أعلاها: «الإلحاق القطعي بنفي الفارقِ»، ثُمَّ «المناسب»، ثُمَّ «المطَّرِدُ المنعكس»، ثُمَّ «الدَّلالة»، ثُمَّ «الشَّبَهُ».
فالمعلوم: لا يترتَّبُ؛ لاستواء العلوم.
والمناسب: لا ينضبط إلَّا بالملاءمة، وأقلُّها ألا يناقض الأصول.
والتحقيق: أنَّ أحدًا من العلماء لم يسترسل في المصلحة غير ملتفت إلى الأصول، والذي قَوَّلَ مَالِكًا (^٢) ذلك: غَلِطَ، بل التفت في معانيه إلى أصول الشريعة كغيره، وزاد فالتفت إلى أصول استنبطها مِنْ أقضيةِ الصَّحابةِ.
فلنرتب المناسب باعتبار الملاءمة:
• فالمرتبة العليا ممثلة بقياس المثقل على المحدد، لفائدة تحفَظُ المقصود (^٣) مِنْ الصَّونِ، وهو مقطوع بصحته.
ومن أهدر المثقل، خالف القطع، وأضاعَ الدّماء؛ فَإِنْ أَنْكَرَ عَمْدِيَّتَهُ،
_________________
(١) انظر: البرهان (٢/ ٧٨٢ - ٧٩٩)، المنخول (ص ٤٣٨)، نكت المحصول (ص ٥١٩)، التحقيق والبيان (٤/ ٣١٩).
(٢) في «أ»: (ما)، وبعدها بياض مقدار كلمة.
(٣) «أ»: (مقصود القاعدة).
[ ٣٢١ ]
فمباهت؛ وإن شَبَّبَ بالتَّعَبُّدِ في الآلة، فقد أبعد؛ بإجراء التَّعَبدِ في أقعد الأبواب بالمناسبة، ثُمَّ التَّعَبُّد هو الخفي الحكمة، لا المناقض للحكمة (^١).
وإن تمسك بعكس، فقال: «الجُرحُ السَّالِمُ - غالبا - إذا أهلك، كالجُرح المهلك - غالبًا - اعتبارًا، فينبغي أن يكون المثقل الكبير كالصَّغير إهدارًا» (^٢).
• قلنا: الجُرحُ أسرى إلى النفس من المثقل، فتساوت أصنافه (^٣)، ثُمَّ تَسْوِيَتُنا للصَّونِ تشييد (^٤) للقاعدة، وتسويتهم للإهدار هدم لها.
مثال آخر: مقصودُ البَيِّنَةِ ظهور صدق الدعوى، وأعلاها بينةُ الزنا، فلو أقر المشهود عليه: تأكَّدتِ البيّنةُ.
وقال أبو حنيفة: «تَسْقُطُ هي والحَدُّ، ويُنتظر إقراره أربعًا»، وهذا مناقضة المقصود البينة، وذريعة لإسقاط الحدود، ولسنا نُحَلَّفُ المُقِرَّ فيرعوي فيكمل الإقرار فتحدَّه.
• المرتبة الثانية: قياس المشتركين في الطَّرَفِ على المشتركين في النَّفس، وهو أعلى المظنون.
وَحَطَّهُ عن العلم المعارضة؛ بأن يُقال: قتل الجماعة بالواحد خلاف
_________________
(١) من قوله: (في أقعد الأبواب بالمناسبة …) إلى هنا لا يوجد في كلام الجويني، لكنه مما فرع الأبياري (٤/ ٣٣٣) على كلام الجويني.
(٢) قوله: (فينبغي أن يكون المثقل الكبير كالصغير إهدارًا) طوى ذكره الجويني، وصرح به الأبياري (٤/ ٣٣٤).
(٣) أي: خلافًا للمثقل الذي اختلف حكم القتل بصغيره من كبيره.
(٤) في: «أ»: (تسدا).
[ ٣٢٢ ]
الأصل؛ إذْ جنايةٌ كُلِّ قتل غير مستقل، وعقوبته قتل مستقل، والأصل عصمته، والاشتراك أعسر من المثقل.
فنقول: عدم الاستقلال لغو؛ لأداء اعتباره إلى الهرج، وعصمةُ الجاني ساقطة بسعيه في السَّفْكِ عبئًا، وعُسْرُ الاشتراك ساقط بعُسْرِ المثقل أيضًا (^١)، وبالفرض في أَيَّد وضعيف، فاشتراكهما أسهل في حصول الجناية من الانفراد.
فإن قيل: فقد أبطلت المعارضة، فاجعل القياس معلومًا!
قلتُ: المعلوم بطلانُ أَلَّا قصاص، ويقرب منه بطلان تخيير الولي في واحد، ويليه قياسنا المذكور، وعليه معارضاتٌ أُخَرُ:
إحداها: أنَّ قطعَ الطَّرَفِ يحتمل أن يَسْرِيَ: فيُقتص إجماعًا، فيكفي (^٢) الاحتمال زاجرا.
