قد ذكرنا فيما مضى أنَّ ابنَ المُنَيّرِ قد شرح البرهان في تصنيف، واختصره في هذا الكتاب الذي نحن بصدد تحقيقه؛ فأما شرحه على البرهان، فهو لم يصل إلينا، ولا نملك عنه إلا معلومات ضئيلة؛ لكن من خلال نقول الزركشي عنه في عشرات المواضع يظهر أنه شرح مبسوط، يذكر فيه المذاهب والأقوال، ويناقش فيه إمام الحرمين، ويعتني بإيراد الاعتراضات، وله فيه ترجيحات واختيارات، خلافًا لصنيعه في هذا المختصر؛ فإنه قد سلك فيه - في الجملة - مسلكا آخر يلائم طبيعة المختصرات؛ وإن كان قد يعترض على الجويني، وربما يخالفه - من غير تصريح - في عدد من المسائل الجزئية، وقد أشرنا إلى شيء منها في مواضعها؛ وأما تتبع ذلك فهو مما يعسر؛ لكونه يعتمد على المقارنة الدقيقة بين الكتابين، ولعل الله ييسر من يقوم بذلك.
كان الهدف الأساسي لابن المنير في هذا الكتاب هو بيان معاني البرهان بعبارات موجزة. وقد أشار إلى ذلك في طليعة مقدمته قائلا: «فهذا الكتاب، والبرهان فرسا رهان، كلاهما خيَّم في بحبوحة الفصاحة وطنب، فهذا أوجز، وذاك أطنب …». إذا؛ فالهدف - في الأصل - تقريب البرهان وتسهيل معانيه.
إلَّا أنَّ المختصر نفسه في مواضع بحاجة إلى شرح وتوضيح؛ لوجازة عبارته. ففي مواضع ليست قليلة، لا يظهر مقصوده إلا بعد التأمل وإدامة
[ ٣٦ ]
النظر في كلامه أو الرجوع إلى أصله، وقد عانينا من هذا الأمر أثناء تحقيق الكتاب وضبطه كثيرًا، وهو ما جعلنا نلجأ إلى أن نُحلّيه بتعليقات موجزة لتكميل الفائدة. وفي المقابل في مواضع كثيرة من البرهان لا يتضح مقصود الجويني فيها إلا بعد الرجوع إلى مختصر ابن المنير؛ لكن الفرق بين الأمرين أنَّ التعقيد أو الاضطراب أو القلق في البرهان راجع: إما إلى طبيعة تعبير الجويني من جهة علو عبارته ومصطلحاته الخاصة به؛ أو إلى الأخطاء المطبعية؛ أو غير ذلك، بينما عدم الوضوح في عبارة ابن المنير سببه الإيجاز والاختصار (^١)، وهذا ليس عيبًا في الكتاب؛ لأنه طبيعة المختصرات.
فالحاصل أنه من الكتب العالية مبنى - لكون ابن المنير من أئمة اللغة والأدب -، ومعنى - تبعًا لأصله البرهان -، فهو لا يناسب المبتدئين في فنّ الأصول، لكن لا غنى عنه للباحثين وأهل العلم المشتغلين بهذا العلم الشريف، لا سيما المعتنين ببرهان الجويني.
أما سبب تصنيفه للكتاب، فقد أشار في المقدمة بعد الكلام السابق أنه كان بطلب أحدهم منه؛ وهل كان الطالب أحد شيوخه أو من تلاميذه؟ والله أعلم بذلك.
كان ابن المُنيّر ماهرًا في فنّ الاختصار، وقد تقدم في سرد مؤلفاته أنَّ له في ذلك كتابين؛ هما: مختصر التهذيب في الفقه، ومختصر البرهان، وهو
_________________
(١) في الجملة؛ لكن قول المصنف: «كلاهما خيَّم في بحبوحة الفصاحة وطنب» يشير إلى غرض من أغراض هذا التصنيف، وهو تحريه الفصاحة والبلاغة مع الاختصار، فيظهر أن عدم الوضوح في مواضع سببه تكلّف تعابير وتراكيب على حساب التقريب والتسهيل، والله أعلم.
[ ٣٧ ]
كتابنا هذا. فأما الأول؛ فلم نطلع عليه لكونه لم يصل إلينا، فهو في حكم المفقود، لكن علمنا بشهادة الفقيه ابن فرحون أنه قد أجاد في تهذيبه واختصاره؛ وأما تلخيصه للبرهان - وهو كتابنا هذا ـ؛ فقد حوى في طياته عدة مميزات مما يجعله من المصنفات الأصولية الهامة.
