحاب الشافعي -﵀- أن رجلًا يقع في أبي حنيفة -رحمة الله عليه- فدعاه فقال: يا هذا، أتقع في رجل سلَّم له جميع الأمة ثلاثة أرباع العلم، وهو لا يسلَّم لهم الربع إلى آخره. كذا في «المبسوط».
(المراسيل): جمع مُرسل وهو المطلق، ففي الحديث: هو الذي أطلق عن ذكر الإسناد؛ أي لم يُذكر فيه الراوي الأعلى الذي سمعه من النبي ﵇ فالسنة أعم من الحديث؛ لأن السنة تتناول القول والفعل.
[ ١ / ١٨١ ]
والحديث لا يتناول إلا القول، فجمع بينهما في قوله: (تمسكا بالسنة والحديث) لئلا يتوهم أنه من هذا العموم يريد الخصوص، فلذلك ذكر الخصوص بعد العموم.
(وعمل بالفروع بتعطيل الأصول) أي عمل بالرأي وهو القياس مع تعطيل الأصول وهي المراسيل من السنة أصل والرأي فرع، ومن شرط صحة العمل بالفرع أن يكون مقَّرر للأصل لا معطلا له.
(وقدموا رواية المجهول) المراد من المجهول هو المجهول في الرواية بأن لم يُعرف في رواية الحديث إلا بحديث أو حديثين.
وذكر في «شمائل النبي ﵇»: أن أبن أبي طارق لم يرو إلا حديثًا واحدًا. وكذلك حطان السدي. وذكر في الكتاب من جملتهم
[ ١ / ١٨٢ ]
معقل بن سنان.
فكان معنى قوله: «وقدموا رواية المجهول على القياس»، أي قدم أصحابنا رواية المجهول على القياس، حتى قدموا رواية معقل بن سنان في قدم أصحابنا رواية المجهول على القياس، حتى قدموا رواية معقل بن سنان في وجوب مهر المثل في مسألة المفوضة التي مات عنها زوجها قبل الدخول على القياس، وهي في حديث بروع بنت واشق الأشجعية على ما يأتي بيانه في باب خبر الواحد في السنة -إن شاء الله تعالى-.
(وقدموا قول الصحابي) لاحتمال أنه من الرسول، وهو قول أبي سعيد البردعي -﵀- وهو الأصح، وذلك مثل عمل أصحابنا في إفساد
[ ١ / ١٨٣ ]
شراء ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن بقوله عائشة -﵂- وهذا فيما لا يدرك بالقياس باتفاق بين أصحابنا.
وأما فيما يدرك بالقياس فقد خالف الكرخي أبا سعيد فقال: لا يجب تقليد الصحابي إلا فيما لا يدرك بالقياس.
[ ١ / ١٨٤ ]
وقال الشافعي: لا يقلد أحد منهم.
وقوله: (لا يستقيم الحديث إلا بالرأي، ولا يستقيم الرأي إلا بالحديث).
قال على -﵁-: «العلم نوعان: مسموع ومطبوع، ولا ينفع مسموع إذا لم يكن مطبوعا». فمعنى قوله: «لا يستقيم الحديث إلا بالرأي»، أي لا يستقيم العمل بالحديث إلا بمعنى فقهي، ونظير ذلك ما لو سُئل واحد: أن صبيين لو اجتمعا في شرب لبن شاة واحدة، هل يثبت بينهما حرمة الرضاع أم لا؟
فقال: نعم، نظرًا إلى ظاهر قوله -﵇-: «كل صبيين اجتمعا
[ ١ / ١٨٥ ]
على ثدي واحد حرم أحدهما على الآخر». وهذا ليس بمذهب لأحد، وإنما وقع في هذا صاحب الحديث لعدم رأيه.
