قد يتجه أصل مُنقاسٌ مِنْ وجه، تعبُّد من وجه - كالكتابة والنكاح والإجارة والقراض والمساقاة -، فالتحقيق (^٢) فيه: القياس على الجهة المنقاسة، والاقتصار في الجهة التَّعبديَّةِ.
مثالُ المَعْنَوِيَّةِ: اشتمال الكتابة على الإيجاب والقبول والعوض المعلوم.
ومثالُ التَّعَبدِيَّةِ: اشتمالها على مقابلة الملك بالملك.
وقد تتجه (^٣) المصلحة، ويمتنع القياس، كالمصالح الظاهرة في خواص الأصول، كخاصة (^٤) النكاح وغيره، فليس الامتناع لأن الأصل تعبد، ولكن لأن المصلحة خاصة، لا يُلفى لها نظير.
ورُبَّما تقاربت الخواص، فقاسَ الشَّافعي، كاعتباره المساقاة بالقراض مؤيَّدًا بحديثِ خَيْبَرَ (^٥)، ثُمَّ قال الشافعي: «وما أجمع على القراض - والله أعلم - إلا قياسًا على المساقاة؛ لأنَّه ليس في القراض نص، وإنَّما ابتدأه
_________________
(١) انظر: البرهان (٢/ ٥٨٩ - ٥٩٤)، المنخول (ص) (٣٨٧)، التحقيق والبيان (٣/ ٤٦٢).
(٢) «أ»: (والتحقيق).
(٣) «أ»: (يتجه).
(٤) «أ»: (لخاصة).
(٥) أخرجه مالك، رواية الزهري (٢٤٢٩)، والشافعي في المسند، ترتيب سنجر (١٤٨١) وغيرهما موقوفا.
[ ٢٤٢ ]
عُمَرُ ﵁، ولو كان فيه نَصٌّ لَنُقِلَ؛ لأنَّها قاعدةٌ.
قيل: فهذا قلبٌ للقياس (^١)؛ لأنَّ القراض إجماعي، فجعلته فرعًا، والمساقاة خلافية، فجعلتها (^٢) أصلًا!
والجواب عن الشافعي: أنَّه استفتح النَّظَرَ مُضربًا عن الخلاف والوفاق، وكلامه ههنا أمس بالأصول؛ لأنَّه أثبت أنَّ الإجماع لا ينعقد سُدًى، وأنَّ العادةَ تُوجِبُ نَقْلَ نَصِّ - لو قُدِّرَ - في القِراضِ.
والتحقيق: أنَّ الخواص لا تنقاس؛ لتناقض المصالح؛ كالتاقيت: فإنه يصحح (^٣) الإجارة؛ لأنه قاطع للخطر، ويُفْسِدُ النِّكَاحَ؛ لأنَّه مُنْغِص للمودة المقصودة منه.
ولذلك رجح الشَّافعي المعنى الملائم لخاصة قاعدته على المُعْتَضِدِ بالنظائر الأجنبية.
وقد لا يتجه في بعض الخواص استصلاح كُلِّي كالكتابة، وغايتها استحثاثُ السَّادةِ على العتق، والعبيد على الكسب؛ تعاونًا على الحرِّيَّةِ، وهذا كالمضمحل في جنب مقابلة الملك بالملك، بخلافِ خاصة النكاح؛ إذ لم تصادم أصلًا، فلو قاس أحد أصلا على الكتابة قياس الشافعي المساقاة على القراض، لم يتجه؛ إذْ معنى الكتابة معنى خَفِيٌّ أو شَبَه مصادمان للقواعد.
_________________
(١) «أ»: (القياس).
(٢) في الأصل: (فجعله). والمثبت من «أ».
(٣) «أ»: (مصحح).
[ ٢٤٣ ]
* مَسْأَلَةٌ (^١):
إزالةُ النَّجاسة معللة، فلم يتعين الماء فيها عند الحنفية.