وجوابها: أنَّ الصَّونَ مقصود أيضا، بدليل القصاص في الأطراف مع الاندمال والانفراد.
الثانية: أنَّ القصاص لو وجب تقية للهرج، لوجب عليهم إذا تميَّزت الأفعال، وبان الطَّرَفُ؛ وهي متوجّهةٌ.
الثالثة: إمكان تميز الطَّرَفِ، والتَّمَيَّزُ (يُسقط قصاص الإبانة) (^٣) بخلاف
_________________
(١) فإنه يعارض ذلك أن المنفرد لا يستمكن استمكان المشتركين. ن.
(٢) في كلتا النسختين: (فيلغى)، ولا معنى لها في هذا السياق، والمثبت هو الصواب، ويحتمله الرسم في الأصل.
(٣) (أ): (يسقطه).
[ ٣٢٣ ]
النَّفْسَ؛ إذْ لا يتميَّزُ.
وجوابها: أنَّ المسقِطَ: التَّمَيَّزُ، لا إمكانه (^١).
فإن عارضوا فقالوا: «الاشتراك مُسقِط (^٢)، كالاشتراك في سرقة النِّصاب»، فقياس (^٣) فاسدُ الوضع؛ لاختلاف القواعد.
وأيضا؛ فالغرضُ من القطع صونُ المالِ النَّفيس، وحظٌّ (كُلٌّ مِنْ) (^٤) المشتركين في النُّصابِ خسيسٌ.
وعن اختلاف القاعدتين: لا يُقطع سارقُ نصاب في دُفعات، ويُقطع مُبِينُ اليَدِ في دُفُعاتٍ. ثُمَّ القياسُ مع تباين القواعد إنَّما هو إلحاقٌ في الحكم (^٥)، وهو باطلٌ يُفضي إلى الاسترسال.
نعم، نقيسُ جزئياتِ القاعدة بعَينِ حِكمتها. ولهذا لا نقطع بالتَّعرُّض للحُرَمِ، وهو أفحشُ من التَّعرُّض للمال (^٦).
وكذلك لو نَقَبَ أحدهما وسَرَقَ الآخرُ، لم نقطع وإن انخرمَ الصَّونُ باستعانة يسيرة؛ إذ لم يوجد من واحدٍ منهما سببٌ؛ إذِ النَّاقبُ لم يسرق، والسَّارِقُ لم يأخذ من حرز، وليس إلينا وضعُ الأسباب؛ فلو نَقَبَ وأَخَذَ،
_________________
(١) فوقها في طرة الأصل كلمة لم أتبينها.
(٢) «أ»: (يسقط).
(٣) «أ»: (قياس).
(٤) ليست في «أ».
(٥) «أ»: (الحكمة).
(٦) هذا تفريع على قوله: (القياس مع تباين القواعد … باطل).
[ ٣٢٤ ]
قُطِعَ؛ لأنَّه الذي هَتَكَ الحِرزَ؛ وللنَّظَرِ فيه مجال.
تحقيق: لما منعنا اعتبار حكمةٍ بحكمة لأدائه إلى الانحلال، أجزنا أن يُقيَّد معنى القاعدة بها (^١)، فنقول: القطع شرع لصيانة الأموال.
فلو قيل: الأموال طرد؛ إذ صيانة الحُرَمِ مصلحي أيضًا.
• قلنا: ذكرنا الأموال لنقيس جزئياتها بعضًا على بعض، فلا ينتقل، وإن كنا لا نقبل تقييد المعاني بالطُّرودِ لغيرِ هذه الفائدة (^٢).
فإن قيل: فهل قياسُ الطَّرَفِ (^٣) على النَّفْسِ استرسال؟
• قلنا: بل هما جزئيان للقصاص الثابت لحكمةِ الصَّونِ. (فليعلم الناظر سداد نظر) (^٤) الشافعي قائسًا ومتوقفا؛ غير فرع واحدٍ أشكل سر مذهبه فيه، وهو (^٥) قتل تاركِ الصَّلاةِ بغيرِ نَصِّ (^٦)؛ فإن قَنِعَ مقصر فيه (^٧) بقياس المأمورات بالمنهيات - (فالقتل ثاني المنهيَّاتِ، وفعله موجب للقتل، والصَّلاةُ ثانية
_________________
(١) أي: بنفس محلها، فالأموال محل الحكم (القطع)، وقيد فيه.
(٢) أي: فائدة رعاية المصلحة مع الانحصار على الحكم المنصوص عليه. ن. وفي «أ»: (القاعدة).
(٣) في البرهان: (قسم الطرف)، وصوابها: (قستُم …).
(٤) (أ): (فليعلم سداد).
(٥) (أ): (فهو).
(٦) اعترض الأبياري هنا على دعوى الجويني أنه لا نص على قتل تارك الصلاة، فقال: «وأما ما استشكله الإمام من قتل تارك الصلاة، وقوله إنه لم فيه نص، فليس الأمر على ما قال، بل فيه نص من الكتاب والسنة وإجماع ضمني عن الصَّحابة». شرح الأبياري (٤/ ٣٦٢).