وكذلك لا يستقيم الرأي بدون الحديث، فنظير ذلك ما لو سئُل واحد أن التقيؤ هل هو مفسد للصوم أم لا؟
فقال: لا. لما أن الشيء إنما ينتفي بوجود منافيه، والتقيؤ ليس بمناف للصوم؛ لأن الصوم: عبارة عن الكف عن الأكل والشرب والجماع مع شرائطه، ولم يوجد واحد من هذه الأشياء، فلم يفسد الصوم؛ وهذا لأن الأكل شغل الباطن، وهذا تفريغ الباطن، فكان هذا ملائمًا للصوم لا منافيًا، وهذا الرأي صحيح في نفسه إلا أنه خلاف النص، وهو قوله ﵇: «من استقاء فعليه القضاء».
فعُلم أن العمل بالحديث لا يحسن بدون الرأي، ولا العمل بالرأي بدون معرفة الحديث.
فإن قلت: ظاهر قوله: «لا يستقيم الحديث إلا بالرأي، ولا يستقيم
[ ١ / ١٨٦ ]
الرأي إلا بالحديث» يقتضي الدور وهو ظاهر، وكل شيء كان مبناه على الدور فهو لا يوجد أصلًا؛ لتوقف وجود كل واحد منهما على وجود صاحبه، فحينئذ لا يوجد الحديث ولا الرأي، والكلام سيق لترغيب الطلبة إلى تحصيلهما جميعًا، وفي هذا الذي ذكره لا يوجد واحد منهما، فكيف يوجدان هما جميعًا؟! فما وجهه؟
قلت: وجهه هو أن المراد من هذا الكلام اجتمعهما كما في العلة ذات وصفين من القرابة والملك في العتق، فإن القرابة هناك لا تعمل بدون الملك ولا الملك بدون القرابة، فكان المراد منه اجتماعهما في حق العتق، فكذا هنا المراد منه في حق اجتهاد المجتهد اجتماع استقامة الحديث والرأي. لا أن كان كل واحد منهما موقوفا على وجود الآخر.
أو نقول: هو أن فيه نفي استقامة كل واحد منهما بدون استقامة الآخر لا وجودهما، واستقامة الشيء عبارة عن العمل به على وجه الصواب، والعمل بكل واحد منهما مغاير للعمل بالآخر، فكان أصل وجود كل واحد منهما غير مفتقر إلى الآخر، فحينئذ لا يتنافيان في وجود استقامتهما، فإن معناه: لا يستقيم العمل بالحديث إلا بالعمل بالرأي على وجه الصواب، ولا يستقيم العمل بالرأي على وجه الصواب إلا بعلم الحديث، فلا منافاة في
[ ١ / ١٨٧ ]
هذا؛ لأنه يجوز أن يكون العلم بالحديث موجودًا واستقامة العمل بالحديث لم تكن موجودة.
فعلم بهذا أن وجود علم الحديث نفسه كان صحيحًا بدون وجود الرأي؛ لما أن هذا يتعلق بذاك بغير الوجه الذي يتعلق ذاك بهذا، وفي مثل هذا لا يتأتى التنافي ولا الدور. ونظير هذا بعينه في صناعة النحو قوله تعالى: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا﴾ فإن قوله: ﴿أَيًّا﴾ منصوب بـ ﴿تَدْعُوا﴾، وقوله: ﴿تَدْعُوا﴾ مجزوم بـ
﴿أَيًّا﴾. ومن حيث الظاهر ذاك أنفى من هذا؛ لأن في ذاك حال عمل هذا، في ذاك عمل ذاك في هذا، فكان هذا عاملًا فيه حال كونه معمولا له، فالعمالية تقتضي النقد، والمعملية تقتضي التأخر الشيء الواحد بالنسبة إلى غيره لا يكون متقدمًا عليه ومتأخرًا عنه في حالة واحدة، ولكن عمل هذا في ذاك غير عمل ذاك في هذا؛ فإن عمل هذا في ذاك باعتبار الشرطية، وعمل ذاك في هذا باعتبار المفعولة، والمفعولة غير الشرطية، فلا يتنافيان في الوجود، وإن كان اقتضاء التقدم والتأخر لكل واحد منهما موجبًا للتنافي، وهذا واضح بحمد الله تعالى.
وكان شيخي﵀- يقول: وإن كان كل واحد منهما محتاجًا إلى الأخر، لكن الاكتفاء بالرأي أكثر صورًا من الاكتفاء بالحديث.
