المفهوم مُستفادٌ عند اللفظ، لا به (^٢)، وهو نوعان:
* مفهوم مخالفة: أي يُفْهَمُ أنَّ الحكم في المسكوت مخالف للمنطوق، مثل: «فِي سَائِمَةِ الغَنَمِ الزَّكَاةُ» (^٣)، ويقابله:
* مفهوم الموافقة: أي المسكوتُ عنه أولى بالحكم:
- فالقطعي منه وفاق، مثل: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ (^٤).
- والظَّنِّيُّ (^٥) - مثل: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ (^٦) ـ، ومفهوم المخالفة - ولا يكون إِلَّا ظَنِّيًّا -: قَبِلَهُمَا الشَّافعي.
_________________
(١) انظر: البرهان (١/ ٢٩٨ - ٣٠٢)، التحقيق والبيان (٢/ ٢٨٦)، تنقيح الفصول (ص ١٣٠، ٣٠١)، البحر المحيط (٣/ ٨٨)، (٥/ ١٢١)، شرح الكوكب المنير (٣/ ٤٨١).
(٢) من جهة اقتران أمر آخر بالمتلفظ به، قائما بنفس المتكلم … الأبياري.
(٣) غير موجود بهذا اللفظ، بل هو مروي بالمعنى. قال ابن الصلاح: «أحسب أن قول الفقهاء والأصوليين في سائمة الغنم الزكاة، اختصار منهم»، أخرج معناه البخاري (١٤٥٤)، وأبو داود (١٥٦٧) وغيرهما ضمن حديث طويل عن أنس. وانظر: التلخيص الحبير (٣/ ١٣٠٩)، الهداية في تخريج أحاديث البداية (١/ ٨٣).
(٤) الإسراء: ٢٣.
(٥) من مفهوم الموافقة.
(٦) النساء: ٩٣.
[ ١٥٢ ]
وأنكرهما أبو حنيفة والواقفية؛ وإن كان الشيخ قال في قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (^١): لما ذكر الحجاب في إذلال الأشقياء، فهم نفيه (عن السعداء) (^٢).
وقيل بمفهوم الموافقة مطلقًا.
وقيل بمفهوم الشَّرطِ مِنْ جملة مفهوم المخالفة.
ثم حصرَ الشَّافعي مفهوم المخالفة في التخصيص بالصفة وبالعدد وبالحد وبالزَّمانِ وبالمكان، لا باللقب، وأثبته الدَّقَّاقُ.
• مَسْأَلَةٌ (^٣):
استُدِلُّ لقبول المفهوم بقولِ الشَّافعي - وهو ممن ينطقه طبعه - وبقول أبي عُبيدة (^٤) - وهو إمام في اللغة - وذلك أَكَدُ مِنْ قولِ جِلْفٍ (^٥) قُحٌ.
_________________
(١) المطففين: ١٥.
(٢) «أ»: (للسعداء).
(٣) انظر: التلخيص (٢/ ١٨٨)، البرهان (١/ ٣٠٢ - ٣١١)، المستصفى (٢/ ٨٣٣)، التحقيق والبيان (٢/ ٣٠٨)، شرح مختصر الروضة (٢/ ٧٢٥).
(٤) كذا في الأصل والبرهان. وأبو عبيدة هو معمر بن المثنى (ت ٢٠٩ هـ). وفي «أ»: (عُبيد)، وهو القاسم بن سلام (ت ٢٢٤ هـ)، وكلاهما من أئمة اللغة. وما في: «أ» أقرب، لأنها موافقة لما في أغلب المصادر الأصولية، ويشهد لمسألتنا كلام أبي عبيد في غريب الحديث (٢/ ١٧٥). فقد قال في شرح قوله ﵇: «لَيُّ الواجد يحل عرضه وعقوبته»: «… فهذا يبين لك أنه من لم يكن واجدا، فلا سبيل للطالب عليه بحبس ولا غيره حتى يجد ما يقضي …»، والله أعلم.
(٥) «أ»: (خلف).
[ ١٥٣ ]
واعترض: هما ممَّن يقول بالاستنباط، فلعله مستنَدُهما، فلا يُقلَّدَانِ.
قالوا (^١): وردت أخبار مقبولة تواتر معناها:
* منها: قولُ يَعْلَى بْنِ (أُمَيَّةَ لِعُمَرَ) (^٢) ﵄: ما لنا نقصر وقد أمِنَّا، والله تعالى يقول: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ (^٣)؟ فقال: تعجبتُ من ذلك، فسألته ﵇، فقال: «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» (^٤)، ففهِمَه يَعْلَى وَعُمَرُ مِنْ الشَّرط، وأقرَّ عُمَرُ يَعْلَى، وأَقرَّ النَّبِيُّ ﷺ عُمَرَ.