فمنها: صغر حجمه بالمقارنة مع البرهان، مع الحفاظ على عامة مسائل الكتاب، دون إغفال الأقوال، والمذاهب الأصولية، واختيارات الجويني؛ فجاء حجمه قدر السُّدس من أصله أو نحوًا من ذلك. ثُمَّ إنه ليس من المختصرات التي تحفظ لك المسائل الكبرى وتحذف الفضول فحسب، بل تكمن أهميته أيضًا في كونه قد أعاد صياغة البرهان من أوله إلى آخره، وعبر عن كلام الجويني بعبارات دقيقة تفتح إغلاق كلامه أو تجمع شتاته، فبهذا يكون قد هذبه وشرحه شرحا موجزا في نفس الوقت.
وأما تميز الجانب اللغوي فيه؛ فهذا ظاهر جدا؛ فإنَّ عباراته فيه دقيقة ومحررة، ولغته عالية، وقد ساعده على ذلك كله طول باعه وإمامته في اللغة والأدب.
ومن خصائص هذا الكتاب ومميزاته أنَّ المصنف لم يخرج فيه عن مسائل البرهان، - أعني المسائل الكبرى، ولا اختيارات الجويني، حتّى في المسائل التي نحن نجزم بأنه يخالف الجويني فيها ديانةً، كحجية عمل أهل المدينة، وتفضيل الإمام مالك على الإمام الشافعي، مما يدل على أنَّ غايته من ورائه هو خدمة البرهان، وإبراز الكتاب طبقا للأصل، وليس التَّعقب أو إبداء رأيه المخالف. وهذا في الجملة؛ وإلا فقد سبق التنبيه إلى أنه قد
[ ٣٨ ]
يخالفه في تفاصيل وقيود بعض المسائل.
ومن خلال مصاحبتي لهذا الكتاب تبين لي دقة ابن المنير وأمانته في اختصاره، وخير مثال على ذلك ما جاء في مسألة علم الله التي تُعرف بمسألة الاسترسال، وهي مسألة عقدية، وموقف المالكية من الجويني فيها معلوم، ومع ذلك فقد لخص كلام الجويني ثُمَّ أعقبه بقوله: «قلتُ: حاكي الضلالة ليس بضال، نعوذ بالله من ذلك». وهذا الموضع الوحيد الذي يعقب عليه بعبارة فيها شيء من القسوة.
ولعل من المناسب أن نذكر في هذا المقام بعض الفروق بين الأول وكتابنا هذا، وذلك لأنه لم يصل إلينا من مختصرات البرهان إلا هذين؛ فمن أهم تلك الفروق:
* أولا: أنَّ «المنخول» أسهل وأوضح من «الكفيل»، فقد تميز الأول بأسلوبه الميسر ولغته السَّلِسَة؛ وأَمَّا مختصر ابن المنير، فهو أكثر تعقيدا وعباراته أكثر دقةً، وذلك لأنَّ عملية الاختصار أصبحت صنعةً في عهده، وربما قد تأثر في ذلك بشيخه العلامة ابن الحاجب.
* ثانيًا: أن الكتابين يختلفان من حيث الحجم؛ وذلك أنَّ حجم كتابنا هذا قدر النصف من المنخول أو أقل من ذلك.
* ثالثا: أنَّ مختصر ابن المنيّر تميز بكونه مختصرًا دقيقًا للبرهان، بخلاف المنخول.
[ ٣٩ ]
هذا، وقد استفتح ابن المُنَيّر كتابه بمقدمة قصيرة، أشار فيها إلى سبب التأليف، وأثنى على المختصر والأصل، كما أنه أثنى على الإمام الجويني، ثم شرع بعد ذلك مباشرةً في عرض المسائل. وانتهى الكتاب بانتهاء مسائل النسخ، وهو تمام كتاب البرهان بنص الجويني في الخاتمة، أما كتاب الاجتهاد والفتوى في مطبوعة البرهان، فهو كتاب مستقل، وليس جزءًا منه، ولذلك نجد أن الأبياري لم يتناوله أيضًا.
