١ - منها: المنع.
* ويتوجّه على الأصل من أربعة أوجه:
الأَوَّلُ: منع كونه مُعَلَّلًا، فيُثبته بنص أو إجماع، أو يُثبت عليَّةَ الوصف.
الثاني: منعُ وجودِ الوَصفِ - ويكثر في المركبات ـ، فيثبته بطريقه (^٢).
الثَّالثُ: منع الحكم، فيُثبته بدليله، ولا يُعَدُّ منتقلا؛ لأنَّه بان، عكسه قبول المعارضة من الهادم (^٣). بخلاف ردّ (^٤) النقض بدليل مستقل؛ فإنَّه انتقال.
الرابع: منع كون الوصفِ عِلَّةً، فيُثبت (^٥) العِليَّةَ بمسالكها.
_________________
(١) انظر: التلخيص (٣/ ٢٦٧)، تقويم الأدلة (ص ٣٢٧)، البرهان (٢/ ٦٢٧ - ٦٤٧)، المنخول (ص ٤٠١)، التحقيق والبيان (٣/ ٦٢٣)، ميزان الأصول (ص ٧٦٧)، تقريب الوصول (ص ١٨٨)، البحر المحيط (٤/ ٢٣١)، شرح الكوكب المنير (٤/ ٢٢٩).
(٢) على ما سيأتي في تقاسيم المركبات. انظر: (ص ٢٨٨).
(٣) أي: أن المستدل أو المسؤول: يمكنه إقامة الدليل على الأصل عند المنع؛ لأنه بان لحكم الأصل، فلا يُعَدُّ بذلك منتقلا عن البحث. وعكس ذلك: أن يُمكن السائل من صورة الاستدلال، إذا لم يقصد بذلك تأسيسًا وبناءً، بل قصد إبطال ما أتى به المستدلّ. وقد لا يتفق له الهدم إلا بالمعارضة، فيقبل منه. الأبياري.
(٤) كذا استظهرتها. ويحتمل أن تقرأ: (درء).
(٥) «أ»: (فتثبت).
[ ٢٥٨ ]
* ويتوجه المنع في الفرع من وجه واحد، وهو منع وجودِ العِلَّة فيه.
***
٢ - ومن الاعتراضات: طلب الإخالة.
وقال القاضي: على المستدل بيانها قبل المطالبة؛ وإلا كان مُدَّعِيًا (^١)؛ فإن أشار إليها بلفظه (^٢)، فالسَّائلُ مقصِّرُ، وكذلك الشَّبَهُ الخِصّيص.
***
٣ - ومنها: القول بالموجب.
ومتى تقرَّرَ: انقطع الخصم، وهو اعتراض على المقصود؛ وإلا فصورته تسليم.
وإنَّما يرد إذا ظنَّ المستدلُّ تسليم العِلَّة، فاعتنى (^٣) بإبطال شيءٍ ظَنَّهُ المانع عند الخصم، وكان الخصم منازعًا في العِلَّة، أو مُسَلِّمًا ولكن المنفي جزء المانع أو أجنبي، فيرد (^٤)؛ أما (لو ربط) (^٥) المستدلّ حُكم النزاع بعِلَّةٍ (^٦)، فقيل بالموجَبِ: فتسليم محض.
المثال: إذا قال الحنفي في ماء الزعفران: «ماء طاهر، خالطه طاهر،
_________________
(١) كأنها في الأصل: (مدعنا). والمثبت من «أ»، وهو الموافق لسياق الكلام.
(٢) «أ»: (بلفظ).
(٣) كذا استظهرتها.
(٤) أي: كان ظن المستدلّ ما ذكر، وكان واقع الأمر: أن الخصم ينازعه في العلة، أو كان يسلم له بها، لكن كان المنفي جزء المانع … انظر: البحر المحيط (٤/ ٢٦٣).
(٥) «أ»: (ربطه).
(٦) «أ»: (بالعلة).
[ ٢٥٩ ]
فالمخالطة لا تمنعُ التَّوَضُؤَ»، قيل: بالموجب؛ لأنَّها جُزْء المانع؛ فإن زاد «المتغيّرَةَ»: قِيلَ به، فإن زاد «المتفاحِشَةَ»: كَمُلَ، فلم يجد أصلًا؛ فإن علل فقال: «ماء طاهر فيجوز الوضوء به»: نقض بماء الباقلاء المغلي، فينحصر بين القول بالموجب والنقض.