والوضوء تعبدٌ؛ فتعيَّن له الماءُ. وقيل: مُعَلَّل، ومقصوده: النظافة، ولذلك خُص الأعضاء البارزة. والرَّأسُ لمَّا استتر - غالبا - بالعمامة، كفاه المسحُ، وؤيده إيماء: ﴿ليُطَهِّرَكُم﴾ (^٢).
واعترض: بأنَّه لا ينعكس؛ إذ لا نظافة في التَّيَمُّم، وما يخلو من ضدها (^٣).
وأُجِيبَ: بأنَّ التَّيَمُّمَ تَعَبُّد؛ أو لِعِلَّةٍ أُخرى، وهي (^٤) التَّدَرُّبُ على ألا تخلو الصَّلاةُ مِنْ وظيفة عند عدم الماء؛ ذريعة إلى ألا تقع بغير وضوء مع الماء.
واعترض أيضا: بأنه لا يطرد؛ فإنَّ المتوضّئ المتطلّي بالأوساخ لا يتوضَّأُ.
وأُجِيبَ: بأنها نادرة، وفي النفس عنها وازعٌ؛ فأغنى، بخلافِ الغَبَرَاتِ (^٥)
_________________
(١) انظر: البرهان (٢/ ٥٩٤ - ٥٩٩)، المنخول (ص ٣٨٨)، التحقيق والبيان (٣/ ٤٨١)، كشف الأسرار (٣/ ٣٤٣)، تيسير التحرير (٣/ ٣٠٠).
(٢) المائدة: ٦. فأومأت النصوص إلى أنَّ إيجاب الوضوء من النظافة. الأبياري.
(٣) فهو تغبير الوجه.
(٤) «أ»: (وهو).
(٥) الغَبَرَاتُ، جمعُ: الغَبْرَة، وهي لطخ الغبار. وأما الغُبَرَاتُ: فهي البقايا، جمع: غُبر، كراكع وركع. وجمع غبر: غابر. ينظر: تهذيب اللغة (٨/ ١٢٣)، غريب الحديث لأبي عبيد (٤/ ١٦٢)، اللسان (٣/¬٥). ومعنى العبارة: أنَّ في النفس وازعا عن الأوساخ الظاهرة، وأما الغبرات الخفية، فليس في النفوس عنها وازع، بل يتسامح فيها أهل المروءات؛ ولذا فقد أمر الشارع بغسلها، ولم يكل ذلك إلى الطبع.
[ ٢٤٤ ]
الخفية (^١).
ومثل ذلك:
* إيجاب الإجابة على المرأة للوطء؛ لا العكس، وإن كانا في مقصود التحصين (^٢) سواءً، لكن أغنى عن الإيجاب عليه باعثه على الوطء؛ ليعتاض عما يختص به مِنْ الكُلَفِ، ولا سيما إذا انحصر مطلبه في الحلال.
* وأيضا البيع شُرعَ للحاجة؛ فلو عكس، فباع المحتاج إليه بالمستغنى عنه: لصح، وأغنى الندورُ والوازع (^٣) عن المنع.
وَاعْتُرِض أيضًا: بالإجماع على اختصاص الوجوبِ بالحَدَثِ وليس مُلَطَّخا (^٤)، وعلى سقوط الوضوء بالملطخ.
وأجيب: بأنَّ التَّوقيتَ تَعَبُّد، والأصلُ معنوي، ثُمَّ قام الوضوءُ مَقَامَ الزَّاجرِ عن الحَدَثِ بغير حاجة؛ لفحشه حينئذ.
أما تعليل الحنفية إزالة النَّجاسةِ: فيُعترض باختصاصها بالصَّلاةِ.
* قالوا: المصلي مأمور بإكمال الزي؛ والطَّهارة منه.
