* اعتمدنا في إخراج هذا الكتاب على نسختين خطيتين:
الأولى: النسخة الأصل، وهي من مقتنيات المكتبة الوطنية التونسية، المحفوظة فيها تحت رقم (٢٤١٥٢)، عدد أوراقها ١٥٠، في كل صفحة ١٥ سطرا، وهي ناقصةٌ مِنْ آخرها (^١)، ولعل النقص يكون قدر عشرة أوراق، يزيد أو ينقص قليلا، لأنها تنتهي مع نهاية باب ترجيح الأقيسة، وتبقى بعدها مراتب قياس الشبه، والترجيح في الأقيسة وما تفرع عنه من المسائل، ومسائل النسخ، ومع نهاية كتاب النسخ ينتهي كتاب «البرهان» و«الكفيل» كما تقدم بيان ذلك.
وهذه النسخة مكتوبة بخط مشرقي، - عدا السماع - والخط واضح، صحيح الرسم، قليل الأخطاء، والناسخ يعتني بضبط الكلمات وتشكيلها، لا سيما في المواضع المشكلة. كثيرًا ما يرمز إلى الإهمال بوضع ما يشبه رأس حرف العين تحت الحرف المقصود، وذلك للتفريق بين العين والغين، والحاء والخاء والجيم والراء والزاي ونحو ذلك.
_________________
(١) وكذا في أثنائها ورقتان، ولا شك بأنها مما ضاعت مع الأيام، وإلا فالنسخة في أصلها كانت كاملةً؛ فقد جاء التنصيص على ذلك على غاشيتها.
[ ٤٤ ]
وفيها لَحَقٌّ وزيادات بقلم مغاير أضيفت أثناء المقابلة، ولعلها بخط غير الناسخ. وعامة التعديلات والتصحيحات والكشط والضرب حصلت أثناء المقابلة. ومن الأشياء التي لم أجد لها تفسيرا واضحا في هذه النسخة أن الناسخ كتب إحدى المسائل بصيغتين دون أن ينبه على شيء، ثم ضُرب على إحداهما بقلم مغاير مع التنبيه على أن المسألة مكررة (^١)، والغريب في هذا الأمر أن أصل المسألة وإن كان واحدًا إلا أنها كُتبت بصيغتين مختلفتين تماما، فمن المحتمل أن هذه النسخة قبل المقابلة إما أنها كانت مسودة للمصنف أو منقولة من مسودته، والله أعلم. وقد أثبتنا الصيغة المضروب عليها في الحاشية لعموم الفائدة.
وحالة النسخة جيدة بشكل عام، وقد أصابت أطرافها أرضة في مواضع، وخُرْمٌ في أخرى، لكنها في عامتها لم تؤثر في الكتابة، لكونها إما في الطرف أو بين الأسطر.
وقد اتخذنا هذه النسخة أصلا - على نقص في آخرها - لعدة اعتبارات:
١ - لأنها نسخة جليلة، فقد جاء في السماع الذي على غاشيتها - بخط مغربي - أنها قُرئت على مصنفها في خمسة مجالس، آخرها يوم الثُّلاثاء، الثاني والعشرين من شهر مُحَرَّم سنة ست وخمسين وستمائة (٦٥٦ هـ)، وذلك بمحضر جماعةٍ من الفقهاء والقضاة، وأسماؤهم مدونة في السماع. وقد استُدركت في الطرة تصحيحات وإضافات في عدد من المواضع.
٢ - أنها نسخة متقنة، فأخطاؤها قليلة، واعتنى الناسخ بتشكيل.
_________________
(١) انظر: (ص ١٢٩).
[ ٤٥ ]
الكلمات في المواضع الموهمة، مما يدل على أنه كان فاهما وضابطا لمسائل الكتاب، ولذلك أستظهر أن النسخة مكتوبة بخط أحد العلماء، فإما أن يكون هو المصنف نفسه أو غيره.
٣ - ومن مميزاتها أن على غاشيتها خطوطًا ومطالعات لبعض العلماء:
فقد جاء في أعلى الصفحة: «آخره خط الشيخ عز الدين بن عبد السلام …»، وهو من شيوخ ابن المُنَيّر، كما سبق. ولم نطلع على خطه في آخر النسخة لكونها ناقصة كما سبق التنبيه إلى ذلك.
وفيها أيضا: «طالع في هذا الكتاب إسماعيل بن علي بن حسن بن مُعَلَّى في سنة أربع وستين [وثمان مئة]، غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين، وصلى الله على [نبينا] محمد وآله وصحبه وسلم وحسبنا الله [ونعم الوكيل]».
قلت: وهو فقيه شافعي (ت ٨٨٠ هـ)، كان صديقًا للسخاوي (ت ٩٠٢ هـ)، وقد ترجم له في «الضوء اللامع (^١)». من تصانيفه الأصولية: «الليث العابس في صدمات المجالس» (^٢) في الحدود والتعريفات الأصولية.