وإذا قال الشافعي في تمكين العاقلة (^١) مجنونًا: «جنون أحد المتواطئين فلا يدرأ الحد، كجنون الموطوءة»، قال الحنفي بالموجب ومَنَعَ، واستند لنفي المقتضي؛ إذْ فعل المجنون ليس بِزِنًا، فليستْ مَزْنِيًّا بها؛ فإِنْ حَرَّرَ الشَّافعي، فقال: «(فلا ينهض) (^٢) الجنون سببًا»: تعذَّرَ القولُ بالموجب؛ لأنَّ الجنون عند الخصم عِلَّةُ الْعِلَّة، وهي سبب.
***
٤ - ومنها: النقض، وهو: «وجود العِلَّة بدون الحكم».
فقيل: مُبْطِلٌ.
وقيل: لا.
المبطل:
* تعارضت (^٣) الشَّهادتان: لها وعليها.
* وأيضًا: ادعي (^٤) عموم النصب فأخلف. لا يقال: أدعي ما لم يمنع
_________________
(١) أي: المرأة العاقلة إن مكنت مجنونا، فزنا بها.
(٢) «أ»: (ولا ينتهض).
(٣) «أ»: (تعارض).
(٤) «أ»: (الدعوى).
[ ٢٦٠ ]
مانع؛ لأنا نقول: هو كالمتحدي، وشرطه: عموم العجز (^١).
* واستُدِلَّ أيضا: العِلَّةُ المنقوضة لا يتناولها الإجماع (^٢).
ورُدَّ: بالمنع، بل كانوا لا يتكلفون التقييدات، فإن عَنَّ ناقض: علوه.
غير المُبطل (^٣):
* تخصيص العلة كتخصيص العام، فقُبِلَ (^٤).
مَنَعَهُمُ القاضي وجود صيغ للعموم (^٥).
فإن قاله معتزلي؛ فالتخصيص عنده يجب اقترانه، فليوجب (^٦) تقييد العلة ابتداء.
وهو (^٧) عند غير المعتزلي استبانَةُ قَرينة لم تزل؛ ولو فُقِدَت، لكان العام نَصَّا. قال الإمام: هذا مذهب الشافعي (^٨)، ومختارنا خلافه.
وتحقيق الرد: أَنَّ التمثيل (^٩) بالعام الظاهرِ، ثُمَّ قبول تأويله بدليله؛
_________________
(١) قوله: (لا يقال: أدعي ما يمنع مانع … إلخ)، هذا من المواضع التي خالف فيها ابن المنير الجويني. انظر: البرهان (٢/ ٦٣٥، ٦٣٦).
(٢) ولا معتصم في إثبات العمل بالقياس إلا الإجماع. ن.
(٣) يعني: من لم ير النقض مفسدا للعلة. ن.
(٤) «أ»: (فيقبل).
(٥) «أ»: (العموم).
(٦) «أ»: (فالموجب).
(٧) أي: التخصيص.
(٨) عبارة الجويني: «ففي كلام الشافعي ﵀ رمز إلى التزام ذلك».
(٩) كأنها في «أ»: (التمسك)، وهي الأقرب لسياق كلام الجويني.
[ ٢٦١ ]
مُستندهُ الإجماع، والمعلل مُستنده ظنُّ النَّصبِ، والنَّقْصُ يُوهِنُهُ.
* قالوا: جازَ تخصيص العِلَّةِ بِزَمان - إذْ تخلَّفَ التحريم عن الإسكار حتَّى (^١) حُرِّمَتْ (^٢) -؛ فَلْيَجُز تخصيصها بمسائل.
* قلنا: العِلَّةُ علامة؛ فاتبع فيها نصب الشارع، وله الحكم والنسخ، وليس ذلك إلى المُستنبط.
* قالوا: صحت المنصوصة المنقوضة، فالمستنبطة كذلك.
* قلنا: الفرقُ أَنَّ للشارع الحكم بلا عِلَّةٍ وبالطَّرْدِ.
والمختار:
* إن افترقت المنقوضةُ والنَّاقضة بفقه، فعكسه قيد (^٣) أهمله المستدلّ، فينقطع، لاكتفائه بجزء عِلَّةٍ (^٤).
* وإن لم يفترقا:
- وحكم الناقضة غير منصوص ولا إجماعي: فالعلة باطلة؛ لخُلف الدعوى.
- وإن كان حكمها منصوصًا أو إجماعيًا:
_________________
(١) «أ»: (حين).
(٢) أي: أنَّ الشدة المطربة علةٌ في تحريم الخمر، ولم تكن عِلَّةً قبل نزول تحريمها. ن.