_________________
(١) كذا في النسختين: (الخفية)، وهي من إضافة ابن المنير، ولعله استوحى ذلك من أصل معنى الكلمة؛ فإنَّ الغَبرة: لطخ الغبار، وهو القليل واليسير منه، ويسير الغبار خفي عن الأنظار، بخلاف الأوساخ الظاهرة. لكن لو قال ابن المنير: (الغبرات الخفيفة) بدل: (الخفية)، لكان كلامه أوضح، والله أعلم. وأما الجويني، فقد أطلق: (الغبرات).
(٢) «أ»: (التحصن).
(٣) «أ»: (الوازع).
(٤) أي: الحدث لا يلطخ أعضاء الوضوء.
[ ٢٤٥ ]
* قلنا: عينُ المذهب (^١)، فهلا تساوتِ الصلاةُ وغيرها في السقوط، كما تساويا في وجوب ستر العورة؟! فإذا تماثلتِ الطَّهارتان في التَّعَبدِ (^٢)، فهلا جاز الوضوء بماءِ الوَردِ؛ إذ تحصل به الوَضَاءَةُ، كما تحصل الإزالة؟!
***
* مَسْأَلَةٌ (^٣):
رُبَّ أَصل مَعنوي تَعَبُّدِيٌّ مِنْ وجهين، كالنُّصُبِ المزكَّاة (^٤) والمسروقة (^٥)، كثرتها معنوية، وتحديدها تَعَبُّد.
فإن قيل: فَرَّقَ الشَّرع فيها بين القليل والكثيرِ، وسوَّى في الخمرِ.
* قلنا: قليل الخمر داعٍ لكثيرها، وقِلَّةُ المالِ وازع عن سرقته، وكثرته باعث.
***
_________________
(١) والسؤال باق: فلم يجب التنقي؟ ن.
(٢) أي: وكانت إزالة النجاسة متحققةً حسا، كالخَل وغيره. ن. بتصرف.
(٣) انظر: البرهان (٢/ ٥٩٩ - ٦٠١)، المنخول (ص ٣٨٩)، التحقيق والبيان (٣/ ٤٩٥).
(٤) في الأصل يشبه أن تكون: (المتزكاة)، وفي (أ): (المزكيات). ولعل المثبت هو الصواب.
(٥) يعني نصاب السرقة.
[ ٢٤٦ ]
ثُمَّ أُصُولُ الشَّرِيعَةِ خَمْسَةٌ (^١)
الأوَّلُ: ضروري؛ كالقصاص، والبيع. أي: دَفَعَا (^٢) ضَرَرًا غالبًا.
الثاني: حَاجِيٌّ؛ كالإجارة. أي دفعت (^٣) حاجة الجنس؛ لتعدد اجتماع المملوكات لمالك واحدٍ، وضِنَّةِ (^٤) المُلاك بالعاريَّةِ.
ثُمَّ حاجة الجنس كضرورةِ الشَّخص.
الثالث: تكميلي؛ كالطَّهارة. أي وجبت وسيلةً لمكرمة النظافة التي لا تجب. ومعنى هذا الضرب تعبد.
الرابع: كالثَّالث، ومثاله الكتابة؛ لتحصل مكرمة الحرية (^٥)، وانحطت لمصادمتها قياسًا كُليًّا، وهو المالكية التي (تقتضي ألا) (^٦) يُقابل الملك بالملك (^٧). والطَّهارةُ إنَّما صادمت قياس الوسائلِ.
الخامس: التَّعَبُدُ؛ كالعبادات المحضةِ، ومقصودها الجُمْلي التَّدَرُّبُ على
_________________
(١) انظر: البرهان (٢/ ٦٠٢ - ٦١٨)، التحقيق والبيان (٣/ ٢١٣)، الموافقات (٢/¬١٢).
(٢) أي: البيع والقصاص.
(٣) أي: الإجارة.
(٤) كذا ضبطها في الأصل. وفي «أ»: (وضنَّة) بالرفع.
(٥) أي: أنَّ الغرض من الكتابة هو تحصيل العتق.
(٦) «أ»: (لا تقتضي إلا تقابل).
