هو أبو العباس أحمد بن محمد بن منصور بن القاسم (^٢) بن مختار (^٣) بن أبي بكر بن علي، الجُذَامي (^٤) الجَرَوِيُّ (^٥) الإسكندري المالكي، ناصر الدين، المعروف بابن المُنَيّرِ (^٦)، عالم الديار المصرية، وقاضي القضاة في الإسكندرية وخطيبها، مولده في الثالث من ذي القعدة سنة ٦٢٠ هـ.
نشأ في أسرة علمية، فقد كان والده أبو المعالي وجيه الدين منصور بن محمد عالما جليلا، قاضيًا في الإسكندرية (ت ٦٥٦ هـ) (^٧)، ونجيب الدين
_________________
(١) ترجمته في ذيل مرآة الزمان (٤/ ٢٠٦)، تاريخ الإسلام (٥١/ ١٣٦)، فوات الوفيات (١/ ١٤٩)، برنامج الوادي آشي (ص ٥٠)، الوافي بالوفيات (٨/ ٨٤)، الديباج المذهب (١/ ٢٤٣)، درة الأسلاك (ق/ ٤٠ و/ آيا صوفيا -٢٨٧)، المقفى الكبير (١/ ٣٩٩)، رقم الترجمة (٦٢٨)، طبقات المفسرين (١/ ٨٩)، سلم الوصول (٤/ ١١٠).
(٢) في بعض المصادر - كالوافي بالوفيات والديباج المذهب: أبو القاسم.
(٣) في سلم الوصول: بختيار.
(٤) بضم الجيم وفتح الذال المعجمة، نسبة إلى جذام، قبيلة يمنية. انظر: الأنساب (٣/ ٢٢٤).
(٥) ويقال أيضا: الجرواني. والجَرَوِيُّ: بفتح الجيم والراء، نسبةً إلى جري بن عوف بن مالك، بطن من جذام. انظر: اللباب في تهذيب الأنساب (١/ ٢٧٤).
(٦) بضم الميم، وفتح النون، وكسر الباء المثناة المثقلة. انظر: توضيح المشتبه (٨/ ٢٨٩). والمنير أحد أجداده.
(٧) ترجمته في تاريخ الإسلام (٤٨/ ٢٩٥)، والوافي بالوفيات (٥/ ٥١).
[ ١٠ ]
أحمد ابن فارس (^١) هُوَ جَدُّهُ لأُمِّهِ، كما أن كمال الدين ابن فارس (ت ٦٧٦ هـ) (^٢) - شيخ القراء والتجويد - خَالُه.
وزين الدين أبو الحسن علي بن محمد (ت ٦٩٥ هـ)، الإمام المحدث القاضي، شارح البخاري، هو أخوه الشقيق (^٣)، وقد تولى القضاء بعد أخيه ناصر الدين.
درس ابن المُنَيّر بعدة مدارس، وخدم في أول أمره في عدة جهات، وتولى الأحباس والمساجد وديوان النُّظر. ونال في الإسكندرية مناصب عالية، من خطابة وتدريس وقضاء وغير ذلك، وربما كان لوالده الفضل - بعد الله تعالى - في نيله شيئًا من تلك المناصب.
ولي قضاء الإسكندرية وخطابتها مرتين؛ وقد ناب قبل ذلك عن القاضي ابن التنيسي (^٤) سنة ٦٥١ هـ، وولي الخطابة في جامع الإسكندرية لمدة يسيرة في السنة نفسها، وذلك بعد عزل أبي الفرج محمد بن علي بن أبي الفرج (^٥)، ثُمَّ ولي القضاء والخطابة استقلالا (^٦) للمرة الأولى سنة ٦٥٢ هـ، ثم عُزل في
_________________
(١) انظر: معرفة القراء الكبار (ص ٣٥٧).
(٢) انظر: المصدر السابق (ص ٣٥٧).
(٣) ترجمته في: تاريخ الإسلام (٥٢/ ٢٦٦)، نيل الابتهاج (ص ٣٢٤).
(٤) أو التنسي. لم أقف على ترجمته سوى ما أشار إليه تلميذه ابن راشد القفصي إشارة عابرة فيما نقله عنه التنبكتي. انظر: نيل الابتهاج (ص ٣٩٢).
(٥) انظر تفاصيل الخبر في المقفى الكبير (١/ ١٩١).
(٦) تفيد عدد من المصادر أنه كان قاضي القضاة، ولعل المقصود به قضاء قضاة المالكية. وسماه صاحب درّة الأسلاك بالحاكم فيها، وهو من ألقاب القضاة.
[ ١١ ]
أواخر حياته (^١)، ثم أعيدت إليه مناصبه.