* نص السماع وهو بخط مغربي خلافًا للخطوط الأخرى على الغاشية:
«سمع جميع هذا الكتاب المُبارك على مُصنّفه سيدنا وشيخنا وقدوتنا وبركتنا العالم الفقيه الإمام الحافظ الأكمل التقي الأورع الأعدل الزكي
_________________
(١) (٢/ ٣٠٢).
(٢) صدر عن دار المقتبس عام ١٤٣٥ هـ بتحقيق فاروق حاتم.
[ ٤٦ ]
الخطيب المصقع الأفض […]، العالم العامل الحبر العلامة الأوحد فخرِ الخُطباء، زين الحُكماء، فريد البلغاء، بقيَّةِ [السلف]، عمدة الخلف، نَاصِر الدين مفتي المسلمين، لسان المتكلمين، كهف الفقراء والمساكين، أبي العَبَّاس أحمد بن الشيخ الجليل المُكرَّمِ القَاضِي السَّيِّد المُحدِّثِ وجيه الدين ولي أمر […]، أَبِي المَعَالِي مُحمَّدٍ - وفقه الله توفيق أوليائه وأمتع المسلمين ببقائه - بمدرسته المعمورة بثغر الإسكندرية - حماه الله - في مجالس خمسة، آخرها يوم الثلاثاء، الثاني والعشرون من شهر محرم، سنة ست وخمسين وستمائة، جماعةٌ مِنْ الفقهاء - نفعهم الله بسماعهم وبأفهامهم.
ومنهم: الفقيه العَالِم المُبارك نَاصِر الدِّين أَبُو مُحمد عبد الله بن الفقيه [الأصولي] العلامة شمس الدين أَبِي الحَسَن علي الأبياري (^١)، والشيخ الفقيه الصَالِحُ أَبُو مُحَمَّدٍ عبد […] بن الشيخ الصالح المرحوم أبي عبد الله محمد الألشي (^٢) الأنصاري، والشَّيخُ الفاضل الوا […] أبو حفص عمر الشريشي، والفقيه العَالم القَاسِم الغماري، والفقيه أبو إسحاق المديوني، والفقيه الشريف رفيقه، والفقيه موسى الصنهاجي، والفقيه إبراهيم الوا […] المراكشي، والفقيه الصَّالِحُ سُليمان المراكشي، والفقيه أَبُو مُحمَّدٍ عبد السيد، والفقيه فخرُ
_________________
(١) هو الإمام ناصر الدين عبد الله بن الإمام العلامة علي بن إسماعيل بن حسن بن عطية الأبياري الإسكندري المالكي. ولد سنة ٦١٣ هـ. سمع من الصفراوي، وجعفر. ودرس وأفتى وتفنّن، وولي القضاء مدة ثُمَّ عُزل. أجاز للبرزالي. أرّخ الذهبي وفاته على وجه التقريب بين وفيات ٦٧١ - ٦٨٠ هـ، لكن يشكل على ذلك أنه قد ورد في المرتبة العليا في تفسير الرؤيا لابن راشد القفصي (ت ٧٣٦ هـ) (ص ٥٨ - ٥٩) ما يفيد أنه توفي بعيد وفاة ابن المنير. انظر ترجمته في: تاريخ الإسلام ٥٠/ ٣٨٤.
(٢) نسبة إلى ألش، مدينة بالأندلس. انظر: معجم البلدان (١/ ٢٤٥).
[ ٤٧ ]
الـ[ـدين]، وأخوه جلال الدين ولدًا الفقيه جمال الدين بن عبد السلام - رحم الله سلفهما -، والقاضي الفقيه ولد القاضي عِزّ القُضاة بن عطية، والفقيه الصَّالِحُ أَبُو الفضل عِيَادُ بن خليفة، والقاضي زين الدين يحيى […] القاضي الأجل الرشيد جمال الدين حُسَين بن عبد الرحمن، مُنشِئُ المدرسة المباركة المذكورة - تغمدهم [الله]- … ابن عصام وولداه، والقاضي زين الدين مُحَمَّدُ بن مُظَفّر، والقاضي السَّعيدُ أَبُو عبد الله مُحَمَّدُ بن المغربي […]، العالم كمال الدين بن […] وأخوه، والقاضي الفقيه العالم مُعين الدين بن رحال، والقاضي الفقيهُ […] الدين عبد الخالق بن […] الشَّا [في]، والقاضي زين الدين يُوسف، [… .]، صهر الشيخ الفقيه […] القاسم الكبَّاري (^١)، وجماعة سوى من ذكرتهم كثيرة، فمنهم من كمل سماعه، ومنهم من سمع بعضه، وأجاز لمن فاته.
القاضي الفقيه العالم المُحدّث المجد […] العاجل [… … … ..].
* الكتابات التي على غاشية نسخة تونس:
ففي أعلى الصفحة - يشبه خط الناسخ:
«آخره خط الشيخ عز الدين بن عبد السلام».