(٧) معاملة السيد عبده وكذا مقابلته ملكه بملكه خروج عن الأقيسة الكلية.
[ ٢٤٧ ]
الانقياد لأوامر الله، والعكوف على ذكره الذي ينهى عن الفحشاء والمنكر؛ فأما أعداد الركعات، فلنقطعِ الطَّمَع في تعليله.
* الضرب الأول: ينقاس منه جزء القاعدة بجزئها، وقاعدة بقاعدة، فالجزء بالجزء أعلى الأقيسة - بشرط الصحة ..
* وشرطه ألا يصادم قاعدته؛ فيَبْطل وإن كان جَلِيًّا، كاعتبار التماثل المصلحي المؤدّي لإسقاط القصاص الضروري عن الجماعة بالواحد، فهو باطل؛ لمصادمة قاعدةِ الزَّجرِ؛ إذ استعانةُ الظُّلَمَةِ يسير، فيتذرعون بالاشتراك إلى إهدارِ الدِّماءِ. والتَّماثل اعتُبر في الأموال المستهلكة؛ لأن مبناها على جبران (^١) الفائت، والقصاص مبني على شفاء الغليل.
أما قياس الاشتراك في الطَّرفِ على الاشتراك في النفس: فقوي؛ لملائمة القاعدة، فلو تميّز قطعُ كُلِّ منهما (^٢)، قطعنا منه مثل ما قَطَعَ، وأثرُ الاشتراك في إهدار الإبانة، وهي معصومة.
غير أنَّ الاشتراك لذلك (^٣) نادر، فلم يُخِلَّ بالقاعدة.
وقياس الكلي بالكلي: كالقصاص بالحد (^٤)، والعكس.
_________________
(١) «أ»: (جبر)
(٢) «أ»: (منها)
(٣) «أ»: (كذلك)
(٤) «أ»: (في الحد)
[ ٢٤٨ ]
خاتمة:
قد يلغي الشَّرعُ الضَّرورة لفحش الفعل؛ كالقتل والزنا، فلا يُباحانِ لضرورة الإكراه.
وقد يعتبرها محققةً في الآحاد (^١) - كأكل الميتة ـ؛ لقبحه (^٢).
وقد يعتبرها في الجملة (^٣)، كإجازة البيع؛ لأنَّ البيع بلا ضرورة غايته عبَثُ، وهو دون القُبح، والقُبْحُ دون الفحش.
***
* الضرب الثاني: ينقاس منه جزء القاعدة بجزئها، وفي قياس القاعدة بالقاعدة خلاف:
والأكثر المنع.
والمختار: الجواز.
* قالوا: الإجارة خرجت عن قياس مقابلة الموجود بالموجود، فلا
يُقاس عليها قاعدة.
* قلنا: المقابلة لذلك (^٤) مصلحيَّةٌ، والإجارة حاجية، والمصلحة لغو بالحاجة، والفرق أنَّ الحاجي يتعيَّنُ للذهن قبل الشرع، والمصلحي يتعارض.
_________________
(١) أي: بشرط تحقق الضرورة في الأحاد.
(٢) «أ»: (بقبحه).
(٣) أي: لا يشترط تحقق الضرورة في الأحاد، بل يكفي تصور وقوعها في الجنس.
(٤) «أ»: (بذلك).
[ ٢٤٩ ]
وقد يظهر المصلحي جملةً؛ كالمنع من بيع الغرر، فإنَّه لمصلحة صيانة الأموال.
ويعارضه أنَّ العاقل شرعًا بَذَلَ مالَهُ هِبَةً يقينًا، فكيف يمتنع (^١) بَذْلُهُ احتمالا؟! (^٢)
ويندفع بأنَّ الوازع يأبى البَذْلَ اليقيني حتَّى إِنَّ السُّفهاء لما فقدوا الوازع، طَرَدَ الشَّارِعُ (^٣) الحَجْرَ، والباعث يوجب بيع الغرر؛ لِشَرَةِ النَّفْسِ إِلى الرِّبْحِ المحتَمَلِ، فاحتيج إلى الحَجْرِ الشَّرعيّ.