ألا ترى أن الضلال الذين ضلوا بسبب الاكتفاء بالرأي من الفلاسفة
[ ١ / ١٨٨ ]
وغيرهم أكثر من الذين اكتفوا بمجرد ظاهر الحديث.
(وملأ كتبه) أي محمد- رحمة الله-
(ومن استراح) أي اكتفى وطلب راحة نفسه عن مشقة طلب المعاني (بظاهر الحديث)، فإن قولك: استراح الرجل من الراحة، وفي الصادر: الاستراحة: بر أسودن.
(النكول): ازدشمن ياأز سوكند باز استأذن من حد نصر ..
(لبيان النصوص بمعانيها) أي مع معانيها بأن يبين معنى الخاص والعام وغيرهما إلى الأقسام الثمانين.
(وتعريف الأصول بفروعها) أي مع فروعها بأن يعرف أن معنى النص هذا أي الوصف المؤثر في هذا النص هذا، وهذا الوصف المؤثر موجود في ذلك الفرع، فيجب أن يثبت مثل ذلك الحكم في الفرع، كما تقول في قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ﴾ أن المعنى المؤثر الذي هو مناط الحكم في النص خروج النجاسة من بدن الإنسان؛ لأن انتقاض الطهارة
[ ١ / ١٨٩ ]
المستفاد من هذا النص لم يخل إما أن كان متعلقًا بالخارج المخصوص أو بالمخرج المخصوص أو بهما جميعًا فلا جائز أن يكون متعلقًا بالخارج المخصوص وهو البول والغائط لانتقاض الطهارة بخروج الدم منه ولا جائز بالمخرج المخصوص للزوم انتقاض الطهارة أبدا، أو لعدم حصول الطهارة أبدا لوجود المنافي للطهارة، ولا جائز أن يتعلق الانتقاض بهما جميعًا لانتقاض طهارة من طعن تحت سرته وخرجت العذرة منه عند الخصم أيضًا مع انعدام مقاربة بين الخارج المخصوص والمخرج المخصوص.
فعلم بهذا انتقاض الطهارة فيما إذا خرج البول أو الغائط من السبيلين لوجود خروج النجاسة من بدن الإنسان، وفي هذا لا يتفاوت ما إذا خرج الدم من غير السبيلين بسبب الفصد أو الحجامة أو غيرهما، وأما إذا خرج الدم من السبيلين فتنتفض الطهارة في القصد والحجامة كما تنتقض الطهارة فيما إذا خرجت النجاسة من السبيلين.
(التوكل): إظهار العجز، والاعتماد على غيرك، والاسم التكلان.
أناب إلى الله أقبل عليه بوجهه. كذا في الصحاح.
[ ١ / ١٩٠ ]
(والأصل الرابع هو القياس). والقياس أصل بالنسبة إلى الأحكام التي لا توجد في الكتاب والسنة والإجماع نصًا، ولكن مع ذلك إنه فرع لهذه الأصول الثلاثة؛ لأنه مستخرج عنها، وهذا لأن القياس لم يكن لإثبات الحكم ابتداء، بل القياس هو إبانة حكم أحد المذكورين بمثل علته في الأخر بالمعنى المستنبط، فالقياس يشمل العقلي والشرعي، فلذلك قيد بقوله: (بالمعنى المستنبط)، حتى يخرج القياس العقلي من البين؛ لأن الذي نحن يصدده القياس الشرعي.
نظيره ما قلنا في الجص والنورة: فإنا استنبطنا المعنى الذي في الأشياء الستة هو القدر والجنس، ووجدناه فيهما فعدنياه إليهما، كما هو الحكم في العلة المنصوص، وهي الطواف في الهرة، لما وجدناه علة متعدية إلى غيرها. وهو سائر سواكن البيوت من الفارة والحية- عدنياه إلى غيرها، فأثبتنا فيه حكمًا مثل الحكم الذي في الهرة.
