تناول البرهان عددًا من العلماء بالشرح والبيان والاختصار والتهذيب والتنكيت، وكان عامة هؤلاء من أتباع المذهب المالكي؛ فلماذا المالكية دون غيرهم؟ وقبل أن نتحدث عن شيء من أسبابها، نشير إلى المصنفات التي ارتبطت ببرهان الجويني، وذلك على وجه الاختصار حسب ترتيبها الزمني.
والغرض من ذلك رصد تلك المصنفات لعموم فائدتها، وإظهار عناية العلماء به على مر العصور، ومعرفة موقف كتاب ابن المُنَيّر من هذه السلسة.
فأول كتاب في هذه القائمة، هو «المنخول من تعاليق الأصول» لأبي حامد الغزالي الشافعي (ت ٥٠٥ هـ)، تلميذ إمام الحرمين، وهذا الكتاب عداده ضمن مختصرات البرهان، والمقصود بذلك أنه جعل البرهان أصلا لمنخوله، واستخلص منه مادته مع مخالفته إياه في أسلوبه وآرائه وشيء من ترتيبه. يظهر ذلك بالاستقراء وتتبع مسائل الكتابين، والتوافق في ترتيب أكثر المسائل وتبويبها وطريقة العرض فيهما. ويمكن أن نقول إن الترابط بين الكتابين يشبه العلاقة بين «روضة الناظر» مع «المستصفى».
والدليل على أنه تلخيص للبرهان، ومستمدٌّ منه؛ ما أشار إليه الغزالي في خاتمته أنه قد لخصه من تعاليق الأصول لإمام الحرمين (^١). ويعني بـ: «التعاليق»
_________________
(١) انظر: المنخول (ص ٥٠٤).
[ ٢٧ ]
هنا: برهان الجويني. وفي ذلك يقول العلامة حسن العطار (ت ١٢٥٠ هـ) في حاشيته على شرح المحلي (^١): «… فإنَّ المنخول في الحقيقة تلخيص البرهان للإمام، كما يدل عليه تسميته بـ: المنخول من تعليق الأصول، وتصريح حُجَّةِ الإسلام في آخره بأنه لم يزد فيه على ما في تعليق الإمام، يعني البرهان» (^٢).
*ومنها: «البيان لشرح البرهان» لأبي عبد الله محمد بن المسلم بن محمد بن أبي بكر القرشي المخزومي الصقلي المازري، ساكن الإسكندرية (٥٣٠ هـ)، وهو من تلاميذ أبي بكر الطرطوشي (^٣).
ومنها: شرح الإمام المازري (ت ٥٣٦ هـ)، وهو «إيضاح المحصول من برهان الأصول»، ولم يتمه. وهذا الكتاب يعتبر من أوائل شروحه، وأصله كان إملاء على البرهان أثناء تدريسه للطلبة (^٤)، وقد نُشر ما عُثر عليه منه في مجلد، ولم يظهر لي استفادة ابن المنير منه في مختصره.
*ومنها: (النكت) لتقي الدين المقترح الشافعي (ت ٦١٢ هـ)، وهي
_________________
(١) (١/ ٢٦٨).
(٢) ولم يشر إلى هذه الجزئية محقق «المنخول» فضلا عن مناقشتها، وَجَعَلَ «المنخول» كتابًا مستقلا من كتب الغزالي المتقدمة. وفي ذلك تهوين من قيمة الكتاب الحقيقية، كما أنه هضم لِحَقِّ البرهان، لأن المنخول دائر في فلكه.
(٣) انظر: الغنية للقاضي عياض (ص ٨٨). وقد استفدت هذه المعلومة من حساب الأستاذ أبي بكر سعداوي في الفيسبوك.
(٤) انظر: إيضاح المحصول (ص ١٩١، ٢٥١). ذكر ابن السبكي في طبقاته الكبرى (٥/ ١٩٢) أن المازري عمل على البرهان «مشكلات»، وأنه كتاب آخر، غير الشرح السابق، لكن حقق د. عمار الطالبي أن الإملاء على البرهان، والمشكلات، وإيضاح المحصول من برهان الأصول، وشرح البرهان كلها أسماء لمسمى واحد. انظر مقدمته على إيضاح المحصول (ص ١٨).
[ ٢٨ ]
تعليقات وحواش على مواضع من البرهان (^١).