وقد يغيب المصلحي جملةً وتفصيلا؛ كتحريم نوعي الربا.
وألحق الشَّافعيُّ بَيْعَي الأجل والخيار بالرخص؛ لمصادمتها قياس اللُّزوم، والانتفاع النَّاجِزَ مِنْ الجانبين، فرُخّص بالخيار؛ للتروي، وبالأجل؛ لتحصيل الثَّمَنِ.
والتحقيق: أنَّهما لم يصادِمَا ضروريًا، واللزوم مصلحي. نعم، لو قيل: لا يلزم البيع أبدًا: تحققت الضرورة.
وإطلاقه الرخصة إجراء للمعاملاتِ مجرى العبادات (^٤)، لاشتمالها على
_________________
(١) «أ»: (يمنع).
(٢) عبارة الأبياري ههنا أوضح، حيث قال: «قيل: لو كان الأمر كذلك، لما أجاز الشرع الهبة والبذل العري عن العوض. فإذا أمكن في الهبة - وهو إضاعة المال بالكلية ـ، فكيف يضايق في بيع الغرر لاحتمال الغيبة».
(٣) «أ»: (الشرع).
(٤) «أ»: (الصلاة).
[ ٢٥٠ ]
تَعَبُّدَاتٍ، واتباع الرضا أمس للضروري من المصلحي.
فَعَلَى هذا، لو دَرَسَتْ تفاصيل الشريعة: لوجب تصحيحُ كُلّ بيع اسْتَنَدَ إلى رِضا؛ لأنَّ وجوه الاستصلاح متعارضة، ولو لم يتبع الرّضا، لانحسم البيعُ، وَلَتَحَقَّقَتِ الضرورة.
***
* الضرب الثالث: لا يُقاس منه قاعدة بقاعدة؛ لأنه مصلحي، يلوح جملة، لا تفصيلا، كالطَّهارة، فالمصلحة تقتضي وجوبها لِمَكْرُمَةِ النَّظافة، وألا يعم الأوقاتِ؛ لعُسرِ الوفاء بها. وتخصيص وقت يُحصِّلُ المقصود بلا عُسرٍ يَسْتَأْثِرُ به الشَّرع؛ فلذلك أوجب الطهارة إيجابًا مُقَيَّدًا بالحَدَثِ مُعتضدًا بالجِبِلَّةِ. وإزالةُ النَّجاسةِ أظهر مقصودًا من الوضوء؛ فوجبت نيته، وسقطت نيتها.
فإذا، لا يُقاس في الأحداث؛ لأنها مواقيتُ غَيبيَّةُ (^١) المصلحة. قال القاضي: «لا إثباتًا ولا نفيا». فمن قاسَ لِيُثْبِتَ حَدَثًا: فقياس فاسد الوضع؛ ومَن أثبت عليَّةَ حَدَثٍ بظاهر، فتأوّله بقياس: ففاسد الوضع أيضًا.
وأما القياس الجزئي في هذا الضرب، فينحصر في الشَّبَهِ؛ لِتَعَذُّرِ المناسب. فقياس الملامسة بالخارج عَرِيٌّ عن المعنى والشَّبَهِ (^٢).
أما قياس الحنفية الخارجَ النَّجِسَ مِنْ غير السبيلين، بالخارج النَّجِسِ
_________________
(١) «أ»: (عينية).
(٢) «أ»: (والشبهة).
[ ٢٥١ ]
منهما، فالشَّبه فيه مُتفرِّدٌ (^١) بين الخارجين؛ والمَخْرَجَينِ (^٢)، لكنه مضمحل؛ إذِ النَّجاسة في الأصل والفرع لا تلائم (^٣) غَسْلَ غَيْرِ النَّجْسِ، فيؤول الأمرُ إلى التوقيت وهو غيب، (ثُمَّ الفرقُ) (^٤) ظاهر بين الرعاف؛ لندوره، وبين الحَدَثِ؛ لتكررهِ. نَعَمْ، بِحَقِّ رَدَّدَ الشَّافعي قوله إذا انْسَدَّ المسلك المعتاد، وانفتح غيره؛ لتكرره: حينئذ.