اشتهر في علوم اللغة والأصلين وغيرهما وهو دون الثلاثين، وتولى التدريس في حياة والده. وذكر هو عن نفسه أنه لم يجتمع بأبي عمرو بن الحاجب (ت ٦٤٦ هـ) حتى حفظ مختصريه في الفقه والأصول، وأن ابن الحاجب أجازه بالإفتاء. بل صنف بعض تصانيفه في عنفوان شبابه، كتعقباته على كشاف الزمخشري، مما يدل على نبوغه في وقت مبكر.
وكان شاعرًا مجيدًا، وخطيبًا مصقعا، واشتهر بخُطبه ووعظه، وله خطبة خطب بها لما دخل هولاكو الشام سنة ٦٥٨ هـ (^٢)، وكانت هذه الخطبة الشهيرة يوم الجمعة الخامس عشر من شهر ربيع الأول سنة ٦٥٨ هـ (^٣).
حظي ابن المنير بمكانة عالية وشهرة واسعة بين علماء عصره، وذاع صيته في الإسكندرية وخارجها، وأثنى عليه عدد من الأئمة والعلماء، فمن ذلك ما ذكره ابن راشد القفصي (ت ٧٣٦ هـ)، قال: «رحلتُ إلى الاسكندرية في زمن الملك السعيد (^٤) فلقيت بها صدورًا أكابر، وبحورا زواخر، كقاضي القضاة ناصر الدين بن المُنير، وكان ذا علوم فائقة …» (^٥).
_________________
(١) انظر سبب عزله في عيون التواريخ (٢١/ ٣٤٨،٣٤٩)، نهاية الأرب (٣١/ ١٢٣).
(٢) انظر اجتياح هولاكو للشام في البداية والنهاية (١٧/ ٣٩٥).
(٣) وقد أورد الحافظ الذهبي وغيره طرفًا منها في ترجمته.
(٤) يعني الملك ناصر الدين محمد بركة خان بن الملك الظاهر بيبرس (ت ٦٧٨ هـ).
(٥) نيل الابتهاج (ص ٣٩٢) رجح د. عبد الباسط قوادر أن رحلة ابن راشد إلى المشرق كانت في بداية السبعينات بعد المئة السادسة الهجرية، وأنه كان موجودًا في مصر سنة ٦٧٧ هـ، وأنها لم تكن رحلة عابرة، بل رحلة للتكوين والتعمق في العلوم النقلية والعقلية. انظر: ابن راشد القفصي وآثاره العلمية (ص ٧٨).
[ ١٢ ]
ويقول فيه شيخه العلامة أبو عمرو ابن الحاجب (ت ٦٤٦ هـ) (^١):
لقد سَئِمْتُ حَياتِي البَحثَ لَولا … مباحث ساكن الإسكندريه
كأحمد سبط أحمد (^٢) حين يأتي … بكُلِّ غريبةٍ كالعبقريه
تذكرني مباحثه زمانًا … وإخوانا لقيتهم سريه
زمانًا كان الأبياري فيه … مدرسنا وتغبطنا البريه
مضوا فكأنهم إما منام … وإما صبحة أضحت عشيه
وقال قاضي القضاة تقي الدين ابن شكر: «أجمع الشافعية والمالكية على أن أفضل أهل عصرنا بالديار المصرية ثلاثة: القرافي بمصر القديمة، والشيخ ناصر الدين بن مُنَيّر بالإسكندرية، والشيخ تقي الدين بن دقيق العيد بالقاهرة المعزية، وكلهم مالكية خلا الشيخ تقي الدين؛ فإنه جمع بين المذهبين» (^٣).
ويكفي فيه ما قاله شيخه الإمامُ عِزُّ الدين بن عبد السلام ﵀: «ديار مصر تفخر برجلين في طرفيها، ابن المُنَيّر بالإسكندرية، وابن دقيق العيد بقوص».
وكان لا يُجارَى في المناظرة والمباحثة، لكن عيب عليه شيء من التعالي في ذلك، وإساءة للخصم، وقد حصل بينه وبين ابن دقيق العيد ما يدل على ذلك، فقد ذكر ابن دقيق العيد أنه سأله يوما عن الحجة في كون
_________________
(١) بغية الوعاة (١/ ٣٨٤).
(٢) قوله: سبط أحمد، أشار به إلى جده لأمه، وهو الإمام كمال الدين أحمد بن فارس.
(٣) الديباج المذهب (١/ ٢٣٨).
[ ١٣ ]
عمل أهل المدينة حُجَّةً، فقال ابن المنير: هل يتجه غير هذا وذكر كلامًا طويلا، فلم يتكلم ابن دقيق العيد معه، فلما خرج، سئل عن ترك الكلام معه، فقال: «رأيتُ رجلًا لا يُنتصف منه إلا بالإساءة إليه» (^١).