وأما القياس العقلي فهو أن يقول: العالم متغير، وكل متغير حادث، فكان العالم حادثًا كما في سائر الحوادث المحسوس حدوثها من حدوث البناء
[ ١ / ١٩١ ]
والحركة والسكون، ثم نظير المستنبط من الكتاب فقولنا: إن اللوظة حرام لقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾. والمعنى فيه أنه مخالط للأذى أي النجاسة ومخالطة الأذى حرام لقوله تعالى:
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾. وهذا المعنى موجود في اللواط؛ لأن المعنى الداعي إلى حرمة القربان في حالة الحيض مخالطة النجاسة، وهي موجودة في اللواط. وكذلك القول بوجوب العدة بثلاثة أقراء على الحرة ذات الإقراء في فرقة بغير طلاق، كما في خيار البلوغ وخيار العناق، مستنبط من قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾. للمعنى الجامع بين الفرقة الثابتة بالطلاق، وبين الفرقة الثابتة بغير الطلاق، وهو تعرف براءة الرحم في الفرقة الطارئة على النكاح بعد الدخول.
ونظير المستنبط من السنة هو ما ذكرنا أنفًا من استنباط المعنى الذي في الأشياء الستة في مسألة الربا، ونظيره أيضًا قولنا: تجب الكفارة على المرأة في الجماع؛ لما أن الكفارة على الرجل إنما تجب باعتبار كون الجماع جناية على الصوم لا باعتبار نفس الجماع، وقد شاركت المرأة الرجل في هذا المعنى، ولهذا فسد صومها.
[ ١ / ١٩٢ ]
ونظير المستنبط من الإجماع هو ما ذكره في "المبسوط" في باب الحدث بقوله: "إن قدم القوم رجلًا- يعني فيما إذا أحدث الإمام- قبل خروج الإمام من المسجد فصلاته وصلاتهم تامة؛ لأن تقديم القوام إياه كاستخلاف الإمام الأول، قياسًا على الإمامة العظمى؛ فإن ثم استخلاف أبي بكر.
﵁- ثبت بالإجماع باستخلاف الناس لحاجاتهم إلى الإمام، فكذا هاهنا يصح استخلاف القوم لحاجتهم إلى الإمام في أتمام صلاتهم، وكذلك عدم جواز النكاح المؤقت بالقياس على نكاح المتعة.
[ ١ / ١٩٣ ]
(الدليل الأول: الكتاب)
(المنقول عنه نقلًا متواترًا) هذا احتراز عن مثل قراءة عبد الله بن مسعود وأبي﵄- مثل قوله تعالى: ﴿فاقطعوا أيمانهما﴾
[ ١ / ١٩٤ ]
وغير ذلك مكتوب في مصحفهما، إلا أنه لم ينقل إلينا نقلًا متواترًا، فلذلك لم يثبت كونه قرآنًا، وقوله: (بلا شبهة) احترازًا عن قول بعض العلماء الذي جعل المشهور أحمد قسمي المتواتر، فتفسير المشهور والمتواتر بأتي في بابه إن شاء الله تعالى.
(وهو الصحيح). قيل: لفظ الأصح يقتضي أن يكون غيره صحيحًا، ولفظ يقتضي أن يكون غيره غير صحيح.
[ ١ / ١٩٥ ]
= أ- أن أبا حنيفة﵀- لم يجعل النظم ركنًا لازمًا في حق جواز الصلاة خاصة؛ لأنه لا يريد بالنظم إلا الإعجاز بل اعتبر المعنى، وأن حالة الصلاة حالة المناجاة مع الله تعالى، والنظم العربي معجز بليغ، فلعله لا يقدر عليه، أو لأنه أن اشتغل بالعربي ينتقل الذهن منه إلى حسن البلاغة والبراعة ويلتذ بالأسجاع والفواصل، ولم يخلص الحضور مع الله تعالى، بل يكون هذا النظم حجابًا بينه وبين الله تعالى.
ب- وأن بناء النظم على التوسعة والتيسير في الصلاة وغيرها. أما في الصلاة فلقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ﴾ إذا حمل على ظاهره.