***
* الضربُ الرَّابع: (المُمَثَلُ بالكتابة) (^٥)، وقد آل البحث إلى معادلتها للطهارة: هذه وسيلة لمكرمة النظافة، وهذه وسيلةٌ لمكرمةِ الحُرِّيَّةِ.
والطَّهارة خرجت عن قياس الوسائل؛ إذ وجبت وسيلة لما لم يجب (^٦)، والكتابة خرجت عن قياس المالكية؛ لاشتمالها على مقابلة الملك بالملك.
نعم، هي عند الموجب للكتابة أحط من الطهارة؛ لخروجها (^٧) أيضًا عن قياس
_________________
(١) كذا استظهرتها في النسختين، ويحتمل أن تقرأ: (منفرد). لكن سياق الكلام في البرهان يقتضي أنها: (متقرّر). أي: الشبه بين الخارج والخارج، وبين المخرج والمخرج: نعم هو متقرر، لكنه يضمحل.
(٢) وغايتهم في ذلك تشبيه نجاسةٍ تنفصل من محل الخلاف بالنجاسة التي تنفصل عن أحد السبيلين؛ فإذا قرَّبوا الشَّبَه: اعتبروا الخارج بالخارج، والمخرج بالمخرج. ن. بتصرف يسير.
(٣) «أ»: (يلائم).
(٤) ليست في «أ».
(٥) «أ»: (الكتابة).
(٦) يشير إلى اعتراض معترض قال له: كما نقضت الكتابة قياس المعاوضات، فكذلك نقضت الطهارة قياس الأسباب والمسببات؛ إذا لا تجب وسيلة إلى مندوب بحال. والطهارة وسيلة إلى تحصيل النظافة المندوب إليها. الأبياري.
(٧) (أ): (بخروجها).
[ ٢٥٢ ]
الوسائل؛ إذْ هي واجبة، والعتق غير واجب، ويتأيد موجبها بظاهر: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ (^١)، ويُشكل على الشافعي؛ إِذْ جَعَلَهُ للنَّدب، وجعل: ﴿وَآتُوهُمْ﴾ (^٢) للإيجاب، لكنه لم يعتمد في إيجاب الإيتاء (^٣) الصيغة (^٤)، وإِنَّما عمدته اطرادُه مِنْ السَّلفِ، والتَّبَرُّعاتُ لا تطَّردُ.
لا يقال: كيف أوجب الإيتاء، وهو فرع الكتابة التي لا تجب.
لأنا نقول: قد يقع الجائز، فيستلزم (واجبا، وللشرع) (^٥) تَعَبُّد في الإيجاب.
فائدة: غَلَبَ على الكتابة قصدُ السَّيِّدِ لتحصيل الأكساب، وغلب على الطَّهارة قصد المتوضئ للثَّوابِ، فوجبت النية في الطهارة، لا الكتابة.
***
* مَسْأَلَةٌ (^٦):
أثبت الحنفية الملك بالبيع الفاسد كالصحيح (^٧)، قياسا على إفادة الكتابة الفاسدة للحرية كالصحيحة.
قال الشافعي: الكتابة مخالفة للقياس، فلا يُقاس عليها.
_________________
(١) النور: ٣٣.
(٢) النور: ٣٤.
(٣) في الأصل: (للإيتاء). والمثبت من «أ».
(٤) «أ»: (في الصيغة).
(٥) «أ»: (واجبا في الشرع).
(٦) انظر: البرهان (٢/ ٦١٨ - ٦٢٦)، التحقيق والبيان (٣/ ٥٧٦).
(٧) إذا اتصل به القبض. ن.