* ومنها: «مختصر البرهان» (^٢) لابن عطاء الله الإسكندراني (^٣).
* ومنها: «شرح مختصر البرهان» لابن عطاء الله (^٤).
* ومنها: «التحقيق والبيان في شرح البرهان» (^٥). للإمام أبي الحسن الأبياري (ت ٦١٨ هـ)، وهو يعتبر من الشروح المكتملة للبرهان مما وصل إلينا.
*ومنها: شرح أبي يحيى زكريا بن يحيى بن يوسف الشريف المغربي
_________________
(١) تسمى: النكت - أو التعليق - على البرهان، مخطوط. وذكر الدكتور علي الجزائري في مقدمته لشرح الأبياري أنه قد حققها، ولم ينشرها إلى الآن، وإن كان قد بث شيئا منها في حواشي تحقيقه.
(٢) نقل عنه الزركشي في موضعين من البحر المحيط (٤/ ٢٣٤)، (١/ ٢٩٩) وسماه بـ: «مختصر البرهان».
(٣) من المرجح عندي أن يكون المقصود به ابنُ عطاء الله الإسكندري الجَدُّ، وليس الحفيد، فالجد هو الفقيه الأصولي اللغوي أبو محمد رشيد الدين عبد الكريم بن عطاء الله السكندري المالكي (ت ٦١٢ هـ)، كان رفيقا لابن الحاجب، وتفقه على أبي الحسن الأبياري الأصولي الفقيه شارح «البرهان». انظر ترجم الجد في الديباج المذهب (٢/¬٤٣). أما حفيده أحمد بن محمد، المتوفى سنة ٧٠٩ هـ (الديباج المذهب ١/ ٢٤٢)، فلم يشتهر بالتأليف في العلوم الشرعية، بل غالب تصانيفه في الزهد والتصوف والمواعظ، فغَوْصُه في بحر «البرهان» بعيد عندي لما ذكرتُ، والله أعلم.
(٤) انظر: المعيار المعرب (٥/ ٣٩٦). هل هو الجد (ت ٦١٢ هـ) أم الحفيد (ت ٧٠٩ هـ): لا أستطيع أن أجزم بشيء، ولعله الأول. فعلى هذا يكون قد شرح البرهان، واختصره كابن المنير، والله أعلم.
(٥) صدر عن دار الضياء عام ١٤٣٢ هـ في أربعة أجلاد، بتحقيق د. علي بن عبد الرحمن الجزائري.
[ ٢٩ ]
(كان حيًّا سنة ٦٢٩ هـ)، وسماه «كفاية طالب علم البيان في شرح البرهان» (^١)، جمع فيه بين شرحي المازري والأبياري (^٢).
*ومنها: «شرح البرهان» لابن علاف (^٣)، وهو كذلك - حسب الزركشي - من المغاربة.
*ومنها: «شرح البرهان» لناصر الدين ابن المُنَيِّر الإسكندراني (ت ٦٨٣ هـ) (^٤).
ومنها: مختصر البرهان المسمّى بـ: «الكفيل بالوصول إلى ثمرات الأصول»، له أيضًا، وهو كتابنا هذا (^٥).
*ومنها: مختصر البرهان، المسمّى بـ: «ناظر العين في مختصر البرهان لإمام الحرمين»، لعتيق بن أحمد بن محمد الفراء الوادي آشي (ت ٦٩٦ هـ) (^٦).
فمن خلال هذه القائمة يتضح جليًا أن تصنيف ابن المنير مسبوق بعدد من الشروح والتعليقات، بل هو يعتبر من أواخر الكتب في منظومة الأعمال على البرهان، مما جعله يستفيد من بعضها، كشرح الأبياري على أقل تقدير؛
_________________
(١) مخطوط، توجد منه نسخة ناقصة بمكتبة القيروان بفاس برقم (١٣٩٧)، وأخرى بالخزانة الحمزاوية في المغرب برقم (٣٥)، كما توجد منه نسخة ثالثة بمكتبة بريل بهولندا برقم (٨٠٧). وقد حققه محمد عبد الإله الشعيري في جامعة عبد المالك السعدي بتطوان.
(٢) أفاده التاج السبكي في طبقاته (٥/ ١٩٢).