وتحتها بخط مُغاير:
«طالع في هذا الكتاب إسماعيل بن علي بن حسن بن مُعَلّى في سنة
_________________
(١) الكُبَّاري، أو الكُبَّاري، بالتشديد. وأبو القاسم الكُبَّاري هو الذي أفرد ترجمته ابن المنير في كراريس، وقد سبق. أما صهره هذا، فلم أجد له ترجمة.
[ ٤٨ ]
أربع وستين [وثمان مئة]، غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين، وصلى الله على [نبينا] محمد وآله وصحبه وسلم وحسبنا الله [ونعم الوكيل].
وتحتها بخط ثالث:
«الكفيل بالوصول إلى ثمرة الأصول، تأليـ[ف] الشيخ المحقق العلامة ناصر الدين أحمد بن محمد المالكي الشهير بابن المُنَيِّر […]»
وعلى الجهة اليسرى منها كتابة بخط مغاير:
[…] بن محمد الشافعي […]، ثم صار لأحمد بن البدر الشافعي، ثم لابن الخضر […]
وعلى يمين الصفحة كتابة، امحَى جُلُّها، ومما بقي فيها:
[… ..] بن أحمد [… ..] عفا الله عنهما [… ..]، وهو كتاب نافع جدًّا [… ..]
*النّسخَةُ الثانية: أصلُها من محفوظات مكتبة الإسكوريال في عاصمة إسبانيا، وهو يقع فيها ضمن مجموع، تحت رقم (٦٧٦)، وعدد أوراق هذا المجموع: ١٠٩ ورقة، ويحوي على كتابين:
*الأول: «المنهج المبين في مباحث الأربعين»، وهو تعليقات على أوائل الأربعين في أصول الدين لفخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)، ومؤلفه أحد تلاميذ تقي الدين المقترح، وقد صنفه في حياته، كما صرح بذلك في
[ ٤٩ ]
المقدمة، فمن المحتمل أن يكون أبو يحيى زكريا بن يحيى بن يوسف الشريف المغربي، فإن له شرحًا على الأربعين (^١)، والله أعلم.
وفي آخره تملك، ونصه: «ملك لعبد الله زيدان (^٢)، عامله الله بجميل لطفه». وقد شغل هذا الكتاب من المخطوط ٤٢ ورقة (١ - ٤٢).
*الثاني: «مختصر البرهان»، وسيأتي وصفه.
يظهر على المجموع بعض آثار الرطوبة، وفي أوله تملك، ونصه: «من كتب عبد الله تعالى […] زيدان بن أمير المؤمنين، خار الله له». كما أن في أول المجموع وكذا في آخره فوائد منقولةً من بطون الكتب بخطوط مختلفة.
وكتابنا في هذا المجموع شغل منه ٦٧ ورقة، أي مع بداية ورقة ٤٣ إلى نهاية المجموع.
وهذه النسخة تامة، مكتوبة بخط مغربي، لكن تغير الناسخ أثناء الكتاب، فمن بداية «مختصر البرهان» إلى الورقة العاشرة مكتوبة بخط متقن، وبعدها رجع الناسخ الأول الذي كتب «المنهج المبين في مباحث الأربعين»، واستمر إلى نهاية «مختصر البرهان».
والنسخة مقابلة ومصححة، بدليل البلاغ في آخر النسخة، وكذا الدارات المنقوطة في مواضع عديدة، كما أن الناسخ قد استدرك عددا من
_________________
(١) انظر: أبكار الأفكار العلوية (ص ١٠٤).
(٢) هو زيدان بن أحمد بن منصور، من حكام الأشراف السعديين بمراكش، وكان عالما بالفقه والأدب، له نظم، وله كتاب في تفسير القرآن. توفي سنة ١٠٣٧ هـ. انظر: الأعلام (٣/ ٦٢).
[ ٥٠ ]
السقط في الطرة مع الإشارة إلى موضعه والتصحيح عليه.
وخط الناسخ الأول جيد وواضح، وله عناية بالضبط والإعجام، بخلاف الثاني، وتصعب جدا قراءته في مواضع، لا سيما في أواخر الكتاب.
رسم الآيات موافق القراءة ورش عن نافع على عادة الأندلسيين وأهل المغرب الإسلامي.
وفي الطرة تعليقات توضيحية بخط مغربي مغاير لخط الناسخ، كقوله: «قف على الفروق بين الاعتقاد الصحيح والعلم»، وقوله: «قف على المختار في حد الواجب» ونحو ذلك، وقد أهملنا تلك التعليقات، إلا ما كان فيها فائدة مرجوة للقارئ.
وهذه النسخة دون النسخة التونسية التي اتخذناها أصلا، لا سيما في الربع الأخير، فقد تغيرت فيه جودة الخط، وكثرت الأخطاء والسقط والتحريفات، وهذا الأمر راجع عندي إلى أمرين: أحدهما العجلة في الكتابة، والثاني: سوء الأصل المنقول منه، وهذا يتضح من تعليقات الناسخ في الطرة، وقد حاولنا إصلاح تلك التحريفات والسقط حسب الإمكان في المواضع التي انفردت النسخة عن الأصل، وذلك في أواخر الكتاب.
[ ٥١ ]