(والاستدلال بإشارة النص هو العمل بما ثبت بنظمه لغة لكنه غير مقصود ولا سيق له النظم)
فعلى هذا لا فرق بين الإشارة والظاهر من حيث إن الكلام لم يسق لهما، ولكن يفترقان من حيث إن الإشارة قد تقع خفية فتحتاج إلى نوع تأمل بخلاف الظاهر، فإنه ظاهر كاسمه لا يخفي على أحد، ولهذا خفي على الشافعي حكم الإشارة في قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ حيث قال بعدم زوال أملاكهم عما خلفوا في دار الحرب.
[ ١ / ٢٥٩ ]
(وليس بظاهر من كل وجه) فمن حيث إنه لم يسق الكلام له ليس بظاهر، ومن حيث أنه يعلم المراد به ويثبت الحكم بالنظم ظاهر، وإنما سيق النظم أي قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ (لاستحقاق سهم من الغنيمة على سبيل الترجمة لما سبق) أي على سبيل البيان والبدل لما سبق، وهو قوله تعالى:
﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ إلى قوله: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ وقوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ بدل من
﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ إلى أخره، ففي هذا البدل زيادة تشريف لهم للتخصيص بعد التعميم، أو قوله:
﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ معطوف على الأول بغير واو، وهو جائز، كما يقال: هذا المال
[ ١ / ٢٦٠ ]
لزيد ولعمر، ولبكر.
(إلى إن النسب إلى الآباء)؛ لأنه ذكر بحرف اللام، واللام للاختصاص.
يقال: المال لزيد. أي مختص به، ولو لم يكن كل النسب إليه، يكون حينئذٍ بعض المولود له فلا اختصاص فيه.
(وإلى قوله﵇- "أنت ومالك لأبيك") أي في الآية إشارة إلى أن النسب إلى الآباء، وإشارة أيضًا إلى عبارة قوله﵇- وإلى ما هو المفهوم منه، وهو قوله﵇-: "أنت ومالك لأبيك" لكن لا يتحقق الملك في ذاته؛ لأنه ابنه فصرف إلى النسب، وكذلك لا يتحقق ملك الرقبة في ماله؛ لأن ملك الرقبة في جميعه ثابت للابن فصرف إلى جواز تملك أبيه عند الاحتياج.
ونظير هذا أي في أن الثابت بإشارة الكتاب ثابت بعبارة الحديث سقوط
[ ١ / ٢٦١ ]
النجاسة عن سؤر هرة، لكن فيه دلالة الكتاب قامت مقام إشارته ها هنا، وذلك أن سقوط النجاسة عن سؤر الهرة ثابت بدلالة الكتاب الذي أجب سقوط استئذان في غبر أوقات الثلاثة لعلة ضرورة الطواف في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَاذِنْكُمْ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ إلى أن قال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ فإن هذا الحكم بعينه ثابت بعبارة الحديث حيث قال: " الهرة ليست بنجسة فإنها من الطوافين والطوافات عليكم"
(وفيه إشارة إلى أن أقل مدة الحمل ستة أشهر إذا رفعت مدة الرضاع) لأنه قال في آية أخرى:
﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ فبقى للحمل ستة أشهر،
[ ١ / ٢٦٢ ]
وهي أدنى مدة يتصور فيها وضع الولد، فكان هذا في الحقيقة من قبيل بيان الضرورة، كما في قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ فإنه لما رفع الثلث للأم كان الباقي- وهو الثلثان- للأب؛ لأنه لا وارث غيرهما، فكذا ها هنا لما رفعت مدة الرضاع من ثلاثين شهرًا لعامين بقي للحمل ستة أشهر.
وروى: أن امرأة ولدت لستة أشهر يعني من وقت التزوج، فرفع ذلك إلى عمر﵁- فهم برجمها، فبلغ ذلك عليا﵁- فقال: لا رجم عليها، فبلغ عمر قول علي﵁- فأرسل إليه فسأله عن ذلك فقال: قال الله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ وقال أيضًا: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ فستة أشهر وحولان ثلاثون شهرًا، فخلى سبيلها
[ ١ / ٢٦٣ ]
كذا في "التيسير".
ثم روى مثل هذه الحكاية بين عثمان وابن عباس﵃- وهذا التمسك بهذه الآية في أن تقسم مدة الثلاثين بين الحمل والفصال بطريق الاشتراك فيها على مضاد التمسك بهذه الآية في تعليل أبي حنيفة﵁- في "الهداية" حيث جعل هذه المدة لكل منهما على الكمال، ثم ظهر المنقص في أحدهما وهو الحمل فبقي الباقي وهو الفصال على حاله بمدة ثلاثين
[ ١ / ٢٦٤ ]
شهرًا كالأجل المضروب للدينين. يعني إذا ظهر المنقض في أحدهما يبقى الباقي على حاله بكمال المدة.