[ ٢٥٣ ]
أجابوا بأنَّا لم نَقِس عليها في الجهة التي خرجت منها عن القياس (^١)،
وقد تقدم مثله.
وتحقيق الرَّدِّ عليهم: أنَّ المناسب لا يقتضي مُشابهة الفاسد الصحيح (^٢)، بل مخالفته؛ فإِنْ قَنِعُوا بالشَّبَهِ، انتقض بالنكاح؛ فإنَّ فاسده مخالف لصحيحه لزوما وجوازا، بل البيع الفاسد نفسه من غيرِ قبض مخالف لصحيحه، والشَّبَهُ - لضعفه - أجدر أن يبطل بالنقض من المناسب.
* ومِن ثَمَّ قالوا: «ما اتسعتْ طُرُقُه، فالفاسِدُ أحد طرقه (^٣)»، تَسَلُّقًا على المُناسب، ولا يتّجه.
ثُمَّ ما زعموه من الجامع موجود (^٤)، …
_________________
(١) ولا تنحسم الأقيسة في التفاصيل مع إمكانها بخروج أصل الكتابة عن قياس المعاوضات. ن.
(٢) «أ»: (للصحيح).
(٣) وذلك أنهم قالوا: القياس المناسب يقتضي اتباع رضا العقلاء في أموالهم، وصحة تصرفهم في أملاكهم؛ غير أن الشريعة قد منعت من اتباع مطلق الرضا في بعض الأمور، كالنكاح وغيره، ووسعت طرق الأملاك. يشيرون بذلك إلى جواز انتقالها على حسب رضا مالكيها، ولذلك تثبت فيها الإجارة والعارية والقراض والهبة والصدقة والبيع والارتهان وغيره، فيشعر اتساع الطرق بعدم التعبد في طرق النقل، وإدارة الأمر على الرضا، وهو معنى مناسبته. هذا معنى قولهم: «ما اتسعت طرقه، فالفاسد أحد طرقه»؛ إذ لا تجتمع هذه الجهات المذكورة إلا في رضا الملاك بانتقال الأملاك. وهذا وجه من المناسبة ظاهر. الأبياري. وقوله: (طرقه)، في الأصل: (طرفيه). والتصويب من «أ»، و«البرهان».
(٤) كذا في النسختين، وهو مشكل، لمخالفته تقرير الجويني في البرهان، حيث يقول: «هذا الجمع لا ينتظم في مناظم المعاني … من جهة أن شرط المعنى: اتجاهه وانقداحه في الأصل، ثُمَّ إذا تقرر في الأصل معنى، واطرد في الفرع، فإذ ذاك يجمع الجامع بالمعنى، وليس معنا معنى فقيه …»، وقال أيضا: «المتمسك بالمعنى قد يعن له طرد المعنى ما لم=
[ ٢٥٤ ]
والمساواة مفقودةٌ، إذ المكاتب (^١) يتسلّط على أكسابه تَسَلُّطًا صحيحًا، بخلاف البيع الفاسد عندهم، وإن اتَّصل به القبض؛ وهذا نقض معنوي.
ثُمَّ الكتابة تعليق، ومِن ثَمَّ أثمرت الحُرِّيَّة عند وجود الصفة (وإن فسد) (^٢) العوض، لكن أثر فساده جوازها، ولولاه لَلَزِمَتْ. والتَّعليق أحد نوعي العتق، والعتق أنفذ التصرُّفات وأقواها؛ ولذلك يُتَمَّمُ مُبَعضُهُ، ويُؤَبَّدُ مُؤَقَّتُهُ، فَيَبْعُد أن تتأثر شائبة التعليق القَوِيَّةُ لزوما وصحة لشائبة المعاوضة الضعيفة فسادًا وجوازا (^٣)، فافتراقُ الأصول يُوهِي الشَّبَهَ.
على أن تعدد الأصول كافٍ في إبطال القياس في هذا الضرب، وكذلك قياس فرع من قاعدة فيه على آخَرَ مِنْ أخرى؛ لأن مصلحته مغيبة (^٤).