قدم ابن المنير بمقدمة، فتحدث أولًا عن حقيقة أصول الفقه ومواده، ثم عقد فصلا لبيان معنى «الحكم»، وتناول بعدها مسألة التحسين والتقبيح وبعض فروعها، ثم تحدث عن التكليف في عدة مسائل، ثم عن العلم وحده، ومدارك العلوم ومراتبها، ومراتب العلوم الدينية، وتناول «البيان» وبعض مسائله، وذكر القول في اللغات، وفروعًا لغوية كثيرة، وقد شغلت هذه المقدمات قدر العُشر من حجم الكتاب.
ثُمَّ بعد ذلك شرع في الكتاب الأول، وهو «كتاب الأوامر»، وذكر تحته فصولًا ومسائل، وانتقل بعد ذلك إلى الكتاب الثاني، وهلم جرا إلى آخر الكتاب.
وقد قسم المختصر إلى تسعة كتب:
١ - كتاب الأوامر
٢ - كتاب النواهي
٣ - كتاب العموم
٤ - كتاب التأويل
[ ٤٠ ]
٥ - كتاب الأخبار
٦ - كتاب الإجماع
٧ - كتاب القياس
٨ - كتاب الترجيح
٩ - كتاب النسخ
- لم يعتن بوضع عناوين للمسائل إلا قليلا، كما في: «القول في اللغات»، و«مسألة في صيغة الأمر»، و«القول في الصيغة المقيدة»، و«مسألة في حمل المطلق على المقيد»، و«مسألة في الفرق بين النسخ والتخصيص»، و«مسألة في الزيادة على النص». والأصل أنه يصدر كلامه بقوله: «فصل»، أو: «مسألة»، أو «مسألة على التنزل»، ثم يشرع في الموضوع.
- جعل تحت الأبواب فصولًا، وتحت الفصول مسائل، وتحت بعض المسائل فروعًا، يعنون لها بقوله: «فرع مرتب» ويعني بذلك كونه مبنيًا على مسألة سابقة.
- يختلف حجم المسائل باختلاف حجمها في البرهان؛ فبعض المسائل لا تعدو سطرًا أو سطرين، وبعضها قد تتجاوز الصفحة والصفحتين.
- يعتني بذكر تعريفات للمصطلحات؛ والأصل في ذلك أن التعريف المختار هو المذكور أولًا، وما عداها يُعرف ضعفها بتصديره إياها بصيغة التمريض.
[ ٤١ ]
- القول المختار والمرجح؛ إما أن يذكره في صدر المسألة، وإما بعد حكاية الأقوال والرد عليها.
- أما الأقوال والخلافات في المسألة، فتارة يسردها كُلَّها، ثُمَّ يعقب عليها واحدًا واحدا، وتارة يحكي القول ويناقشه، ثُمَّ ينتقل إلى قول آخر، وهلم جرا.
- اعتنى بترتيب كلام الجويني، وجمع شتاته في موضع واحد.
- الكتاب تابع للبرهان في ترتيب المسائل؛ إلَّا أنَّ ابن المنير قد يجمع المسألتين أو الثلاث تحت عنوان واحد.
- يكتفي بمحل الشاهد من الآية أو الحديث.
- المراد في كلامه بـ: «الشيخ»: أبو الحسن الأشعري (ت ٣٣٦ هـ)، وبـ: «القاضي»: أبو بكر ابن الطيب الباقلاني (ت ٤٠٣ هـ)، وبـ: «الأستاذ»: أبو إسحاق الإسفراييني (ت ٤١٨ هـ)، وبـ: «الإمام»: الجويني.
- يشير إلى ترجيحات الجويني واختياراته بقوله: «والمختار»، «والحق» ونحو ذلك من العبارات. وإذا عبّر عنها بقوله: واختار الإمام كذا أو «مختار الإمام كذا»، أشعر بأنه مخالف له في تلك المسألة.
- يفرق بين «التحقيق» - معرَّفًا -، و«تحقيق» - منكرا ـ؛ فالأول مرادف للقول المختار، والثاني شد انتباه إلى أهمية المسألة.
- أما مصدره في هذا الكتاب فهو البرهان بطبيعة الحال، وقد اعتمد
[ ٤٢ ]
عليه كليًا، لكن يظهر أنه كان يستعين ببعض المصادر المساعدة؛ فقد ثبت لدينا استفادته من شرح الأبياري، ونخمّن أنَّ من موارده كذلك غير شرح الأبياري، وذلك لأنه في مواضع قليلة لم نجد في البرهان، ولا في شرح الأبياري ما يوازي كلامه في المختصر؛ فإما أن يكون ذلك منه أو من مصدر آخر، والله أعلم.
[ ٤٣ ]