(٣) «أ»: (قد).
(٤) ويتبين بهذا أنه ذكر في الابتداء بعض العلة، وأظهر أنه علة مستقلة؛ فإذا أراد التقييد، وانتظمت له علة مقيدة، فالعلة الآن سليمة، ولكنه منقطع من جهة ادعائه في أول الأمر. ن.
[ ٢٦٢ ]
- فإن كان مُعَلَّلًا: فالنَّقض وارد بمعارضة (^١) العِلَّة الأخرى، وهي أقدح مِنْ المعارضة بعد تمامِ الدَّليلِ.
- وإن كان تَعَبُّدا، - ومسألة النزاع في معنى مسألة النقض قطعا -: فالعِلَّةُ باطلة، لرجحان الإلحاق القطعي؛ (فإن لم) (^٢) يكن كذلك: فهو نقض بالمستثنى، والمختارُ: أَلَّا يَرِدَ.
وما كان تردُّدُ القاضي في أنَّ النقض مُبطِل - قطعا أو ظنَّا - إلَّا في هذه الصُّورةِ الأخيرة، وأما الأولُ: فالقطع بالإبطال بها واضح، والحُجَّةُ - لعدم القدح بالمستثنى - الاتِّفاقُ على صِحَّةِ عِلَلٍ نقضتها (^٣) المستثنيات. ويُكتفى بأربع:
الأولى: تعليل الضمان بالإتلاف ينتقض بحمل العاقلة، وهو تعبد. وتعليله بالمُعاونة باطل بالأموال، وهي أحوج للمعاونة؛ لكثرة إتلافها.
وأيضا: فالعاقلة تحمل عن الموسر، وإِنَّما يُعان المُعسِرُ.
الثانية: إذا قلنا: أمكنه مِثلُ المُتلَفِ فَوَجَبَ: انتقض بإيجاب التمر عن لبن المصرَّاةِ، ولم يقدح؛ لأنَّه (^٤) تَعَبُّد، وتعليله بالجهل بالمحتلَب أَيَّامَ الاختبار منقوض بكُلِّ مِثْلِي جُهِلَ قَدْرُه؛
ثُمَّ خصوصيَّةُ التَّمر بماذا تُعَلَّلُ؟!
_________________
(١) «أ»: (لمعارضة).
(٢) «أ»: (وإن لم).
(٣) «أ»: (نقضها).
(٤) «أ»: (بأنه).
[ ٢٦٣ ]
فإن قيل: بقطع النزاع.
* قلنا: النقدان أقطع.
الثالثة: إذا قلنا في البيع الفاسد: «معصية، فلا تثمر الملك الذي هو نعمة (^١)»: انتقض بالكتابة الفاسدة، ولم يقدح؛ لأنَّ إلحاقها بالصحيحةِ تَعَبُّد.
فإن زعم الخصم أنَّ التَّعَبدَ قادِحٌ؛ أُلزِم العاقلة، فيَخرِقُ الإجماع، وإن سلم أنه لا يقدح، فالكتابة منه.
فإن قَنِعَ بالشَّبَهِ في إلحاق الفاسدة بالصحيحة، فقال: «الشَّبَه مقبول ليثبت الحكم، فَلَأَنْ يُقبَلَ لتحققِ النَّقض أولى».
* قلنا: لا يتشابه صحيحا البيع والكتابة، فلا يتشابه فاسِدَاهُما.
الرابعة: الاكتفاء بالخرص تَعَبُّد، فلم يَقْدَحْ فِي عِلَّةِ اشتراط الكيل والوزن حيث نشترطهما.
فإن قيل: الخَرصُ معلَّل بأنَّه ضابط، وإن كان الكيل أضبط، فقد استعمل الكيل (^٢) مع الوزن، والوزن أضبط.
* قلنا: الخَرصُ حَدْسُ عُرفًا، والكيل والوزن ضابطان.
ومثال القادح: أن يُعَلَّل قطع الخيار في بيع العبد الملطَّخ بالمدادِ؛ بأنَّه (^٣)
_________________
(١) «أ»: (النعمة).
(٢) ليست في «أ».
(٣) «أ»: (لأنه).
[ ٢٦٤ ]
لم يشترط الكتابة، فالمشتري (^١) مُفَرِّطُ: فيُنقض بالمصرَّاةِ، وهي معللة بالتغرير الفعلي، وهبْ أنه ليس بالجَلِي إِلَّا أَنَّه قادحٌ.