على أنَّ الشَّافعي لو كُفي احتجاجهم بالكتابة، لزمه أن يُجيب عن انتقاض الأصولِ بها؛ إما بأنها صحيحة في مقصودها ـــ وهو التعليق ـــ، أو بأنها مستثناة.
* الضرب الخامس؛ كالعبادات (^٥) البدنية، ومقصودها اللائح اعتياد
_________________
(١) = يمنعه مانع». فلعل صواب العبارة ـــ والله أعلم ـــ: (ومن ثَمَّ قالوا: ما اتسعتْ طُرُقُه، فالفاسِدُ أحد طرقه، تَسَلَّقًا على المُناسب. ولا يتجهُ ثَمَّ ما زعموه من الجامع موجودًا والمساواة مفقودة).
(٢) في الكتابة الفاسدة.
(٣) «أ»: (وينفسد).
(٤) يعني: أن التعليق لا يصح أن يفسد بالنظر إلى شوب المعاوضة في الكتابة؛ لضعف ذلك. الأبياري.
(٥) «أ»: (معينة).
(٦) «أ»: (العبادات).
[ ٢٥٥ ]
الإقبال على الأخرى، والإعراض عن الدُّنيا، وشُغُلُ النَّفس بالطَّاعات التي لولاها لصرفتها الطبيعةُ للشَّهوات، وهذا يظهر بإيماء: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ (^١).
فلا يقاس في هذا الضرب قاعدة بقاعدة، ويُقاس الجزء بالجزء والقاعدة واحدة.
ورُبَّما يلوح المعنى، كقولنا: «قُرْبةٌ، فتشترط (^٢) النية معها أو قبلها؛ قياسًا لصوم الأداء على صوم القضاء»، وتقريره: أَنَّ النَّيَّةَ عزم، فيتعلَّق (^٣) بالاستقبال؛ أو قصد، فيتعلق بالحالِ. فالنية شرط باتفاق، وقد بان أنَّها لا تتعلق بالماضي؛ فتعين التبييتُ.
فأَما التَّعَبُّد المحض، كتعيين التكبير (^٤) للتحريم، والتسليم للتحليل، واتحاد الركوع، وتعدادِ السُّجودِ، فالقياس فيه متعذرُ؛ فإنْ قاسَ أحدٌ على التكبير بجامع التمجيد: فقد أَبْعَدَ؛ إذ اشتراط التكبير عند التحريم غير معقول المعنى.
فإن قيل: معنى التكبير معقول.
* قلنا: لغةً، والكلام في التعليل.
_________________
(١) العنكبوت: ٤٥.
(٢) «أ»: (فيشترط).
(٣) مهملة في الأصل هنا وفي الموضع الآتي. وفي (أ): (تتعلق) في الموضعين. والمثبت هو الصواب.
(٤) «أ»: (التكبيرة).
[ ٢٥٦ ]
ثم رَدَّ الشَّافعي القياس على التكبير بالتزام السلف له، وفيه شعور بتعينه (^١)؛ وإلا كان كقول القائل: «الجُنُبُ لا يقرأ آل عمران».
* قالوا: تَعَيَّنَ (^٢) ندبًا، والقياس في الإجزاء.
* قلنا: بل وجوبًا؛ فإِنَّ النَّدبَ لا يطَّردُ.
وبالجملة؛ إن أنكروا قصد التخصيص: باهَتُوا؛ وإن أثبتوه وقاسوا: ناقضوا، ويلزمهم إلحاقُ عَمْدِ الحَدَثِ بالسَّلامِ بجامع المناقضة، وهو انخراق.
وتردَّد كلامُ الشَّافعي في إلحاق التكبير بالرُّكوعِ في التعيين: هل هو شَبَةٌ أو ضربُ مَثَلٍ.
***
_________________
(١) «أ»: (بتعيينه).
(٢) «أ»: (يعني).
[ ٢٥٧ ]