قيل: للتكرار ما أمكن.
وقيل: للمرة.
والمختار: للفعل، والمرة ضرورية، والزائد (محتمل: فالوقف) (^٢).
* التكرار (^٣):
* الأمر كالنهي في الاقتضاء، فكان مثله في التكرار.
* وأيضًا فالأمرُ نهي عن الضِّدِّ، والضِّدُّ: التَّركُ، ولا يُترك التَّرك عمومًا إلَّا إذا فعل عمومًا.
رُدَّ الأَوَّلُ: بأنَّه قياس في اللُّغةِ.
والثاني: بالمنع.
ولو سُلَّمَ: فالنَّهي المقتضي للتكرار هو المستقلُّ؛ وأمَّا المتضمن: فعلى
_________________
(١) انظر: التلخيص (١/ ٢٩٨)، البرهان (١/ ١٦٤ - ١٦٧)، التحقيق والبيان (١/ ٦٣٣).
(٢) (أ): (مجمل فللوقف).
(٣) يعني: أصحاب التكرار، وهم القائلون بأن مطلق الأمر للتكرار.
[ ١٠٢ ]
حسب متضمنه، كالمقيد بالمرة.
* قالوا: تكرر الاعتقاد والعزم.
* قلنا: بمنفصل (^١)؛ بدليل المقيد بالمرة.
• الاتحاد (^٢):
قياسه على الخبر ماضيًا ومستقبلا، فيصدق بمرة (^٣)؛ وعلى اليمين على الفعل، فيبر بها، عكسه النهي واليمين على التَّركِ، فَيَحْنَثُ بالمرَّةِ؛ لِلزومِ تكرار التَّرْكِ.
رُدَّ؛ لأنَّه (^٤) قياس.
* قالوا: يسمى ممتثلا بالمَرَّةِ.
* قلنا: معناه امتثال البعض، كالمقيد بالتكرار.
المختار: الصيغة من المصدر، والواحدة والتكرار أجنبيان عنه، محتملان.
والزم: النَّهي.
وأجاب (^٥) بأنَّ التكرار فيه بضميمةِ النَّفي.
_________________
(١) (أ): (ينفصل).
(٢) يعني: أصحاب الاتحاد، وهم القائلون بأن الصيغة المطلقة تقتضي امتثال المأمور به مرة واحدة.
(٣) (أ): (بالمرة).
(٤) (أ): (بأنه).
(٥) أي: الجويني.
[ ١٠٣ ]
• مَسْأَلَةٌ (^١):
القائلون بالتكرار يلزمهم الفور.
واختلف غيرهم:
فقالت الحنفية بالفور.
وقالت الشافعية بالتراخي.
وانقسمت الواقفيَّةُ؛ فمتغال (^٢) يقف في المُبادِرِ؛ ومقتصد يقطع بامتثاله، ويقف في المؤخّرِ.
والعجب من القاضي؛ (نَفَى الفور - والكلام في المُطْلَقَةِ، وَوَقَفَ في أصلها) (^٣).
وظاهر عبارة أصحاب التراخي القطع بمخالفة المُبادِرِ، وهو باطل ببادي الرأي.
القائلون بالفور: لو جاز التأخيرُ؛ فإمَّا مطلقا، فيسقط الوجوب؛ وإِمَّا مقيدًا بالسلامة، فيرتبط التكليف بالجهالة.
رُدَّ: بالإجماع على التراخي في قضاء الفوائت، وبالموسع.
والتزم القسم الثاني، والجهالة مُغتفَرةٌ؛ لأنَّها لا تنافي الفهم، ولا الإمكان.
_________________
(١) انظر: البرهان (١/ ١٦٨ - ١٧٨)، المستصفى (٢/ ٦٨٧)، التحقيق والبيان (١/ ٦٤٣).
(٢) بعدها في «أ» زيادة: (حتى).
(٣) (أ): (أثبت الفور في المطلقة، ووقف في أصلها).
[ ١٠٤ ]
* قالوا: جواز التركِ في زمن ينافي الوجوب فيه.
فهنالك قال القاضي في الموسع الواجب أحد الأمرين: الفعل أو العزم، فالمؤخِّرُ تارك لِبَدَلٍ - وهو العزم -، ويلزمه تكرار (^١) العزم إلى أن يفعل، والتنبه أوَّلَ الوقت حتى لا يخلو من أحد الأمرين.
والإجماع يخالفه، ثُمَّ فيه إثبات ما لا تقتضيه الصيغة ممن وقف فيما تقتضيه.
وجواب الشبهة: منع المنافاة. نعم، (لو قيل بعدم تأثيم التاركِ: لنَافَى الوجوب، ونحن نؤثّمه بإخلاء الوقت أو الموت فيه بعد التمكن وقبل الفعل) (^٢).
وقول الشافعي بالوجوب مع خلاص الميت (^٣) من الإثم محمول على معنى أنه لو فعل، لأجزأه إجزاء الواجب المقدَّمِ.
والمختار: أنَّ إجزاء الواجب المقدَّم لا تخص المالي. والمؤقَّتُ بالعُمرِ - كالحج - واجب، وتأخيره جائز، ويُفارق المندوب بخوفِ الإثم لا بالعقاب؛ لأنَّه في المَشِيَّةِ (^٤).
واستدل للفور: بالنهي، وبالعزم، وقد تقدَّمَا (^٥).