وأجيب:
- بأن الأصل: الإتمام، [والقصر] (^٥) حالة الخوفِ بالنَّص؛ فتعجبَا للتّركِ (^٦) في غير محلَّ النَّص، كما لو كان بلقب.
- وأيضًا: مفهوم الشرط أثبته الأكثر.
* ومنها: قوله ﵇: «لأَزِيدَنَّ عَلَى السَّبْعِينَ» (^٧) لما نزل (^٨) ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ (^٩).
_________________
(١) أي: المثبتون للمفهوم.
(٢) ليست في «أ».
(٣) النساء: ١٠١.
(٤) أخرجه مسلم (٦٨٦).
(٥) زيادة متعينة.
(٦) ترك الإتمام.
(٧) أخرجه البخاري (٤٦٧٠)، ومسلم (٢٤٠٠) من حديث ابن عمر.
(٨) في الأصل: (ترك). والمثبت من «أ».
(٩) التوبة: ٨٠.
[ ١٥٤ ]
قيل: ليس بصحيح (^١)؛ إذ يستحيل هذا من الفصيح (^٢).
* ومنها: منعُ ابن عَبَّاسٍ حَجْبَ الأُمَّ (^٣) بالأَخَوَينِ (^٤).
وأجيب: بمعارضة عُثمانَ؛ ولأنَّ الأصل - الثُّلُثَ - تُرك (^٥) للنَّص، بقي ما عداه على الأصل.
* ومنها: تخصيص الصحابةِ الغُسل بالإنزال؛ لمفهوم: «إِنَّمَا الماءُ مِنَ الماء» (^٦).
* قلنا: بل لأخبار صريحة؛ حتَّى بلغهم: «إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ …» (^٧)، فرجعوا؛ ثُمَّ لم يتواتر معنى هذه الأخبار؛ بدليل مشاركتنا في السبب، ولم نعلم؛ بخلافِ جُودِ حاتم.
قالوا: «اشتر لي عبدا هنديا» نهي عن غيره.
* قلنا: بالحجر الأصلي، كالتخصيص اللقبي.
استدلَّ الشَّافعي: بأنَّ التخصيص لقصد (^٨)، والقصد لفائدة؛ وإِلَّا سَمُجَ؛
_________________
(١) «أ»: (صحيح).
(٢) عفا الله عن الجويني؛ فالحديث في الصحيحين.
(٣) من الثلث إلى السدس. ن.
(٤) تقدم تخريجه في (ص ١٣٠).
(٥) «أ»: (تُركه).
(٦) أخرجه مسلم (٣٤٣) من حديث أبي سعيد الخدري.
(٧) أخرج نحوه البخاري (٢٩١) عن أبي هريرة، ومسلم (٣٤٩) عن أبي موسى الأشعري.
(٨) «أ»: (بالقصد).
[ ١٥٥ ]
كقول القائل: «السُّودان يرويهم الماء». والفائدة شرعيَّةٌ، والسَّبر يحصرها في مخالفة حكم المسكوت عنه للمنطوق.
ونقض باللقب.
والطَّريقة المختارة: أنَّ القائل: «مَنْ أتاني أكرمته»، إما أن يعزم على إكرام الآتي وغيره، أو على تخصيص الآتي، والأوَّلُ تطويل في اللفظ، تقصير في المعنى، لا يتكلم به الفصيح، والشارع أكد فصاحة، وعلما بالعواقب، وبعدا عن التجهيل؛ فيتعين الثاني.
والتخصيص بالزمان والمكان والعدد كذلك، وبالعِلَّةِ المناسبة أكد، ثُمَّ الحكم بها لفظي، ومِن ثَمَّ لَا تَفْسُدُ بما تَفْسُدُ به المُستنبطة (^١)، أما غير المناسبة فكاللقب.
• مَسْأَلَةٌ (^٢):
أثبت الدَّقَّاقُ مفهوم اللقب بطريقة الشافعي.
رُدَّ: بأنَّ القائل: «رأيتُ زيدًا» لا يُفهم الحصر، وغرض التخصيص مُسَلَّم، ولكن لا يتعيَّن الحصر. نعم، لو قال: «إِنَّما - أو - ما رأيتُ إِلَّا زيدًا» فَحَصْرٌ بغيرِ اللَّقَبِ.
_________________
(١) بعدها في الأصل كشط مقدار سطر، والكلام مستقيم.
(٢) انظر: البرهان (١/ ٣١١ - ٣١٢)، المستصفى (٢/ ٨٤٤)، التحقيق والبيان (٢/ ٣٤٣)، الردود والنقود (٢/ ٣٨٦)، تشنيف المسامع (١/ ٣٦٤)، البحر المحيط (٣/ ١٠٧).