ج- وذكر بعض المراجع دليلًا آخر وهو: أن القرآن أنزل بلغه قريش؛ لأنها أفصح اللغات، فلما تعسرت قراءته بتلك اللغة نزل التخفيف بدعاء النبي ﵇، وإذن بتلاوته بسائر اللغات، وسقط وجوب رعاية تلك اللغة، واتسع الأمر حتى جاز لكل فريق منهم أن يقرءوا بلغتهم ولغة غيرهم، فلما جاز للقرشي أن يترك لغة نفسه ويقرأ بلغه بني تميم مع كمال قدرته على لغة نفسه جاز لغير العربي ترك لغة العرب مع قصور قدرته عليها.
انظر: كشف الأسرار للبخاري ١/ ٧٤ - ٧٧، كشف الأسرار للنسفي ١/ ٢٠، نور الأنوار ١/ ٢٠.
لكن الترخص كان في اللهجات دون اللغات؛ لآن لغة قريش وبني تميم و لغة واحدة، واللهجات مختلفة، فالدليل الثالث ربما يكون في غير محله، وكذلك الدليل الأول والثاني؛ لأن أبا حنيفة﵀- نفسه رجع عن قوله إلى قول الصاحبين والجمهور كما ثبت ذلك عنه. حتى إن ابن العز شارح العقيدة الطحاوية قال: "قال الشيخ حافظ الدين ألنسفي﵀- في المنار: إن القرآن اسم للنظم والمعنى، وكذا قال غيره من أهل الأصول، وما ينسب إلى أبي حنيفة﵀:- أن من قرأ في الصلاة بالفارسية أجزاه، فقد رجع عنه، وقال: لا تجوز القراءة مع القدرة بغير العربية، وقالوا: لو قرأ بغير العربية إما أن يكون مجنونًا فيداوي، أو زنديقًا فيقتل؛ لأن الله تكلم به بهذه اللغة، والإعجاز حصل ينظمه ومعناه، كما نقل الملا على القاري في شرح الفقه الأكبر نفس العبارة من ابن أبي العز.
لكن راجعت المنار وبعض شروحه مثل: كشف الأسرار للنسفي، ونوار الأنوار لملا جيون، وجامع الأسرار لمحمد بن محمد أحمد الكاكي فلم أقف عليها. وهذا =
[ ١ / ١٩٦ ]
(في حق جواز الصلاة خاصة).
قال الشيخ الإمام جمال الدين المحبوبي- رحمة الله- في "شرح الجامع الصغير" في باب تكبيرة الافتتاح: جواز الصلاة حكم يختص بقراءة القرآن، فيتعلق بالمنزل على رسول الله ﵇- وهو النظم والمعنى- قياسًا على قراءة القرآن في حق الجنب والحائض. يعني أن حرمة التلاوة تتعلق بالنظم والمعنى جميعًا حتى لو قرأ الحائض أو الجنب بالفارسية جاز.
قال الإمام مولانا حميد الدين الضرير- رحمة الله: فبهذه الرواية تعرف فائدة تقييد قوله في الكتاب: "في حق جواز الصلاة خاصة"، وإن كان فيه رواية أخرى: أنها تحرم. ذكرها شيخ الإسلام المعروف بخواهر زاده.
[ ١ / ١٩٧ ]
رحمة الله.
ولا يرد علينا وجوب سجدة التلاوة بالتلاوة بالفارسية؛ لأنها ملحقة بالصلاة.
(ركنًا زائدًا يحتمل السقوط) أي في حق المكره الكامل إكراهه وفي حق من لم يجد وقتًا يتمكن فيه من الأداء وصدق بقلبه، وكان مختارًا في ذلك بأن لم يكن إيمانه إيمان البائس كان مؤمنًا بالإجماع.
علم بهذا أنه كان يحتمل السقوط فكان زائدًا في الركنية.
وأما من صدق بقلبه وترك البيان من عذر لم يكن مؤمنًا، وهو مذهب الفقهاء على ما يأتي ببيانه علم بهذا أنه ركن في أصله.
وقوله: (على ما يعرف في موضعه) أي في هذا الكتاب في موضعين: أحدهما- في باب صفة الحسن للمأمور به.