_________________
(١) ليست في «أ».
(٢) «أ»: (لو قيل بعدم تأثيم التارك بإجلاء الوقت أو الموت فيه بعد التمكن وقبل الفعل: لنافي الوجوب). وكتب الناسخ عند هذه العبارة: (ظ).
(٣) «أ»: (المؤخر المتمكن).
(٤) لغة في «مشيئة». انظر: المطلع للبعلي (ص ٤١٤).
(٥) انظر: (ص ١٠٤ - ١٠٥).
[ ١٠٥ ]
واستدلَّ القاضي لنفسه بانقطاع دلالة الصيغة عنه، كانقطاعها عن التغيمِ والإصحاءِ، وأنَّ أَوَّلَ زمانٍ كأوَّلِ مكانٍ، فلا يتعيَّن. والتزمه بعضُهم.
ورُدَّ: بأن تَعَيَّنَ المكان عند قائليه لضرورة تعينِ الزَّمانِ.
ورُدَّ على القاضي بالفرق بين الفور وبين التَّغَيَّمِ بِغَلَبَةِ (^١) قصدِ الفور، بخلاف التغيم.
ثُمَّ الأمر اقتضاء ناجز، فليقتض (^٢) الوفاء الناجز.
واستُدلَّ لنفيه بنفيه في البر (^٣).
ورد: بأنه قياس؛ وبالفرق بأنَّ الأمر اقتضاء ناجز، واليمينُ وَعْدُ بمستقبل.
والمختار: أنَّ للأمرِ غَرَضًا محققًا - وهو الإيقاع -، ومحتملا - وهو الإسراع -، والمبادر ممتثل لهما، والمؤخِّرُ ممتثل للإيقاع، متعرض للوم على ترك الإسراع، مؤدِّ غير قاض بالإجماع.
• مَسْأَلَةٌ لَفْظِيَّةٌ (^٤):
قال القاضي: لفظ: «أَمَرَ» يتناولُ: «نَدَبَ».
_________________
(١) (أ): (لغلبة).
(٢) (أ): (والنقيض).
(٣) يعني البر في اليمين.
(٤) انظر: البرهان (١/ ١٧٨)، التحقيق والبيان (١/ ٦٨٩).
[ ١٠٦ ]
احتج القاضي: بأن (^١) المندوب إليه طاعة؛ لا لكونه مرادا، بل لكونه مأمورا.
رد: بالمنع، فلعله لكونه مقتضى.
• مَسْأَلَةٌ (^٢):
قيل: الأمر بالشيء عين النهي عن ضده، وبالعكس.
وقيل: لا العكس.
وقيل: يتضمنه؛ فقال القاضي: عقلا، وقالت المعتزلة: لفظا - على أصلهم -.
وقيل: لا عينه، ولا يتضمنه.
رد الأول، والثاني: بأن مدلول «افعل» مغاير لمدلول: «لا تفعل»، ويلزم الأول نفي المباح - كالكعبي -، ويلزم الثاني التحكم.
ورد التضمن العقلي بعدم لزوم (^٣) شعور الآمر بالضد؛ وإن شعر به، فنفيه له غير مقصود إلا على معنى التوسل إلى الفعل حتى لو قدر جواز اجتماعهما، لما أباه.
_________________
(١) «أ»: (أَنْ).
(٢) انظر: البرهان (١/ ١٧٩)، التحقيق والبيان (١/ ٦٩٣)، تشنيف المسامع (٢/ ٦١٧)، تحرير المنقول (ص ١٩٨).
(٣) ليست في «أ».
[ ١٠٧ ]
• مَسْأَلَةٌ (^١):
الامتثال يستلزم الإجزاء، أي: البراءة، خلافًا لبعضهم.
وامتثال أمر التمادي على الحج المُفسَدِ يستلزم البراءة من أمر التمادي؛ فأما القضاء: فامتثال للمخاطبة بالحج الصحيح في حق الضرورة، ولخطاب جديد في حق المتطوع.
• مَسْأَلَةٌ (^٢):
الأمرُ بالشَّيء يتضمن الأمر بشرطه شرعًا - كالطهارة للصَّلاةِ -، (لا بضروريّه) (^٣) وجودًا - كأخذ جُزءٍ مِنْ الرَّأْسِ في غسل الوجه -؛ إذ لا يلزم خطوره (^٤) - كالأضداد -؛ ومِن ثَمَّ لم تجب نيّته، أما جزء العبادة، فوجوبه بالصيغة تضمنا.
ولا يَرِدُ على وجوبِ الشَّرطِ الشَّرعيّ عدم وجوبِ جامع على سُكَانِ البوادي؛ لعدم وجوبِ الجُمعة عليهم.
_________________
(١) انظر: البرهان (١/ ١٨٢ - ١٨٣)، التبصرة (ص ٨٥)، الواضح (٣/ ٧٣)، التحقيق والبيان (١/ ٧٠٤)، الردود والنقود (٢/ ٧٢).
(٢) انظر: البرهان (١/ ١٨٣ - ١٨٥)، التحقيق والبيان (١/ ٧٠٩)، البحر المحيط (١/ ١٧٩ وما بعدها).
(٣) «أ»: (لا بضرورته).
(٤) أي: خطور الضروري لوجود المأمور في قصد الآمر.
[ ١٠٨ ]