(٣) وهو من مصادر الزركشي في البحر المحيط، ولم أقف على ترجمة لابن علاف.
(٤) انظر ما تقدم في (ص ٢١).
(٥) انظر: (ص ٣٣ - ٣٥).
(٦) انظر: الذيل والتكملة (٣/ ٩٦)، درة الحجال (٣/ ١٨١).
[ ٣٠ ]
فقد استفاد ابن المنير منه في عدد من المواضع، وأشرنا إلى ذلك في الحواشي دون تتبع لجميعها.
ومن اللافت للنظر في القائمة السابقة أن أكثرهم مالكيون، ويرجع تاج الدين ابن السبكي ذلك إلى أمرين (^١):
أحدهما: عدم تقيد الجويني باختيارات أبي الحسن الأشعري، والمالكية يستصعبون مخالفة أبي الحسن، فكأنهم أقبلوا على كتاب الجويني دفاعا عن معتقد أبي الحسن الأشعري وآرائه.
والثاني: نيل الجويني من الإمام مالك في مواضع من «البرهان»، فأتباعه لم يتحملوا منه ذلك، وربما تحاملوا عليه.
وكلا الأمرين عند التأمل يرجع إلى طبيعة شخصية الجويني الفذّة أصوليا ومتكلّما، وطول باعه في العلوم العقلية والنقلية؛ وقد سلك في البرهان مسلك من بلغ الغاية في الاجتهاد والمرتبة العليا في العلوم، فهو يقرر ويرجح ويزيف حسب اجتهاده، وإن أدى ذلك في أحيان كثيرة إلى مخالفة الأئمة الكبار، كمالك والشافعي والأشعري والباقلاني وغيرهم. لكن من الأهمية بمكان أن نذكر هنا أن حضور الجويني في المغرب معروف ومشهور، لا سيما في علم الكلام، فليس محصورًا على البرهان؛ فإنَّ أكثر من عُني بـ: «إرشاد» الجويني، كانوا من المغاربة، كأبي الحجاج الضرير (ت ٥٢٠ هـ)، والمازري (ت ٥٣٦ هـ)، والسلالجي (٥٧٤ هـ)، وابن دِهاق (ت ٦١١ هـ)، وأبي يحيى الإدريسي (كان حيا عام ٦٢٩ هـ)، وابن دوناس الفاسي (ت ٦٣٩ هـ)،
_________________
(١) انظر: طبقات الشافعية الكبرى (٥/ ١٩٢ - ١٩٣).
[ ٣١ ]
وابن بزيزة التونسي (ت ٦٦٢ هـ)، وغيرهم (^١). وقد ذكر القاضي عياض (^٢) أنه قرأ على شيخه أبي الحجاج الضرير (ت ٥٢٠ هـ) السالف ذكره نظم الإرشاد له، كما أن مختصر الإرشاد (^٣) للسلالجي (ت ٥٧٤ هـ)، المسمى بـ: «العقيدة البرهانية» كانت هي العقيدة المعتمدة في المدارس، والجوامع، والمؤسسات التعليمية في بلاد المغرب، وأنَّ السلطة المعرفية فيها قد كانت لتلك العقيدة (^٤)، على الأقل قبل انتشار عقائد محمد بن يوسف السنوسي (ت ٨٩٥ هـ) (^٥).
_________________
(١) انظر: جامع الشروح والحواشي (١/ ١٤٩ - ١٥٤)، المصادر المغربية للعقيدة الأشعرية (٢، ٢٠٢، ٢١٦٠١، ١٩٩، ١٩٧، ١٩٤، ١٨٨، ١٦٦، ١٦٥، ١/ ١١٨).
(٢) انظر: الغنية (ص ٢٢٦).
(٣) أفاد ابن رشيد السبتي (ت ٧٢١ هـ) وابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) أنّ العقيدة البرهانية للسلالجي ما هي إلا اختصار الإرشاد الجويني. انظر: ملء العبية (٢/ ٢٢٦)، شرح الأصبهانية (ص ٤٧٥).
(٤) انظر: مدخل إلى تاريخ العلوم بالمغرب المسلم (٢/ ٣٨١)، المصادر المغربية للعقيدة الأشعرية (١/ ١٦٥).
(٥) علما بأن السنوسي لم يخالف في عقائده إرشاد الجويني.
[ ٣٢ ]