والثاني- في باب معرفة أقسام الأسباب والعلل والشروط. أو أراد بقوله: في موضعه أصول الكلام، فإن ذلك مستقصى فيه.
[ ١ / ١٩٨ ]
(وإنما تعرف أحكام الشرع) أي الأحكام التي ثبتت بالقرآن (بمعرفة أحكام النظم والمعنى)؛ لأن معرفتها بالكتاب وهو القرآن، والكتاب منقسم إلى هذه الأقسام في حق الأحكام؛ فلذلك كانت معرفة تلك الأحكام مرتبة على معرفة أقسام النظم والمعنى.
(وذلك أربعة أقسام) فوجه الانحصار هو أن يقول: إن أقسام نظم الكلام ومعناه لا تخلو إما أن كانت بحسب المتكلم فلا تخلو إما أن تكون في المفرد أو في المركب، فإن كانت في المفرد فهي القسم الأول، وإن كانت في المركب فلا يخلو إما أن كانت للبيان أو لا، فإن كانت للبيان فلا يخلو إما أن كان كونها بيانًا لمعنى في ذاتها أو لمعنى في غيرها أقترن بها، فالأول القسم الثاني، والثاني القسم الثالث.
وأما المركب الذي ليس هو للبيان فليس من بابنا، وإن كانت بحسب السامع فهو القسم الرابع، وبهذا الانحصار يعلم أيضًا أن أقسام النظم ثلاثة، وقسم المعنى واحد وهو الذي يتعلق بالسامع، وإنما ذكرنا هذا الانحصار دون غيره؛ لأن ما ذكرناه من الانحصار في هذا الموضع في "الوافي" غير متضح مثل اتضاح هذا.
(فيما يرجع إلى معرفة أحكام الشرع) إنما قيد بهذا؛ لأن فيه عبرًا، وقصصًا، وأمثالًا، وأخبار الأمم الماضية فيما لا يتعلق به حكم من أحكام الشرع من حيث المعنى ظاهرًا، فلم تكن هي فيما كان هو يصدده، ولذلك لم
[ ١ / ١٩٩ ]
يكن الكلام فيها.
(القسم الأول- في وجوه النظم صيغة ولغة) إنما قدم هذا القسم؛ لأن ذلك من قسم المفردات، والمفردات أبدًا مقدمة على المركبات كمل في الحسيات، فإن الواحد قبل الأتنين في الوجود، فكذا في ترتيب البيان طلبًا للمناسبة بقدر الإمكان، ثم الصيغة فعلة من الصوغ: زكي كدرن بمعني المفعول، يعني كيف وضع اللفظ، ماض أو مستقبل، أو نهي، اسم أو فعل، فكانت الحروف الدالة عليه صيغة.
وأما اللغة فهي ما يفهم من مدلول أصل هذا التركيب الذي هو موجود في جميع الصيغ كدلالة الضرب مثلًا على مدلول، وهو إيقاع آلة التأديب في محل قابل للتأديب، وذلك المدلول موجود في الألفاظ المشتقة من اللفظ الدال عليه من الماضي والمستقبل وغيرهما، كجوهر الذهب مثلًا في المصوغات المختلفة منه، فإن معنى الذهبية في الكل موجود مع اختلاف أسامي المصوغات المختلفة منه، فإن معنى الذهبية في الكل موجود مع اختلاف أسامي المصوغات منه كالسوار والخاتم والتاج والخلخال والإبريق، فكذلك ها هنا معنى اللغة موجود في الصيغ المختلفة الدالة عليه من الماضي والمستقبل وغيرهما أو نقول وهو الأرفق لمحل الكلام: المراد من قوله: صيغة ولغة، هو أن يقال هذه الصيغة تدل على معنى الخاص، وهذه الصيغة تدل
[ ١ / ٢٠٠ ]
على معنى العام، وكذا في المشترك والمؤول، ثم أعقبه القسم (الثاني) الذي يتعلق بالبيان؛ لأنه من قبيل المركبات؛ لأن البيان يكون بالمركب لكن البيان يحتمل التزايد، وهذا لأن الظاهر يحتمل المجاز فيزاد البيان فيه على وجه لا يحتمله. كقوله: جاءني زيد. يحتمل مجئ خبره أو كتابه فيقطع ذلك الاحتمال بالزيادة في البيان في البيان بقوله: نفسه، وهذا الظاهر المؤكد بالنفس لو كان عامًا يحتمل أن يراد به الخصوص فيزاد في البيان بما يقطع ذلك الاحتمال وهو كلمة كل، ثم هو مع ذلك محتمل للبيان بزيادة الوضوح؛ لأنه يحتمل التفرق فيزداد في البيان بما يقطع هذا الاحتمال بالجميع، فلذلك قال (في وجوه البيان) بلفظ الجمع؛ لأن البيان له طرق.