(٧) ليست في «أ».
[ ٣٢٥ ]
المأمورات) (^١)، فليكن تركها موجبا للقتل؛ فقد اعْتَبَرَ (^٢) حكمةً لا نظير لها، والله أعلم.
• المرتبة الثالثة: الإكراه على القتل.
اقتص أبو حنيفة من الحامل، وزُفَرُ مِنْ المحمول، والشافعي منهما؛ فأبو حنيفة قرر بأنَّ المحمول آلةٌ، فتعيَّن الحامل؛ وزُفَرُ قَرَّرَ بأَنَّ المحمول مباشر ومنهي إجماعًا، فتعيَّنَ؛ والشَّافعيُّ جَمَعَهُما، ويزيده تقريرًا: أنَّ الإهدار باطل إجماعًا، والتخصيص تحكم؛ فقُتِلا كالمشتركين (^٣)، وينحط عنهما (^٤) لاختلاف المباشرة والتسبب؛ فمذهب الشافعي أعلاها، ثُمَّ زُفَرُ.
والاقتصاص من شهود الزنا إذا رجعوا أظهرُ؛ إذ القاضي مُكْرَهُ مأمور (^٥)؛ فلذلك اختلف قول الشافعي في المكره، لا (^٦) فيهم (^٧).
أمَّا شهود القتل إذا رجعوا: فإن رَجَعَ الوليُّ، تَعَيَّنَ (^٨) تغليبًا للمباشرة
_________________
(١) ليس في «أ». وما بين الهلالين استفاده ابن المنير من شرح الأبياري.
(٢) الظاهر أن المقصود به المقصّر القائسُ المأمورات على المنهيات.
(٣) (أ): (كالشريكين).
(٤) القول في قتل المكره والمكره ينحط عن القول في قتل الشريكين. ن. بتصرف يسير.
(٥) فلا خيرة له شرعا. الأبياري.
(٦) ساقطة من الأصل.
(٧) أي: في الشهود.
(٨) أي: تعيَّن الولي في القود، دون الشهود.
[ ٣٢٦ ]
والخيرة؛ وإلَّا: فَهُمْ، مع انحطاطهم عن شهود الزنا لخيرة (^١) الولي (^٢).
وأشكل العقوبات على مذهب الشافعي حد المرأة النَّاكلة عن اللعان:
* فإِنَّه سَفَكَ (^٣) بيمينِ المُدَّعي، كالقَوَدِ بقسامة المدعين، والقَوَدُ بها (^٤) مقتطع (^٥) عن القياس، وأحد قولي الشافعي نفيه، ويُوَجَّهُ فيقال: مَنْ ماتَ فات، والقصاص لصونِ (مَنْ بقي) (^٦)، والجاني باقي، فحقن دمه أولى من سفكه.
* ثُمَّ قَتَلَ النَّاكِلَةَ قولًا واحدًا - وهو أضعف من القسامة، لاعتضادها باللوثِ ..
* ثُمَّ الحد يسقط بما لا يسقط به (^٧) القصاص، فكيف يثبت ويسقط القصاص؟!
فالحُجَّةُ له (^٨): أنَّ آية اللعان أثبتت عذابًا بالنكول، وهو اتفاق، فخرج
_________________
(١) (أ): (بخيرة).
(٢) المعنى: إن لم يرجع الولي، تعين القود على الشهود مع انحطاط القول بالقود عليهم عن القول بالقود على شهود الزنا؛ إذ الولي المباشر له الخيرة في الاقتصاص وعدمه مع ثبوت الشهادة؛ وأما في الزنا، فلا خيرة للقاضي، فكانوا في شهادة الزنا أقرب إلى المكره من شهادة القصاص.
(٣) (أ): (شك).
(٤) أي: القسامة.
(٥) «أ»: (منقطع)
(٦) (أ): (لا لنفي).
(٧) ليست في «أ».
(٨) أي: للإمام الشافعي.
[ ٣٢٧ ]
عن القانون (^١)، ثُمَّ تفسيرنا العذاب بالقتل أرجح عُرْفًا مِنْ تفسيرهم بالحبس (^٢)، فتعين، وحديث القسامة ورد في الغُرم (^٣).
فالملخّصُ: أنَّ المرتبة الأولى عِلميَّةٌ (^٤)، تكاد تكون جزءًا من المنصوص، ودرجة القسامة واللعان في المعاني وهميَّةٌ؛ فلذلك لم نعدها مرتبة، والله أعلم.
_________________
(١) آخر ما وجد في الأصل.
(٢) في البرهان (وحمل العذاب على الجنس بعيد)، والصواب: (الحبس).
(٣) مهملة في المخطوط، والمثبت من مطبوعة البرهان. وقد اعترض الأبياري هنا على قوله في الغرم بلفظ الحديث: «ويُسلّم إليكم برمته».
(٤) في المخطوط: (عليه)، وهو تحريف.
[ ٣٢٨ ]