[ ١٥٦ ]
• مَسْأَلَةٌ (^١):
المفهومُ أَحَدُ مدلولي اللفظ، فيُترك بما يُخَصُّ به العموم.
وتركه الشافعي أيضًا بموافقته الغالب؛ لظهور قصد المطابقة حينئذ، لا الحصر.
* كقوله: ﴿فَإِنْ لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ (^٢). فالمفهوم حصر اعتبار شهادةِ النِّساء في حالة فقدِ الرّجالِ، وهو متروك؛ لأنَّ الغالب أَنَّهُنَّ لا يُستشهدْنَ (^٣) إلا عند فقدهم.
* وكقوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ (^٤)؛ لأنَّه غالب السفر.
* وكقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ (^٥)؛ لأنَّ غالب المخالعة حالة الشَّقاق.
* وكحديثِ (^٦) عائشة: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيُّهَا، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ» (^٧)؛ لأنَّ مباشرتها النِّكَاحَ، وعَدَمَ استئذان الولي متلازمان - غالبًا - لِعَلَّةِ التَّبَرُّج.
والمختار: إعمال المفهوم في الجميع على ضعف من الظهور.
لنا: الوضع، والموافقة فائدة زائدة على الحصر، لا معارضة، وقد فهمه
_________________
(١) انظر: البرهان (١/ ٣١٢ - ٣١٦)، شرح اللمع (١/ ٣٤٦)، التحقيق والبيان (٢/ ٣٤٦)، البحر المحيط (٢/ ٤٠٣)، التمهيد للإسنوي (ص ٣٧٠).
(٢) البقرة: ٢٨٢.
(٣) في الأصل: (يستشهدون). والمثبت من «أ».
(٤) النساء: ١٠١.
(٥) البقرة: ٢٢٩. وفي «أ»: (وإن خفتم).
(٦) «أ»: (ولحديث).
(٧) أخرجه أبو داود (٢٠٨٣)، وابن ماجه (١٨٧٩) من حديث عائشة.
[ ١٥٧ ]
عُمَرُ ويَعْلَى في القصر، وأعمله محمَّد بن الحسن (^١) في حديث عائشة (^٢)، وعلمه باللغة مشهورٌ، وتركه تقليدًا للشافعي من حسائكِ (^٣) الصدور.
• مَسْأَلَةٌ (^٤):
«تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» (^٥) للحصر فيهما؛ وكذلك «الشفعة فيما لم يُقسم» (^٦)، وليس من المفهوم؛ فَتُسْنِدَ (^٧) الحنفية مخالفتهم فيه إلى إنكارهم المفهوم.
بل الحصر في الأوَّلِ كالحصر في قول القائل: «صديقي زيد»، عكس قوله: «زيد صديقي»، ودعوى الإجماع فيه قريبة (^٨)، وسببه أنَّ الترتيب جعل الأخص مُبْتَدًَا، فمخالفته (^٩) تستلزم فائدةً، وهي الحصر.
وأما الشفعة فعام جنسي؛ فيلزم حصر جنس الشفعة فيما لم يُقسم.
_________________
(١) يرى محمد بن الحسن أنَّ عقدها يتوقف على إجازة الولي. ينظر: الأصل (١٠/ ١٩٨)، اختلاف الفقهاء للمروزي (ص ٢١٩)، مختصر اختلاف العلماء للجصاص (٢/ ٢٤٧)، المبسوط (٥/¬١١). ثم إن الحنفية يرون بأنه قد رجع في آخر حياته إلى قول أبي حنيفة. انظر: الاختيار لتعليل المختار (٣/ ٩٠)، اللآلئ المصنوعة في الروايات المرجوعة (ص ١٢١).
(٢) بعدها في «أ»: (﵂).
(٣) جمع حسيكة، وهي الضغن والعداوة. انظر: الصحاح (٤/ ١٥٧٩)، أساس البلاغة (ص ١٢٤).
(٤) انظر: البرهان (١/ ٣١٦ - ٣١٨)، المستصفى (٢/ ٨٤٧)، التحقيق والبيان (٢/ ٣٦١)، أصول ابن مفلح (٣/ ١١٠٧).
(٥) أخرجه أبو داود (٦١)، وابن ماجه (٢٧٥)، وأحمد (١٠٠٨) وغيرهم من حديث علي.
(٦) أخرجه البخاري (٢٢٥٧) من حديث جابر بن عبد الله.
(٧) «أ»: (فيسند)
(٨) «أ»: (قرينة)
(٩) «أ»: (لمخالفته).
[ ١٥٨ ]