والقسم الثالث أربعة أوجه أيضًا: الحقيقة، والمجاز، والصريح، والكناية. يعني أن استعمال هذه الألفاظ في باب البيان إما أن أريد بها ما وضع له هذا اللفظ وهو الحقيقة، أو أريد بها غير ما وضع له هذا اللفظ لمناسبة بينهما وهو المجاز، أو استعمل اللفظ في باب البيان مع كثرة الاستعمال ووضوح البيان ظهورًا بينًا وهو الصريح حقيقة كان مجازًا، أو استعمل مع استتار معناه وهو الكناية حقيقة كان مجازًا.
فالحاصل أن هذا القسم على وفق ما ذكرنا بأن القسم الثاني في نفس البيان.
(والقسم الثالث- في كيفية استعمال الألفاظ) في باب البيان.
[ ١ / ٢٠١ ]
(والرابع- في معرفة وجوه الوقوف على المراد والمعنى) أي كيف يقف المجتهد على ثبوت الحكم بطريق العبارة أو الإشارة على حسب الوسع والإمكان. قال علي﵁: جميع العلم في القرآن، لكن تقاصر عنه إفهام الرجال.
يعني ومن يأخذ منه ما هو المقصود عنده إنما يأخذه بقدر وسعه وإمكانه.
وأما جميع العلوم الدينية فموجودة فيه، وعليه دل قوله تعالى: ﴿وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾، وقوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (وإنما تتحقق معرفة هذه الأقسام بأربعة أخرى في مقابلتها) وإنما ذكر المقابل لهذا القسم دون القسم الأول والثالث؛ لأن الأقسام في دينك القسمين بعضها يتضاد البعض؛ فإن الخصوص يتضاد العموم، والحقيقة تضاد المجاز، فلا يحتاج إلى بيان القسم المقابل ليتضح المراد زيادة إيضاح، بخلاف
[ ١ / ٢٠٢ ]
أقسام القسم الثاني، فإن كلها للبيان والإظهار، ولا بضاد الإظهار بدليل أن الأقوى في البيان في تلك الأقسام يتضمن الأدنى فيه، فإن النص يتضمن الظاهر، والمفسر يتضمن النص، والمتضمن لا يكون مضادًا للمتضمن.
(معرفة مواضعها) أي معناها من حيث اللغة (وترتيبها) أي ترتيب هذه الأقسام عند التعارض، أي أيها يقدم وأيها يؤخر نحو: المحكم فإنه يقدم على المفسر، والمفسر على النص، والنص على الظاهر.
(ومعانيها) أي معانيها شرعًا، كما تقول في معنى الخاص والعام من حيث الحد والحقيقة شرعًا.
الخاص: هو كل لفظ وضع لمعنى معلوم على الانفراد.
والعام: هو كل لفظ ينتظم جمعًا من المسميات لفظًا أو معنى.
(وأحكامها) أي الأحكام المطلوبة من هذه الأقسام من الحل والحرمة.
(وأصل الشرع هو الكتاب والسنة) وإنما خصهما بالذكر ها هنا مع أنه
[ ١ / ٢٠٣ ]
قال: أصول الشرع ثلاثة؛ لأن هذه الأقسام كلها تأتي في الكتاب والسنة دون الإجماع، أو نقول: الإجماع يجوز أن يكون بناء عليهما ولا يجوز عكسه، فكانا أصلين من كل وجه بخلاف الإجماع؛ فلذلك خصهما بالذكر.